التراث المجهول إطلالة على عالم المخطوطات يوسف زيدان

التراث المجهول إطلالة على عالم المخطوطات

عرض: مهدي بندق

"إننا كأمة قد تعاملنا طوال عصورنا التاريخية مع تراثنا بمنطق الإلغاء والتغييب "هكذا يستخلص المؤلف هنا حصيلة تجربته في تحقيق مخطوطات التراث العربي. فهو عاشق للتراث وله سبعة عشر كتابا ما بين التأليف والتحقيق. والكتاب الذي بين أيدينا كرسه لتحقيق ونشر ثلاثين مخطوطة نادرة أغلبها لم ينشر من قبل.

يبدأ المؤلف كتابه بمقدمة يحدد فيها غاية البحث ومنهاجه مؤكدا خطأ "الانتقائية" التي درجنا عليها أنظمة وأفرادا في تعاملنا مع تراثنا الغني، فالبلاد التي تتعامل مثلا بالمذهب السلفي تنكر من كنت التراث إلا ما كان متصلا بابن تيمية وسائر الحنابلة، ونضيف نحن إلى قوله والأشعرية بوجه عام بتراثها الكلامي الذي يتوسط ما بين المعتزلة وبين أهل السنة. بينما يرى المؤلف أن البلدان التي تدعي التقدمية لا تتعامل إلا مع التراث الاعتزالي. وحتى الأفراد من الباحثين لا ينجون من هذه الانتقائية المتعسفة، فإذا أعجب باحث بابن رشد رأيته يخاصم الغزالي، بل ويطالب الناس بألا يقرأوه بل ربما سر إذا رآهم يلعنونه! والنتيجة فيما يرى المؤلف أننا نجهل تراثنا في مجمله ولا نعرف عنه إلا ما نرغب في معرفته بحكم ميولنا الثقافية أو بحكم ما يراد لنا من قبل المؤسسات الثقافية المهيمنة على تعليمنا وتربيتنا وهي مؤسسات محدودة بحدود البراجماتية والمذهبية فيما نرى أيضا. بيد أننا نود لو أن مؤلفنا يفرق بين معرفتنا الضرورية لمجمل التراث وبين نقدنا الضروري أيضا له ذلك أن أحدا لا يمكنه أن يقبل فكر "الجبرية" من السنة أو بالأكثر فكرة "الكسب" من الأشاعرة وفي نفس الوقت يصادق على غايات المعتزلة التي تستهدف التركيز على حرية الإرادة الإنسانية.

وينعى الدكتور يوسف زيدان - في مقدمة كتابه المهم هذا - غياب الخطة المنهجية للتعريف بتراثنا من حيث إن نشر هذا التراث في الآونة الحالية لم يعد يخضع إلا للاعتبارات التجارية أو الدعائية! ويطالب ملحا بإنشاء هيئة عربية متخصصة تتولى مهام نشر التراث وتحقيقه. وهو ما يدعونا إلى تساؤل جديد حول طبيعة هذه الهيئة المقترحة - مادام الوطن العربي منقسما على نفسه - وكيف ستنتصر لهذا الاتجاه أو ذاك إذا كان مبدأ الانتقائية سيظل هو الحاكم بيننا.. فأما إذا أخذ برأي يوسف زيدان القائل إن التراث كله يشكل وحدة واحدة لا تفاضل فيها بين جزء وجزء لكنا قد انتصرنا لمبدأ الاستمرار الثقافي فهل ينطبق هذا على عدم الانقطاع المعرفي وتظل قضايا الفتنة الكبرى كالمنزلة بين المنزلتين وقدم القران أو حدوثه والجبر والاختيار هي نفسها قضايانا المعاصرة؟ أو ترانا سنقبل فحسب من تراثنا ما هو حي وصالح للتفاعل مع قضايا عصرنا مخلفين غير ذلك وراء الظهور وعندئذ نعود مرة أخرى إلى مبدأ الانتقاء الذي ينعيه علينا د. يوسف؟

أسئلة مهمة تنتظر حوارا واسعا بين مثقفي الوطن العربي من حيث إنه قد آن لنا حسم هذا الخلاف والانطلاق بعده إلى بناء حضارة عربية إسلامية جديدة لا تنقطع عن تراثها بالطبع وإنما ترتكز على ما هو إيجابي فيه مضيفة إليه المبدع والجديد.

