القاهرة القديمة تحت الحراسة مختار السويفي

القاهرة القديمة تحت الحراسة

كانت الشمس قد أوشكت على المغيب على ضفاف مجري النيل، بعد أن استغرقت عملية العبور الفضاء بجوار المقطم من الصبح حتى العصر، ولم يدع القائد جوهر الصقلي فرصة لجنوده للراحة، وأمر بان يختط على الفور عاصمة جديدة تليق بالخلفاء الفاطميين الذين خططوا للسيطرة على المغرب والمشرق وحكم العالم.

وعلى عادة أهل ذلك الزمان، استخار جوهر بعض المنجمين المغارة، وطلب منهم أن يراقبوا طوالع النجوم ليختاروا طالعا ذا فأل حسن لبدء عملية بناء العاصمة الجديدة، ومن أجل ذلك نصت أعمدة خشية حول دائر المكان، وعلقت بيت تلك الأعمدة حبال تتدلى منها أجراس صغيرة.

وبينما كانوا المنجمون يرقبون السماء، حط غراب على الحبال الممتدة، فتحركت الأجراس مصادفة، وبدأ الحفارون والبناءون عماليتهم على الفور .. وعندئذ صار المنجمون الذين أخذوا بهذه المفاجأة غير المتوقعة وقالوا: "القاهرة في الطالع" .. "القاهر" هذا هو كوكب المريخ أو "قاهر الفلك" كما يسميه الفلكيون العرب ومن هنا جاءت تسمية المدينة الجديدة باسم "القاهرة".

ثلاث عواصم إسلامية .. قبل القاهرة

في سنة 640 م دخل نور الإسلام إلى مصر على يد عمرو بن العاص الذي اقتحم بجيشه " حصن بابيلون" حيث كانت تعسكر القوات الرومانية،. وبالقرب من هذا الحصن المنيع الذي يقع حاليا بحي "مصر القديمة " أنشأ عمرو مدينة "الفسطاط" لتصبح أول عاصمة لمصر الإسلامية.

وفي سنة 750 م استولى العباسيون على مصر وقتلوا "مروان بن محمد" آخر الخلفاء الأمويين، وكان قد لجأ إلى مصر هربا منهم بعد أن استولوا على ملكه. وأنشأ العباسيون عاصمة جديدة لمصر أسموها "مدينة العسكر".

وفي سنة 870 م أنشأ "أحمد بن طولون" أول من حكم مصر من الأتراك، عاصمة أخرى أطلق عليها اسم "القطائع".

وكانت هذه العواصم الإسلامية الثلاث مدنا متقاربة تكاد حدودها تتداخل وتتلامس، وإن كانت جميعها بلا أسوار ولا تحصينات، إلى أن وصلت جيوش المغاربة الفاطميين إلى مدينة "الجيزة" التي تقع على الضفة الغربية للنيل في مواجهة تلك العواصم الإسلامية الثلاث التي تقع جميعها على الضفة الشرقية المقابلة.

كيف بدأ بناء القاهرة..؟

عبر الجيش الفاطمي مجرى النيل بقيادة "جوهر الصقلّي" واستولى بسهولة على العواصم الثلاث. وكان ذلك في 17 شعبان سنة 358 ه الموافق 6 يوليو 969م.

وعسكرت الجيوش الفاطمية الغازية في الأرض الفضاء الواسعة التي يشرف عليها جبل المقطم في الشرق، ويحدها من الغرب مجرى مائي متفرع من النيل اسمه "الخليج المصري" كان يصل ما بين العواصم المصرية الإسلامية ومدينة القلزم (السويس) على البحر الأحمر وقرر جوهر أن يبدأ على الفور بناء العاصمة الجديدة - الرابعة - لمصر، وإذا كان البعض يتشكك في قصة الغراب التي حددت الموقع الذي يبني فيه العاصمة الجديدة، فإن هناك رواية أخرى يذكرها بعض المؤرخين حول اسم مدينة القاهرة، فيقولون إن اسم المدينة كان "المنصورية". وذلك تيمنًا باسم مدينة المنصورية التي أنشأها الخليفة الفاطمي المنصور بالله - والد الخليفة المعز لدين الله - بجوار مدينة "القيروان". غير أن الخليفة المعز غيّر هذا الاسم إلى "القاهرة" حين سمع حكاية الكوكب القاهر الذي طلع بسماء المدينة لحظة البدء في بنائها.

