القدس... مدينة واحدة وعقائد ثلاث

القدس... مدينة واحدة وعقائد ثلاث

من المكتبة الأجنبية

تأليف: كاريـن أرمسـترونـج

عرض: ياسـر

القدس... مدينة مثل كل المدن, فما سر قداستها, ولماذا تدور الصراعات العربية - الإسرائيلية حولها? وإذا كان التاريخ يثبت حقيقة الوجود العربي في فلسطين, فلماذا يصغي الغرب إلى مزاعم اليهود وإلى أساطيرهم?

في زيارتها للقدس عام (1983) لاحظت المؤلفة أن الفلسطينيين والإسرائيليين يعتبرون القدس مدينة مقدّسة, وليست مدينة عادية مثل غيرها من المدن.

وتساءلت: ماذا تعني كلمة (المقدّسة) في هذا السياق? كيف يمكن لمدينة حافلة بالبشر الخطّائين, وغاصّة بالأنشطة الدنيوية, أن تكون مقدسة, ولماذا اليهود الملحدون يحرصون على المدينة المقدسة? ويشعرون شعوراً عميقاً بانتماء الحائط الغربي والذي يسمونه (حائط المبكى) لهم? ولماذا هاجت كوامن ذلك العربي غير المؤمن, ففاضت دموعه عندما وقف أول مرّة في المسجد الأقصى?

وفي سبيل الإجابة عن هذه الأسئلة, تشير المؤلفة إلى الأحداث الدينية المقدسة التي وقعت في هذه المدينة, ومن أهمها موت المسيح وبعثه, وهذا سبب كاف لقداسة المدينة في أعين المسيحيين بخاصة, والمؤمنين عامة, لكن الأحداث التي أدت إلى نشأة اليهودية والإسلام وقعت بعيداً عن القدس. فنشأة اليهودية بدأت من شبه جزيرة سيناء حيث أنزل الله القانون على موسى وقدّم العهد لبني إسرائيل على جبل (طور سينين), وليس على جبل صهيون في القدس.

أما نشأة الإسلام, فكانت في الحجاز ببلاد العرب, حيث ولد ونشأ النبي (محمد) صلى الله عليه وسلم, ونزل عليه الوحي, وجاهد في سبيل نشر الإسلام في شبه الجزيرة العربية.

(ولا تشير المؤلفة إلى أن القدس كانت أولى القبلتين وثاني الحرمين).

ويتضح لها أن قداسة المدينة لا تعتمد على الأحداث التاريخية والدينية التي وقعت على أرضها, وإنما ترجع إلى وعي مركب بمفهوم القداسة حاولت المؤلفة في هذا الكتاب أن تسبر أغواره وتكشف تجليّاته, وتفضح بعض الأكاذيب المتخفيّة في بهائه وسطوته.

القدس والأسطورة

يُعد الإخلاص لمكان مقدّس أو لمدينة مقدّسة بمنزلة ظاهرة عالمية, ويعتقد مؤرخو الأديان أنه من أقدم تجليّات الدين في جميع الثقافات, ومن بين هؤلاء المؤرخين (مرسيا إلياد) الذي بحث وحلل ببراعة مسألة القداسة في كتـابه (المقدس والعادي), ويذهب إلى أننا إذا ما حللنا بنية المكان المقدس, نجد أن الإنسان يرغب في أن يضع نفسه في (مركز) يمكنه من الاتصال بالآلهة, ومسكنه عالم صغير وجسده كذلك, وهكذا فإن تماثل (البيت - الجسد - الكون) قد فرض ذاته منذ وقت مبكّر.

وتشير المؤلفة إلى ما يُعرف بـ(الجغرافيا المقدسة), وهي خريطة لا علاقة لها بالخريطة العلمية للعالم, ولكنها ترسم صورة الحياة الباطنية حتى ليصبح ما على الأرض من مدن وجبال رموزاً للحياة الروحية, ولا يخلو مكان من مثل هذه الرموز المقدسّة.

ويعد ذلك بمنزلة استجابة لحاجة إنسانية عميقة, أشار لها (مرسيا إلياد) بقوله إن الإنسان يرغب في أن يضع نفسه في مركز (يمكنه) من الاتصال بالآلهة.

