من "عسكرة المجتمع" إلى زمن الحصار: آفاق الاقتصاد العراقي... عامر ذياب التميمي

من "عسكرة المجتمع" إلى زمن الحصار: آفاق الاقتصاد العراقي...

بعد مرور أربع سنوات على غزو واحتلال الكويت من قبل قوات النظام العراقي يتساءل المرء عن مستقبل الاقتصاد العراقي بعد استمرار المقاطعة الاقتصادية الدولية خلال هذه الفترة الزمنية.

كما هو معلوم فإن أوضاع الاقتصاد العراقي قبل غزو الكويت لم تكن على ما يرام إطلاقا، بل إن البلاد كانت تعاني من مديونية خارجية تجاوزت الثمانين بليون دولار أمريكي، كما أن نتائج حرب الثماني سنوات مع إيران كانت واضحة للعيان. كانت هناك حاجة لإعادة بناء العديد من المنشآت الاقتصادية النفطية والصناعية، وإعادة تأهيل المجتمع لتنمية مدنية... ولا يمكن إنكار أن من أسباب مغامرة غزو الكويت واحتلالها هي تلك الأحلام والأوهام التي زرعت في عقول أصحاب القرار في بغداد من أن احتلال الكويت سيعمل على حل جميع المشاكل والمعضلات الاقتصادية في العراق بعد النتائج المدمرة للحرب الطويلة مع إيران.

لكن كيف يمكن أن تتمكن دولة مثل العراق مع إرثها من الصعوبات الاقتصادية التي كانت نتاج سياسات النظام القائم، كيف تتمكن من إعادة تدوير عجلة التنمية في ظل صعوبات جمة؟!... بادئ ذي بدء لا يمكن أن نتصور إمكان عودة العراق إلى مكانته الاقتصادية التي تتناسب مع قدراته وإمكاناته الحقيقية دون تغيير في طبيعة النظام السياسي وفلسفته. ذلك أن المطلوب لإقامة علاقات طبيعية داخل المجتمع العراقي ومع دول الجوار وبقية دول العالم أن يكون هناك نظام سياسي يعتمد الديمقراطية والتعددية، ونظام اقتصادي حر يحفز كل الإمكانات الوطنية ويعيد ثقة المستثمرين الأجانب ويمنح الطمأنينة للبنوك والمؤسسات المالية الدولية لمنح القروض والتسهيلات والعون المالي والفني... دون ذلك فإن أي إمكانات للتعاون مع الدول والمؤسسات العالمية ستكون محفوفة بالمخاطر، وقد تتذبذب هذه العلاقات بما لا ينفع التطور الاقتصادي الطبيعي.

النفط ومحدودية الموارد

كذلك يجب التأكيد على أن كون العراق دولة نفطية مهمة تمتلك مخزونا مهما ضمن منظومة دول الأوبك، وضمن الدول العربية المصدرة للنفط، فإن هناك اهتماما دوليا بتطوير قدراتها التصديرية من أجل المحافظة على استمرار تدفق النفط دون انقطاع للأسواق الدولية وبأسعار متهاودة. كما أن الشركات النفطية الكبرى يهمها أن تعقد اتفاقات للتنقيب ولاستخراج النفط من العديد من الحقول النفطية الجديدة والغنية في العراق... تلك الاتفاقات ربما تكون اتفاقات مشاركة مع الحكومة العراقية، أو عقود عمل، أو استئجار للحقول أو غير ذلك من صيغ قانونية.. لكن هذه الاتفاقات لكي تكون مضمونة يجب أن تعقد مع حكومة مستقرة ومشروعة وتعمل من أجل التنمية والسلام في هذه المنطقة الحساسة من العالم.