قاهرة المعز

كانت القاهرة أيام المعز لدين الله مدينة ملكية عسكرية لا يسكنها إلا الفاطميون وجيوشهم.. كانت عبارة عن معقل حصين يسكنه الخليفة وحريمه وأسرته وجنوده ورجال دولته، وأهم مبانيها القصر الكبير والقصر الصغير، وكانا مخصصين للخليفة، وتقع بينهما منطقة "بين القصرين" التي خلدها نجيب محفوظ في أهم رواياته. بالإضافة إلى قصور أخرى أقل فخامة كانت مخصصة للأمراء وقادة الجيوش ومعسكرات الجنود.

وكانت مساحة المدينة لا تتجاوز 340 فدانًا.. منها 70 فدانًا لقصري الخليفة و35 فدانًا كحدائق وبساتين و35 فدانا للشوارع والميادين.. أما المائتا فدان المتبقية فقد وزعت على قبائل زويلة والبرقية والأورام وغيرها من القبائل التي كانت تتألف منها جيوش الفاطميين.

وبطبيعة الحال فقد كان أهم مباني القاهرة على الإطلاق هو الجامع الأزهر. وكانت تحيط به وتجاوره بعض الدور المخصصة لدواوين الحكومة وخزائن المال والسلاح. وكان يحد المدينة من جوانبها الأربعة سور مبني بالطوب اللبن، أقيم في كل ضلع من أضلاعه بابان كبيران مبنيان بالحجر.

ولم يكن مسموحًا لأبناء الشعب المصري بدخول مدينة القاهرة إلا بعد الحصول على إذن أو تصريح خاص. كما لم يكن مسموحا لأبناء للسفراء والمفوضين الأجانب بدخول المدينة راكبين خيولهم. وكان عليهم أن يترجلوا ويسيروا على أقدامهم في حراسة جنود الجيش الفاطمي.

زحف الشعب المصري إلى القاهرة

ولكن قبل أن يكتمل قرن من الزمان على بناء القاهرة، ساءت جميع أحوال الدولة الفاطمية في مصر، وسقطت أسوار المدينة المبنية بالطوب اللبن تحت زحف حركة العمران التي بدأها أبناء الشعب المصري الذين أقاموا مساكنهم حول كل جانب من جوانب المدينة، واختطوا الشوارع والدروب والحواري داخل المدينة وخارجها.

أما الخليفة الفاطمي المستنصر، فقد أصبح يعيش حياة تعسة شقية، وأصبح فقيرًا لا يجد ما يقتات به سوى رغيفين من الخبز كانت تتبرع بهما كل يوم امرأة فاضلة هي ابنة أحد العلماء المصريين. وانتهى الأمر بهذا الخليفة إلى استدعاء العبد الأرمني "بدر الجمالي" الذي كان يحكم سوريا، ليتولى حكم مصر وتخليصها من الكروب والفاقة التي كانت تعانيها.

أبواب جديدة لمواجهة الخطر

انصلحت أحوال القاهرة والقاهريين بتولي "بدر الجمالي" حكم البلاد، فقد خفت حدة وباء الطاعون الذي كان يعصف بالأرواح، وبدأت أسباب المجاعة التي شاعت في البلاد تزول رويدًا رويدًا.. كما ازدادت في الوقت نفسه سبل المخاطر التي بدأت تحيط بمصر وتهددها.

ومن الإصلاحات التي أجراها بدر الجمالي سماحه لأهل مصر وأبناء شعبها بدخول القاهرة بلا إذن أو تصريح "! ".. بل وسمح لهم أيضًا بأن يقيموا بيوتهم ومساكنهم وحوانيتهم داخل حدود المدينة.. كما قام بتعمير منطقة داخل القاهرة يطلق عليها الآن "حي الجمالية" أقام فيها عدة بيوت وفنادق ووكالات تجارية، كما وسع حدود المدينة شمالاً وجنوبًا.

