ربع ثدييات العالم على حافة الانقراض

ربع ثدييات العالم على حافة الانقراض

على الرغم من الأهمية التي تنطوي عليها قضية التنوع الحيوي بالنسبة لوجودنا ذاته، فإنها تبدو بعيدة إلى حد كبير، إن لم تكن غائبة تماما، عن أذهان الرأي العام، ليس في عالمنا العربي فقط، بل في أنحاء كثيرة من العالم.

ويمتد الأمر ليشمل أيضا الدوائر العلمية، التي لا تبذل الجهد المطلوب، ولا تخصص الاعتمادات المالية الكافية، للوصول إلى فهم أفضل لوضع الأنواع على كوكبنا. وتأتي كل دراسة علمية جديدة بنتائج صادمة، سواء على مستوى المعدلات المخيفة لانقراض الأنواع المختلفة على كوكبنا، أو على مستوى التراجع المخيف لأعداد كل نوع على حدة، باستثناء ذلك النوع الشره الذي فرض هيمنته على كوكبنا على حساب كل الكائنات الأخرى، أي الإنسان.

ووفقا لـ «القائمة الحمراء للأنواع المهددة»، التي أصدرها «الاتحاد الدولي لصون الطبيعة» على هامش مؤتمره السنوي الذي عقد في برشلونة في أواخر العام الماضي، أكد التقرير الأكثر شمولية لوضع الثدييات في العالم أنها تواجه أزمة انقراض، حيث، يواجه نوع من بين كل أربعة أنواع من الثدييات خطر الاختفاء إلى الأبد. كما أن أعداد نصف أنواع الثدييات تتراجع بشكل حاد عاما بعد آخر.

وكشفت الدراسة الجديدة لتقييم ثدييات العالم أن خطر الانقراض يهدد 1141 نوعا من بين الـ5487 نوعا من الثدييات التي تعيش على كوكب الأرض. ويعرف العلماء أن هناك 76 نوعا من الثدييات على الأقل قد انقرضت منذ العام 1500. لكن الدراسة أثبتت أيضا أن الجهود الحمائية يمكنها كذلك أن تعيد بعض الأنواع ثانية من حافة الانقراض، حيث أظهرت خمسة في المائة من الثدييات المهددة حاليا بشائر الانتعاش في البرية.

وتقول جوليا مارتن لوفيفر المدير العام للاتحاد الدولي لصون الطبيعة: «في حياتنا قد نشهد انقراض مئات الأنواع نتيجة لسلوكياتنا نحن، وهو مؤشر مخيف على ما يحدث في النظم الإيكولوجية التي تعيش فيها. ويجب علينا أن نحدد الآن أهدافا واضحة للمستقبل لكي نوقف هذا الاتجاه لضمان ألا يؤدي أسلوب حياتنا الحالي إلى انقراض العديد من أقرب الأنواع إلينا».

وربما يكون الوضع على الأرض أكثر سوءا بكثير، حيث كشفت الدراسة أن هناك نقصا حادا في البيانات فيما يتعلق بـ836 نوعا من الثدييات. ومع حصولنا على مزيد من البيانات، قد يتضح أن هناك مزيدا من الأنواع تتعرض لخطر الانقراض.

وفي مقال نشره أخيرا في مجلة ساينس العلمية الذائعة الصيت، قال يان شيبر الباحث في الاتحاد الدولي لصون الطبيعة: «الواقع أن عدد الثدييات المهددة قد يزيد على 36 في المائة. وهذا ما يشير إلى أن الجهود الحمائية المدعومة بالبحث العلمي لها أولوية واضحة في المستقبل، ليس فقط لتحسين البيانات بحيث يصبح بوسعنا تقييم التهديدات التي تحيق بتلك الأنواع التي نفتقر للمعلومات الكافية عنها، بل والتفتيش عن وسائل إنقاذ الأنواع المهددة وزيادة أعدادها».

