المادة المظلمة لغز الكون رؤوف وصفي

المادة المظلمة لغز الكون

لا يزال علماء الفلك يحاولون فك طلاسم أحد أسرار الكون الغامضة، فقد وجدوا أن كل المادة المضيئة التي نراها في الفضاء كالنجوم والمجرات، لا تمثل إلا 10 بالمائة أو أقل من إجمالي كتلة الكون، وأن الباقي عبارة عن مادة خفية أطلقوا عليها "المادة المظلمة". ونتيجة لهذا الاكتشاف المذهل، أصبح الفلكيون يواجهون باثنين من أكثر الألغاز غموضاً في العلم الحديث: ما هي المادة المظلمة؟ وما هو مقدار الموجود منها؟ ومعرفة الإجابة عن هذين السؤالين، ربما تبين لنا المصير النهائي للكون.

تختلف المادة المظلمة عن أي شيء نعرفه أو حتى نتخيله، وتحتاج لفهم جديد تماما لكل مكونات الكون، ولسبر كنه أسرارها تبنى الفلكيون وغيرهم من العلماء كثيرا من الأساليب لحل لغز المادة المظلمة وهم يجمعون الأدلة ويفحصونها ويستخدمون قدراتهم على الاستنتاج للتوصل إلى حل مقبول.

من المعروف أن الكون يتكون من وحدات أساسية هي المجرات التي تعرف بأنها تجمع هائل من النجوم والسدم والكواكب والأجرام الفضائية الأخرى والغازات الكونية، تتخللها مجالات كهربية ومغناطيسية جبارة، وخارج مجرتنا "الطريق اللبني" توجد آلاف الملايين "بلايين " المجرات الأخرى، وهي ليست موزعة بانتظام في الفضاء وإنما توجد في حشود قد تتضمن آلاف المجرات ويطلق عليها العناقيد المجرية.

وأول دليل على وجود المادة المظلمة جاء من ملاحظات لعناقيد المجرات ففي عام 1933 قاس الفيزيائي الفلكي السويسري "فيرتززويكي" حركة المجرات في العنقود المجري "الذؤابّة) وتبين له أن المجرات الفردية تتحرك بسرعات كبيرة جدا، بحيث لا تظل المجرات متجاورة لفترة طويلة من الزمن، ولا بد أن تؤدي حركة كل مجرة في العنقود إلى ابتعاد أجزاء المجموعة عن بعضها البعض، إلا أن عمليات الرصد الفلكي تؤكد أن العنقود المجري لا يزال متماسكا كوحدة واحدة.

واستنتج زويكى أن مجموعة المجرات داخل العنقود "الذؤابة" لا بد أن تكون كتلتها أكبر عشر مرات مما تبدو عليه، حتى تظل متماسكة بالجاذبية، وهذا الفرق الهائل في الكتلة يعني أن نحو 90% من العنقود المجري خفي أي مكون من مادة مظلمة، وفي البداية أطلق علماء الفلك على المادة المظلمة "الكتلة المفقودة"، إلا أن هذا التعبير مضلل وخادع، فالكتلة موجودة فعلا هناك، ولكن الضوء الذي يجب أن يصدر عن المادة هو الشيء المفقود.

وفي عام 1987 رصد الفلكيون قوسا غريبا من الضوء يظهر حول مجموعة من المجرات، واتضح أن هذا القوس نشأ عن ضوء قادم من مجرة بعيدة، وأنه انحنى في شكل قوس بتأثير المجال التجاذبي لمجموعة المجرات، تماما كما تنبأ أينشتين منذ نحو خمسين عاما، ومن شكل القوس حسبوا مقدار المادة التي يتعين وجودها في كتلة مجموعة المجرات لتحدث هذا الانحناء، ووجدوا أن إجمالي مقدار هذه المادة أكبر من المقدار المرئي منها، ومن ثم استنتج علماء الفلك أن معظم المادة لابد أن تكون مادة مظلمة خفية.

