الأسماء والتسميات مرآة الثقافة وذاكرة التاريخ

الأسماء والتسميات مرآة الثقافة وذاكرة التاريخ

اللغة هي صورة المجتمع وتاريخ تطوره، فالمفردات التي تدخل إليها، والتعابير التي تولد فيها، لا يمكن أن تكون مجرد نتيجة داخلية للتحولات اللسانية أو اللغوية، بل هي نتاج تحوّلات اجتماعية أعمق من اللغة وأبعد أثراً.

قمت بدراسات مع باحثة فرنسية، هي هنرييت فالتر، حول الكلمات الفرنسية من أصل عربي، ونشرناها في كتاب صدر أخيراً باللغة الفرنسية في باريس، وهو بعنوان: «أرابيسك، مغامرة اللغة العربية في بلاد الغرب». وقد توصلنا فيها إلى وضع لائحة مطوّلة تبين أن معظم هذه الكلمات تعود إلى العصور الوسطى وإلى بدايات نشأة اللغة الفرنسية. ومن النتائج التي وصلنا إليها كذلك هي أن المفردات العربية التي انتقلت إلى اللغات الأوربية عموماً وإلى الفرنسية خصوصاً تنتمي في معظمها إلى الميادين التالية: الزراعة والمزروعات، والمواد الكيميائية، والفلك، والمراكب والحيوانات.

وقد لاحظنا أن هناك كلمات فارسية واضحة في اللغات الأوربية: (مثل: نارنج، وديوان، وغيرها)، لكنها لم تنتقل إلى الغرب مباشرة من أصولها الفارسية، بل من خلال العربية التي كانت على مدى قرون عدة، لغة الإدارة والحكم والسياسة في المناطق المحيطة بالبحر الأبيض المتوسط. أما اللغة التركية فقد قامت بدور معاكس. إذ إنها احتكت مباشرة باللغات الأوربية إبان الخلافة العثمانية التي امتد حكمها خلال قرون عدة وفي مناطق مختلفة من أوربا، فنقلت إليها كلمات وأسماء استعارتها هي من العربية: مثل: «محمت» (أي محمد)، «ولاية»، «حلاوة»، «وزير».

من ناحية أخرى، فإن المقارنة بين ما أخذته الشعوب المتعددة عن العرب ولغتهم تبين لنا ما هي الميادين التي احتلت الصدارة في العلاقة بينها وبين العرب. ففي الكتاب نفسه الذي وضعته مع هنرييت فالتر باللغة الفرنسية، نقدم قراءة مقارنة للمفردات التي انتقلت مع المسلمين إلى الإسبانية وإلى الفارسية. وقد وجدنا أن بلاد فارس استعارت من العربية ألفاظاً تنتمي في معظمها إلى الدين الإسلامي والشريعة، مثل «تفسير»، «شيطان»، «عرفان»، «مسجد»، «قانون»، «محكمة»، وغيرها كثير. وإذا قارنا هذه الكلمات العربية التي استعارتها الفارسية من العربية بمثيلاتها في اللغة الإسبانية، في الجانب الآخر من العالم المعروف في تلك الحقبة، لوجدنا أن هذه الأخيرة تتضمن ألفاظاً كثيرة جداً تنتمي إلى ميادين مختلفة من الحياة اليومية، وأهمها العلوم والزراعة، مثل «الكيمياء»، «الزيتون»، «اللوبياء»، «البندقة»، «المخزون»، «جرّة»، «شراب».

ولابد هنا من التذكير بأن عدداً كبيراً من أسماء العلماء العرب قد انتقل إلى اللغات الأوربية، وقد تم ذلك بأحد طريقين. فإما أن الثقافات الغربية تداولت اسم الفيلسوف العربي في لغاتها ودرّسته في مدارسها وجامعاتها، لدرجة أن الاسم تغيّر في لفظه وتركيبته ودخل في سياق اللغة الغربية. وهذا ما حصل - مثلاً - مع ابن سينا، وابن الهيثم، وابن رشد. أما الطريق الثاني فيقضي بأن يُستعمل اسم العالم العربي في شكل كلمات تدل على العلم نفسه الذي أسسه أو الذي اشتهر به. ومن أهم هؤلاء الخوارزمي الذي أعطى كلمتين للغات الأوربية، الكلمة الأولى هي «الألغوريتم» وهي تصحيف لاسمه هو، والأخرى هي «الجبر»، وهذا عنوان كتاب وضعه هو نفسه في العلم المسمّى بهذا الاسم.