وهكذا أصبحت (القدس) تشغل مكان القلب في الجغرافيا المقدسة لليهود والمسيحيين والمسلمين, بغض النظر عن الدوافع والأسباب, مما يجعل من الصعب عليهم أن ينظروا إلى المدينة نظرة موضوعية, لارتباطها بهذا البعد الروحاني الذي يهب الحياة معناها وقيمتها.

أما المفهوم الآخر المرتبط بالقدس, فهو (الأسطورة) بمعناها الشائع للدلالة على ما هو غير حقيقي أو مختلق ومزعوم.

وتتجلى الأسطورة بمفهومها هذا في المناظرات الدائرة حول القدس بين اليهود والفلسطينيين (مسيحيين ومسلمين), إذ ينفي الفلسطينيون العثور على أي آثار تدل على قيام دولة يهودية على يدي الملك داود, بالإضافة إلى أنه لا أثر يدل على وجود معبدسليمان. ويستشهدون على ذلك بأنه لم يرد ذكر لمملكة إسرائيل في أي من النصوص المعاصرة, بل في الكتاب المقدس فقط.

وهكذا يُرجحون أنها (أسطورة) فحسب.

وبالطبع لا يصمت الإسرائيليون, ويتجاوزون في ردودهم لحد إنكار قصة معراج النبي (محمد) من الحرم الشريف في القدس إلى السماء, قائلين بأنها أسطورة تشغل موقع القلب من تعلق المسلمين بالقدس, وإن العقل لا يقبلها, وتُعلق المؤلفة (كارين أرمسترونج) على هذا بأنه لم يكن الهدف من الأسطورة يوماً ما أن تصف أحداثاً تاريخية وقعت فعلاً ويمكن التحقق من صحتها, بل هي دائماً محاولة للتعبير عن دلالتها الباطنة أو لفت الأنظار إلى حقائق تستعصي على المناقشة المنطقية. ومن التعريفات الجيدة للأساطير أنها صورة قديمة لعلم النفس لأنها تصف الأغوار الباطنة للنفس, تلك التي تكتنفها الألغاز والأسرار, وهكذا تشير المؤلفة إلى ضرورة الانتباه إلى أهمية (الأساطير الجغرافية) بوصفها تعبيراً عن حقائق الحياة الباطنة, وفوق ذلك, فهي تمس المصادر المبهمة لآلام الإنسان ورغباته, ولهذا فهي قادرة على إطلاق عواطف مشبوبة وطاقات الإنسان الإيمانية الكامنة. فيجب على كل مَن يحاول التصدي لمسألة (القدس) ألا ينبذ القصص التي تُروى عن القدس باعتبارها أساطير, بل أن يهتم بها لهذا السبب.

القدس... والصراع

وعندما ننتقل إلى الصراع المكاني الدائر بين الفلسطينيين (الشعب المطرود من أرضه), وبين الإسرائيليين الذين يزعمون أنهم أحق بهذه الأرض, (وهم ليسوا بشعبها) (لأنها أرض الميعاد, عندئذ يجب ألا تأخـذنا الحقائق أو الأساطير الميتافيزيقية, عن الوقائع التي تتعلق بكيان الدولة ومصير الشعب, فمن غير المعقول أن يُعطى لكل طائفة دينية حق السيـادة المكانية والسياسية على الأرض التـي تحوي أماكنها وآثارها المقدسة, دون اعتبار لحقيـقة الوجود العربي في فلسطين في التاريخ الحديث, وللجهاد ضد الحملات الصليبية (المحاربة باسم المسيـحية والحق في السيادة لحماية الأماكن المقـدسة المسيحية, ولتحقيق أسطورة العود الأبدي) الذي امتدّ لأكثر من قرن كامل لم يكن فيه لليهـود من دور.

ومعظم المؤرخين يدينون هذه الحملات الصليبية بدعوى أنها كانت غزوات استعمارية تخفي أغراضها تحت قناع ديني, وكذلك يدينون ما يُعرف باكتشاف الأمريكتين ويعيدون تقييمه بوصفه غزواً وإبادة وحشية, ورغم ذلك ثمة حالة من الصمت والتواطؤ تجاه مزاعم الإسرائيليين.

