العالم ... وخيارات المستقبل

ندوة العربي

لم يبق من الزمن سوى سبع سنوات، وندخل إلى القرن الواحد والعشرين. قبل أن ينقضي القرن، وخلال الآونة الأخيرة، حدث الانهيار الكبير في أوربا الشرقية، ووقع زلزال الاتحاد السوفييتي، واعتبر البعض ذلك نهاية للاشتراكية وانتصارا نهائيا للرأسمالية، بينما اعتبره البعض هزيمة نظام أو أنظمة في أوربا الشرقية. في كل الأحوال، بات السوال ملحا: إلى أين يمضي العالم؟.. ما هي خياراته الفكرية والاجتماعية المقبلة؟ هل ينام قرير العين، على وسادة رأسمالية معلنا أن ذلك هو الخيار الصحيح والوحيد، أم أن انقساما سوف يحدث فتتعدد الرؤى. الأسئلة مطروحة، والاجتهادات لازمة بعد أن هدأ الغبار، وابتعدت المفاجأة قليلا. الآن، نستطيع الابتعاد قليلا عن التفاصيل، لتأمل الأصول دون الفروع، والجذور دون الأمور الئانوية، سواء فيما يتعلق بما أطلقنا عليه اسم المعسكر الاشتراكي، أو فيما يتعلق بنقيضه في الغرب، أو لشريكهما في الجنوب. عالمنا الثالث. ومن هنا كانت هذه الندوة التي جمعت تيارات فكرية وسياسية وثقافية متباينة، والتي حرصت على أن يكون بينها اشتراكيون وليبراليون، مفكرون وممارسون، أكاديميون وتطبيقيون. إنه حوار غير عادي، لأن الأحداث التي مرت بالعالم كانت أيضا غير عادية. كذلك يشترك في هذا الملف- وحتى تكتمل دائرة الرؤية كاتبان آخران.. يقدم لنا د. حازم الببلاوي رؤيته الاقتصادية.. ويقدم لنا الدكتور أحمد كمال أبو المجد رؤيته الإسلامية.

شارك في الندوة:

  • د. إسماعيل صبري عبدالله
    مفكر اقتصادي- رنيس منتدى العالم الثالث.
  • د. إبراهيم صقر
    أستاذ العلاقات الدولية بجامعة القاهرة.
  • محمد سيد أحمد كاتب سياسي.
    "د. رشدي سعيد عالم جيولوجي واستشاري بالولايات المتحدة الأمريكية
  • د. أسامة الغزالي حرب
    مدير مركز الدراسات السياسية بمؤسسة ا لأهرام- القاهرة.
  • أدار الحوار: محمود المراغي
  • أعد الندوة للنشر: أحمد عنتر مصطفى

حوار حول زلزال التسعينيات وتوقعات القرن الواحد والعشرين

العربي:

لا تحتاج القضية إلى تقديم طويل، فقد عرفت الإنسانية اجتهادات عدة، كان كل منها يزعم أنه الأفضل لخير البشر. وقد شهد العالم منعطفات عدة، حين تبلور اختيار أطلقنا عليه اسم الليبرالية أو الرأسمالية أو الاقتصاد الحر أو نقيض ذلك كله: الاشتراكية بمدارسها المختلفة، الماركسية والاشتراكية الديمقراطية والناصرية، وغير ذلك من اجتهادات اتجهت يمينا أو يسارا.

وقد يكون مناسبا أن يجري الحوار على محاور أربعة: تشخيص ما جرى، تفسير ما جرى، رؤية للمستقبل، ثم إطلالة على العالم الثالث، وماذا ينتظره، وماذا يحتاج؟.

د. إسماعيل صبري عبدالله

ما يحدث في العالم له شقان، فالأحداث الدرامية التي جرت في الاتحاد السوفييتي لفتت أنظارنا جميعا عما يجري في المعسكر الرأسمالي. لقد اعتبرنا أن الأزمة وقعت في مكان واحد وليس في المكانين معا، وهذه ملاحظة أولى.

الملاحظة الثانية، إذا تناولنا ما حدث في الاتحاد السوفييتي فعلينا أن نفصل بين أمور ثلاثة:
الأمر الأول يتعلق بقضية الرأسمالية والاشتراكية، فالاشتراكية كانت موجودة قبل ماركس، وفي أثناء وجوده ومن بعده.

الأمر الثاني أنه لابد من النظر للماركسية مستقلة عن التجربة السوفييتية، ننظر لها من خلال موقعها كنظرية من نظريات المعرفة الإنسانية، وهل يمكن أن نلقي بها إلى نفايات التاريخ كما قيل أم لا؟

أما الأمر الثالث فيتعلق بالتجربة السوفييتية.

هذه أمور ثلاثة لا ينبغي أن نخلط بينها، وابتداء أحب أن أؤكد أن ماركس حين وصل باريس في الأربعينيات من القرن الماضي، لم يكن يعرف شيئا عن الاشتراكية، وأنه كان أحد المنشقين على هيجل من أجل قضية الديمقراطية حيث كان هيجل يتجه لتأكيد الدولة. تمرد عليه، وكانت كتاباته الأولى فلسفية وسياسية، ولم تكن القضية الاجتماعية تمثل مكانا ما في كتاباته. وسبب ذلك أن الثورة الصناعية كانت متأخرة في ألمانيا، والبيئة الاجتماعية التي نشأ فيها كانت بها بقايا عصر الاستنارة. ولم تكن مسألة الطبقة العاملة قد تبلورت ولم تكن آنذاك مطروحة. في باريس اكتشف ماركس شيئين:
الحركة العمالية في أشكالها البدائية، أحيانا، كالعنف وتحطيم الآلات، وأحيانا مهادنة ومسالمة، وأيضا رصيد مما أطلق عليه فيما بعد الاشتراكيات الطوباوية.

مع التغير الاجتماعي ظهرت القضايا الاجتماعية كالمساواة على اساس اقتصادي، والمساواة في الملكية، وقد دخل ماركس في هذا الخضم وبنى نظريته، وكان مطروحا في ثورة 1848 التي عمت أجزاء كبيرة من أوربا، وما استنتجه من هذا. إن التطلع الاشتراكي هو تطلع إلى مجتمع خال من الاستغلال. هذا التطلع تطلع بشري ومشروع، وهو نتاج التطور الإنساني الذي لا يعزف بنهاية ما للتاريخ، وماركس نفسه عندما كان يبشر بالشيوعية، كان يقول إنها المستقبل القريب للبشرية، ولكنها ليست نهاية تطور البشر، فالإنسان دون الكائنات الحية كلها على وجه الأرض هو الكائن الوحيد الذي يتميز بالتطلع الدائم لتحسين ظروفه وتغييرها.

القضية الثانية التي سأتناولها، وبسرعة شديدة هي: الماركسية، وهنا لابد أن نميز فيها بين أشياء، بين المنهج والمقولات التحليلية لأن ماركس لم يترك كلمة واحدة عن تصوره للمجتمع الاشتراكي، كنسبة ما جرى في الاتحاد السوفييتي إلى ماركس وتحميله مسئوليته فيها قدر عظيم جدا من التعنت، وأمثلتي كثيرة على ذلك. الأمانة تقتضيني أن أقول: إن ماركس قد أعطى منهجا تحليليا وطبقه على أوربا، وترك مصطلحات في إطار المنهج الجدلي الذي أقامه على قاعدته بعد اكتشاف هيجل له- على حد تعبيره- هذا المنهج دون الدخول في تفاصيل هو جزء من تراث المعرفة البشرية، والمعرفة البشرية تتقدم بالتراكم وليس بالنفي، وليس ممكنا أن نلغي هذه التجربة الضخمة من فكر البشرية، فنحن مازلنا ندرس فلسفة أرسطو حتى الآن، ومن العبث أن نروج لمقولات مثل "الماركسية ذهبت قي نفايات التاريخ".

هزيمة نظام؟ أم هزيمة نظرية؟

د. رشدي سعيد

هناك ملاحظة أحب أن أعقب بها على كلام د. إسماعيل صبري قبل أن يدخل إلى نقطة أخرى. إنه بلاشك تسود عالمنا الآن حالة تسيد وحركة مد كبيرة للرأسمالية مما يؤكد في الجانب الآخر هزيمة ساحقة للاتحاد السوفييتي، أو للاشتراكية كما كانت مطبقة في الاتحاد السوفييتي.