بلغ إنتاج النفط في العراق عشية غزو الكويت ما يربو على ثلاثة ملايين برميل يوميا، وفي ذلك الوقت كانت السلطات العراقية تتحدث عن رفع إنتاج النفط إلى مستوى 6 ملايين برميل يوميا، لكن لكي يتحقق ذلك فإن الاستثمارات اللازمة تتطلب مبالغ كبيرة، لم تكن حكومة العراق تمتلكها... ولقد تحدثت الأوساط النفطية عن احتياطات مؤكدة تصل إلى 100 بليون برميل من النفط، في حين زعمت حكومة العراق بأن الاحتياطات ربما تصل إلى 280 بليون برميل... وعلى أية حال مهما كانت تلك الاحتياطات الثابتة والمؤكدة فإنه كان بمقدور العراق أن يزيد من إنتاجه وقدراته التصديرية لو تمكن من تطوير حقول النفط، بيد أن ما كان يحول دون ذلك هو عدم توافر الأموال.

وتدل هذه التوجهات الداعية لزيادة الإنتاج، في ذلك الوقت 1989- 1990، إلى عدم مقدرة العراق على تنويع مصادر الدخل، واعتماده بشكل شبه تام على النفط، حيث مثلت إيرادات النفط 95 في المائة من حصيلة الصادرات... وقد بلغت تلك الإيرادات ما يقارب 15 بليون دولار في عام 1989 بعد أن كانت 12 بليون دولار عام 1988.

سوء استخدام الموارد

وفي ظل تنامي الاحتياجات المالية الناشئة عن نتائج الحرب وتراكم الديون الخارجية لم يكن أمام العراق إلا زيادة إيراداته من مبيعات النفط، وقد دفع ذلك إلى خلق أزمة مع عدد من الدول النفطية حول حصص الإنتاج، وادعاءات النظام العراقي بأن الكويت ودولة الإمارات العربية المتحدة تخلان بشروط الحصص الإنتاجية التي اعتمدت من قبل الأوبك. وعلى الرغم من اتفاق الأوبك في تموز (يوليو) 1990 الذي حدد حصص جميع الدول المنضوية تحت لواء الأوبك، والاتفاق على سعر استدلالي بحدود 21 دولارا للبرميل، فإن مطامع العراق كانت أكبر ودفعته لمغامرة الغزو والاحتلال.

لكن المأزق الحقيقي الذي واجه الاقتصاد العراقي ليس هو سياسات الإنتاج في الدول النفطية الأخرى بقدر ما كان يتمثل بسياسات النظام السياسي الذي اندفع في عملية عسكرة المجتمع العراقي وبناء قوات مسلحة تفوق الاحتياجات الدفاعية، ومن ثم التورط في حرب طويلة مع إيران أعقبتها كارثة احتلال الكويت... إذن فإن سياسة تخصيص الموارد وعدم محاولة الاستفادة من زيادة الإيرادات النفطية بعد الصدمة النفطية الأولى في عام 1974، والصدمة النفطية الثانية في عام 1979 في تنويع القاعدة الاقتصادية في العراق، وبناء اقتصاد متوازن يتمكن بعد مرور سنوات من التنمية في القطاعين الصناعي والزراعي من تخفيف الاعتماد على النفط، ومن ثم المحافظة على قيمته الحقيقية. فمثلا كانت الأرصدة المالية الخارجية التي تمتلكها الحكومة العراقية تقارب 38 بليون دولار في عام 1980 قبل نشوب الحرب العراقية الإيرانية... وكان من الممكن الاستفادة من هذه الأموال في تطوير بنية اقتصادية تمكن من تنويع مصادر الدخل خلال فترة زمنية معقولة.

لكن بدلا من التنمية المدنية اتجه النظام العراقي لبناء آلة حربية عدوانية كلفت الخزانة العراقية أكثر من 150 بليون دولار أمريكي أي ما يساوي دخل العراق من النفط لمدة 10 سنوات بمعدل إيرادات عام 1989. وهذه التكاليف تم تمويلها بقروض من دول الخليج خاصة من السعودية والكويت وعدد من الدول الصناعية مثل ألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة، وهناك أيضا الاتحاد السوفييتي السابق وعدد من دول أوربا الشرقية. ولم يقتصر التبديد على الموارد المالية بل إن أهم من ذلك هو تبديد الموارد البشرية التي جرى عسكرتها وفقدت كل تماس مع الاقتصاد المدني... فلم يعد بإمكان المجندين بعد سنوات طويلة من العسكرة أن يتأقلموا مع الأعمال المدنية سواء في قطاعات الصناعات التحويلية أو الزراعة أو الخدمات بشتى أنواعها... يضاف إلى ذلك أن مخرجات التعليم حشرت في الآلة العسكرية، ولم يستفد الاقتصاد العراقي من خبرات خريجي الجامعات أو المعاهد الفنية أو غيرها من متعلمين.