دلالات حضارية

أما في ما يتعلق بتسمية الأشخاص وأصحاب المهن، فإن المقارنة بين لائحة الكلمات التي دخلت في اللغة الفرنسية حتى القرن الثامن عشر ولائحة الكلمات التي دخلتها في القرنين التاسع عشر والعشرين تثير الدهشة لما تحمله من دلائل تاريخية وثقافية. فأجدادنا أتحفوا الغرب بمفردات مثل: سلطان، وأمير، وأمير البحر، وبركة، وشريف، ومستعرب، وقاضٍ، وعلماء، إلى ما هنالك مما يدل على الدور العلمي والحضاري الذي قام به العرب في تاريخهم القديم. أما في القرنين الماضيين، فإن أهم الكلمات التي انتقلت إلى اللغات الأوربية عموماً، والفرنسية خصوصاً: هي: عسكري، وفدائيين، وطالبان، ومجاهدين، ولبننة (من لبنان)، والقاعدة. وكلها تصطبغ بالسلبية في مفهوم الغربيين وثقافتهم. حتى إن بعض كلماتهم الفرنسية قد أضيفت إليها معان جديدة جاءتهم من عندنا. فمما يثير الدهشة أن الكلمة الفرنسية التي تقابل «ملتح» (وهي barbu) قد اكتسبت في أحد القواميس اللغوية التي صدرت حديثاً دلالة «صاحب اللحية»، وهي: صفة شخص «إسلامي أصولي ومتطرّف».

وكذلك الأمر بالنسبة للكلمات الأوربية التي تقابل «الإرهاب» terrorisme، فقد باتت تحمل في طياتها ما أضافوه إليها من دلالة الإرهاب «الإسلامي»، كما يدّعون. وهناك كذلك كلمة «الشر» أو «بلاد الشر» التي تشير إلى بعض الدول العربية أو الإسلامية، وكأن التاريخ قد انقلب على نفسه، فأصبحت الشعوب التي نقلت العلم والثقافة والحضارة إلى الغربيين في الماضي ترى أبناءها وكأنهم يدمّرون الصروح العلمية التي ساهم أجدادهم في وضع أسسها خلال العديد من العصور.

ولابد هنا من القول بأن هذا الانقلاب في الدور الثقافي لشعوبنا ليس نتاج العرب والمسلمين وحدهم - وهم يتحملون مسئولية كبيرة في ذلك-، بل هو يعود أيضاً وخصوصاً إلى ظروف خارجية عدة، وهذه الظروف لا تقف عند حدّ الحروب الإعلامية وعمليات التشويه المتعمد لتاريخنا وثقافتنا.

مدن شهيرة

ولأسماء المدن حكايات أخرى، ولها بالتالي دلالات تبعث على التأمل والتفكير. إذ إننا نجد في أسماء بعض المدن العربية المشهورة في مفردات اللغات الغربية، كما هي أو في أشكال مشتقة عنها، وهي تدل على المنتجات التي كانت تشتهر بها هذه المدن أو التي كانت تصدّرها. فكما أننا اليوم نذكر ألمانيا في صناعة السيارات، واليابان في صناعة أجهزة التلفاز، وسويسرا في صناعة الساعات، كذلك كان الأمر في القديم، اسم المدينة يرتبط بالسلعة أو البضاعة التي تصنّعها أو تصدّرها.

هكذا اشتهرت مدن عربية كثيرة وذاع صيتها، مثل حلب ودمشق وبغداد والموصل. وهي أدّت إلى خلق كلمات جديدة مشتقة منها، وهذه الكلمات تشير في معظمها إلى أنواع مختلفة من القماش. وقد انتقلت هذه الكلمات إلى أنحاء العالم المعروف مع السلعة التي تحمل اسمها.