د. إسماعيل صبري

أنا كنت أتكلم عن النظرية، وعندما سأتناول تطبيقها في الاتحاد السوفييتي سأقول إنها كانت مخالفة للماركسية.

د. رشدي سعيد

ليس هناك شك في هزيمة الاتحاد السوفييتي، وتعاظم المد للرأسمالية، بل للجزء اليميني فيها. هذا سائد في العالم الذي نعيشه الآن ونتأثر به. ومن هنا لا نستطيع أن نردد كلمات طوباوية مثل أن الاشتراكية موجودة ولا يمكن أن تختفي، وأنها موجودة في ضمير البشر. إننا نعيش عصر انتصار الرأسمالية بدون أن تطلق رصاصة، وهو انتصار مؤثر على كل بقاع العالم بما فيه بلاد العالم الثالث.

د. إبراهيم صقر

أستطيع أن أزعم أن الديمقراطية الاشتراكية تنتصر الآن في أوربا الغربية الرأسمالية ويتزايد مدها. والاتجاه العام في العالم كله رغم بعض الذبذبات يتجه إلى مزيد من المكاسب الاجتماعية للجماهير، وذلك في أوربا الغربية نفسها، البرلمان الأوربي تجد فيه أن الأحزاب الاشتراكية لها الأغلبية. هناك مزيد من الاشتراكية الديمقراطية، ومن هنا يمكن أن يكون ذلك هو التطور للاشتراكية.

د. أسامة الغزالي حرب

بداية لن نختلف حول ما قاله الدكتور إسماعيل صبري، فلابد أن نفرق بين ما كان قائما في العالم اعتبارا من العقد الثاني من هذا القرن، وبين الماركسية كنظرية أو منهج علمي. هذا التمييز شديد الأهمية لسبب بسيط لأنه قد شاع في الوسط الثقافي الآن بأن ما حدث هو نهاية الماركسية، وكلام من هذا القبيل. ما أراد د. إسماعيل أن يؤكده هو ان الماركسية كمنهج علمي ستظل موجودة ولها مصداقيتها وأهميتها، وأن احدا لن يدعي قدسية الهذه الأفكار، وأن هذا لا يعني أنها مطلقة، بل هي منهج علمي يسهم مع غيره من المناهج العلمية في تفسير الحقيقة الإنسانية.

الدكتور إسماعيل بدأ حديثه عن الماركسية كفلسفة ومنهج علمي، وقد ظلت هكذا إلى أن تحولت على أيدي الماركسيين الثوريين إلى حركة سياسية. وبانتصار الثورة البلشفية في روسيا قام نموذج محدد له خصائص معينة، ملكية الدول لوسائل الإنتاج والحزب الواحد. هيمنة الدول العقيدية إنما استمدت خصائصها من الماركسية، ولكن هل هي الشكل الوحيد أو التطبيق المطلق للماركسية؟ طبعا لا، لأن ماركس عندما تصور الشيوعية إنما تصورها في أكثر المجتمعات الرأسمالية تقدما، ولم يحدث هذا، وكان من المنتظر نجاحها في ألمانيا مثلا، إنما قامت في روسيا. وكثير من المشاكل التي صادفت الشيوعية إنما تعزى إلى هذه المفارقة.

حصاد التجربة

د. إسماعيل صبري

إذا أذنتم لي أبدأ حديثي بإثبات حقيقتين مهمتين:

1 - هناك واقع لا يمكن الجدل فيه، هو أنه غير صحيح أن الثورة البلشفية كانت منذ البداية خطأ، وأن التجربة السوفييتية كانت (صفر * صفر= صفر) وأسوق دليلا واحدا على نجاح الثورة البلشفية وإنجازاتها. إن الجمهوريات التي تطالب الآن باستقلالها وحصلت عليه، لم تكن موجودة لا في كتب التاريخ ولا الجغرافيا قبل الثورة البلشفية، أول من قرر الهذه الشعوب وجودها ومصيرها هو لينين. هذه الشعوب لم تكن لها لغات مكتوبة، وكتبت في ظل الثورة، لم تكن هناك كازخستان أو أوزبكستان أو غيرها.

2- حقق الاتحاد السوفييتي لفترة طويلة حتى أواخر الستينيات أعلى معدلات نمو اقتصادي وهذا حقيقي، وأنا أستشهد هنا بدراسة عن النمو الاقتصادي في العالم في القرن العشرين وهي صادرة عن منظمة التعاون والتنمية، والدراسة تشمل مساحه زمنية من (1900 إلى 1985) وبها مقارنة للمراحل مع بعضها، وحتى الستينيات كان أعلى معدل نمو في الاتحاد السوفيتي، وكان في المتوسط وبأسعار ثابتة 7 %. على أساس سعر الدولار بقوته الشرائية سنة 1980 وليس الدولار الحالي.

أما عن التقدم التكنولوجي فهم أول من أرسل إنسانا إلى الفضاء الخارجي، هذا واقع، إذن فهذه الثورة حقيقة، وقد قدمت إنجازات فذة، وأنها انتقلت بأكثر دول أوربا تخلفا ووصلت بها إلى مرتبة قوة عظمى، أيا كان رأينا فيها، نادراً ما نجد عملا بشريا كله خطأ من الألف إلى الياء، ولكن سأتناول الأخطاء، فقط أردت أن أحاصر الأحكام المتسرعة والمجانية بإلغاء أو نفي التجربة. المنهج العلمي والعقلاني يقتضي الدقة، والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: مادامت التجربة قد بدأت هذه البداية الجيدة، لماذا وصلت إلى ما وصلت إليه من انكسار؟؟

ثالثا: الأقسام المشتغلة بالسياسة، فعلا، اشتغالا حركيا ويوميا خاصة في المدن الكبرى بالاتحاد السوفييتي لو نسبناها الى سكان الاتحاد كله لن تزيد النسبة عن 1% فبكل أسف الجماهير السوفييتية في ظل النظام السابق تعودت عدم الاشتغال بالسياسة، فعملية استرداد دورها السياسي أصبحت عملية صعبة جدا. أحداث الانقلاب والذين وقفوا ضد الانقلاب والذين احتلوا اللجنة المركزية كانت مظاهرة من 2000 فرد فقط، والذين احتشدوا أمام البيت الأبيض الروسي لم يزيدوا فى أكثر تقدير على 50000 من تعداد المدينة الذي يزيد عن تسعة ملايين. ما أريد أن أصل إليه أن الكتل الكبيرة لم تنزل بثقلها فى الساحة بعد، وهذه الكتل أناس متعلمون، الى 300 مليون كلهم ليس فيهم أمي واحد، جربوا ضمانات اجتماعية معينة، وهاهم يخسرونها الآن. الإنسان عندما يكتسب مكسبا ما يتعود عليه ومن الصعب أن يسحب منه، وعندما كنا نشاهد في التليفزيون الإنجليزي أناسا يسبون الحزب الشيوعي، كنا نجد أيضا أناسا يشكون من عدم وجود احتياجات أساسية ويترحمون على أنها كانت موجودة من قبل، على المستوى البسيط، وأظن أنه لا يمكن لتلك الحقبة التي عاشتها الثورة البلشفية بكل ما فيها من انتصارات ومآس كلها معا ستمفيى عن هذه الشعوب وقد تركتها لعبة يلهو بها أي مغامر.

لهذه الأسباب الثلاثة مجتمعة أستطيع أن أؤكد أن الأوضاع في الاتحاد السوفييتي لم تحسم بعد، وأن عودة هذه الدول اشد شكل من أشكال الاتحاد الأوثق مطروح ووارد، وأود هنا أن أضيف شيئين:

1- تجربة دول أوربا الشرقية أثبتت أنه من أصعب الأشياء في العالم تحول هذه الدول من الاشتراكية الى الرأسمالية، لا تستطيع أن تقيم الرأسمالية بدون وجود طبقة تعمل على الإنتاج وإنشاء المصانع وتستثمر المخترعات الفنية الحديثة وما إليه، هذه الطبقة لا تظهر شيطانيا، بل تربى جيلا بعد جيل في ظل مناخ معين وثقافة معينة إلخ. هذا غيرموجود في الاتحاد السوفييتي، والذين يملكون ثروات هناك يعملون في السوق السوداء، مافيا تتاجر في كل شيء، ولا أظن أن المصانع ستؤول إليها، هذا الاتحاد السوفييتي الذي ينتج أكبر كمية من الصلب في العالم حوالي 100 مليون طن في السنة.