وأدرجت الدراسة أن 188 نوعا من الثدييات ضمن فئة «الأنواع المهددة بخطر داهم Critically Endangered، بما في ذلك الوشق الأيبيري the Iberian Lynx pardinus، الذي لم يبق منه إلا 84-143 حيوانا بالغا وتواصل أعداده في التراجع نتيجة لاختفاء فرائسه الرئيسية، أي الأرنب الأوربي.

وأدرجت الدراسة غزال بيري ديفيد الصيني China s Père David s Deer Elaphurus Davidianus ضمن فئة «الحيوانات المنقرضة في البرية». ومع ذلك، فإن أعداده الأسيرة وشبه الأسيرة في ازدياد مستمر، وربما يعاد إطلاق بعضها في البرية في القريب العاجل.

لكن قد يكون الأوان قد فات لإنقاذ 29 نوعا أخرى أدرجتها الدراسة ضمن فئة «الأنواع المهددة بخطر داهم وربما انقرضت»، مثل هوتيا الأرض الصغيرة الكوبية Cuba s Little Earth Hutia، التي لم تشاهد منذ أكثر من أربعين عاما.

وأما الثدييات التي اعتبرتها الدراسة «أنواعا مهددة» فوصل عددها إلى نحو 450 نوعا، بما في ذلك العفريت التسماني Tasmanian Devil Sarcophilus Harrisii «حيوان من ذوات الجراب»، الذي انتقل من فئة «في وضع يدعو إلى القلق» إلى فئة «الأنواع المهددة» بعد أن انخفضت أعداده على مستوى العالم بنسبة تزيد على 60 في المائة في السنوات العشر الأخيرة بسبب تفشي مرض سرطان الوجه القاتل بين أفراده.

وانتقل القط الصياد Fishing Cat Prionailurus Viverrinus، الذي يعيش في جنوبي شرقي آسيا، من فئة «معرض للخطر» إلى فئة «مهدد بالانقراض» بسبب فقدان موائله الطبيعية في المستنقعات. كذلك انتقلت الفقمة القزوينية Caspian Seal Pusa Caspica من «معرض للخطر» إلى فئة «مهدد بالانقراض». وقد انخفضت أعدادها بنسبة 90 في المائة خلال المائة سنة الأخيرة نتيجة للصيد المفرط وتراجع موائلها الطبيعية ولاتزال أعدادها في تراجع مستمر.

ويؤثر فقدان الموائل الطبيعية وتدهورها على 40 في المائة من الثدييات في العالم. وتصل هذه الظاهرة إلى أقصى درجاتها في وسط وجنوبي أمريكا الجنوبية، وغربي وشرقي ووسط إفريقيا، ومدغشقر، وجنوبي شرقي آسيا. ويؤدي الصيد المفرط إلى اقتلاع الثدييات الكبيرة من موائلها، خاصة في جنوبي شرقي آسيا، وأيضا في أجزاء من إفريقيا وأمريكا الجنوبية.

ولا يوجد حيوان السنجي الرمادي الوجه Grey -Faced Sengi، أو ذبابة الفيل Elephant-shrew Rhynchocyon Udzungwensis «حيوان من آكلات الحشرات يشبه الفأر»، إلا في غابتين في جبال أودزونجوا في تنزانيا، وكلتاهما محميتان تماما لكنهما مكشوفتان أمام أي حريق عشوائي. وهذا الحيوان لم يكتشف إلا في العام الماضي وأدرج فورا ضمن فئة «الأنواع المهددة بالانقراض».

لكن الدراسة حملت أيضا أخبارا جيدة. فقد كشف تقييم ثدييات العالم أن الأنواع المختلفة يمكنها التعافي مع الجهود الحمائية المنسقة. فابن مقرض الأسود القدم The Black-footed Ferret Mustela Nigripes انتقل من فئة «منقرض في البرية» إلى فئة "مهدد بالانقراض" بعد أن نجحت جهود إدارة المصايد والحياة البرية الأمريكية في إعادة إطلاقها إلى بيئاتها الطبيعية في الولايات الغربية والمكسيك خلال الفترة 1991-2008. كذلك انتقلت الخيول البرية Equus Ferus من فئة «منقرضة في البرية» العام 1996 إلى "معرضة لخطر داهم" العام الماضي بعد جهود مكثفة لإعادة توطينها في موائلها الأصلية في منغوليا في مطلع التسعينيات.