المادة المظلمة والمجرات

وكما أن حركة المجرات في عناقيدها، تدل على أن المادة المظلمة تكمن مختفية وتؤثر فيها، فإن حركة النجوم تنبئ عن وجود المادة المظلمة في المجرات، وقد تم اكتشاف هذا الأمر بعد سنوات من الأبحاث المضنية للفيزيائين الفلكيين، الذين قاسوا السرعات المدارية للنجوم لأكثر من 60 مجرة حلزونية، Spiral Galaxies ومعظم المجرات الضخمة- مثل مجرة (الطريق اللبني) التي ننتمي إليها- تسمى "مجرات حلزونية" لأن لها شكل عجلة دوارة في مركزها منطقة شديدة التوهج، ولها أذرع حلزونية عديدة. ويطلق على المنطقة المركزية اللامعة "الانتفاخ المركزي" لأنها أسمك جزء في المجرة وتحتشد فيها أغلب النجوم.

كما تسمى منطقة الأذرع الحلزونية "القرص" لأنها أرفع نسبيا وأكثر استواء، وقد وجد الفيزيائيون الفلكيون أن النجوم في أجزاء المجرة البعيدة عن القرص، تدور حول الانتفاخ المركزي بنفس السرعة المدارية للنجوم في المناطق الداخلية من القرص والمجاور للانتفاخ المركزي على وجه التقريب وبدا كما لو كانت النجوم مجموعة من السيارات تنطلق جميعها في مسارات دائرية أو منحنيات دوران، مع ضبط أجهزة قياداتها على نفس السرعة. وكانت هذه النتائج مثيرة للدهشة، لأن الفلكيين توقعوا أن تدور النجوم حول المجرة بالطريقة التي تدور بها الكواكب حول الشمس، فكوكب عطارد، أقرب الكواكب إلى الشمس، ينطلق في الفضاء بسرعة 48 كيلو مترا في الثانية تقريبا، بينما يتحرك بلوتو، أبعد الكواكب عن الشمس بسرعة تبلغ 4.7 كيلو متر في الثانية. وفي المقابل تتحرك نجوم مجرة "الطريق اللبني" بسرعة تبلغ حوالي 240 كيلو مترا في الثانية، بغض النظر عن بعدها عن الانتفاخ المركزي. والتفسير الممكن لهذه الظاهرة، هو أن، الجزء المرئي من المجرة محاط بمقادير كبيرة من المادة الخفية، وأكد هذا الاكتشاف وجود مادة مظلمة غير مرئية في المناطق البعيدة من القرص، أكثر من الموجود منها بالقرب من الانتفاخ المركزي. وهكذا توصل علماء الفلك إلى نتيجة منطقية- على الرغم من غرابتها- وهي أن جميع المجرات الحلزونية محاطة بهالات جبارة شبه كروية من المادة المظلمة، التي تغطي مساحات شاسعة من الكون.

ويعتقد الفلكيون أن هذه الهالات من المادة المظلمة هي السبب في دوران النجوم في المناطق النائية من المجرات، بنفس سرعة دوران النجوم بالقرب من الانتفاخ المركزي، وقدر علماء الفلك أن هالة المادة المظلمة المحيطة بمجرة "الطريق اللبني" تمتد إلى مسافة خمسة ملايين سنة ضوئية من الانتفاخ المركزي، وبالمقارنة فإن نصف قطر المادة المرئية في مجرتنا يبلغ خمسين ألف سنة ضوئية فقط.