طشقند كذلك أدّى اسمها إلى خلق أشكال تشبه «الشاش» و«الشاشية»، وانتقل اسمها في هذا الشكل إلى بعض اللغات الأوربية، في حين شاركت فاس والجزائر وغدامس في شمال إفريقيا في خلق كلمات في الفرنسية وفي غيرها من اللغات الأوربية، وهي كلمات تدلّ في معظمها على أنواع مختلفة من القماش أو الثياب. لكن الحرير لم تشتهر مدينة عربية بصنعه، بل كان من المعروف أنه يأتي من مدينة تقع في الصين هي «تسو - تونغ». ولذلك لم تنتقل الكلمة العربية إلى الفرنسية، بل جاءت تسمية الحرير فيها من طريقة اللفظ العربي لاسم المدينة الصينية، وهو «الساتان».

أما إذا نظرنا إلى الاتجاه المعاكس، أي إلى الكلمات التي جاءت من الغرب وحطّت رحالها في مدينة عربية واحدة دون غيرها، فإننا نتعرّف على الماضي التجاري أو الثقافي لها. فاللهجة العامية في مدينة طرابلس في شمال لبنان، على سبيل المثال، تشتهر بكلمات من أصل إيطالي، مثل «الأسكلة» (الميناء)، «أسكربينة» (حذاء)، «بازابورتو» (جواز سفر)، «أبوكاتو» (محام). وهذا ما يعود بنا إلى القرن التاسع عشر عندما كانت هذه المدينة التي تقع على الساحل الشرقي للبحر المتوسط تكوّن المرفأ الأساسي لساحل الشام (ولذلك سميت بطرابلس الشام)، فكانت المراكب الإيطالية تجوب البحر متنقلة بينها وبين مرافئ إيطاليا التي كانت الشريك التجاري الأساسي للمنطقة بأسرها. وهذا بالفعل ما أدى إلى أن يُسمى الليمون الحامض في هذه المدينة دون غيرها من المدن العربية باسم «المراكبي»، لأن مدينة طرابلس كانت في ذلك الوقت المرفأ الوحيد الذي يحمّل فيه الليمون الحامض في المراكب ليصدّر إلى مدن البحر الأبيض المتوسط.

وإذا كان المركب في القرن التاسع عشر هو الوسيلة الوحيدة تقريباً للاستيراد والتصدير بين أوربا والبلاد العربية، فإنه لابد وأن يكون هو نفسه شاهداً على هجرة الكلمات بين الثقافات. والحقيقة أن السفن في القرن التاسع عشر وحتى النصف الثاني من القرن العشرين كانت تسمّى بأسماء تدل على مصدرها وعلى الآلات والمحركات التي تعمل عليها. وكانت المراكب تسيّر بالفعل في ذلك الوقت بواسطة محركات تعمل على البخار، ولذلك كانت تسمّى في لغات البلدان الأوربية الغريبة الواقعة على البحر الأبيض (الفرنسية والإيطالية والإسبانية والمالطية) بكلمات هي ترجمة عن الإنجليزية «steam boat» وهي تُلفظ «فابور» اختصاراً لكلمة «bateau a vapeur»، أي «مركب على البخار». وقد انتقلت الكلمة كما هي تقريباً إلى العربية، في شكل «وابور» أو «بابور».

ومَن منا لا يتذكر أغنية الموسيقار محمد عبدالوهاب:

