البيت العربي بين الإفراط والترشيد أمينة شفيق

لأسباب عديدة غزت التقنيات الحديثة البيت العربي. وامتد غزوها فلم يقتصر على بيئة عربية دون غيرها. وانتشرت في كل أنحاء البيت العربي ابتداء من المطبخ وحتى غرفة المعيشة. كان لذلك الغزو إيجابيات، وكانت له أيضاً سلبيات. والأمر لا يتوقف على التقنية في ذاتها.. بل يرتبط بالكيفية التي نوظف بها تلك التقنيات.

خلال عقود ثلاثة، غزت التقنية الحديثة البيت العربي.

خلال العقد الأول من هذه الفترة، غزت التقنية الحديثة البيت العربي بحياء، واحدة تلو الأخرى وعلى فترات. ثم خلال العقدين الثاني والثالث من تلك الفترة، تلاحق الغزو بوتائر سريعة وبلا رحمة.

ولم تترك التقنية الحديث مكانا في البيت العربي إلا وغزته بشدة، بدءا من مكان الطبخ إلى الغرفة التي تجتمع فيها الأسرة إلى كل غرفة نوم.

يمكن أن نقول إن تطورا سريعا لحق بالبيت العربي ونقله من وضع إلى آخر ومن مستوى إلى مستوى. لازمت الغزوات هذه، مراحل تدفق السيولة الناتجة من النفط وارتفاع أسعاره. فلا شك أن هذا الوضع المالي انعكس على المستوى الاقتصادي للأسرة العربية بشكل عام وجعلها تلاحق سرعة التقدم والتدفق التقني في السوق الاستهلاكية. مع توافر السيولة لدى الأسرة العربية، تغير نمط استهلاكها، كما انعكس ذلك على قبالها على شراء السلع المعمرة الاستهلاكية.. أدوات المطبخ، أجهزة التليفزيون، أجهزة الراديو والمسجلات والفيديو والكمبيوتر والتصوير إلى آخر ما نجده في ذلك المكان من هذا البيت أو ذاك.

لا يمكننا القول بأن الأسرة العربية ابنة المجتمع القائم حول منابع النفط هي الأسرة العربية الوحيدة التي شهدت هذا الغزو أو عاصرته أو وقعت تحت تأثيره، بل تؤكد الحقائق والشواهد أن الأمر قد تجاوز هذه الأسرة وامتد إلى تلك الأسرة البعيدة عن منابع النفط. لقد تأثرت ملايين الأسر العربية من هذه الغزوات. حدث ذلك كنتيجة لتجاوز السيولة النفطية حدود أقطار المنابع وصولا إلى تلك الأسر التي كون عائلوها من خلال الهجرة للعمل، أوسع سوق عربية نشأت في المنطقة العربية، منذ وجود هذه المنطقة.

ويمكن القول إن البيت العربي تأثر بتلك الغزوات بدرجات متفاوتة. تتحدد الدرجة بالبعد أو القرب من منابع النفط، كذلك بطول مدة المكوث حول المنابع. ثم تأثر البيت العربي بنوع التقنية حسب موقعه الاجتماعي والاقتصادي. فكلما تحقق دنو الأسرة من أقطار منابع النفط، وكلما استمرت الإقامة مدة طويلة، وكلما ارتفع دخل الأسرة.. زاد امتلاكها للأدوات وللأجهزة الحديثة من كل نوع ومن كل حجم.

الظاهرة السائدة والتي لا يمكن تجاهلها هي تلك النقلة التي حدثت والتي لا تزال تحدث، فقد تركت تلك النقلة آثارها على السلوكيات وأنماطها كذلك على القيم وأنساقها. للتقنية الحديثة أفضالها وإيجابياتها. كما أن لها بعض أخطارها وسلبياتها.

الفرق بين اعتبارها إيجابية واعتبارها سلبية، يتوقف على موقف البشر منها. يتوقف ذلك على استخدام الناس لها.. وخاصة إذا كانت هذه التقنية جزءا من البيت ومكوناته وخاصة إذا كان استخدامها جزءا من الاستخدام اليومي لكل فرد في الأسرة بدءا من الجد إلى الحفيد مرورا بالزوج والزوجة.