ومن الطبيعي والحالة هذه أن يتم إهمال للزراعة والصناعة، وصيانة الخدمات الضرورية والبنية الأساسية... وعلى الرغم من استعانة العراق بالعمالة الوافدة، خاصة المصرية، فإن معدلات الإنتاج في القطاعات الرئيسية قد تدهورت خلال سنوات الحرب مع إيران... ولا شك أن هجرة العمالة الوافدة بعد حوادث العنف ضد العمال المصريين في عامي 1989 و 1990 وبعد غزو الكويت في آب (أغسطس) 1990 أخلت البلاد من العمالة الماهرة التي يمكن أن تقود عملية البناء المدني خلال سنوات ما بعد الحرب.

الاستقرار السياسي... قبل البناء

كما أشرت آنفا فإن أهم مستلزمات عملية إعادة بناء الاقتصادي وجود نظام سياسي مستقر ويحظى بالمشروعية الشعبية والقبول من الدول الإقليمية والقوى الدولية... ومن الصعب المراهنة على قدرات النظام الحالي للتحول من نظام عدواني وغادر إلى نظام سياسي مسالم يسعى للتنمية وتسخير موارد العراق من أجل بناء اقتصاد يتناسب مع إمكاناته من حيث الموارد الطبيعية والبشرية، ويحقق طموحات الشعب العراقي بتحقيق الرفاه وتحسين مستويات المعيشة. ولذلك فإن المراهنة منصبة على حدوث تطور سياسي مهم يأتي بنظام سياسي يمثل جميع التيارات السياسية ويمثل الطوائف والأعراق في كل أنحاء العراق، ويقوم بإجراء انتخابات حرة تعمل على وضع دستور وتشريعات تكرس الاستقرار ليس في العراق فحسب ولكن في شتى أنحاء المنطقة.

عندئذ يمكن أن تتوافر الثقة بالنظام السياسي وتتحفز الجهود من أجل البناء وزيادة الاستثمارات وتوفير التمويل اللازم لعملية إعادة البناء... ودون ريب فإن هناك إمكانات مالية لدى القطاع الخاص العراقي موظفة في الخارج يمكن إعادتها وتثميرها في عملية البناء الاقتصادي الجديد... ولا شك أن هذه الأموال قد تتجاوز عشرات البلايين من الدولارات التي هاجرت إلى الخارج على مدى زمني يتجاوز ربع القرن... وبطبيعة الحال فإن من الصعب جذب هذه الأموال إلى العراق، حتى لو افترضنا توافر شروط سياسية مناسبة، إلا بعد أن يتأكد أصحاب هذه الأموال من توافر ظروف تمكنهم من تحقيق عوائد أفضل مما تجنيه أموالهم في مواطنها الحالية، خاصة في دول الغرب الصناعية.

وقد يكون من المفيد توفير مناخ اقتصادي حر، والعمل على تخصيص ملكية المؤسسات العامة والتي مازالت خاضعة لهيمنة رأسمالية الدولة... وعند التخصيص لابد أن يشعر كل المستثمرين بالعدالة وعدم تحيز الدولة لجهات معينة، وكذلك يجب أن تكون أسعار الأصول عاكسة لقيمتها الحقيقية... وترجع أهمية القطاع الخاص العراقي في مرحلة إعادة البناء الاقتصادي لشحة الموارد المالية لدى الدولة، وللالتزامات التي نشأت عن مغامرات النظام السياسي الحالي مثل الحرب مع إيران، وغزو الكويت. هناك التزامات تتمثل بالديون الخارجية والتي تتجاوز 80 بليون دولار، وهناك المطالبات الإيرانية، وكذلك التعويضات الناتجة عن غزو واحتلال الكويت. لذلك ستجد أي حكومة عراقية جديدة أنها مثقلة بتركة صعبة، ولن تتمكن من توفير أموال للاستثمارات في القطاعات الإنتاجية والخدمية.. وإذا توافرت لها بعض الموارد فهي ستتوجه نحو إعادة بناء الهياكل الأساسية وهياكل المؤسسات في قطاعات التعليم والصحة والخدمة الاجتماعية.