وتتصل رؤية المؤلف للتراث بمنهاجه في تصنيف وترتيب المخطوطات فما دام الحب البالغ درجة العشق هو رائده في التعامل مع المادة العلمية المتوافرة لديه، فإن مؤلفا لا يسبق غيره ولا يتميز عنه سواء من حيث القيمة العلمية أو الشهرة أو التقدم زمانا أو التأخر. الكل سواسية كأسنان المشط، فابن النفيس لا يسبق مؤلفا مجهولا، وابن خلدون على مكانته الرفيعة يتأخر في العرض داخل الكتاب عن مؤرخ تلميذ لابن حجر العسقلاني أو الشيخ عبد الوهاب بن عمر الحسيني، وحتى لم يشفع لابن خلدون أنه توفي في نفس العام الذي ولد فيه الحسيني.. لكن المنهج الصارم عند مؤلفنا هو الذي دعاه في ترتيب المؤلفين التراثيين - داخل كتابه - وفقا للترتيب الأبجدي متسقا في ذلك مع رؤيته "العادلة" لكل أعضاء المؤسسة التراثية دون تفضيل لأحد. بل وربما قاده العدل يرافقه التبصر إلى إنصاف مؤلفينا المجهولين. ذلك أنه حين يُنصف مؤلفنا العربي "المجهول" فإنه بذلك إنما يؤكد فكرته الأساسية التي تقول إن تراثنا مظلوم ومغيب إلى درجة الإلغاء.. وأي إلغاء وأي تغييب وأي ظلم أشد من تجاهل اسم المبدع برغم روعة إنتاجه وبديع أعماله؟! ولكي يزيدنا د. يوسف شجنا على شجن نراه يذكرنا بأن حجم ما نعرفه من تراثنا المحقق والمنشور لا يزيد على خمسة في المائة من مجموع الإنتاج التراثي! وهي حقيقة صادمة ومروعة ومستفزة في آن. ولأن يوسف زيدان يعلم أن الغوص في أعماق اللج التراثي أمر ليس سهلا على القارئ المعاصر فإنه ينتهج نهج الطبيعة ذاتها حين تغري الناس على التقدم إلى المياه العميقة بتدرجها من رمال الساحل إلى التوسط ثم إلى ما هو أبعد.. فتراه يقدم مخطوطات صغيرة الحجم في أول الكتاب يتبعها بمخطوطات متوسطة الطول منتهيا إلى الثالثة الأطول والأعمق.

شرح تقدُمة المعرفة للبغدادي

مخطوطة طبية كاتبها هو الطبيب المسلم موفق الدين عبد اللطيف البغدادي المتوفى سنة 629 هجرية تعد وثيقة مهمة من وثائق الاتصال بين العرب واليونان القديمة، فكتاب "تقدمة المعرفة" ألفه أبقراط أول من دون الطب في التاريخ اليوناني، وهو بمنزلة "المدخل إلى العلوم الطبية" بلغة عصرنا. ونظرا لطابعه الاختصاري فلقد راح الأطباء في كل العصور يحاولون شرح فقراته وتأويل مقاصده أو التعليق عليه إعجابا أو نقدا، وممن عمدوا إلى نقده في قرننا العشرين فيلسوف البنيوية الأشهر ميشيل فوكوه حيث يقول: "إن اضمحلال الطب قد بدأ مع أبقراط لأن الطب الحقيقي كان يكمن في العلاقة المباشرة والخاصة بين آلام المريض وأوجاعه الذاتية وبين ما يخفف عنه آلامه.. فما يصلح لعلاج مريض بداء المفاصل لا يصلح لمريض آخر يعاني نفس الداء لكن التدوين جعل من التشخيص أمرا عاما وجعل من العلاج أمرا عاما كذلك "فكأنما ميشيل فوكوه يعترض على جعل الداء بنية وكذلك الدواء. وأما البغدادي فلقد أخذ يشرح كتاب أبقراط قائلا: إن طريقته هو طريقة التحليل بالعكس وإن من مبادئه الأساسية قوله: دع الطبيعة تعمل عملها حيث ينبغي ألا يتعود الجسم الكسل مكتفيا بالأدوية مغتنيا بها عن الطبيب الداخلي للجسم. وهو مبدأ يتناقض مع رؤية فوكوه "الشاعرية" كما يسميها يوسف زيدان. والحقيقة أنه لا تناقض في رأينا بين مطلب فوكوه ومذهب أبو قراط إلا إذا اعتبر الطبيب المعالج أن القاعدة العامة تلغي الحالة الخاصة المعروضة للعلاج وهو أمر لا يسأل عنه أبقراط ولا شارحه البغدادي.