والمدهش أنه في حين يعمل الأوربيون على كشف أكاذيب (الهولوكوست) التي استخدمها زعماء صهيون للضغط على أوربا واستنزافها - وبخاصة ألمانيا, لم يقترب سوى نفر قليل من أكذوبة أرض بلا شعب لشعب بلا أرض (وعلى رأسهم (جارودي) الذي مثل للمحاكمة أمام المحاكم الفرنسية بتهمة معاداة السامية), وذلك رغم أن الوجود الإسرائيلي في فلسطين لا يعدو أن يكون تجليّاً من تجليات الاستعمار البريطاني (فدولة إسرائيل نشأت بناء على وعد بلفور) مثلها في ذلك مثل (جزر فوكلاند) كـ (هونج كونج) وغيرها من المستعمرات التي توالى استقلالها وتحرّرها من مظالم الاستعمار وموبقاته.

وبالطبع هناك فروق ضخمة بين الحقائق والأمر الواقع, فإسرائيل ليست مستعمرة إسرائيلية - ولم تعد مستعمرة بريطانية - رغم انطباق سمات المستعمرة عليها لأن الشتات الإسرائيلي الملموم من كل بقاع الأرض ليس له وطن أو أرض تماماً مثلما أنه لا حق له في أرض فلسطين.

وأخيراً, يجب ألا ننخدع بدعاوى الحيادية المنهجية والتحليل العقلي العلمي, ولا بمحاولات إقحام الأساطير الشعبية والقصص الديني على صراع سياسي وعسكري, وإلا فسنقع في فخاخ المغالطات وما يستتبعه ذلك من استخدام صفات كلمات غير مناسبة أو لا تصح.

ورغم أن مؤلفة الكتاب (كارين أرمسترونج) بذلت جهداً رائعاً في استعـراضها لقـضية (القدس) - وليس قضية دولة فلسطين رغم أنه لا يمكن الفصل بينهما - وعرضت بقدر كبير من المنهجية للقرائن والأدلة التي تخص الفلسطينيين العرب والإسرائيليين لإثبات حقهم في القدس, عقائدياً وأسطورياً وتاريخياً, رغم ذلك, فثمة مغالطات أو زلات تكشف عن إساءة فهم ضخمة, تجلت على سبيل المثال في جملة بسيطة وردت في صفحة (15):(الفتح الإسرائيلي للقدس عام 1969).

وهنا أتساءل ماذا تعني كلمة (الفتح)?

وهل ما فعله الإسرائيليون يعد فتحاً أم غزواً واستباحة لحقوق الآخرين?

الحقائق واضحة, وعدم مشروعية الوجود الإسرائيلي لا جدال فيه لمن يريدون الحق والعدل, وحقوق الفلسطينيين المشروعة في دولتهم وضمنها مدينة القدس لا يثبتها التاريخ فقط, وإنما الوجود العربي طوال قرون مضت على هذه الأرض وجهادهم في سبيل حمايتها وإعمارهم لها وأجسادهم المدفـونة في أحضـان هذه الأرض التي لا يمكن أن تنكـر أبناءها لأجل شعب (بلا أرض).

الكاتبة تحت الضوء

عموما فإن الكتاب يوضح للقارئ إلى جانب البحث وبأسلوب غير مباشر السعي النبيل للكاتبة في دحض الأساطير والنضال عن طريق الكلمة لمقاومة الشر, ولعل الجزء الأكبر من الشر - على حد قول المترجمة - هو ممارسات الغرب المستنير المهيمن ضد الشعوب والأفراد, وما ينجم عن ذلك من معاناة وفرقة وانكسار, وسيادة الأحقاد والكراهية والعنف, وتبرهن كتابات المؤلفة على أن تلك الأحقاد دافعها المفاهيم المغلوطة والأساطير المختلقة.

ولقد اتخذت الكاتبة من الواقع المأساوي في القدس وفي فلسطين المحتلة بأكملها منطلقاً لكتابة دراستها هذه (القدس: مدينة واحدة وعقائد ثلاث).

 

محمد عناني

 
 




غلاف الكتاب