لكن هل ستكفي الأموال العراقية الخاصة منها والعامة لإعادة بناء العراق على أسس تضمن انتعاشا اقتصاديا قابلا للديمومة؟ من الطبيعي أن هناك دورا للمنظمات الدولية سواء الهيئات التابعة للأمم المتحدة، وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي للإنشاء والتعمير في وضع الخطط اللازمة لتمويل عدد من المشاريع الحيوية، وكذلك المساعدة في تقديم العون الفني.. كذلك فإن إشراف هذه الهيئات على أعمال إعادة البناء ربما يضمن حسن الإنجاز والسيطرة على التكاليف دون تبذير... ولا بد أن يكون لهذه الجهات اشتراطات محددة لتقديم العون المالي والفني مثل تطوير التشريعات الاقتصادية لضمان توفير مناخ اقتصاد حر، أو تبني الحكومة العراقية "العتيدة" برنامج إصلاح اقتصادي يهدف للتكيف مع تطورات الاقتصاد الدولي، ويضمن كفاءة الأداء ويقبل بالشروط التقليدية لصندوق النقد الدولي.

يضاف إلى ذلك أن فتح المجال أمام استثمارات القطاع الخاص العربي والأجنبي ضمن قوانين وتشريعات مستقرة وتشجع على توظيف الأموال في العراق، سيكون من عوامل التسريع في عملية إعادة البناء... ومن الطبيعي أن تتركز اهتمامات المستثمرين الأجانب على قطاع النفط، حيث يشكل الأكثر جاذبية في بلد مثل العراق... وقد تتوافق أهداف الشركات النفطية الرئيسية في العالم مع الأهداف العراقية لزيادة الإنتاج من الحقول النفطية، وكذلك في تطوير القدرات التكريرية وإنتاج المشتقات النفطية، وزيادة قدرات صناعة البتروكيماويات، وهناك أيضا تطوير إنتاج الغاز المتوافر بكميات كبيرة.

وفي مرحلة إعادة البناء هناك أهمية لعدد من القطاعات الأساسية التي يجب منحها أهمية قصوى واعتبار تطويرها أولوية عظمى... وبالإضافة لقطاع النفط والصناعات التابعة له هناك قطاع الصناعات التحويلية وقطاع الزراعة.

تدهور مستويات الإنتاج

ومما لا شك فيه أن قطاع الصناعات التحويلية قد حظي باهتمام واسع في فترة ما قبل الحرب العراقية الإيرانية، وجذب فئات واسعة من المواطنين للانخراط في مؤسساته، إلا أن هذا القطاع وبعد كل من الحرب العراقية الإيرانية ومغامرة غزو واحتلال الكويت أصبح يعاني من تدهور مستوياته الإنتاجية، ونقص المواد الخام وقطع الغيار... وتعتبر بعض الصناعات ذات أهمية وتتسم بالجدوى الاقتصادية إذا توافرت لها الإدارة المناسبة والتمويل الكافي، ومن هذه الصناعات صناعة الأسمنت وهناك سبعة مصانع تم بناؤها من قبل مؤسسات ألمانية ويابانية ورومانية وفرنسية في سنوات ما قبل الحرب. وتتمكن هذه المصانع من إنتاج ما يقارب 20 مليون طن في السنة. لكن إنتاج هذه المصانع تدنى إلى أقل من 50 في الماثلة من طاقتها في منتصف الثمانينيات، ومن المؤكد أن مستوى الإنتاج في الوقت الراهن يقل عن ذلك بكثير. هناك أيضا إمكانات لتطوير فروع أخرى في صناعة مواد البناء والتي سيكون لها سوق مهمة في مرحلة إعادة البناء. ويمكن أيضا التركيز على تطوير الصناعات النسيجية، والصناعات الغذائية، والمعدنية... وسوف تتيح إمكانات تشغيل هذه الصناعات مجالات واسعة لتوظيف أعداد كبيرة من العمالة العراقية.

