في ظل إنترنت المستقبل هل يصبح الأطباء بلا عمل؟

في ظل إنترنت المستقبل هل يصبح الأطباء بلا عمل؟

طالعت في العدد 600 نوفمبر 2008م موضوعاً شائقاً بعنوان (إنترنت المستقبل, للأشياء لا للإنسان) تحدث فيه الكاتب - جمال غيطاس - عن مستقبل الإنترنت وأنها ستشمل كل الأشياء في الوجود. وعلى الرغم من أن المتنبي شاعر العربية الفذ قد قال:

لا أَشرئِبُّ إِلى ما لَم يَفُت طَمَعاً
وَلا أَبيتُ عَلى ما فاتَ حَسرانا

فإننا نجد أن كاتبنا قد اشرأب بعنقه إلى المستقبل البعيد ليستشرف لنا خفاياه، وحسناً فعل فالدراسات المستقبلية أضحت من أهم ما يتحدث عنه العلماء اليوم، فهذا هو أحمد زويل يتساءل في مقدمة كتابه (عصر العلم) فيقول: «إن ما يجرى يتطلب منا وقفة تاريخية، كيف وصلنا إلى هذه الدرجة من التطور؟ وما هي طريقة الوصول إليها؟ وما الذي يحمله المستقبل من جديد للناجحين والخاملين؟»

ونحن اليوم نحاول أن ننتقل - من خلال الإمكانات الهائلة والضخمة التي وهبها الله تعالى للعقل البشري - إلى آفاق أرحب وأوسع مما نحن عليه الآن، متطلعين إلى غدٍ أفضل من اليوم يصبح فيه العلاج الطبي أو ما يمكننا أن نسميه - فيما بعد - بـ (العلاج الطبي الشبكي). وهو عبارة عن شكل من أشكال الاتصال بين جسم الإنسان سواء أكان معافىً وسليماً أم عليلاً يشكو المرض وبين شبكة الإنترنت الطبية العالمية (المقترحة) يشترك في إدارتها مجموعة من المهندسين المصممين لشبكات الاتصالات مع الأطباء في جميع أنحاء العالم .

حين قرأت هذا المقال - الذي نحن بصدده الآن - تذكرت أنني كنت قبله قد طالعت مقالاً سابقاً في مجلة العربي العلمي (العدد : الحادي عشر أبريل 2006م) للكاتب نفسه، وكان عنوانه (جسمك ينقل بياناتك)، قال في مقدمته: «أحدث التجارب التي أجريت باليابان في مجال شبكة المعلومات تقول: إن جسم الإنسان يصلح لأن يكون موصلاً ممتازاً للبيانات الرقمية». بل ويمكن أن يعمل كشبكة معلومات شخصية متحركة عالية السرعة... لتنتشر بيننا مقولة جديدة «ما نقل بياناتك مثل جسدك».

وبعد مطالعتي لهاتين المقالتين الرائعتين نجد أن الكاتب قد استنطق المستقبل، محاولاً الغوص في مجاهله، سابقاً بذلك الكثيرين منا ممن يعيشون في هذا العصر وهو بحق عصر العلوم والمعرفة ـ كما سماه أحمد زويل - فقد انتقل بنا إلى رحاب الفكر الواسع والعقل الخلاق المبتكر. بعد هذه السياحة العلمية طافت بخاطري فكرة رأيت أن أطرحها على القارئ الكريم لمجلتي الحبيبة إلى عقلي والأثيرة إلى قلبي، فقلت في نفسي:

لو استطاع العلماء من الأطباء الاستفادة من شبكة الإنترنت الحالية في خلق أو صنع شبكة اتصالات طبية تكون أشبه بشبكة الاتصالات الهاتفية، إذن لأنقذنا الكثير - إن لم نقل الجميع - من معاناتنا مع الأمراض خاصة المزمنة منها، حيث تقوم هذه الشبكة الطبية (المقترحة) بما تقوم به شبكة الاتصالات الهاتفية فتعمل هذه الشبكة على ربط جسم كل فرد منا - عن طريق شفرات سرية - بالشبكة الطبية العالمية التي مهمتها تتبع