وانتقلت الأفيال الإفريقية Loxodonta Africana من فئة «معرضة للخطر» إلى فئة «شبه مهددة»، رغم تباين أوضاع مجموعاتها في مختلف موائلها الطبيعية. ويعود هذا التحسن إلى الزيادة المستمرة في أعدادها في جنوبي وشرقي إفريقيا. وهي زيادة كبيرة إلى درجة فاقت كل النقصان في المناطق الأخرى.

ويقول البروفيسور يان سمارت رئيس البرنامج الخاص في الاتحاد الدولي لصون الطبيعة: «كلما طال انتظارنا ارتفعت تكلفة مكافحة انقراض الأنواع في المستقبل. ونحن نعرف الآن أيا من الأنواع مهددة بالانقراض، وطبيعة هذه التهديدات وأماكنها- ولم يعد لدينا أي مبرر للوقوف مكتوفي الأيدي».

وقد شارك في مشروع تقييم ثدييات العالم أكثر من 1800 عالم من أكثر من 130 بلدا. وتم تنفيذه بفضل المساعدات التطوعية للمجموعات المتخصصة التابعة للجنة بقاء الأنواع في الاتحاد الدولي لصون الطبيعة والعديد من كبريات المؤسسات والجامعات، بما في ذلك جامعة سابينتزا في روما، وجامعة ولاية أريزونا، وجامعة إيه أند إم في تكساس، وجامعة فرجينيا، وجمعية علم الحيوان في لندن ومؤسسة Conservation International.

ليس الثدييات فقط

تضمنت «القائمة الحمراء» إجمالا معلومات عن 838,44 نوعا، يتهدد الانقراض 928,16 منها «38 في المائة». وأدرج 246,3 نوعا منها ضمن أعلى فئات التهديد بالانقراض، أي «الأنواع المعرضة لخطر داهم»، و770,4 ضمن فئة «مهددة بالانقراض» و912,8 ضمن فئة «معرضة للانقراض».

وظهرت مجموعات جديدة من الأنواع لأول مرة في القائمة الحمراء، الأمر الذي يعكس تنوع وثراء بياناتها. فالعناكب الذئبية الهندية Indian tarantulas، التي يتباهى الهواة باقتنائها ويتعرض وجودها للخطر بسبب انتعاش الاتجار الدولي فيها، سجلت ظهورها للمرة الأولى ضمن «القائمة الحمراء». وهي تعاني فقدان موائلها الطبيعية بسبب التوسع العمراني وشبكات الطرق الجديدة. كذلك أدرجت القائمة عناكب راميشوارام ذات المظلة Rameshwaram Parachute Spider ضمن فئة "معرضة لخطر داهم" بعد أن تعرضت موائلها الطبيعية للتدمير الكامل تقريبا.

ولأول مرة، تم تقييم الـ161 نوعا المعروفة من أسماك القشر Grouper «أسماك كبيرة تألف قيعان البحار الدافئة»، التي يتهدد الانقراض 20 نوعا منها. وأدرج القشر المرجاني المربع الذيل Squaretail Coral Grouper الذي يعيش في المحيط الهادئ ضمن الأنواع المعرضة لخطر الانقراض. ويعتبر هذا النوع من الأسماك من الوجبات الفاخرة ويتم اصطياده عادة في مرحلة التبييض، وهو خطر كبير يهدد كل أنواع أسماك القشر.