عن "تحرير المِجَسْطي".. مخطوطة فلكية

كتاب "المجسطي" هو كتاب بطليموس الأشهر "التصنيف الضخم للحساب" وكلمة Megal تعني "الضخم" ترجمها العرب بمعنى العظيم وحرفوها فونوطيقيا إلى "مجسطي"، وأما تعبيرهم "تحرير" فالمقصود به المراجعة والتدقيق وإصلاح الأخطاء. ولقد قام عديد من الفلكيين العرب بهذه المهمة بالنسبة لكتاب بطليموس منهم جابر بن الأفلح الأشبيلي وعبدالرحمن الصوفي. أما المصلح الأشهر فهو العلامة نصير الدين الطوسي صاحب المخطوطة التي يعرض لها كتابنا. هذا العلامة الطوسي عاصر سقوط بغداد 656 هجرية واعتقل بقلعة الموت على أيدي طائفة الإسماعيلية وتوفي عام 672 هجرية بعد حياة حافلة بالنشاط العلمي والسياسي من بينها بناؤه لأكبر مرصد فلكي في القرون الوسطى. لكن الأهم أن العلامة الطوسي هو الذي ساهم - بنقده لكتاب المجسطي - في وضع الأساس العلمي لكوبرنيكوس الذي يعد صاحب الانقلاب الفلكي على نظام بطليموس. فمن المعروف أن النظام البطليموسي كان يعد الأرض مركز الكون واعتبر أن الشمس وسائر الكواكب السيارة تدور حول هذا المركز (الأرض) إلى أن جاء كوبرنيكوس وأثبت أن الأرض والكواكب السيارة هي التي تدور حول الشمس وما كان له أن يفعل لولا اطلاعه على الانتقادات التي وجهها الطوسي إلى نظام بطليموس.

تفريج الكروب في تدبير الحروب

مخطوطة كتبها مؤلف مجهول هو في الغالب أحد تلامذة المؤلفين العسكريين الكبار ممن عرفهم العصر المملوكي من أمثال محمد بن منكلي الناصري نقيب الجيش في زمن السلطان الأشرف، وعبد الله بن ميمون مؤلف كتاب "الإفادة والتبصير لكل رام مبتدئ ماهر نحرير "ومرضي بن علي الطرسوسي، والحسن السنجاري ومحمد بن لاجين. ولا ندري لماذا سقط اسم مؤلف المخطوطة الرجل الذي تدل مقدمته على أنه كان من أصحاب الملق والنفاق (يعدد ثلاثين لقبا للسلطان فرج بن برقوق المهدى إليه المخطوطة) وكذلك لأن مقدمته تدل على قربه من مكتبة السلطان ومعرفته لما فيها من نقص في أبواب المعرفة. على أية حال لقد كانت مخطوطة مزجاة إلى السلطان فرج الذي أساء إلى الرعية وكان أقرب إلى الجنون منه إلى العقل حتى أنه حين قتل بيد السلطان شيخ المحمودي لم يحزن عليه أحد، ولم يتوقف عنده ابن حجر العسقلاني في "ذيل الدرر الكامنة" إلا بسطرين قائلا: "ذكر من مات سنة خمس عشرة وثمانمائة (هجرية طبعا) فرج بن برقوق الملك الناصر بدمشق".