أين هذه الرأسمالية التي ستتولى هذه المصانع الضخمة وتشغلها لتكسب منها؟ في حين أن وجهة نظر الرأسمالي الأمريكي ترى أن صناعة الصلب تنتمي إلى الماضي ولا تستحق أي استثمار حديث. هذه وقائع ثابتة، ونحن نعرف الآن أنه "في بولندا والمجر وتشيكوسلوفاكيا هناك عروض. إذن المسألة أعقد مما نتصور بكثير.

2- المسألة الأصعب هي فك التلاحم الاقتصادي والمرافقي لدولة بنيت على أنها دولة واحدة، شبكة السكك الحديدية تم التخطيط لها على أساس موحد. شبكة الطرق موحدة. أي جمهورية من هذه الجمهوريات تريد أن تنشيء شبكة سكة حديد منفصلة، لنا أن نتخيل حجم الاستثمارات المطلوبة، فضلا عن المدة الزمنية التي يتم فيها تغيير ذلك. ولي أن أستشهد بواقعة انفراد (يلتسين) بقرار إطلاق الأسعار. أوكرانيا وروسيا رفضتا ولم تمتنعا، لأن معنى ذلك أن الروس جميعهم سيتوجهون للشراء منهم، فاضطروا إلى ذلك، لأنه من الصعب فك سوق واحدة.

وقد سبق أن انتقدت التجربة السوفييتية منذ أكثر من عشرين سنة من خلال موقعي كماركسي، أثرت أول ما أثرت قضية الديمقراطية في أول رحلة الى موسكو سنة 1967. قلت لهم: إنكم تحرمون 240 مليونا من الاشتغال بالسياسة، وأعطيتم 12 مليونا (هم أعضاء الحزب) حق الاشتغال بالسياسة، وأنا لا أتصور أنه هكذا يكون المجتمع الاشتراكي. أكثر من هذا، أن لينين في أكتوبر 1917 حينما انتصرت الثورة قال: (لقد ولدت مدينة جديدة) قلت لهم.. بعد خمسين عاما أنا لا أرى المدينة الاشتراكية الجديدة. أنتم مازلتم في نطاق أنماط الاستهلاك الغربية. لقد استراح الإنسان في عدة مجالات نعم، ولكن هناك أشياء كثيرة باقية لم تحسم.

الخطأ الثالث الذي وقعت فيه التجربة السوفييتية هو اختزال الملكية الاجتماعية التي تحدث عنها ماركس في شكل وحيد هو ملكية الدولة.. هنا حدث احتكار للعمل السياسي واحتكار للعمل الاقتصادي. كل القوى التي لم تكن راضية عما يجري سياسيا لم تكن في مراكز قوى اقتصادية تؤثر بها. ماركس كان يتكلم عن أشكال من الملكية الاجتماعية وليست ملكية الدولة. ومفهوم أن الدولة عندما تتولى شئون كل فرد بالخير أو بالشر تملك له الفر أو النفع دون أن يكون له دور في هذا أو إرادة أمر غير مقبول ولا يجوز أن يدافع عنه فرد أو جماعة بأي سبب من الأسباب أو يبرره بأي تبرير يخطر على بال. ومن المدهش أن الناس باسم ماركس هنا قتلوا المبادرة وباسم الماركسية قتلوا الإبداع والتجديد في مجتمع كانوا يزعمون أنه أفضل من المجتمع الرأسمالي بكثير، ولكن الأخطاء تتوالد من داخلها.

الخطأ الرابع كان متعلقا بالتخطيط الشامل الذي بدأ عام 1928، وبدأ في ظل نقص شديد في كل شيء وظروف النقص الشديد معناها توزيع كل شيء بالبطاقات، معناها إدارة الاقتصاد والمجتمع إداريا، وهذا ما انتقدته في التجربة السوفييتية من حيث التخطيط، وجاء في كتابي عن القطاع العام في مصر الصادر عام 1969، كتبت فقرات كاملة عن ان هذا الأسلوب أصبح متخلفا.

وقد تمت الثورة البلشفية في مجتمع متخلف. هذا صحيح وقد تسرب جزء من القيم الحضارية لهذا المجتمع وفرض نفسه على التجربة الاشتراكية، فهذه البلاد لم تعرف ديمقراطية أو حقوق إنسان أو نظاما برلمانيا في حياتها. لم يكن هناك تراث حضاري، أكثر من هذا التراث القديم الوحيد القائم في روسيا، هو المركزية الشديدة. لماذا؟ لأن روسيا كانت دائما ضحية الغزو من الجهات الجغرافية الأربع، من الشرق المغول والتتار، من الشمال الاسكندنافيون، من الجنوب الامبراطورية العثمانية، من الغرب أوربا الغربية. والأرض شاسعة والتعداد قليل، فكان الضمان هو السلطة المركزية الشديدة ذات الطابع الإلهي، خاصة رئيس الكنيسة في ذلك الوقت، ومن هنا إذا امتد الخط على استقامته كان يوصل الى الديكتاتورية وتقديس الفرد. ومن الطريف أنه بعد الثورة بسنوات، عندما أصبح للحزب مقر في كل القرى والمدن الصغيرة، أطلق الناس على هذا المقر (الكاتدرائية الحمراء) لأنهم تعاملوا واعتادوا على وجود الكاتدرائية.

في ختام حديثي هذا أقول إن كل فكر اجتماعي يعتريه أو تعترضه عند التطبيق عقبات، وهذا الفكر قد يختلف بوجود عاملين، الظروف الذاتية والموضوعية لمن يطبقه، والإطار الزمني أو التاريخي الذي تقع فيه التجربة، ولهذا ووجهت معظم التجارب الاجتماعية ربما مبكرا جدا بحالات هزيمة. الثورة البرجوازية ضربت في بريطانيا وفرنسا ونجحت في أمريكا لأنها قدمت تنازلات، فضلا عن ظروف اتساع الأرض، فلم تطرح مشكلة الفقربحيث تم الزحف من الشرق إلى الغرب، إنها ظروف خاصة. الزمن عندما يمر ليس خاويا أو خاليا من التغيرات. وما هو صعب اليوم قد يسهل تنفيذه غدا في ظروف جديدة. فشل التجربة السوفييتية في بناء مجتمع جذاب كهدف للبشرية، وهذا هو معنى الفشل الحقيقي، أمر خطير لأن التجربة تمت على مساحة واسعة من الأرض وكانت تشمل أعدادا كبيرة من البشر. لو كانت التجربة تمت في ألبانيا أو رومانيا ربما لم يهتم بها أحد. الأهمية تأتي للتجربة من الوضع الجيوبولتيكي للدولة التى تمت فيها التغيرات.

إذن الأسباب كثيرة يمكن أن نفيض فيها، ولكن المنهج الذي يمكن أن نتناولها به يعطينا أرضية أكثر موضوعية وأكئر صلابة، أرضية مادية لفهم أسباب الفشل، فإذا لم نستوعب الدرس الذي حدث. ما أهمية البحث عن نظرية جديدة، أو اشتراكية أخرى؟

وأخيرا أحب أن أقول إنه لا توجد نظرية لبناء مجتمع اشتراكي يجب أن نتفق على هذا. المجتمع الاشتراكي ينبع من نضالات مجتمعات محددة في ظروف اجتماعية وتاريخية محددة.

بناء هش.. وضغوط خارجية

د. رشدي سعيد

هناك أسباب أخرى لسقوط الاتحاد السوفييتي، فالسقوط لم يكن من الداخل فقط، بل هناك أيضا ضغوط خارجية منها التقدم التكنولوجي الهائل في السنوات الخمس عشرة الماضية.