وحتى يستكمل بدر الجمالي تحصينات المدينة لمواجهة الأخطار التي بدأت تهددها، أقام أسواراً حولها مبنية بالطوب اللبن، كما استدعى ثلاثة من المهندسين الأرمن، وطلب منهم أن يصمموا للقاهرة أبوابًا مبنية بالحجر تؤدي دور الحصون الحربية.

وقام كل واحد من هؤلاء المهندسين الأرمن بتصميم باب ضخم يختلف - هندسيا - عن تصميم البابين الآخرين. وقد اختفى هذا السور الآن وزالت آثاره. أما الأبواب الثلاثة فما زالت باقية حتى الآن.. وهي باب الفتوح وباب النصر في شمال المدينة، وباب زويلة في جنوبها. وتعتبر هذه الأبواب الثلاثة - من الناحية المعمارية - من أعظم التحصينات الحربية في مصر الإسلامية، كما تعتبر فريدة في نوعها ولا مثيل لها في كل المدن والدول الإسلامية أو ذات الطابع الإسلامي.

أسوار صلاح الدين الأيوبي

في سنة 566 ه - 1170م كان صلاح الدين الأيوبي وزيرًا للخليفة الفاطمي "العاضد". وكانت الأخطار التي تحيط بمصر والشام قد ازدادت بدرجة لا يمكن الاستهانة بها أو إغفالها، وذلك بسبب الحملات الصليبية التي كانت تشنها الدول الأوربية على المنطقة حملة وراء أخرى.

شعر صلاح الدين بحسه الحربي اللماح بضرورة تحصين القاهرة ضد أي خطر محتمل، فأمر بترميم السور "اللبني" الذي أقامه بدر الجمالي بعد أن أصبح هذا السور في حالة سيئة. وفي سنة 1176 م بعد أن أصبح صلاح الدين الأيوبي سلطانًا على مصر، أدرك بخبرته التي اكتسبها من حملاته العسكرية الشهيرة في الشام، أن حماية القاهرة تستوجب إقامة المزيد من التحصينات المنيعة، فأمر وزيره "بهاء الدين قراقوش"، ببناء سور ضخم متين مبني بالأحجار وليس من الطوب اللبن، على أن يحيط هذا السور بكل أرجاء مدينة القاهرة وما ألحق بها من بقايا العواصم المصرية السابقة (الفسطاط والعسكر والقطائع).

وكان هذا السور يعتبر بحق واحدا من أضخم أعمال العمارة الحربية الإسلامية التي أقيمت في مصر، حيث كان يبدأ ببرج مقام على شاطئ النيل بمنطقة "المقس" وينتهي ببرج آخر أقيم أيضا على شاطئ النيل بمنطقة الكوم الأحمر بالفسطاط.. ثم يدور السور ليحتضن كل أرجاء القاهرة وملحقاتها.

تطلب البناء آنذاك أن تكون لدى البنائين مئات الآلاف من قطع الأحجار المستوية الجاهزة للبناء الفوري. ومن أجل توفير هذه الكميات الضخمة من الأحجار، أمر الوزير "قراقوش" بفك أحجار مجموعة من المعابد الفرعونية والأهرام الصغيرة الواقعة بمنطقة الجيزة، وكان يتم نقلها عبر النيل إلى الضفة الشرقية، ثم تنقل برًا إلى مواقع البناء المطلوبة.

ومن الغريب أن طريقة الاعتماد على أحجار المنشآت الفرعونية القديمة في إقامة وبناء المنشآت الإسلامية في مصر، قد أصبحت طريقة سهلة شائعة.. فقد اعتمد عليها بدر الجمالي في بناء أبواب القاهرة الثلاثة الشهيرة. كما اعتمد عليها من قبل الخليفة الحاكم بأمر الله في بناء جامعه الشهير .. ويستطيع الزائر المدقق - الآن - أن يرى بوضوح على واجهة بعض أحجار هذه المنشآت الإسلامية نقوشا فرعونية ما زالت محتفظة بألوانها التي قاومت عوادي الزمن عبر آلاف السنين.