فأما المخطوطة ذاتها فإنها تقع في 152 ورقة، ناسخها هو أبوالفضل بن عبدالوهاب السنباطي وهي موجودة في مكتبة الفاتح باسطنبول. ومتنها استعراض لفنون الحرب وأنواع القتال ونصائح للسلطان (بصفته القائد الأعلى للجيوش) ولأمير الجند (بصفته القائد العام) فهي توجيهات إستراتيجية ومحاورات تكتيكية وربط جيد بين السياسة والحرب تذكرنا بتعبير كلاوزفيتز الشهير: إن الحرب هي سياسة بوسائل عنيفة والسياسة حرب بوسائل غير عنيفة، لكن مؤلفنا ذا النزعة الشاعرية الصوفية يرى غير ذلك إذ يعلق - نعني يوسف زيدان - على نصيحة المؤلف المجهول للسلطان: "لا تقاتل ما وجدت إلى الحيلة والخديعة سبيلا" بقوله: (وتلك قاعدة ميكيافيلية) ثم يخلص إلى أن فرج بن برقوق لم يستمع إلى النصائح الخاصة برعاية الرعية فلقي مصيره المحتوم وهو دون الرابعة والعشرين فاستحق التجهيل والتهميش من المؤرخين.

جامع الأسرار للطغرائي

الكاتب هو الشاعر فخر الكتَّاب أبوإسماعيل بن علي ولقبه الطغرائي بمعنى صاحب الطرة (بلغة عصرنا مقدمة الرسائل متضمنة البسملة) فكان الشاعر يجيد كتابتها بخط جميل، وفضلا عن كونه وزيراً أيضا فلقد وضع عدة مؤلفات في الكيمياء بينها الرد على ابن سينا في إبطال الكيمياء ومنها أيضا فيه هذا المخطوط "جامع الأسرار" ومن المؤسف أن يموت هذا العلم مقتولا بأمر السلطان محمود السلجوقي عام 515 هجري.

ولأن العرب كانوا مشغولين بتحويل المعادن الخسيسة إلى ذهب (السيمياء) فإن تلك المحاولات كانت خليقة بأن تعلمهم الكثير عن تركيب العناصر وتفاعلاتها وخصائص التركيبات المصنوعة. ومخطوطة كتاب "جامع الأسرار" تفصل هذا كله ولكنها تحرص على أن تظل الأسرار بين أيدي التلامذة دون العامة فتراها تستخدم الرموز وتحرض على الكتمان والصمت ولهذا فهي تنتهي بقول المؤلف بالعبارة الشهيرة التي طالما استخدمها الفلاسفة "وهذا الكتاب مضنون به على غير أهله "إنها واحدة من مخطوطاتنا التراثية التي تكشف عن جوانب في العقل العربي مطلوب منه أن يتجاوزها لكي يصبح العلم متاحا لأبناء الأمة دون تمييز أو تفرقة بين خاصة وعامة.

جلاء الخاطر في الظاهر والباطن

صاحبها هو الباز الأشهب وغوث الأعظم القطب الكبير الصوفي عبد القادر الجيلاني المتوفى عام 561 هجري، وله ديوان (حققه مؤلف كتابنا يوسف زيدان ونشره بالقاهرة عام 1991 ميلادي) وله كتاب "الغنية لطالبي الحق" في معرفة الآداب الشرعية، فأما المخطوطة التي يعرضها كتابنا فهي واحدة من مخطوطات القطب الكبير التي تسجل مجالس وعظه وإرشاده وقد أشار إليها المستشرق الألماني بروكلمان في كتابه "تاريخ الأدب العربي" ومن بديع الأقوال فيها ما ينصح به الجيلاني العلماء قائلا: يا عالم لو كان عندك ثمرة العلم وبركته لما سعيت إلى باب السلاطين في حظوظ نفسك وشهواتها، العالم لا رجلان له يسعى بهما إلى أبواب الخلق، والزاهد لا يدان له يأخذ بهما أموال الناس، والمحب لله لا عينان له ينظر بهما إلى غيره..." ويقول لطالب الدنيا: "أنت أعمى. كيف تقود غيرك" وهكذا تمضي المخطوطة تكشف عن بلاغة الإمام وعن عالم من الصفاء الروحي إلى درجة أن ابن العماد يصف صاحبها (في الشذرات) قائلا معددا فضائل الإمام: لقد تاب على يده معظم أهل بغداد وأسلم معظم اليهود والنصارى.