د. إبراهيم صقر

أحب أن أتناول موضوع الضغوط الخارجية، وأبدأ بتأكيد أن الحرب العالمية الثانية كانت لها اثار ضخمة، فقد خرجت أمريكا والحلفاء منها بالقنبلة الذرية، مما جعل الاتحاد السوفييتي يدخل مجال التنافس خاصة وأنه خسر أكثر من نصف طاقته الصناعية. البداية غير متساوية في الجانبين. هناك ضعف في الموارد في الاتحاد السوفييتي ووفرة في الجانب الآخر، فضلأ عن الضغوط الخارجية التي تمثلت- منذ قيام النظام الاشتراكي- في محاربته وحصاره بشراسة من سنة 1918 حتى الآن. وقد حشدت وجندت له كل القوى المعادية. في سنة 1953 وكنت في أمريكا كان هناك شخص يدعى مستر ربوتسون وكيل وزارة الخارجية الأمريكية لشئون الشرق الأقصى، قال بوضوح: لن يقر لنا قرار حتى نقوض دعائم الاتحاد السوفييتي. ضغوط اقتصادية وسياسية وتقنية. وحتى الآن الصراع مستمر، وعسكريا كان هناك سباق التسلح الذي اقتضى من الاتحاد السوفييتي، وجرفه بشدة نحو استهلاك كثير من موارده لتوظيفها في هذا السباق. الإنفاق العسكري الرهيب في الاتحاد السوفييتي ليلاحق الحلفاء 11% من الدخل القومي مقابل 7%. أو 6% تنفقه الولايات المتحدة والحلفاء، وأصلا الولايات المتحدة بدأت ودخلها القومي مرتفع أساسا وعدد سكانها أقل، ثم برنامج الفضاء الباهظ التكاليف. كذلك تجربتهم في الوقوف مع الآخرين حتى يتوازن المعسكران.

العربي

هذه العوامل عمرها أكثر من 40 سنة، لكننا في حاجة لتناول السنوات الأربع الأخيرة. إن البيروسترويكا حين بدأت لم تكن قفزا خارج الاشتراكية، بل كانت ترى تطويرا من داخل الاشتراكية. حدثت ضغوط. الديمقراطية في الداخل سبقت الاصلاح الاقتصادي، وممكن أن يكون الغرب قد استثمر الفرصة. نود أن نلقي أضواء على الفترة الأخيرة، السنوات الأربع التي سبقت السقوط.

محمد سيد أحمد

أنا لا أعتقد أن أساس ما حدث يكمن في الضغوط الخارجية، ممكن أن تكون هذه الضغوط أحد العناصر المؤثرة، ولكن الأساس في الداخل. وأنا مع الدكتور إسماعيل بعدم وجود الحتميات، ولكن هناك أشياء لها احتمالات كثيرة بحكم مصداقيتها العلمية، أنا أعتقد أن ما تجري محاكمته الآن هو علاقة الاشتراكية بالتخلف، هل من الممكن إنجاز مجتمع اشتراكي منطلقا من موضع متخلف. وهذه قضية كبرى وهي تخصنا في العالم الثالث. وما حدث أن الاشتراكية أصبحت محكومة بوصولها فى السلطة في موقع متخلف، وأن اللحاق بالقطب الآخر كان أمرا يسبق في الأهمية إنجاز المجتمع الاشتراكي، لأن اللحاق بالآخر شرط الوجود، والإنجاز الاشتراكي الداخلي أصبح شيئا قابلا للتأجيل، وعملية اللحاق هذه معناها إخضاع القوانين الذاتية لضغوط خارجية، لكن بطريقة أخرى، بحكم آليات الداخل، وليس بحكم مؤامرات الخارج. أنا لابد لكي أتطور باليات الداخل أن تتحقق لي ظروف تجعلني في أفضلية لمواجهة الطرف الآخر.

لم يكن النظام إمبرياليا يحصل على فائض من المستعمرات ليحدث تراكما اقتصاديا لبناء عملية التصنيع، فقامت عمليات التصنيع اعتمادا على الفلاحين، حدثت عمليات تجويع وإذابة لقطاعات من المجتمع من أجل التوفير اللازم للتصنيع. يعني عندما يكلف عضو الحزب بتطبيق خط الحزب في استخلاص الفائض المخصص للتصنيع من الفلاح، لم يكن رسول إسعاد البشر باسم الاشتراكية، ولكنه كان رسول قمع البشر باسمها، لأن هناك شبحا لفكرة اللحاق بشيء لست مهيئا أساسا للحاق به. ومن هنا انتشر القمع، الفرد في الحزب أداة للقمع، ويمتد الخط على استقامته حتى نصل الى أمين عام دكتاتور.. إلخ. نعم هناك إنجازات تمت في الثلاثينيات، ولكن بسبب الاستنزاف للاتحاد السوفييتي في فترة الحرب وما بعدها نتجت هذه المأساة. كثير من الروس يروون تضحيات أبنائهم وشهدائهم، لم تخل أسرة من شهيد في جيل أو آخر عبر التاريخ المعاصر، ولكن في نهاية الأمر، وإزاء هذه الأهوال، لم يتحقق المجتمع الاشتراكي. حماية الجسد كانت تتطلب تضحيات أكبر وأكبر فيما يتعلق بالروح، ثم كانت الطفرة التكنولوجية بعد سبعين سنة، واجهتهم أمريكا برنامج حرب النجوم يعني بدأ الجنون. لم يكن الدفاع هنا عن الوجود، ولم يكن القتال مطروحا، إنما المواجهة تقتضي أن أقتلك ثلاثين مرة. كم مرة تستطيع أنت أن تدمرني؟ مطلوب ندية في الإفناء المتبادل. لعبة جهنمية أفلتت من كل سيطرة. وأنا أعتقد أن البيروسترويكا جاءت لتجنب الأسوأ الذي يمكن أن يلم بالاتحاد السوفييتي انطلاقا من تسليم مسبق بأن ما هو قائم لا يمكن أن يستمر، وأنه لابد من مخرج، والمخرج غير مأمون أو مضمون. قد يفلت وقد لايفلت، لكن لابد منه. لاعودة الى الوراء، علينا أن ننطلق أماما، ولا نعلم أماما إلى أين؟

النضال.. بعيدا عن البندقية

د. إسماعيل صبري

عندي تعليق سريع. ماركس كتب بالحرف الواحد: (ويختلف نمط الإنتاج في النمط الرأسمالي عن كل الأنماط السابقة له لأن أساسه هو الصناعة، والصناعة كقوة إنتاج ثورية بطبيعتها وستستمر في تطور بلا توقف) إذن لم يقل بثباتها. هذا هو النص أردت إثباته. أما حكاية التقدم والتخلف، فإنه يجب ملاحظة وضعنا الراهن وهو مخالف تماما للوضع سنة 1917. نحن جميعا جزء من النظام الرأسمالي العالمي، ويقع علينا استغلال رأسمالي، والرأسمالية العالمية طرف في علاقات الإنتاج الداخلية لدينا، وبالتالي لا نستطيع القول: ننمو أولا ثم نتكلم عن النضال، لأن جزءا من نضالنا هو بطبيعته نضال ضد الرأسمالية العالمية، شئنا أم لم نشأ، وإلا كان البديل تركنا لنقتل بعضنا البعض، كما هو الحال في الصومال.

د. أسامة الغزالي حرب
النظريات الحديثة لا تفرض النضال.

د. إسماعيل صبري عبدالله

أليس البحث العلمي نضالأ؟ علينا أن نفهم النضال خارج البندقية والرصاصة، بمعناه الاجتماعي، وهو كل مجهود بشري موجه للتنمية، الوضع الذي نواجهه كعالم ثالث وكعرب هو أن بلادنا شئنا أم لم نشأ جزء لا يتجزأ من النظام الاقتصادي العالمي، بمعنى انه يقع علينا جزء من ألاستغلال الرأسمالي، يوميا، مثال بسيط. كل من في جيبه دولار، هذا الدولار ائتمان على الخزانة الأمريكية، ونحن ندخره فنعطي بذلك فرصة للنظام الاقتصادي الأمريكي للنمو والانتعاش. وكل نمو في المجتمع الرأسمالي مسئول عن تشوه النمو عندنا، والتخلف ليس جمودا كاملا، بل قد يبدو في شكل نمو قطاعات معينة على حساب أخرى. إننا جز من النظم الرأسمالي، وليس لنا مكان فيه بالشكل الذي نشاؤه. جزء من العالم الثالث سوف يهمش نهائيا. تذكروا ما يجري في أثيوبيا والصومال، أثيوبيا كانت لها أهميتها في مرحلة الحرب الباردة، وعندما انتهت هذه الحرب لا يهتم أحد بما يجري الآن فيها، لا يتدخل أحد وهم يقتلون بعضهم البعض. في ليبيريا أيضا، وقد كانت مدللة لظروف خاصة لدى أمريكا، منذ عامين تفني الأطراف المتصارعة هناك بعضها ولا أحد يتدخل. هناك اتجاه لدى العالم الغربي أن كل الأطراف التي لا أمل فيها ولا نستفيد منها نتركها لقضاياها الداخلية حتى تفنى، وليس لنا بديل إذا كنا نريد أن نحتفظ بآدميتنا إلا أن نسعى إلى التنمية المستقلة.