وهناك شك في أن المادة المظلمة مكونة من مادة عادية، فالمادة العادية إما أن تصدر إشعاعات في صورة ضوء كما تفعل النجوم، أو أن تعكس هذه الإشعاعات كالكواكب أو يتم امتصاصها كما هو الحال في الغبار الكوني، ولو كانت المادة المظلمة ترسل إشعاعا في صورة معينة لكان من الضروري كشفها بالتلسكوبات البصرية والراديوية والأجهزة الحساسة لأشعة جاما والأشعة تحت الحمراء وأشعة إكس، أو أي شكل آخر من الإشعاع الكهرومغناطيسي، وقد تمكن الفلكيون من مسح الكون بواسطة هذه الأجهزة، للبحث عن جميع الأطوال الموجبة للطيف الكهرومغناطيسي ولكنهم لم يجدوا أي إشعاع في هالات المادة المظلمة، ومن ثم استنتجوا أنها ليست مادة عالية، بل أحد الأشكال الغريبة المجهولة للمادة.

وهناك أمر آخر أدى إلى الاعتقاد بأن المادة المظلمة لا تتكون من مادة عادية، هو أن الهالة المنتشرة إلى الخارج أكثر من المادة المرئية في المجرة، ولو كانت المادة المظلمة مكونة من مادة عادية فإن توزيعها لابد أن يشبه إلى حد كبير توزيع الأجزاء المرئية من المجرة.

الأقزام البنية والسوداء

وتأكد علماء الفلك أن المادة المظلمة ليست غبارا كونيا لأن المقادير الهائلة منه سوف تحجب الضوء من المجرات البعيدة، بأكثر مما يلاحظ بالرصد بواسطة التلسكوبات البصرية والراديوية، ولا يمكن أيضا أن تكون المادة المظلمة ثقوبا سوداء، أي القلوب المتقوضة للنجوم الضخمة الميتة التي أصبحت من الكثافة بحيث إنه حتى الضوء لا يستطيع الهروب من تأثير جاذبيتها المروعة، ومن ثم فهي غير مرئية إذ إن الغاز المتساقط بشكل دوّامي داخل هذه القبور الفضائية، سوف يصدر أشعة إكس بأكثر مما رصدته الأقمار الصناعية فعلا.

ولم يكتشف علماء الفلك أيا من هذه العلامات الإشعاعية، ولذلك فالمادة المظلمة ليست ثقوبا سوداء، ولكنها ربما كانت تتخذ صورا كثيرة مثل الأقزام البنية أو الأقزام السوداء أو الكرات الغازية التي في حجم كوكب المشترى أو الجسيمات الغريبة.

لقد تنبأ الفلكيون- من خلال معادلاتهم الرياضية- أن هناك نجوما في مجرتنا، أشد خفوتا وبرودة وأصغر كتلة من النجوم الأخرى، أطلقوا عليها "الأقزام البنية" Brown Dwarfs وتزيد كتلتها بنحو ثمانين مرة على كتلة كوكب المشتري، والأقزام البنية أكثر من مجرد كواكب ضخمة، إذ إنها تكونت من سحب غازية هائلة وأنتجت طاقة لفترة زمنية من خلال عمليات الاندماج النووي، وهناك احتمال أن تشارك الأقزام البنية في تكوين المادة المظلمة، ولكنها لا توجد بكميات كافية لتوفير المقدار الهائل من هذه المادة الكونية الغامضة.

والأقزام السوداء احتمال آخر، وهي ليست نجوما خافتة كالأقزام البنية، بل هي نجوم مرت بدورة حياتها كاملة، فالقزم الأسود هو المصير النهائي لنجم متوسط الكتلة مثل الشمس، وهذا القزم يكون أسود لأنه لم يعد يشع ضوءا ومن ثم يستحيل رؤيته مباشرة، ولكن من المعروف أنه عندما تموت النجوم الضخمة، سرعان ما تتخذ لها قبرا، إما كنجم نيوتروني أو كثقب أسود حسب كتلة النجم، لكن النجوم المتوسطة والصغيرة الكتلة لا بد أن تصبح عملاقا أحمر ثم قزما أبيض يبرد ببطء وهو يشيع ضوءا حتى يتحول إلى قزم أسود، ويقدر الفلكيون أن ذلك يستغرق على الأقل عشرة بلايين عام- وهو العمر المقدر لمجرتنا- لكي يصبح القزم الأبيض.. أسود. ومن هنا فربما لا تحتوي مجرتنا على أي أقزام سوداء، مما يجعل بحثنا عن المادة المظلمة يتجه وجهة أخرى.