ومازالت أجزاء كثيرة من هذا السور الحجري الضخم باقية حتى الآن.. كما زالت أجزاء كثيرة أخرى واندرست بسبب قيام بعض أهالي القاهرة في عصور تالية بفك الكثير من أحجار هذا السور لاستخدامها في بناء بيوتهم في الأحياء المتاخمة للسور والتي تحيط بجوانبه.

قلعة صلاح الدين بالقاهرة

وفكر صلاح الدين الأيوبي أيضا في بناء أول قلعة في مصر الإسلامية لتحصين القاهرة باعتبارها قلب الدولة وحمايتها من كل خطر محتمل.. على أن تكون تلك القلعة محور، يربط أسوار القاهرة وتحصيناتها.

وخرج صلاح الدين في صحبة بعض من حرسه وجنده لاختيار مكان بناء القلعة، حتى وصل إلى سطح جرف مرتفع ومتصل بجبل المقطم، ويشرف على مدينة القاهرة وملحقاتها كما يشرف على النيل والجبل.. وفي هذا المكان نفسه كانت توجد "قبة الهواء" وهي استراحة بناها "حاتم بن هرثمة" أحد ولاة مصر في فجر إسلامها.. وفي قبة الهواء هذه استراح الخليفة المأمون (العباسي) حين جاء إلى مصر عام 217 ه - 832 م.

وقرر صلاح الدين أن تقام قلعته في ذلك المكان الفريد لتكون مقرًا للحكم ومركزا للدفاع عن الدولة.. وظلت القلعة تؤدي هذا الدور في كل العصور الإسلامية التالية على عصر صلاح الدين حتى عصر محمد علي وعصر الخديو إسماعيل الذي نقل مقر الحكم من القلعة إلى قصر عابدين.

وبطبيعة الحال فقد تغيرت معالم ومنشآت القلعة عبر تلك العصور.. فقد اندثرت مبان قديمة وحلت محلها منشآت أخرى، كما تعددت الأبراج والأبواب في أسوارها..

وذكر المؤرخون أسماء عدة أبواب اشتهرت بها القلعة كباب الدرفيل .. وباب القلة .. وباب النحاس.. وباب سارية.. وباب المدرج.. وباب القرافة.. وباب السلسلة.. وباب الجبل.. وباب العزب. وقد زالت بعض تلك الأبواب ولم يعد لها أثر، كما بقيت أبواب أخرى مازالت شاهدة على مدى قوة تحصينات القلعة طبقا للمفاهيم الحربية خلال تلك العصور الإسلامية.

وحتى يتم تزويد القلعة بماء النيل، أقيمت أسوار عالية تمتد إلى مسافة طويلة تصل بين مجرى نهر النيل وبين القلعة ومنشآتها. وقد سمي هذا السورب "مجرى العيون". ويبدأ من شاطئ النيل حيث أقيمت الروافع والقواديس لترفع الماء إلى أعلى السور، فيجري خلال قناة علوية حتى يصل إلى أسوار القلعة فيجتازها إلى داخلها.

ذات المائة باب

ما السبب الذي دعا بعض المؤرخين إلى تسمية القاهرة بالمدينة ذات المائة باب، فيرجع أساسًا إلى كثرة عدد الأبواب التي تميزت بها القاهرة كمدينة ذات طابع خاص مميز. وعلى أية حال فالقول بأن القاهرة ذات المائة باب هو وصف إنشائي مثله في ذلك مثل القول بأن القاهرة ذات الألف مئذنة.. فلم يكن عدد الأبواب مائة بل أقل، ولم يكن عدد المآذن ألفا بل يزيد.

في هذا الاستطلاع الذي تقوم به مجلة "العربي" بين حصون القاهرة القديمة وأبراجها وأسوارها وأبوابها، سنزور أهم أبواب القاهرة القديمة وأشهرها.. وهي الأبواب التي بناها بدر الجمالي منذ نيف وتسعمائة عام، ومازالت باقية حتى يومنا هذا كجزء من الآثار الإسلامية التي تزخر بها مدينة القاهرة.