ديوان ابن الصباغ الجذامي

صَبٌ صبابتُه شهود

وقتلُه فيكم مباحْ

مناهُ لو أسعف التمني

من كاسره جبر الجناح

الموشحة اللطيفة المعاني الرقيقة أسلوباً ونظما لا تزال ضمن ديوان صاحبها بخط يده موجودة بالخزانة الملكية بالرباط، نشر بعضها الدكتور محمد زكريا عناني رئيس قسم اللغة العربية بجامعة الإسكندرية في كتابه "ديوان الموشحات الأندلسية "وحقق الدكتور أحمد السنوسي بعض الأشعار الأخرى لهذا الشاعر الرقيق ابن الصباغ الجذامي الذي قتله أعوان أبي دبوس أيام الخليفة المرتضي (دولة الموحدين) عام 665 هجري ولعل في إشارات يوسف زيدان إلى هذا الشاعر ما يحفز لنشر ديوانه كاملا.

الروض المغرس في فضائل بيت المقدس

مخطوطة تاريخية ضمن خمسين مخطوطة نشرها الدكتور كامل جميل العسيلي في كتابه الصادر بالأردن بعنوان "مخطوطات فضائل بيت المقدس" بينما يذكرها أيضا السخاوي في موسوعته "الضوء اللامع" ناسبا إياها إلى صاحبها الشيخ عبد الوهاب بن عمر الحسيني الدمشقي الشافعي المتوفى 875 هجرية، فهو زميل السخاوي وتلميذ ابن حجر العسقلاني. وقد اعتمد الحسيني في مخطوطته على مراجع كثيرة أهمها كتابات ابن عساكر والقاضي هبة الله والفزاوي والزركشي وصلاح الدين العلائي والسيوطي الذي مدح الحسيني كثيرا لدقته في وصف بيت المقدس بدءا من أسماء المساجد وقصة بناء المسجد الأقصى إلى فتح عمر بن الخطاب للمدينة ونهيه المسلمين عن دخول كنائسها إلى ذكر بناء مسجد عبد الملك بن مروان.. إلخ والمخطوطة محفوظة بمكتبة الدولة ببرلين تحت رقم 6098 كما ذكر بروكلمان.

ويعقب المؤلف يوسف زيدان على ذلك قائلا: إذا كانت القدس اليوم أسيرة في يد إسرائيل، فإن مخطوطة فضائل بيت المقدس أسيرة في يد ألمانيا.

الوريقات في المنطق لابن النفيس

هذا هو مكتشف الدورة الدموية الصغرى والكبرى صاحب المؤلفات العديدة ذات التنوع والثراء ما بين طب وأحياء إلى فقه وحديث إلى لغة ونحو إلى منطق. هو علاء الدين علي بن أبي الحرم المعروف بابن النفيس المتوفى سنة 637 هجرية بالقاهرة حيث كان يتولى منصب كبير أطباء مصر. والوريقات في المنطق مخطوطة ليس منها في العالم سوى نسخة وحيدة نادرة محفوظة بمكتبة بودليان باكسفورد وهي مكونة من 200 ورقة من الحجم الكبير والورقة الواحدة صفحتان، مشتملة على مقدمة وتسعة كتب. وتشتمل المقدمة على ثلاثة فصول يتبين منها تفضيل ابن النفيس لطريقة الفارابي وابن سينا على طرائق معاصريه، لأن الفارابي وابن سينا اعتبرا المنطق مدخلا للعلوم بينما حاول المعاصرون لابن النفيس أن يجعلوه علما قائما بذاته. فابن النفيس يريده - أي المنطق - أن يكون آلة للعلوم ومقدمة نظرية ضرورية لكل علم حتى يتم به الانضباط المنهجي.

وبعد المقدمة تتوالى أبواب الكتاب التسعة منها ما يشتمل على فصول ومنها ما لا ينقسم.