كرات الغاز والجسيمات الغريبة

هناك نظريات تقول إن المادة المظلمة هي مادة عادية، وإنها مكونة من كرات غازية هائلة في مثل حجم كوكب المشتري تقريبا وأطلقوا عليها "المشتريات"، وهي توجد في الهالات التي تحيط بالمجرات الحلزونية، ولكنها أصغر وأبرد من أن تكتشفها التلسكوبات الأرضية، ولكن لا توجد دلائل على تكوّن أجسام فضائية أصغر بكثير من الشمس- مثل كرات الغاز التي في حجم كوكب المشتري - بأعداد كبيرة تكفي لتفسير وجود المادة المظلمة، وكذلك يبدو من غير المعقول وجود البلايين من هذه المشتريات في هالات المجرات، بدون أن تزداد كتلة بعض هذه الأجرام الفضائية بشكل يكفي لبدء عمليات الاندماج النووي بها، ومن ثم تصبح مرئية مثل النجوم.

ويعتقد عدد من الفلكيين أن المادة المظلمة ربما كانت تتكون من جسيمات ثقيلة نشأت وقت الانفجار الأعظم عند خلق الكون، أطلق عليها "الجسيمات الكتلية ضعيفة التفاعل" أو اختصارا WIMP وهذه الجسيمات تنبأت بها نظرية التماثل الفـائق Super Symmetry التي تقول إن كل قوى الكون "أي الكهرومغناطيسية والجاذبية والقوة الضعيفة والقوة القوية" كانت موحدة في اللحظات الأولى من خلق الكون، وتبعا لهذه النظرية فإن الجسيمات الكتلية ضعيفة التفاعل مستقرة ولا تزال موجودة حتى وقتنا هذا في شكل بقايا للانفجار الأعظم، ولكن هذه الجسيمات يصعب جدا اكتشافها لضعف تفاعلاتها المتبادلة مع المادة العادية، ومن ثم ربما تكون هي التي تشكل المادة المظلمة في الكون. ولكن كيف يمكن الكشف عن الجسيمات الكتلية ضعيفة التفاعل؟.

أوضح الفيزيائيون أنه يمكن تزويد المختبرات المقامة تحت سطح الأرض، بمختلف أنواع أجهزة الكشف البالغة الحساسية للتعرف على هذه الجسيمات، ووجدوا أنه إذا تم تبريد بلورة من مادة السليكون النقي إلى درجة حرارة منخفضة جدا تقترب من الصفر المطلق "-273.15 درجة مئوية"، فإن اصطدام جسيم واحد من الجسيمات الكتلية ضعيفة التفاعل بنواة ذرة السليكون قد ترفع درجة حرارة البللورة إلى قيمة يمكن قياسها، ومنذ عام 1989 وحتى الوقت الحاضر، يقوم الفيزيائيون التجريبيون في الولايات المتحدة وكثير من الدول الأوربية ببناء أجهزة كشف عن الجسيمات الكتلية ضعيفة التفاعل، للتحقق من مدى صحة أنها تكوّن المادة المظلمة في الكون.

واهتم بعض الفيزيائيين الآخرين ببناء كاشفات لاصطياد جسيمات افتراضية يطلق عليها "الأكسيونات" Axions ربما تكون هي المادة المظلمة وقد تنبأت نظريات فيزياء الجسيمات دون الذرية بوجود الأكسيونات التي تشبه الجسيمات الكتلية ضعيفة التفاعل، من حيث إنها تتفاعل بضعف شـديد مع المادة العادية ولكن كتلة الأكسيون تقل كثيرا عن كتلة الجسيم الكتلي ضعيف التفاعل، وفي المجال المغناطيسي القوي ربما يتحول الأكسيون إلى فوتون "وحدة الكم الضوئي" وتجري في الوقت الحاضر التجارب لتحديد ما إذا كان ممكنا الكشف عن هذه التحولات إذا كانت الأكسيونات موجودة بالفعل.