أهم إيجابياتها يتمثل في نقل البيت العربي إلى مستوى حركة العالم وتقدمه. فهي تربط البيت العربي وأفراده بحركة التقدم التقني العالمية والتي مست العالم كله ولم تفصل بين بلد وبلد أو بين قارة وأخرى.

لكن، للحفاظ على إيجابياتها ودعمها لا بد لنا من الخوض في تلك الممارسات اليومية التي توجد في بلداننا العربية فيما يتعلق باستخداماتنا لهذه التقنية. وفي هذا المجال سوف نمس مجالين اثنين من استخدامنا لتلك الوسائل والأدوات التي قدمتها إلينا الخبرات الصناعية الحديثة.

لا يمكن إنكار أن الأسرة العربية القادرة اقتصاديا امتلكت وسائل انتقالات خاصة. في صفوف الآسرة الأكثر يسرا تم شراء أكثر من سيارة. وفي صفوف الأسرة المتيسرة تم شراء سيارة. ولا شك أن السيارة في حد ذاتها وسيلة انتقال أسرية سهلة، وتساعد على سرعة الانتقال والحركة وبالتالي سرعة إنجاز تلك الأعمال المرتبطة بالحركة والتنقل.

لكن الملاحظ أنه خلال تلك الفترة المذكورة وهي التي نحددها بعقود ثلاثة بات العديد من الأسر العربية يستخدم السيارة في كل التنقلات، القريبة والبعيدة. يتم استخدام السيارة في تلك المهام التي تحتاج بالفعل إلى سيارة، وتلك التي لا تحتاج إلى سيارة.

أدى ظهور واستقرار هذه العادة إلى فقدان أفراد الأسرة العربية حيويتهم القديمة التي استمدوها قديما من الحركة اليومية على الأقدام. باتت الأسر العربية أسيرة لهذه الوسيلة الحديثة للانتقال. وربما تبلور ذلك عندما يصل الفرد إلى سن الأربعين ويصاب ببعض الأمراض المرتبطة بانعدام الحركة مثل اكتساب وزن كبير أو الإصابة بزيادة نسبة الكوليسترول وهي أمراض ناتجة عن أسباب عدة يأتي بينها انعدام الحركة اليومية. واللافت للنظر أنه في حالة العرض على الأطباء لإجراء تشخيص، فإن النصيحة الأولى تكون بالبدء في التخلي عن هذه العادة، واللجوء إلى الحركة على القدمين، وهي الحركة التي تساعد على نقص الوزن، كذلك على إذابة الدهون في الدم.

كان من الممكن تجنب كل ذلك إذا ما استخدمت الأسرة العربية هذه الوسيلة في توازن عام. يعني استخدامها في الضرورة وعدم استخدامها في الحالات التي قد يتم الاستغناء عنها فيها.

ثم نأتي إلى النموذج الثاني للاستخدام المفرط لجهاز آخر وهو التليفزيون. ذلك الجهاز الذي دخل تقريبا كل بيت عربي، سواء كان الجهاز ملونا أو لا يزال باللونين القديمين، الأبيض والأسى. الملاحظ في بعض الأحيان أن هذا الجهاز لا يكاد يغلق مادام الإرسال والبث مستمرين. ففي العادة تتجمع الأسرة أمامه مساء كل يوم، بالإضافة إلى الجلوس المنفرد لكل فرد فيها في الأوقات المختلفة والمتناثرة. كان نتيجة ذلك- أي . نتيجة انعدام التوازن في التعامل مع هذا الجهاز- أن فقد الأفراد عادة قديمة عظيمة وهي القراءة.

إذا عقدت مقارنة بين قدرة الجيل القديم وتكالبه على القراءة وبين جيل الشباب الحالي وابتعاده عن الاطلاع، فإننا يمكن أن نستنتج الفارق بين عقلية بناءة وأخرى سطحية، بين عقلية قادرة على العطاء والإبداع وأخرى تستمر مستقبلة غير معطاءة.

نموذجان، يجسدان سوء التوازن المصاحب لإقبال الأسر العربية العربية على ثمار التقنية الحديثة دون محاولة لترشيد استهلاكها أو استخدامها. إنها ليست دعوة لمقاطعة الحداثة وأدواتها، بل دعوة لترشيد استخدامها وإيجاد التوازن المطلوب في تعاملنا اليومي معها.