وتواجه البرمائيات أزمة انقراض مع إضافة 366 نوعا منها إلى القائمة الحمراء الجديدة. والآن يبلغ عدد أنواع البرمائيات التي انقرضت أو في طريقها للانقراض 983,1 نوعا. وفي كوستاريكا، انتقل ضفدع هولدريدج، وهو من الأنواع المتوطنة، من فئة «معرضة لخطر داهم» إلى فئة «الأنواع المنقرضة»، حيث لم يشاهد منذ العام 1986 رغم عمليات البحث المكثفة.

ومن بين أنواع الزواحف الجديدة التي تضمنتها القائمة الحمراء الأخيرة عظاءة (سحلية) لابالما العملاقة La Palma Giant Lizard Gallotia auaritae. وكانت هذه العظاءة قد اكتشفت لأول مرة في جزيرة لابالما في الكناري واعتقد طوال الـ 500 عام الماضية أنها قد انقرضت، لكنها اكتشفت مجددا في 2007 وأدرجت ضمن فئة الأنواع المعرضة لخطر داهم. ويعد التمساح الكوبي Cuban Crocodile Crocodylus rhombifer أيضا من الزواحف المعرضة لخطر داهم، بعد أن انتقل إليها من فئة الحيوانات المهددة بالانقراض بسبب الصيد غير القانوني للاتجار في لحمه وجلده الذي يستخدم في صناعة الملابس الفاخرة.

مؤشر داو جونز للتنوع الحيوي

وقد أطلق الاتحاد الدولي لصون الطبيعة «مؤشر عينات القائمة الحمراء» بالتعاون مع جمعية علم الحيوان في لندن كبادرة هدفها إحداث ثورة في فهمنا للوضع الحمائي للأنواع في العالم.

وتقوم مقاربته على أخذ عينة عشوائية للأنواع من مجموعة تصنيفية لحساب اتجاهات خطر الانقراض ضمن المجموعة، بالطريقة نفسها التي تؤخذ بها عينة من مركز تصويت لحساب اتجاهات التصويت. وهو ما يعني أنه من الممكن لتتبع مصير هذه الأنواع، بالأسلوب الذي يتتبع به مؤشر داو جونز حركة الأسواق المالية.

ومع أن تغطية الأنواع في القائمة الحمراء قد زادت في العدد سنويا، إلا إن التقييمات بشكل عام اقتصرت على مجموعات الأنواع التي نمتلك معرفة جيدة بها مثل الطيور والثدييات. وبالتالي فإن «مؤشر عينات القائمة الحمراء» سيساعد على تكوين فهم أفضل وصورة أعرض لأوضاع التنوع الحيوي في العالم. ويقول البروفيسور جوناثان بيلي من برنامج حماية الأنواع في جمعية علم الحيوان في لندن: «إننا نخرج الآن من عصور الظلام فيما يتعلق بمعرفتنا بالتنوع الحيوي، حيث نعتمد على بيانات تستند إلى معرفة جيدة بنحو 4 في المائة فقط من التنوع الحيوي في العالم».

 

 

 

أحمد الشربيني 





جهود مكثفة بذلت لإعادة توطين الخيول البرية في موائلها الأصلية في منغوليا





الوشق الأيبيري لم يبق منه إلا أعداد قليلة بالغة





التمساح الكوبي يعد من الزواحف المعرضة لخطر داهم





غزال بيري ديفيد الصيني أدرج ضمن فئة «الحيوانات المنقرضة في البرية»





العفريت التسماني مهدد بالانقراض بسبب تفشي مرض سرطان الوجه القاتل بين أفراده





ابن مقرض الأسود القدم عاد من حافة الانقراض بفضل الجهود الحمائية





الانقراض يهدد 20 نوعا من أسماك القشر Grouper





ضفدع هولدريدج انتقل إلى فئة «الأنواع المنقرضة»، حيث لم يشاهد منذ العام 1986





الفقمة القزوينية انخفضت أعدادها بنسبة 90 في المائة خلال المائة سنة الأخيرة نتيجة للصيد المفرط





العناكب الذئبية الهندية يتعرض وجودها للخطر بسبب انتعاش الاتجار الدولي فيها