باب الفتوح

يقع هذا الباب لا الجانب الشمالي من أسوار القاهرة القديمة.. وهو مبنى ضخم من الحجر يتكون من برجين شبه مستديرين تعلوهما حجرات أعدت لتحصين وحماية الجنود المدافعين، بها فتحات أو "مزاغل" لرمي السهام ضد الأعداء.

وفي سقف الباب ومدخله بين هذين البرجين توجد مجموعة من الفتحات كانت تصب منها الزيوت المغلية أو السوائل الكاوية على جنود العدو لمنعهم من دخول المدينة.

وإذا صعد الزائر إلى سطح هذين البرجين لاستطاع أن يشاهد منظرا واسعا (بانوراما) لمعالم القاهرة القديمة والقاهرة الحديثة أيضا، حيث يرى مئات من القباب والمنائر ومآذن الجوامع والمساجد.. كما يظهر جامع الحاكم بأمر الله ملاصقًا للسور الحجري المرتفع الذي يربط المسافة بين باب الفتوح وباب النصر.

وبين البرجين من الداخل نرى الباب الخشبي الضخم الذي كان يفتح ويغلق عند اللزوم. ويتكون هذا الباب من ضلفتين مصنوعتين من الخشب السميك المقوى بشنابر أو (أشرطة) حديدية ذات مسامير كبيرة مرصوصة في صفوف متوازية.

ومن الطريف أنه كانت هناك عادة شعبية منتشرة بين بسطاء الناس وانقرضت الآن تمامًا، وهي أن يقوم من له طلب أو أمنية بلف فتلة من الخيط أو شريط صغير من القماش حول رأس أحد المسامير الكبيرة التي تبرز رءوسها من إحدى ضلفتي الباب وهو يدعو الله أن يستجيب لدعائه ويحقق له ما يطلبه أو يتمناه.

باب النصر

أما باب النصر فطرازه المعماري مختلف تماما عن طراز باب الفتوح، فبرجاه مربعان وليست لهما استدارة برجي باب الفتوح .. كما تتحلى الجدران الخارجية لكل برج منهما بأشكال فنية منحوتة بالحجر البارز تمثل بعض الأسلحة والأدوات الحربية التي كانت معروفة في الزمن القديم.

وباب النصر مجهز أيضا بالحجرات العلوية ذات الفتحات والمزاغل التي تستخدم في رمي السهام، وفتحات السقف التي كانت تصب منها السوائل المهلكة على المغيرين.

وخلف الضلفة اليمنى لباب النصر نرى ضريحًا متواضعًا دفن فيه أحد الأولياء الطيبين الذين كانوا يعيشون في القاهرة القديمة .. ولهذا الضريح حكاية طريفة لا بأس من الإشارة إليها.. فصاحب الضريح اسمه "حسن الذوق" (لاحظ تركيبة الاسم) وكان رجلا طيبا في غاية من لطف المعشر والذوق الرفيع في معاملة الناس.

وتقول الحكاية إن الرجل كان يبذل جهودا مضنية في محاولة منع المشاجرات والمنازعات التي كانت تنشب بين الناس لأسباب مختلفة، ومحاولة تهدئة خواطر الثائرين الذين كانوا يفقدون أعصابهم فيسبون ويلعنون. وكان الرجل يبذل قصارى جهده في تعليم الناس قواعد الذوق السليم وأساليب التعامل بالحسنى والمعروف. ولكن يبدو أن الناس لم يستجيبوا بسهولة إلى تعاليمه الرفيعة، فزهق الرجل وشعر باليأس وقرر الرحيل عن القاهرة وأهلها.

وحمل الرجل متاعه على ظهره .. وسار مودعًا شوارع القاهرة ودروبها وحواريها إلى أن وصل إلى باب النصر ليخرج من المدينة .. ولكن تشاء الأقدار أن يحل أجله عندما أوشك على الخروج من الباب. وقام أهالي القاهرة الطيبون بدفن الرجل حيث سقط بجوار الضلفة اليمنى للباب، وأقاموا له الضريح الصغير المتواضع، وأطلقوا عليه اسم "سيدي حسن الذوق" .. ولعل هذا هو السند المباشر للمثل الشعبي الذي يقوله أهل القاهرة بلغتهم العامية حين يطيبون الخواطر ويدعون إلى التعامل بالحسنى: "الذوق ما خرجش من مصر!".