د. إبراهيم صقر

إن هذا النمط من الاستهلاك مغر للناس، ومن الصعب إقناع الناس باجتنابه، ولكن دعونا نتساءل: هل يمكن لدولة ما من العالم الثالث أن تسير في طريق تنمية مستقلة، لدينا تجربة كوبا، لا أحد يستطيع أن ينال من أمانة كاسترو، لقد حاول أن ينمي بلده ولكن في نهاية المحصلة لم تكن التنمية مستقلة، بدليل أنه بمجرد سقوط المعونات السوفييتية وانقطاعها عنه دخل في أزمة شديدة، مع تسليمنا بنبل المحاولة. كذلك نيكاراجوا، أنتم تعرفون الاستغلال الشديد المتفشي في أمريكا الجنوبية والوسطى، لقد شاهدت بعض هذه البلاد حيث تتجلى الرأسمالية في أسوأ وأبشع صورها. كتل بشرية كبيرة مهمشة الدور والوجود. وأقلية تتمتع بثراء فاحش وترف متورم. السؤال هو: هل يمكن لمثل هذه التجربة، تجربة التنمية المستقلة أن تقوم؟ أنا متفق مع الأستاذ سيد أحمد حول الحركة العلمية في الاتحاد السوفييتي، وقد تابعتها باهتمام وكانت حركة علمية قوية ومهمة جدا، ولا يكاد يوجد إنسان معني بالعلم ينكر أهميتها له. كانت هناك حركة ترجمة في نيويورك لجميع الإنجازات العلمية السوفييتية، وهذا إقرار من أمريكا بأهميتها. المستوى العلمي في الاتحاد السوفييتى كان من الجودة والأهمية على المستوى النظري بحيث لا ينكره أحد، ولوحظ في السبعينيات أنه اعتراه ضعف ووهن شديدان.

د. أسامة الغزالي حرب

لقد لاحظت في كل ما يقول ويكتب لنا كان ارتباط د. إسماعيل صبري عبدالله ارتباطا عاطفيا بالمثل الأعلى للاشتراكية إنسانيا. هناك تصور كامن في ذهن د. إسماعيل حول ما ينبغي أن يكون عليه المجتمع البشري الأمثل. صورة معينة من صور العدالة الحقيقية التي يتمتم بها الإنسان، وأنا اعتبر هذه المناقشة نوعا من تنقيح الأفكار حول هذه القضية وسوف أطرح مجموعة عن الأسئلة لأني أريد أن أتوغل أكثر فيما حدث.

طرح د. إسماعيل بعد المقدمة مجموعة من الأسباب التي وآها تفسر ما حدث في الاتحاد السوفييتي: علاقة الحزب بالدولة، تكون أكبر جهاز بيروقراطي عرف في التاريخ. ختزال، لملكية الاجتماعية اشد ملكية الدولة، أسلوب لتخطيط وطبيعته، طبيعة الحزب الشيوعي، تراث الديكتاتورية في روسيا.. إلخ. وركز الأستاذ محمد سيد أحمد حديثه حول مسألتين: ان التجربة الاشتراكية تمت في غير مكانها في مجتمع متخلف، وأنا أميل إلى التركيز على هذه الناحية لأن هذا يتناقض مع الماركسية الأصيلة كما فهمناها، ثم قوله: عن تأثير قوى الإنتاج على علاقات الإنتاج حيث تم هذا في مسار عكس ما كان متصورا وبالتالي أتى بنتائج وتغيرات كثيرة جدا تفسر كثيرا مما حدث. وأسئلتي هي:
- هل المفاهيم الأساسية في تفسير المجتمع والاقتصاد وفي مثالب الملكية الخاصة والتي تؤدي إلى ضرورة انتقال المجتمع إلى شكل من أشكال الملكية العامة بسبب تطور قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج. هل هذه الملكية الاجتماعية كان يمكن أن تؤول إلى شيء غير ما آلت إليه بالفعل الذي هو ملكية الدولة؟ أنا كواحد من هذا الجيل أفهم ما حدث في الاتحاد السوفييتي في إطار أي كلام عن الملكية العامة أو الملكية الاجتماعية قد يكون جميلا نظريا، ولكن من حيث التطبيق لابد أن يؤدي إلى استئثار مجموعة قليلة من البيروقراطيين بإدارة المجتمع، وأن هذا التصور المثالي لا محل له في الواقع. هذا أول ما أتفهمه من الدرس الراهن.

ثانيا: أن النظام السياسي القائم على الحزب الواحد الذي كان ترجمة للمفاهيم الخاصة بتحليل المجتمع بشكل عام ونظام الحكم وفقا للتحليل الماركسي للمجتمع والسلطة السياسية باعتبار أنها في النهاية هي سيطرة الطبقة المالكة. وهي الطبقة العاملة وتحكم الطبقات الأخرى بواسطتها، وتناهي ذلك إلى الحزب الواحد ودكتاتورية البروليتاريا. هذا الشكل من الحكم أدى إلى ممارسات معينة اتخذت شكل القمع وسلب الحرية. إذن، هل كان من الممكن تصور صيغة أخرى لترجمة السلطة السياسية للطبقات العاملة، وفي الوقت نفسه أضمن شكلا معينا من أشكال الديمقراطية؟ هذا لم يحدث، ولم يحدث في الصين أو كوبا رغم اختلاف المواقع.

وأنتقل إلى مسالة التخطيط، فالتخطيط بهذا المعنى الذي كان متخيلا صعب أو مستحيل تنفيذه، وإذا سلمت بخطأ التخطيط في هذا النموذج، فمعنى ذلك أنني أتخيل نموذجا آخر. وتساؤلي عن الدور العقيدي للدولة السوفيتية حول المساواة أو العدالة. هذا الدور العقيدي للدولة أسفر عن درجة معينة من الحجر على حرية التفكير والحجر على الإبداع، وبالتالي أصبح السؤال: هل من المتصور إيجاد دولة ذات دور عقيدي يساعد على ازدهار أفكار الحرية والعدالة المخالفة لما هو سائد، وأتساءل: هل الذين يرتبطون عاطفيا ونفسيا بالفكرة الاشتراكية يدافعون عن مثال خيالي غير واقعي، وغير ممكن تحقيقه؟ هذا هو السؤال.

خطوات لم تكتمل

د. إسماعيل صبري عبدالله

أنا معك أن فكرة ملكية الدولة تنتهي عند التطبيق إلى بيروقراطية وظهور فئة وحيدة مستفيدة من ذلك، وأنا أصر، لأجل ذلك، على فكرة الملكية الاجتماعية، وسأضرب لك مثلا عليها: المدرسة الموجودة في القرية لماذا تملكها الدولة ولماذا لا تملكها القرية؟ الوحدة الصحية الموجودة في القرية لماذا لا تملكها القرية؟ ويراقبها المستفيدون بها، فمعنى الإنتاج الاجتماعي أن يكون الإنتاج قائما على تقسيم العمل بحيث لا يقول عامل داخل المصنع: أنا صنعت هذا الراديو وحدي، هو عمل جزءا صغيراً فيه.

وتفادي الجانب القمعي الذي نتحدث عنه يحدث من خلال أمرين:

*عدم فرض الملكية الجماعية إلا حيث يكون الإنتاج اجتماعيا.
* جهاز الدولة لابد من فك تركيزه بعملية أساسية من خلال الإدارة الذاتية أو الإدارة المشتركة، واللامركزية تعترف بوجود الوحدة الإنتاجية ككيان اقتصادي وليس مجموعة من العمال أو الآلات.

وأنتقل إلى قضية التخطيط، التخطيط السوفييتي استخدم الأوامر الإدارية بدلا من الآليات الاقتصادية للسوق، والتي كان ينبغي الاستفادة منها. قالوا: الاشتراكية ليس بها ضرائب، وبالتالي حرمت نفسها من سلاح أساسي للتأثير في مجريات الاقتصاد، وجعلوا من البنك جهاز محاسبة فألغيت فكرة الائتمان، وكل ما يترتب عليها من توجيه النشاط الاقتصادي. أصروا في التجارة الخارجية على سياسة الاكتفاء الذاتي. كانوا محاصرين ولا أحد يبيع لهم، فكان من الطبيعي أن ينتجوا كل شيء. لم يكن هناك قانون يلزمهم أن يظلوا كذلك. قبل جورباتشوف كانت نسبة التجارة الخارجية إلى الناتج القومي 2% ومساهمة الاتحاد السوفييتي في التجارة العالمية كانت 4%.. غيرمعقول.

