جمال العربية.. السياب وقصيدته الباذخة «بورسعيد»
جمال العربية.. السياب وقصيدته الباذخة «بورسعيد»
كنت في الكويت حين وصل بدر شاكر السياب وهو في آخر مراحل دائه العضال الذي تنقَّل بسببه بين بيروت وبغداد وباريس ولندن ودَرمْ دون جدوى، وأخيرًا كانت الكويت ملاذه الأخير، واستقبله المستشفى الأميري في مستهل صيف عام 1964، بعد أن استقبلناه في المطار: علي السبتي وناجي علوش وأنا، مصابًا بشلل تامٍّ في أطرافه السفلى، وضمور شديد في جميع عضلات الجسم، وفقدان السيطرة على جسده، وقُرح جلدية عميقة في ظهره ومنطقة الورك. عانى السياب في آخر أيامه اضطرابات نفسية حادة، وحين حاولوا استخدام العلاج الطبيعي معه، سبب له سوء حظه كسرًا في عظم الفخذ، لشدة ضعف العظم والعضلات، وكانت وفاته في الرابع والعشرين من العام نفسه، مصابًا بذات الرئة الشعبي الحاد، كما يقول تقرير المستشفى. وأتيح لي، ولعدد من أصدقاء بدر، زيارات حميمة له طيلة الشهور الثلاثة الأولى من إقامته في المستشفى، نزوره نهارًا، ونعوده ليلاً، ونجد معه في الصباح قصائد جديدة، كأنه يواجه بها شبح الموت، الذي يحسُّه قريبًا منه، بينما تمتلئ لياليه بالوساوس والهواجس، ورؤى الجن والأشباح. وبالرغم من تدفق إبداعه الشعري، كنا نُحسّ بأنه يذوى، وأن النهاية قادمة. مازلت أذكر حواراتنا خلال هذه الشهور الثلاثة في ختام إقامتي بالكويت التي استمرت عامًا، حيث عملت في إذاعة الكويت، رئيسًا لقسم المذيعين ورئيسًا للقسم الأدبي؛ معارًا من إذاعة القاهرة. كان لايتوقَّف عن الإشارة إلى اهتمامه بالشعراء الإنجليز الذين أحبَّهم واصطفاهم: شيكسبير وبايرون ووردزورث وشلي وكيتس. وكان كيتس أحبهم إلى قلبه شاعرًا وإنسانًا. ومن أجلهم كان تخصصه في اللغة الإنجليزية، وتعمقه في آدابها، وعمله معلمًا للإنجليزية في مستهل حياته العملية. كنت أحدثه عن رائعته «أنشودة المطر» التي حرصت على تسجيلها لتذاع من إذاعة الكويت، فيأخذني هو بعينيه الحالمتين بعيدًا ليحدثني عن قصيدته «بورسعيد» وكيف أنه سكب في مقاطعها روحه الشعرية العارمة، عندما هزَّه وهزَّ العراقيين جميعًا - العدوان الثلاثي على بورسعيد. وأنه استرسل في إبداعها، مؤملاً أن تكون ديوانًا كاملاً ، يضمّ ملحمة متفردة. فالعدوان على بورسعيد عدوان على كل مدينة عربية، والتآمر ضد شعب عربي هو تآمر على كل الشعوب العربية، والكفاح الصامد في معركة مع المستعمرين هو كفاح لكل الوطن العربي ضد أعدائه وغزاته ومستعمريه. وكان هيكله الهشّ يهتزُّ بشدة، وانفعاله يبلغ أقصاه، حين يأخذ في ترديد بضعة أبيات من مقطعها الأول الذي صنع له بنْية كلاسيكية فخمة، تذكّرنا بإبداع ما في تراث القصيدة العمودية عند شعرائها الكبار. لغة شديدة الأسْر والإحكام، وتدفق شعري وإيقاعي عارم، وقافية تنصبُّ انصبابًا في ختام الأبيات، واحتشاد روحي يجيش في ثناياها ويفجّر كيمياءها، حين يقول: يا حاصد النار من أشلاء قتلانا ثم يفسح هذا المعمار الشعري الباذخ مجالاً لمقطع جديد، يصوغه السياب في الإطار الشعري الذي أصبح عنوانًا عليه هو ورفاقه من رواد قصيدة الشعر الجديد أو الشعر الحرّ أو شعر التفعيلة. لكنّ الشموخ الذي تنطق به المقاطع العمودية في قصيدة السياب، هو الشموخ نفسه الذي يقوم عليه هذا المقطع الجديد. وهذا هو سرّ عبقرية السياب التي انسكبت في قصائده من الشعر الجديد حاملةً كل خصائص القوة والإحكام التي حملها شعره العمودي. فيما كانت هشاشة اللغة والتركيب والبنية الشعرية تجد مرتعها في كثير من قصائد غيره من الرواد. ويعود الإيقاع المجلجل، والمعمار الباذخ، والبناءُ العموديُّ ثانية، ليأخذ مكانه في اللوحة الشعرية التي خلّدت معركة بورسعيد، وجَعلتْها شاخصة تضجُّ بالحياة في كل صورها وعناصرها: أصواتًا وألوانًا وطيوفًا وشخوصًا وأسلحةً وعتادًا وسماواتٍ وأرضًا وأرواحًا وأجسادًا. والرسام المصوِّر العبقري: السياب يضرب بألوان فرشته وأصباغ ريشته في قوة واقتدار، فالمجد الباذخ يلزمه شعر باذخ، والكفاح المستبسل تلزمه ألوان جريئة صادمة، والتحدي الشعري المتمثِّل في الشكلين العموديّ والتفعيلي يصنع جديلةً شعرية لا نُحسُّ معها بأن ثمة تغيرًا في الإحساس أو عقبة في التلقي. فقد وُظِّفت الصيغتان، بطريقة فذَّة مدهشة، لتحدثا روعة التكامل، وروعة البناء الواحد، وروعة التأثير الكلِّيِّ العارم. يقول السياب: هاويكِ أعلى من الطاغوتِ فانتصبي *** مازال في سمعي صوت السيّاب، وجسده النَّحيلُ الضئيل يهتزُّ ، وهو يردد أبياتًا من المقطع الأول في هذه القصيدة. ظننته في البداية يُجاملني بقصيدة عن نضال أهلي في بورسعيد. ثم أدركتُ من حماسة البالغ للقصيدة وبنائها التركيبي - العمودي التفعيلي - وصياغتها القوية المحكمة، أنه يدرك قيمتها بين سائر قصائده، نموذجًا فريدًا لشعر الصمود والمقاومة والكفاح، حتى عندما اقترب إيقاع القصيدة وقافيتها في أحد مقاطعها - من قصيدة أبي تمام الشهيرة في عمورية - وأبو تمام هو شاعره المفضَّل بين شعراء التراث الشعري فإن هوية السياب الشعرية لم تفارقه، ونَفَسه الشعري لم يتخلَّ عنه، وروحه الجبارة العارمة لم تغب عن كلماته.
|