وأما صاحب كتابنا "التراث المجهول" فيدير حوارا ذاتيا حول ابن النفيس وحول "وريقاته" مؤكدا أن حياة ابن النفيس وإنتاجه في ظل مناخ سياسي عاصف واضطراب كاسح (سقوط بغداد على أيدي التتار وهجمات الصليبيين على مصر والشام وزحف ملك النوبة على جنوب مصر.. ) إنما هما أبلغ رد على من يرفعون راية التشاؤم والاستسلام في أيامنا هذه إزاء النكبات المتتالية علينا. وكيف لا ونحن لا مخرج لنا مما نحن فيه إلا بشحذ الهمم واستنهاض العزائم لبث التفكير المنطقي في مجمل حياتنا اليومية ومنظومات سلوكنا الاجتماعية.

وبنفس الروح الغيورة علي التراث والحريصة في آن على استكمالنا لنهضتنا المعاصرة، يناقش يوسف زيدان أستاذه د. علي سامي النشار فيما أورده بكتابه "مناهج البحث عند مفكري الإسلام" معارضا إياه - بمناسبة تعليقه على مخطوطة ابن النفيس - فيما ذهب إليه النشار من أن العرب رفضوا الفلسفة والمنطق واتخذوا من الاستقراء وحده منهاجا للبحث العلمي. ذلك لأن العرب اهتموا أيضا بالمنطق وبالفلسفة كما اهتم اليونانيون من قبل بالاستقراء بجانب المنطق والفلسفة. وهو يرفض تعبير د. النشار "إن المنهج الاستقرائي هو المعبر عن روح الإسلام "لأن هذا التعبير غامض، ولأن الحضارة الإسلامية عرفت تنوعا وتراه يستحيل مع تلك المعرفة أن يقصر على سمتها لونا واحدا من ألوان التفكير.

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

مخطوطة هائلة الحجم والقيمة.. تقع في سبعة وعشرين مجلدا وتعد من روائع التراث العربي فهي موسوعة بمعنى الكلمة وصفها ابن العماد قائلا: كتاب جليل ما صنف مثله " كتب عنها د. محمد زكريا عناني مقالا موجعا بعنوان "لماذا تبقى مسالك الأبصار دون تحقيق؟ "وكان الدكتور أحمد باشا زكي قد استحضر منها نسخة كاملة من مكتبتي أيا صوفيا وطوبقبو بالأستانة. وهو كتاب في التاريخ الطبيعي والجغرافيا ومواقع البلاد وتراجم للعلماء والفقهاء ورجالات الحكم وبحوث في العلوم الطبيعية كالحيوان والنبات والمعادن ثم قسم للتاريخ البشري حتى سنة 744 هجرية فضلا عن دراسات في الفلك والمعمار والعقائد وعلوم الدين والآداب واللغة.

ولقد نشر المستشرقون بعض أجزاء هذا السفر الموسوعي ولم ينشر العرب إلا الجزء الخاص بمملكة مصر والشام والحجاز واليمن في زمن المماليك. وينعي المؤلف "يوسف زيدان" علينا- نحن العرب المعاصرين- تكاسلنا عن نشر تلك الموسوعة كاملة مذكرا بأننا ننفق الكثير من المال والجهد في ميادين أقل جدوى بل وربما كانت بلا جدوى. ولعلنا نضيف صوتنا إلى صوته منبهين إلى أننا ندخل عصر الثورة المعلوماتية (وهي ثورة أخطر من كل الثورات السياسية) ونحن مزودون بكنوز من العلم والمعرفة لكنها لا تزال مطمورة، فلماذا لا نستخرجها الآن وقبل كل شيء لننطلق بها إلى عالم الغد المنفتح على كل ألوان الثقافات والحضارات الإنسانية يأخذ منها ويعطيها ويعيد إنتاجها بالتواصل والتفسير والتأويل. هكذا فعلت أوربا في عصر نهضتها حينما ابتعثت تراثها الهيليني. والهيلينستي. وهكذا ينبغي أن نفعل نحن بجانب ما نتفاعل به مع إبداع العصر.

***

وبعد.. فإن أصدق تعبير يمكننا أن نختتم به عرضنا لذلك الكتاب المهم والمفيد هو تعبير رائد علم الاجتماع شيخنا عبد الرحمن بن خلدون الذي يقول فيه: إن معرفة التراث هي العلم بكيفيات الواقع وأسبابها.

 

يوسف زيدان

أعلى الصفحة | الصفحة الرئيسية
اعلانات




غلاف الكتاب