وأعود فأقول إن الخطر الداخلي كان أكثر من الخطر الخارجي، كما أشار الأستاذ محمد سيد أحمد، إن تجميد العقيدة وتقنينها قتل البحث في العلوم الاجتماعية، وهم يدفعون ثمن ذلك الآن، كلهم ساخطون على ما مضى، وليس لدى أحد مشروع ما لتجاوز ذلك. المأساة الحقيقية هي تخلف العلوم الاجتماعية لديهم، لقد ساد منطق أن ماركس ولينين قالا كل شيء، بدليل أن أحدا لم يهتم على سبيل المثال بتطور أذواق المستهلكين واحتياجاتهم. الرأسمالية لا تترك مستهلكا بدون أن تتدخل في تطوير وتشكيل ذوقه من خلال الإعلان وفرض أو عرض نوعية من السلع.

قداسة النظرية وواقع التطبيق

محمد سيد أحمد

أريد أن أقول كلمتين، أولا فيما يتعلق بفكرة الحزب الواحد، وفكرة دكتاتورية البروليتاريا كفكرة منطلقة أساسا من تقديس النظرية ممثلة في مجموعة من لهم مصلحة في هذا التقدير، فهم التاريخ، مثل كهنة الماضي، مثل السلفيين الآن، وبالتالي فلا معارضة في الحزب الواحد. كانت الفكرة الأساسية في تصور ماركس، نظريا، في القرن التاسع عشر تقوم على أن هناك طبقة ما تحمل رسالة تاريخية. تحولت هذه الفكرة إلى أناس تخيلوا أنفسهم قد فوضوا لتمثيل هذا الدور التاريخي للطبقة في أشخاصهم.

في أوائل هذا القرن ظهرت نسبية أينشتين، تقول: إن الواقع الموضوعي موجود، ولكن ليس هناك اثنان يريانه باختلاف مواقعهم بالمنظور نفسه، هذه النظرية كرؤية في العلوم الاجتماعية مهمة جدا، لأنها تثبت أنه حتى في داخل هذه الطبقة فلابد من وجود اختلاف في الرؤى، إذن التعدد موجود، وهذه حقيقة صودرت لصالح فئات انتفعت من تكثيف رؤية معينة في احتكار التاريخ لأنفسهم.

العملية نفسها بالنسبة للتخطيط، فبدلا من أن يكون التخطيط إعادة ترتيب للواقع الموضوعي بما يوفر الاستثمار الامثل له مستقبلا، يكون حبس المستقبل في الحاضر، لأني لا أسمح لغيري في أن يساءلني لإعادة ترتيب هذه الأمور. والفرق هنا بين الرأسمالية والاشتراكية، ليس بالآلية، بل بالهدف، إنه يتعلق بالفئة المنتفعة من هذه الآلية، وليس بالآلية ذاتها.

النقطة الأخيرة: هي ماذا يبقى من الماركسية؟ بعد ما آل إليه تطبيقها في، لاتحاد السوفييتي.

د. إسماعيل صبري عبدالله

هي نظرية موجودة، من يرد استخدامها يتفضل، ومن لا يرد استخدامها فهو حر.

د. أسامة الغزالي حرب

فيما يتعلق بما سوف يحدث في الأعوام القليلة القادمة، أكاد أتصور أنه من المستحيل أن يتحول النظام الموجود في الاتحاد السوفييتي اشد نظام رأسمالي، مسألة خارج حدود أي تصور. لقد تصورنا خطأ ذات يوم أنه من السهل أن يتحول مجتمع ما إلى الاشتراكية بين عشية وضحاها، لابد من توافر شروط معقدة ومناخ معين، لابد أيضا من وجود شروط ومناخ مغايرين عند قيام الرأسمالية في الائحاد السوفييتي. يستحيل اتخاذ أي قرار بتحويل مجتمع اشتراكي إلى مجتمع رأسمالي، وبالتالي يبدو أننا مقبلون على مرحلة انتقالية مذهلة تسود فيها الفوضى. ومن المؤسف أن يتم ذلك في بلاد على درجة عالية من الثقافة والوعي. وأنا أحيانا يصيبني الذهول من تصريحات زعماء مثل يلتسين أو غيره، أنه في خلال شهور ستة سيتم كذا وكذا، كيف سيتم هذا؟ إن أكثر المرشحين مع الوضع الجديد القائم لأن يكونوا رأسماليين، هم فئات اللصوص والمفسدين في النظام القديم. إننا نشاهد على المسرح الآن أشياء مذهلة، ربما بتفاعلها وتصارعها تفرز لنا الشيء الجديد الذي لن يكون الاشتراكية القديمة ولا الرأسمالية القادمة. إنه مخاض عسير وأصعب مما يتصور الكثيرون.

محمد سيد أحمد

لدي إحساس أنه أمر بالغ الصعوبة أن تنقرض الاشتراكية، بل إننى أحس أن الاشتراكية قد تنطلق من جديد بصورة أو باخرى،. وإن كنت أعتقد أنه ليس بالضرورة أن المواقع التي سبق للتجربة الاشتراكية أن مرت بها هي أكثر المواقع تهيؤا لعودتها إليها، وهناك ثلاثة احتمالات:

1- العودة لسيناريو ماركس وأن المواقع الأكثر تقدما مثل الشركات المتعددة الجنسية وهي جهات تخطيط على- بأعلى مستوى في العالم، وممكن في نهاية المطاف أن تتحول إلى مؤسسات هي ملك للمشتغلين فيها أكثر منها ملكا لفئات معينة أي أن تكون اشتراكية الغد تصحيحا لآفات الرأسمالية بدلا من إعادة تكرار لتجارب اشتراكية معينة، من خلال تطورات معينة.

الاحتمال الثاني أن تصبح الاشتراكية عنوانا لقوى بالغة التخلف في المجتمع الدولي، رافضة النظام المفروض من أعلى، وتصبح رافعة لشعار الاشتراكية، وهذا معنى أو تصور وارد. ويمكن أن يكون ما نراه الآن في الصين أو فيتنام هو الجسر الذي يعبره المبشرون، وتصبح المسألة "شمال- جنوب "وليس "شرق- غرب".

الاحتمال الثالث: أن الاشتراكية لن تنشأ من جديد إلا عالمية، وهو الاحتمال الأكثر ترشيحا لدي، وذلك من خلال نظام مدول محتلف. فكرة تجزئة العالم إلى تعايش بين نظامين انتهت تاريخيا.

د. أسامة الغزالي

هذا تصور خيالي أو مثالي.

د. إسماعيل صبري عبدالله

على فكرة د. أسامة يستعمل كلمة "مثالي" أو "خيالي" كثيرا جدا في اتهامه لبعض الأفكار، ومن المعروف أن تقدم البشر ارتبط بقدرة الإنسان على التخيل قبل قدرته على المعرفة، لأنه بدون خيال لا يوجد تقدم، وكل العلماء عاشوا في خيالاتهم قبل أن يحققوا اكتشافاتهم. أينشتين ونيوتن وغيرهما. حتى الحقائق العلمية تخيلها الإنسان قبل أن يحققها.

العربي

هل يمكن أن نتناول تجربة الصين؟

د. أسامة الغزالي

نحن رأينا كيف تصدعت تجربة الاتحاد السوفييتي، وشاهدنا في الصين بوادر انفراج وتمرد وبوادر ثورة، ولكنها سحقت بالقوة العسكرية. هنا لا نستطيع أن نقول في الاتحاد السوفييتي تجربة فشلت، وفي الصين مازالت تجربة باقية، لأن هذه التجربة الباقية في الصين ربما يتهددها المصير نفسه، فهي باقية بالقمع العسكري، والاحتمال وارد لانهيارها.

محمد سيد أحمد

الصين تتعرض لتغيرات كبيرة، وهي متعرضة بالفعل، التناقضات التي كانت موجودة في الاتحاد السوفييتي قائمة بالفعل في الصين، وهي تناقضات تنتمي إلى ما يسمى بلغة الماركسية (الثورة الوطنية الديمقراطية) وليس الثورة الاشتراكية، في حقيقة الأمر ليس هذا إلا نظاما انتقاليا.