باب زويلة

وفي الناحية الجنوبية من سور القاهرة الذي بناه بدر الجمالي نرى الباب الثالث من أبواب القاهرة المشهور باسم "باب زويلة" حيث كانت قبيلة زويلة المغربية تسكن وراءه. كما اشتهر أيضًا باسم "بوابة المتولي" حيث كان يجلس بجواره المتولي الذي كان يقوم بتحصيل الرسوم من الداخلين إلى القاهرة من أهل مصر.

ويعتبر باب زويلة أجمل أبواب القاهرة الثلاثة من الناحية المعمارية. وربما كان السبب في إبراز جماله المعماري يرجع إلى قيام "السلطان مؤيد شيخ" - وهو أحد سلاطين المماليك الجراكسة المعروفين تاريخيًا باسم المماليك البرجية - في سنة 1412 م ببناء مئذنتي جامعه الفخم الملاصق لباب زويلة من ناحية الغرب وهو الجامع المعروف باسم "جامع المؤيد".

وتعتلي كل واحدة من هاتين المئذنتين أحد البرجين شبه المستديرين اللذين يتكون منهما الباب. وتعتبر هاتان المئذنتان من أجمل المآذن المملوكية التي تعلو جوامع القاهرة ومساجدها، وأعطتا للبرجين جمالاً معماريا لا تخطئه العين.

ولباب زويلة شهرة بغيضة في تاريخ القاهرة القديمة، حيث كانت تجرى عنده عمليات الإعدام.. سواء بالشنق أو بقطع الرءوس أو بتشطير جسم المحكوم عليه إلى نصفين.. وكانت الرءوس المقطوعة أو الجثث المشنوقة تعلق على باب زويلة لمدة كافية حتى تؤدي دورها كعبرة للآخرين.

ومن أشهر عمليات الإعدام التي أجريت عند باب زويلة، عملية شنق السلطان طومانباي آخر من تولى حكم مصر في دولة المماليك الجراكسة، والذي أعدمه السلطان العثماني سليم الأول عندما استولى على مصر ودخل القاهرة في سنة 1517 م.

ويحكى أن أهالي مصر الذين تجمعوا ليشاهدوا شنق سلطانهم الشجاع الذي استمات في الدفاع عن بلادهم قد أخذوا يبكون، وارتفعت أصوات النساء بالولولة والصراخ.. إلا أن طومانباي تقدم إلى حبل المشنقة وهو يصيح في أهل مصر: لا تبكوا.. واقرأوا لي الفاتحة، بارك الله فيكم!

أبواب السور الشرقي

والجانب الشرقي لسور القاهرة القديمة كان سيئ الحظ.. فهو مجاور لتلال الدراسة حيث كانت تلقى أكوام القمامة خارج أسوار المدينة لمدة قاربت الألف عام.. وتراكمت تلك الأكوام فوق الأبواب التي كانت قائمة في هذا الجانب من السور حتى أهلكتها ودمرتها ولم يعد باقيا منها سوى آثار لا تذكر.

ومع ذلك فإننا نعرف الكثير عن أوصاف تلك الأبواب وحكاياتها من واقع كتابات المؤرخين الذين أرخوا للقاهرة ووصفوا منشاتها ومبانيها الكبرى. كما اكتشفت حديثا بقايا باب كان اسمه "باب التوفيق".. كما يصف المؤرخون بابا شهيرا كان يسمى "باب القراطين". وقد سمي بهذا الاسم لأنه كان قائلا بجوار سوق للمواشي حيث يوجد "القراطون" الذين يبيعون "القرط" وهو البرسيم.

ويقول المؤرخون أيضا إن باب القراطين قد سمى في عصر لاحق "بالباب المحروق".. وذلك لأن إحدى فرق المماليك البحرية التابعة لأمير مملوكي اسمه "إقطاي" كانت تريد الفرار ليلا من القاهرة بعد أن علمت الفرقة بمقتل أميرها.. وعندما وصل هؤلاء المماليك إلى هذا الباب وجدوه مغلفا لأن أبواب القاهرة كانت تغلق كلها بعد غروب الشمس.. فقاموا بإحراق الباب وتدميره ليتمكنوا من الهرب والفرار من المماليك الآخرين الذين كانوا يتعقبونهم.