«يا وابور قللي رايح على فين..
يا وابور قللي وواخدني لمين..»؟

وغني عن البيان أن الأسماء التي لاتزال تدل على المناطق والمدن في إسبانيا تذكّر بالماضي العريق للعرب فيها، وليست الحمراء وجبل طارق والوادي الكبير إلا غيضاً من فيض. وإذا كان من الطبيعي أن نجد هذه الأسماء في بلاد الأندلس التي ظلت تحت الحكم الإسلامي لمدى قرون عدة، فإن وجود أسماء عربية في فرنسا غير معروف وقد يثير الدهشة. فالعرب والمسلمون لم يبقوا في هذه البلاد مدة تكفي لكي يتركوا بصمات على المدن والمناطق الجغرافية الطبيعية فيها. إلا أن الأبحاث التي قمت بها في هذا المجال مع البروفيسورة هنرييت فالتر من أجل وضع كتابنا حول «مغامرة اللغة العربية في بلاد الغرب»، قد أدت بنا إلى اكتشاف مدينتين صغيرتين جداً في فرنسا يحمل اسمهما أثراً عربياً واضحاً: الأولى هي «موسى لاباتي» (أي «معركة موسى») وتوجد فيها حتى الآن آثار تحصينات عربية، وهي تقع في غرب فرنسا قريباً جداً من مدينة بواتيه التي توقف عندها انتشار المسلمين في أوربا والتي تسمى «بلاط الشهداء». وقد جرت هذه الموقعة في عام 732 ميلادية وقُتل فيها قائد الجيوش الإسلامية عبدالرحمن بن عبدالله. وعندها توقف المسلمون عن متابعة مسيرتهم نحو الشمال الأوربي. ويبدو أن المعركة الحقيقية قد وقعت فعلاً في المكان نفسه الذي توجد فيه اليوم مدينة «معركة موسى». أما المدينة الثانية فهي بعيدة جداً عن سابقتها وتقع في الجنوب الفرنسي بالقرب من «تولون»، غير بعيد عن شواطئ البحر المتوسط. وهي تُدعى «راماتوال». وقد اتفق معظم المؤرخين على أن أصل هذا الاسم يعود إلى تسمية عربية هي: «رحمة الله». وهي تبدو كحصن منيع يقع فوق هضبة تشرف على ما حولها. ونجد فيها آثاراً عربية منها «الباب الشرقي (أو العربي)».

هذه مدن احتلها العرب والمسلمون، أو بنوها، وهم أقاموا فيها أو على الأقل مرّوا بها، وهذا يكفي أن يفسّر لماذا تركوا فيها بعضاً من آثارهم اللغوية وغير اللغوية. كذلك، نجد أنه من الطبيعي أن نصادف عدداً كبيراً من المدن الإسبانية التي تحمل أسماء عربية، فالمسلمون بقوا هناك خلال قرون عدة. لكن، إذا كان من البديهي أن نجد مدينة في إسبانيا تقع في منطقة جبلية تكثر فيها الحصى والحجارة، وتحمل اسماً إسبانياً هو «غوادا لاخارة» يعود في أصله وفي لفظه إلى العبارة العربية «وادي الحجارة»، فما عسانا نقول في مدينة تقع في العالم الجديد، وبالتحديد في المكسيك، وتحمل الاسم نفسه. بالتأكيد لم تأت التسمية من العربية مباشرة، فالقارة الأمريكية لم تكن قد اكتُشفت بعد في عصر انتشار الدين الحنيف وهيمنة اللغة العربية. الحقيقة أنه عندما اكتشف الإسبان بلاد المكسيك، عام 1531، أسس قائدهم «نونييز دي غوسمان» مدينة جديدة فيها وأطلق عليها اسم المدينة الإسبانية التي وُلد هو فيها وهي بالضبط «وادي الحجارة».

أخيراً نستنج من كل ذلك أن الشاهد الأساسي على التفاعل بين الشعوب هو اللغة. فالأمم كما الأفراد تتواصل باللغة، مثلما هو معروف، وكلما ازداد الاحتكاك والتبادل فيما بينها، ظهر هذا التفاعل في الاستعمالات اللغوية التي تصطبغ بلون هذه التبادلات وأشكالها. وما وجود عدد كبير من الأسماء والمفردات العربية في اللغات الأوربية حتى يومنا هذا إلا دليل واضح على انتشار التداول بلغتنا لفترات طويلة من تاريخ الشعوب المحيطة بالبحر الأبيض المتوسط.

 


بسام بركة 





قصر «وادي الحجارة» في أسبانيا بني عام 1483 بعد خروج المسلمين من الاندلس. ومع ذلك فلا يزال محتفظا بآثار العمارة الأسلامية





جانب من الممرات الداخلية في قصر «وادي الحجارة»