الرأسمالية.. هل تواجه أزمة؟

العربي

حسنا، دعونا نكمل الحوار حول أزمة الرأسمالية، والخيارات أمام العالم الثالث وأمام العالم العربي. لنبدأ بوضع الرأسمالية.

د. إسماعيل صبري عبدالله

التجربة التاريخية في إقامة المجتمع الرأسمالي في أوربا وأمريكا مستحيلة التكرار لأسباب كثيرة، أولها أن هذه التجربة قامت على الظاهرة الاستعمارية كعمود فقري لبنائها، تغيرت أشكال الاستعمار، ولكن الجوهر واحد وهو سحب جزء من الفائض الاقتصادي للمستعمرات، لكي يستخدم في الشمال في الدول الاستعمارية وقد حدا ذلك بالرأسمالية إلى إعادة تشكيل المجتمعات التي سيطرت عليها، وحدث هذا للمرة الأولى. فالإمبراطوريات القديمة (الرومانية والعربية والإسلامية والمغولية والعثمانية)، كانت تكتفي بتحصيل الجزية ويتركون نمط الإنتاج كما هو سائد في البلد المستعمر. الرأسمالية كانت تحتاج إلى أسواق ولمواد أولية، واستدعى ذلك إدخال تغيرات على تشكيل البلاد التي كانت مستعمرة، ولهذا يشكو العالم الثالث ليس من عدم النمو، بل من النمو المشوه الذي لا يتكافأ مع قطاعات الاقتصاد كلها ونيست له معدلات متكافئة ويؤدي إلى الانطلاق. ومن هنا يدين هذا الشكل أسلوب الاعتماد على الغير، حيث لا يعبأ الاقتصاد ولا يدار بالطريقة التي تحقق النمو بمعدلات مطلوبة، ثم يذهب جزء كبير من الفائض المحقق إلى الدول الاستعمارية، ونذهب نحن لنقترضه منهم ثانية. وعندما نطرح القضية على دول العالم الثالث نجدها لا تملك الاختيار. يوجد رأسماليون أو مشروعات رأسمالية في دول العالم الثالث، لكن لا يمكن أن نقول إن اقتصاد أي بلد من بلدان العالم الثالث اقتصاد رأسمالي مكتمل، فقضية الاختيار قضية شائكة، وليس معنى فشل تجربة ما يعطي التجربة المضادة شرعية النجاح.

بلدان العالم الثالث ليست في سوق وأمامها سلع مختلفة وعليها أن تختار، لا مجتمع رأسمالي بدون تحقيق تراكم رأسمالي عال جدا وتراكم معرفي عال يواكبه، بدون هذين الشرطين لا ينشأ مجتمع رأسمالي مزدهر مثل المجتمعات الصناعية المتقدمة التي نتحدث عنها. هذه قضية، بغض النظر عن وجود أزمة في النظام الرأسمالي من عدمه، فهذا غير وارد في المناقشة لأننا لا نملك في الأصل حق الاختيار، ودول العالم الثالث التي ترنو إلى عمل الرأسمالية حتى الآن مازال القطاع العام يشغل مساحة واسعة من خريطتها خاصة في المشروعات الأساسية، حتى عملية الإصلاح الاقتصادي التي يفرضها صندوق النقد الدولي تنفذها الدولة وليس الاقتصاد- تلقائيا- هذا حتى نبعد عن مناقشتنا وهمية الألفاظ، ونرى الحقائق بوضوح أكثر ونتعامل معها بجراة.

ويمكن أن يقوم اقتصاد حر، لكنه لن يقيم رأسمالية، حيث إنه يسهم في التنمية.

القضية قضية تنمية وليست قضية آليات سوق أو آليات تخطيط. في التجربة الغربية بدأت بكنترول حكومي ضخما جدا حتى أوائل 1822 عندما صدرت قوانين الغلال التي أصدرها وليم بيتي رئيس وزراء بريطانيا، وبدأ الاقتصاد الحر. ما قبل ذلك كانت الشركات الاستعمارية الكبرى تحت سيطرة الدولة. الصناعات التي كانت قبل اكتشاف البخار كانت ممولة ومدعومة بسلطة الملوك. كانت البرجوازية تملك رأس المال وحتى تفرض نفسها في مجتمع إقطاعي كان لابد من هذا الدعم، ثم تفجرت فكرة الحرية الاقتصادية، وليست مصادفة أن تتفجر في أمريكا، فحرب الاستقلال كانت حربا من أجل الحرية، حيث كانت هناك قوانين تفرض عليهم استيراد أشياء بعينها من انجلترا والبيع أيضا لانجلترا، فتمردوا على ذلك. وتبلورت فكرة آليات السوق، حيث كانت هذه الآليات وسيلة، فهي بحد ذاتها لا تصنع شيئا، ممكن أن تعيش في اقتصاد حر ولا تحقق شيئا. مصر كانت تعيش في اقتصاد قبل 1952 ولم تحدث بها تنمية. أكثر من هذا نحن حتى عام 1949 كنا دولة لاتملك أن تحاكم الأجنبي أمام القضاء الوطني. كانت المحاكمة تتم أمام المحاكم المختلطة، وحتى عام 1939 كانت الدولة عاجزة عن فرض ضرائب إلا الضريبة العقارية، لأنه حتى تتمكن من فرض ضرائب على نشاط تجاري أو صناعي يعمل به أجانب لابد من الرجوع للحصول على موافقة 12 دولة حاصلة على امتيازات. لا أظن هناك دولة أعطت ضمانات للرأسمال الأجنبي بحجم الضمانات المصرية، ومع ذلك لم تحدت تنمية. علينا أن ندرس الوقائع التي عشناها في تاريخنا حتى لا تأخذ مناقشاتنا شكلا، سطحيا أو أيديولوجيا خاليا من الصيغ الواقعية.

وآليات السوق نفسها لا يمكن أن تستمر وتنتج النتائج المطلوبة إلا إذا توافرت الشروط الخاصة بالسوق الراسمالية، السوق التي يتحدث عنها الاقتصاديون في علم الاقتصاد، سوق المنافسة الكاملة، وهذه المنافسة شرط أساسي لوجودها هو تعددا المنتجين. أنت تواجه في الدول النامية أوضاعا احتكارية أو شبه احتكارية باستمرار، حتى عندما يوجد خمسة مصانع فأصحابها يمكن أن يتحالفوا معا.

هناك نقطة أخرى وهي أن المعلومات وتوافرها شرط من شروط قيام السوق، وأن يكون العاملون على دراية تامة بقوانين العرض والطلب. والصورة المثلى للسوق هي البورصة. عروض الشراء تظهر على الشاشة وطلبات البيع في مواجهتها والمتعامل على خط تماس مباشر معها، وبذلك يحدث تلاق آني بين حالتي البيع والشراء. هذه الصورة تحدث توازنا بين العرض والطلب وتكون النتائج المطلوبة في النظرية. في الواقع الملموس للاقتصاد الرأسمالي تغيب هذه الصورة، وتحل صورة أخرى قريبة، وبالتالي يمكن أن تعيش هذه الآليات في سوق اكتملت له هذه الظروف.

وهناك أيضا أبعاد ثقافية لهذا التصور. الرأسمالية الثقافية. ما يدهشنا في أمريكا هذا البعد، لا عمل بدون مقابل، أنت في قتال عنيف لمضاعفة أجرك. أمريكا البلد الوحيد الذي يمكن للمرء فيه أن يعيش بلا وظيفة، سوى إعطاء محاضرات، في كل مدينة صغيرة تتكون مجموعات من سيدات المجتمع اللائى لا شيء يشغلهن بعد أن أصبحت الأعمال المنزلية كلها الية، فيجلسن في نواديهن أمام شخصيات تقوم بإلقاء محاضرات في شتى الموضوعات، وتحصل على مقابل يتفاوت حسب سمعتك العلمية وصيتك الثقافي. مثلا محاضرة كيسنجر في أي مكان من هذه الأمكنة ب 25 ألف دولار لمدة ساعتين. هذا جزء من الثقافة الرأسمالية، فكرة "أنا أولا ثم الآخرون"، فكرة الوقت نقود Time is money حتي لو جلست في ندوة ولم تتكلم فيحق لك أخذ أجر لهذا الوقت الذي قضيته في تلك الندوة. إلخ.