احتمال آخر يناقشه علماء الفلك بأن المادة المظلمة تتكون من المادة الظل Shadow Matter، ويقول أنصار هذا الرأي إن الكون بمجرد نشأته انشطر إلى جزأين منفصلين، عالمنا الطبيعي بما فيه من مادة عادية والقوى الأربع التي سبق ذكرها، وعالم ظل له جسيماته الخاصة التي يمكن أن تتفـاعل مع جسيمات عالمنا، بواسطة الجاذبية فقط، أي أنه يمكن أن يقترب إلكترون عادي من إلكترون ظل ولا يشعر كلاهما بالشحنة الكهربائية التي يحملها، ولكن تكون الجاذبية هي القوة الوحيدة بينهما.

وهناك نظريات أخرى تحاول تفسير طبيعة المادة المظلمة، وأنها مكونة من جسيمات عجيبة غير مألوفة لنا، نشأت أيضا منذ اللحظات الأولى لخلق الكون وهي بذلك تشبه حفائر العصور الغابرة، وتتساقط على كوكب الأرض، وتخترق أجسامنا دون أن نشعر بها، ومـن هذه الجسيمات "القطب الأحادي"، وعلى الرغم من أن المغناطيسات دائما ثنائية الأقطاب، "شمال وجنوب" إلا أن هذا الجسيم يحمل وحدة واحدة مـن الشحنة المغناطيسية أي قطب مغناطيسي معزول.

أما الجسيم الآخر المرشح لتكوين المادة المظلمة فهو الكوارك "غريب"، والكواركات هي على الأرجح اللبنات الأساسية للمادة، وهي التي تكون النيوترونات والبروتونات وغيرها من الجسيمات دون الذرية الثقيلة التي يطلق عليها الهادرونات. وتظل المادة المظلمة محتفظة بأسرارها!.

مادة مظلمة باردة أم ساخنة؟

إن معظم الجسيمات المرشحة لتكوين المادة المظلمة لم يتم الكشف عنها حتى الوقت الحاضر، والاستثناء الوحيد لذلك هو النيوترينو Neutrino، وتنتج الشمس أعدادا لا حصر لها من النيوترينوات في مركزها، في أثناء تحول الهيدروجين إلى هليوم بالاندماج النووي، إلا أن العلماء اكتشفوا وجود عدد من النيوترينوات أقل بكثير من العدد الذي توقعوه في ظل الظروف الموجودة في باطن الشمس، وأحد التفسيرات الممكنة هي أن النيوترينو جسيم له كتلة، ومن ثم يتفاعل مع المواد الأخرى في باطن الشمس. ومنذ عام 1980 أجرى الفيزيائيون تجارب عديدة، لمعرفة هل لهذه النيوترينوات كتلة، لكن النتائج حتى الوقت الحاضر، ليست نهائية أو قاطعة، وإذا اتضح أن للنيوترينو كتلة، فإنه يمكن أن يكون جسيم المادة المظلمة الذي نبحث عنه.

إلا أن كثيرا من الفلكيين يشكون في أن تكون النيوترينوات هي التي تكوّن المادة المظلمة، إذ إنه في هذه الحالة تكون المادة المظلمة ساخنة، أي تسير فيها الجسيمات بسرعة الضوء أو قريبة منها، مما يؤدي إلى حدوث التشكيل "من القمة إلى القاعدة"، ويقصد به أن العناقيد المجرية المكونة من الغازات والنيوترينوات، لا بد أنها تشكلت أولا ثم تفتتت بعد ذلك إلى مجرات عادية لكن يبدو أن ما تم رصده في الكون يؤدي إلى استبعاد هذه النظرية، فعلى سبيل المثال تأكد علماء الفلك أن المجرات موغلة في القدم بينما العناقيد المجرية حديثة التكوين عنها. ولهذا أصبح الأمر الأكثر احتمالا أن المادة المظلمة باردة، وأنها تتكون من الجسيمات الكتلية ضعيفة التفاعل "الثقيلة"، أو الأكسيونات "الخفيفة"، وهذا يؤدي إلى ما يطلق عليه الفلكيون "من القاعدة إلى القمة"، أي أن المجرات تكونت أولا ثم اقتربت من بعضها بعد ذلك لتشكل العناقيد المجرية.