وإذا كان تطوير الصناعة من الأولويات في التطور الاقتصادي المرتقب في العراق، فإن إحياء القطاع الزراعي يتطلب جهوداً أكبر وأهم. ولقد تدهور القطاع الزراعي منذ زمن، وحتى قبل نشوب الحرب العراقية الإيرانية، حيث أهمل الإنتاج في مختلف المزارع في جميع المحافظات وتدهور الإنتاج... ويمكن أن تعزى الأسباب لعوامل عديدة منها مثلا هجرة العديد من الفلاحين وأسرهم من الريف إلى المدن، خصوصا في السنوات التي أعقبت ثورة 14 تموز (يوليو) 1958، أملا في حياة أفضل في المدن... كما أن قوانين الإصلاح الزراعي التي أنهت سيطرة العائلات الإقطاعية لم يوفر تطبيقها وسائل لإيجاد إدارات اقتصادية بديلة في القطاع الزراعي تسعى إلى زيادة الإنتاج، ورفع كفاءة الأداء... كذلك فإن تفتيت الأراضي الزراعية إلى حيازات صغيرة أخل بشروط الإنتاج... يضاف إلى ذلك أن أجهزة التمويل والتسويق عجزت عن توفير بدائل للنظام الإقطاعي السابق. إن هذه الصعوبات دفعت إلى إفراغ الريف من العناصر الشابة التي يمكن أن تضطلع بعملية الإنتاج الزراعي... في ذات الوقت لم تحدث تطورات تدفع إلى استخدام الميكنة في النشاط الزراعي لتعويض نقص الكوادر البشرية.

ومن الجدير بالذكر أن قطاع الزراعة سوف يمثل تحديا مهما للاستقرار الاقتصادي في العراق، فهو يمثل إمكانية لتقليص العجز في السلع الغذائية المنتجة محليا والتي يتم تعويضها عن طريق الاستيراد من الخارج، مما يكلف البلاد أموالا طائلة. وقد بلغت واردات الأغذية في عام 1988 ما يقارب ثلاثة بلايين دولار أمريكي.. وكما هو معلوم فإن العراق في سنوات الخمسينيات والستينيات كان من المصدرين للسلع الزراعية مثل الأرز والتمور والقمح، إلا أن تدهور الأداء في القطاع الزراعي والإهمال العام لهذا القطاع الحيوي جعل البلاد تعتمد على الواردات الزراعية بشكل كبير... يضاف إلى ذلك أن الإهمال أدى إلى تحول أراض زراعية خصبة إلى أراض بور غير منتجة... وهناك أيضا تلوث المياه، وزيادة نسبة الملوحة مما يعيق النشاط الزراعي... ولذلك يتطلب الأمر إصلاحا جادا وفعالا لهذا القطاع والاستفادة من التقنيات الحديثة والخبرة الفنية للجهات الدولية المختصة مثل منظمة الأغذية والزراعة "الفاو FAO " وغيرها من المنظمات... ومن الطبيعي أنه لابد من توفير التمويل الذي يمكن المزارعين من الحصول على البذور والأسمدة والأدوية، وأهم من ذلك لابد من إيجاد صيغة مناسبة للملكية الزراعية تعمل على زيادة حوافز الإنتاج.