ما يحدث في أجسادنا من خلل ومعالجته في اللحظة، وبذلك يتخلص الناس جميعهم من عناء الذهاب إلى المستشفيات أو حتى التردد على العيادات ومراجعة الأطباء. وهو أمر - بلا شك - بغيض إلى نفس كل شخص حتى وإن جعل الطبيب من مستشفاه فندقاً. ولكننا إن تمكنا من خلق مثل هذه الشبكة التي ستقوم بعملية تجميع وتحليل البيانات الصحية للجسم الإنساني، حيث سيتم ذلك من خلال شريحة كشريحة الجوال تزرع تحت الجلد، ومن ثم تعمل تلك الشريحة على توضيح الحالة الصحية للجسم البشري على مدار الساعة في نومه وصحوه ومراقبة أكله وشربه وجميع حركاته وسكناته، وبذلك يتمكن الجسم من نقل كل بياناته الصحية فينبئ عن نقص السكر وارتفاع ضغط الدم أو الفشل الكلوي ومبادئ نمو الخلايا السرطانية وارتفاع حرارة الجسم عن المعدل الطبيعي... كذلك يخطر الجسم الشبكة الطبية - مباشرة دون حاجة إلى زيارة الطبيب - بكل خلل يحدث في أيٍّ من أجهزته : التنفسي والهضمي والبولي والدورة الدموية، عندها لن تتأخر الشبكة عن تقديم المساعدة الفورية في اللحظة المناسبة فيتفادى الجسم جميع مشاكله المرضية.

ومما لا شك فيه أن مثل هذه الشبكة - إن وجدت - ستفيدنا جداً في حل الكثير والكثير جداً من القضايا المتعلقة بالطب والصحة. من ذلك على سبيل المثال:

1 - الاكتشاف المبكر للأمراض قبل تفاقمها واستعصائها على علاج الأطباء وعقاقيرهم.

2 - تقليل التكلفة المادية على المرضى حيث سيتم الكشف المبكر بمداهمة المرض ومحاصرته والقضاء عليه لحظة وجوده في الجسم دون أن تترك له أيُّ فرصة للانتشار.

3 - الاستفادة من كثير الزمن المهدر والمضاع في فترة تلقي العلاج والراحة (النقاهة) بعد الشفاء من المرض.

4 - بالإمكان تحديد الأشخاص المناسبين بكل سهولة ويسر في حالات عمليات زراعة ونقل الأعضاء وبسرعة عالية تساعد في زيادة نسبة نجاح عمليات نقل الأعضاء.

5 - العناية الدقيقة والمراقبة اللصيقة للمرضى المصابين بأمراض مزمنة.

6 - سيستفيد الأطباء من الزمن، وسيستثمرون أوقاتهم الثمينة في التفكير في إيجاد علاج ناجع وشاف لتلك الأمراض التي لاتزال تمد لنا لسانها هازئة بنا متحدية لعقول علمائنا.

والحقيقة هي أن كل طبيب لا يشرئب بعقله وفكره إلى نور المستقبل، مستفيداً من الطفرة العلمية الحادثة والتي ستحدث... أقول حينئذ ربما عليه أن يتخلى عن هذه المهنة المقدسة ويبحث له عن مهنة تتناسب مع تكوينه العقلي المتحجر. لقد أضاف الأوائل من الأطباء إلى تعلم الطب الكثير من العلوم ؛ فكان من نتاج ذلك: الكندي والفارابي وابن سينا وابن طفيل وابن رشد، ممن اشتهروا في مجال العلوم الطبية فخلدوا أسماءهم بمداد من نور وسطروها في سجل الخالدين بماء الذهب، ولم يحصروا أنفسهم في ركن ضيق من أركان المعرفة كما يفعل الكثير منا من أطباء اليوم.

د. منتصر عبد الرحمن
طبيب سوداني مقيم في السعودية.