وفي أواخر الثمانينيات استخدم علماء الفيزياء الفلكية الكمبيوترات، لمحاكاة تكوين المجرات في الكون بكل من جسيمات المادة المظلمة الباردة أو الساخنة وأعطت البرامج التي استخدمت المادة المظلمة الباردة، صورة لتوزيع المجرات في الكون تشبه إلى حد كبير ما يقوم الفلكيون برصده بالفعل، أما البرامج التي اعتمدت على المادة المظلمة الساخنة، فقد توصلت إلى تشكيل كتل غريبة من المجرات، لا تشبه أي شيء رصده الإنسان حتى الآن.

ما أشد مراوغة المادة المظلمة! فرغم كثرة الاحتمالات الواردة، لا يزال الفلكيون يجهلون مكونات المادة المظلمة التي تعد معرفة طبيعتها أمرا بالغ الأهمية، إذ إن هناك تداعيات فلكية وكونية مرتبطة بوجودها، فنحن نعرف أن الكون يتمدد والمجرات تسرع مبتعدة عن بعضها البعض في جميع الاتجاهات، ولكن هل سيستمر الكون في التمدد إلى الأبد؟.

إن هذا الأمر يعتمد على مقدار المادة المظلمة الموجودة في الكون، فإذا كانت ذات كتلة هائلة، فإن التمدد سوف يتوقف في وقت ما بسبب قوة الجاذبية، وسيتقلص الكون في آخر المطاف وينهار، أو ما يطلق عليه الانسحاب الأعظم.

أما الاحتمال الثاني ألا تكون هناك مادة مظلمة كافية، وعندئذ تصبح الجاذبية أضعف من أن تبطئ التمدد الحالي للكون، ومن ثم يستمر في التمدد إلى الأبد، أو قد توقف الجاذبية اتساع الكون ولكنها تكون أضعف من أن تؤدي إلى تقوضه وانهياره.

وحديثا وجد الفلكيون فراغات في الأطراف المترامية للكون حيث لا توجد مجرات، فإذا كانت المادة المظلمة موجودة في هذه المناطق، فسوف يتوصل العلماء إلى الكيفية التي يمكن أن تتراكم بها المادة في الفضاء، ومن ثم تكوين المجرات في مناطق معينة بالكون.

ورغم عظمة أهمية المادة المظلمة في فهمنا لحجم وشكل وكتلة المجرات وتركيب بنية الكون، بل ومصيره النهائي، فإننا لا نعرف سوى مكان وجود المادة المظلمة، وهل يمكن أن نقتنع فعلا أننا نفهم الكون المحيط بنا، بينما أكثر من 90% من المادة الموجودة به مظلمة وتعتبر لغزا محيرا؟ ولكن يتوقع علماء الفلك اكتشـاف سر المادة المظلمة، بواسطة تلسكوب الفضاء "هابل"- بعـد أن تم إصلاح أجهزته - والذي يدور على بعد نحو 600 كيلو متر من سطح كوكب الأرض.

إن الأمر الوحيد الواضح أمامنا الآن، أن الفلكيين يواصلون أبحاثهم ويعكفون على أجهزتهم لإلقاء الضوء على المادة المظلمة.

 

رؤوف وصفي

أعلى الصفحة | الصفحة الرئيسية
اعلانات




المادة المظلمة لغز الكون





أقواس الضوء الغربية في الفضاء





هل المادة المظلمة مادة عادية؟





هالات جبارة من المادة المظلمة حول المجرات