هناك قطاعات أخرى مهمة لابد من رعايتها وتمكين القطاع الخاص من الولوج فيها وتوظيف الأموال من خلالها، مثل قطاع الخدمات السياحية... وهذا القطاع يتطلب انفتاحا سياسيا واستقرارا في المجتمع لتمكين الزوار من التمتع بجولاتهم السياحية، ودون ريب فإن سوق السياحة في بلد مثل العراق سوف يعتمد على أبناء دول الخليج، وإذا توافرت أجواء علاقات سياسية صحية فإن هناك إمكانات واعدة ليصبح هذا القطاع قادرا على جني الإيرادات... بيد أن هذا القطاع يعتمد إلى حد كبير على السلوك المجتمعي في البلد المضيف، وتوافر الرغبة في خدمة الآخرين، وإذا لم يستطع العراقيون خلق المناخ المناسب للسياحة فإن بذل الأموال على منشآته سيكون هدرا، وعلى حساب قطاعات قد تكون أكثر جدوى.

التدهور والتضخم

أدت السياسات المتهورة للنظام العراقي، ودخوله الحرب العراقية الإيرانية، وغزوه للكويت واحتلالها، إلى انهيار شبه تام للاقتصاد العراقي، وفقدان الإيرادات النفطية وزيادة الالتزامات تجاه العالم الخارجي سواء كانت على شكل ديون مباشرة أو تعويضات. ولذلك فقد انهار سعر صرف الدينار العراقي إلى مستويات فلكية، وأصبح سعر صرف الدولار الآن يساوي أكثر من خمسمائة دينار عراقي... وواكب هذا التدهور في سعر الصرف تضخما في الأسعار مما جعل مستويات المعيشة متدنية إلى درجة جعلت المواطنين يعانون من عدم التمكن من الوفاء بالاحتياجات الأساسية للحياة مثل توفير الغذاء والكساء وأجور التنقل. ولكي يتمكن أي نظام سياسي جديد من أن يحقق استقرارا في سعر صرف العملة الوطنية ويعيد لها قيمتها الحقيقية لابد من أن يعالج مختلف القضايا السياسية والاقتصادية ووسائل تفعيل القطاعات الاقتصادية.

ومن الأمور الشائكة التي ستواجه العراق في المستقبل الطريقة التي سيعالج بها قضايا الديون والالتزامات الخارجية، وهذه تمثل الأداة التي يمكن بها حصد الثقة الدولية في النظام الاقتصادي ومدى أهليته أو عدم أهليته لجدولة هذه الديون والالتزامات، أو الحصول على خطوط ائتمان جديدة... ومن المؤكد أن البنوك الدولية والمنظمات العاملة في نشاط التمويل والمساعدات سوف تقرر مواقفها على ضوء تطور النظام السياسي وكسبه مصداقية تمكنه من بناء علاقات إقليمية ودولية على أساس من الثقة.

إن العراق يتمتع بإمكانات اقتصادية واعدة تتطلب توافر إدارة سياسية مشروعة، تعتمد على كفاءات في الإدارة الاقتصادية تحظى بسمعة دولية ممتازة... ومن المهم أن نذكر أن الاقتصاد العراقي سوف يعتمد على دعم الدول الإقليمية والدول الرئيسية الكبرى في الغرب، وعلى الدعم المالي والتقني من قبل الهيئات الاقتصادية الدولية مثل البنك الدولي للإنشاء والتعمير، وصندوق النقد الدولي، والمؤسسة الدولية للتمويل... ومثل ما تعمل الحكومة اللبنانية في الوقت الحاضر، من توظيف علاقاتها مع مختلف الأطراف الدولية والإقليمية لإنعاش الاقتصاد اللبناني، فإن أي حكومة في العراق عليها أن تنهج علاقات طيبة ومسالمة مع كل الأطراف لكي تتمكن من جني نتائج إيجابية تؤدي إلى فعالية الأداء الاقتصادي... إلى جانب ذلك لابد من خلق استقرار في المجتمع العراقي يسمح بتوظيف جميع الطاقات البشرية في انتشال الوضع الاقتصادي من حالته الراهنة. وقد يستلزم تحسين الأداء الاقتصادي وقتا طويلا بعد النكبات التي مرت بالعراق، لكن ذلك الأداء يعتمد على مدى فعالية البدايات السياسية والاقتصادية.

 

عامر ذياب التميمي

أعلى الصفحة | الصفحة الرئيسية
اعلانات