ونعرف من كتابات المؤرخين أيضا أن هناك بابا كان يسمى "باب البرقية" نسبة إلى طائفة من الجنود القادمين من مدينة "برقة". وقد سمي هذا الباب في عصور لاحقة باسم "باب الغريب".

أبواب السور الغربي

أما أبواب القاهرة التي كانت تقع في الجانب الغربي من أسوارها التي تطل على مجرى "الخليج المصري" فقد زالت جميعها، ولم يعد باقيا منها سوى ذكرياتها متمثلة في أسمائها التي أطلقت على الأحياء السكنية أو المواقع التي كانت قائمة فيها.. وذلك مثل "باب سعادة" الذي كان منسوبا إلى "سعادة بن حيان" غلام المعز لدين الله الفاطمي.. و "باب القنطرة" الذي سمي بهذا الاسم بسبب القنطرة التي بناها جوهر الصقلي فوق مجرى الخليج المصري لتصل بين الأحياء الشرقية للقاهرة وأحيائها الغربية في منطقة "المقس" في موضع حي الأزبكية الآن.

وفي مواجهة باب القنطرة وعلى الضفة الغربية للخليج، كان يقع "باب الشعرية" الذي سمي كذلك بسبب وجود طائفة من البربر كانوا يسمون "بني الشعرية" وكانوا يقيمون بجواره. وقد ظل" باب الشعرية" قائما إلى أن أزيل سنة 1884 م بسبب تصدع مبانيه وبسبب افتتاح وإنشاء شوارع وطرقات جديدة. ومع ذلك فقد ظل اسم "باب الشعرية" باقيا حتى الآن، حيث يطلق على الحي الشعبي الكبير الذي يقع بين أحياء الجمالية والفجالة والأزبكية.

وبحس واع بتاريخ القاهرة والقاهريين.. حرص الأهالي على إطلاق أسماء الأبواب العديدة التي كانت قائمة بأسوار المدينة، وأسماء أبواب الحارات الكبرى، على الأماكن والمواقع نفسها التي كانت قائمة فيها قبل أن تزول وتندثر.

وأشهر أسماء الأبواب في مختلف مناطق القاهرة وأحيائها: باب القوس.. باب الخوخة.. باب الشعراني البراني.. باب الفرج.. باب الخلق (حيث يوجد الآن مبنى المتحف الإسلامي ودار الكتب المصرية).. باب اللوق.. باب الزهومة.. باب الذهب.. باب الزمرد.. باب الديلم.. باب تربة الزعفران.. باب البحر. باب الحديد (حيث توجد المحطة الرئيسية للسكك الحديدية).. باب الوزير..باب الصفاء.. إلخ.

ولولا ذكاء القاهريين في تخليد أسماء هذه الأبواب بعد زوالها واندثارها، لما علمنا بأن القاهرة كانت لها كل هذه الأبواب.. ولما علمنا بحكايات تلك الأبواب وتاريخها.

 

مختار السويفي





باب النصر.. كانت تدخل منه الجيوش المصرية العائدة بعد تحقيق النصر ضد جيوش الصليبيين والتتار





باب الفتوح.. منه كانت تخرج الجيوش المصرية لمحاربة الصليبيين والتتار





سور مجرى العيون.. في أعلاه مجرى لتوصيل مياه النيل إلى قلعة صلاح الدين





بقايا وأطلال حصن بابيلون بمنطقة مصر القديمة ومن أحد أبواب هذا الحصن دخل الجيش الإسلامي إلى مصر بقيادة عمرو بن العاص





باب زويلة.. البوابة الجنوبية للقاهرة القديمة.. وعلى هذا الباب شنق السلطان سليم الأول السلطان طومانباي





بقايا أطلال وخرائب مدينة الفسطاط.. أول عاصمة إسلامية لمصر





جزء من الأسوار الحصينة لقلعة صلاح الدين.. من خلف الأسوار كانت تحكم مصر من عهد صلاح الدين حتى عهد محمد علي وبعض خلفائه