وفي دول العالم الثالث على الرغم من عدم كوننا رأسماليين إلا أننا نحن جزء من النظام الرأسمالي العالمي، ولكن جين نفكر أن نبني رأسمالية منافسة سيعد هذا تمردا على بنية الاقتصاد العالمي كله. لن يرسل إليك طائرة أو بارجة تضربك، لكن آليات السوق التي يتحكم فيها ممكن أن يقتلك بها، مثلا هناك بلاد تعيش على تصدير المواد الأولية، المواد الأولية في السنوات الأخيرة هبطت إلى أدنى مستوى لها منذ الثلاثينيات، والدول تتنافس، وكلما قل السعر زادت هذه الدول من الإنتاج، فيزيد الإنتاج ويقل السعر، وهكذا. ثم هناك منافسات المواد التخليقية، المواد المصنعة ذات المزايا غير الموجودة في المواد الطبيعية، وبالتالي قلت أهمية الاعتماد عليها. لو بحثت في أكئر القطاعات تطورًا، وهو قطاع التكنولوجيا الرفيعة فستجد المكون الأساسي فيها هو المعرفة الفنية، أما استهلاكها من المواد الحقيقية فضئيل جدا. قطعة الترانزستور الصغيرة التي تشكل جهارا ضخما، ما حجم استهلاكها من المواد الأولية؟ المشكلة ليست في تقدم الآخرين، المشكلة أنهم لن ينتظروك حتى تصل إليهم، إنهم أيضا يقفزون، وبالتالي تتسع الفجوة وتزداد عمقا.

هناك مثال آخر مقلق، لقد قلت سلفا إن أي تنمية في مجتمع رأسمالي أو اشتراكي تحتاج إلى تراكم رأسمالي، أعني تراكما في مستوى معدات الإنتاج وليس جمع النقود، وأن تكوينات رأس المال الثابت هي الألماس، وذلك ينتج من قدرة المجتمع على الادخار وعلى مدى احتفاظه بالفائض الاقتصادي لديه. كان المفروض أن تكون الرأسمالية هي الأكثر غيرة على هذا التصور حيث تريد دائما الحفاظ على سوقها الوطني، وأنها تستثمر مالها في هذا السوق. الذي يحدث اليوم أن الرأسمالية في العالم الثالث تصدر رصيدا ضخما من ارباحها إلى العالم. وفي دراسة عن تقرير البنك الدولي ثبت أن الأموال في الدول النامية في كل البنود (معونات وقروض واستثمارات) التي تخرج من العالم الثالث أكثر من الواردة إليه، يعني حاليا الجنوب هو الذي يمول الشمال وليس العكس، كيف إذن تبني هذا التكوين الأساسي للتنمية؟ إن تطور وعالمية النظام جعلت عملية الاستثمار في الخارج عملية بسيطة جدا.

مسيرة الألف ميل..

العربي

هذا البناء الرأسمالي، هل يمكن بناؤه مرحلة مرحلة؟ أم لابد من وضعه كاملا لكي نبدأ؟

د. إسماعيل صبري عبدالله

ليست هناك فرصة لك، لن يتركك أحد لتبدأ، التاريخ لا يكرر نفسه، وإذا أردت أن تضع نظاما رأسماليا وحدك، فانظر أولا كيف بدأت الرأسمالية، كان لديها مستعمرات وكان لديها السبق العلمي والتكنولوجي، وهذا أساسي فهي لم تستوردها من أحد، بل كانت نتيجة لها، ثم حدثت التطورات الاجتماعية والسياسية في نظمها الداخلية، وهذه التطورات كانت مساعدة على تقبل التطور وانتقال السلطة الحقيقية من فئات الإقطاعيين إلى فئات الرأسمالية، سواء تم ذلك دمويا أو سلميا، أي لابد من التغيير في بنية المجتمع كله. كانوا يصنعون ذلك وهم متقدمون على العالم، لم يكونوا خائفين مثلا من أن يعطلهم أحد. اليوم نتحدث كلنا عن الكوكبية، وكيف أصبح العالم كله بقعة واحدة أو قرية صغيرة أو كبيرة، وكل ما يحدث فيه تجد صداه في كل أنحائه. قد يكون هذا جميلأ، ولكنه ليس دائما مفيدا، لأنه لا أحد سيتركك وحدك تبني نفسك، لكي تبدأ لابد أن تبيع وتتعامل مع السوق العالمية، وهذه السوق مضبوطة وممسوكة في يد شركات كبيرة إذا لم تدخل تحت جناحها، فلا وجود لك، وإذا دخلت فلابد لك من أن تبيع أرخص من التكلفة الحقيقية للسلعة، أي لابد أن تستنزف، وهذا ما يحدث في كوريا وغيرها. أنت لست وحدك في العالم، من سيتركك ويمنح لك الفرصة الزمنية لعمل ذلك؟

وموقف الدول المتقدمة من العالم الثالث تطور، ومن مظاهر هذا التطور أن الأموال التي كانوا يجندون الجيوش للحصول عليها باحتلالنا أصبحت تذهب إليهم في بيوتهم وهم جالسون، فلماذا إذن يقيمون القواعد العسكرية؟ ما يريدونه يذهب إليهم طواعية، فلماذا العناء؟ هذا تطور ضخم وتأثيراته بعيدة المدى ويستدعي منا إعادة النظر في كل معطيات التحليل السياسي الذي عشنا عليه في الخمسينيات والستينيات، حيث كان خطر العدوان المباشر قائلا، اليوم أصبحت آليات السوق العالمية تؤدي دورا أساسيا في هذه العمليات بدون الحاجة إلى تجنيد القوى وشحذها.

أيضا فإن التطور العلمي والتكنولوجي قلل من حاجة الدول الرأسمالية إلى المواد الأولية، وبالتالي التدخل لحماية مصادر المواد الأولية والحرص على وجود حكومة موالية في كل بلد لم يعد هما أساسيا،- ثم أصبح هناك نمو اتجاه قوي في الرأي العام في الدول الغربية ضد معونات التنمية، وقد وصلت الدعوة افى مستوى فلسفي وكتب تصدر فحواها أننا نخالف القوانين الطبيعية التي حكمت البشرية، فهناك قانون البقاء للأصلح، والمجتمعات التي عاشت حتى الآن هي المجتمعات القادرة على التطور، والمجتمعات التي تجمدت اندثرت. ونحن حين نساعد هذه الدول بمعوناتنا وهم لا يقدرون على إنتاج احتياجاتهم من الطعام للبقاء، فإنما نخالف بذلك قانون الطبيعة، ونعمل على تعطيل تقدم البشرية كلها، والأفضل أن ينقرض هؤلاء ويموتوا.

وفي الوقت نفسه هناك اتجاه لدى الدول الصناعية المتقدمة لتركيز تعاملها على عدد من الدول النامية الواعدة أو المهمة التي لا يمكن إغفالها وهي لا تزيد على 12 أو 15 دولة في القارات الثلاث. هذه هي الدول التي يهتمون بها وسيحاولون العمل معها لأن كلا منها ثقل معين لا يمكن تجاهله، ومنها من أثبت نجاحا ضخما خصوصا في مجال العلم والتكنولوجيا كالهند والبرازيل، فصناعة التليفونات في البرازيل صناعة متكاملة، من مد الشبكات حتى عمل السنترالات إلى الآلات نفسها، وهي تدخل مناقصات عالمية وتفوز. تجديد شبكة تليفونات لاجوس مولها البنك الدولي ورسا المزاد على شركة برازيلية. الهند أيضا متقدمة جدا تكنولوجيا وعلميا، الدول المتقدمة تعرف لهما وزنهما لأنهما ممكن أن يكونا شركاء صغارا لا مصلحة لرفضهما أو عمل قطيعة معهما. أما قصة نمورآسيا فهذا وهم، لأن سنغافورة عدد سكانها أقل من حي شبرا بمصر، وحوش كبير للتجميع، وهونج كونج بعد عدة سنين ستتلاشى في الصين الضخمة العملاقة. نموذجان فقط في هذه المجموعة لهما وزن: كوريا وتايوان يستحقان التقدير. وبدراستي لكوريا وجدت أن سر التقدم هناك الارتفاع المنتظم فيها لإنتاجية العمل مع المحافظة على نظام الأجور. قبل استقلال كوريا كانت جزءا من أرض اليابان نفسها وليست مستعمرة، وقد عممت اليابان نظام التعليم فيها وأنشأت صناعات ثقيلة فيها. صناعة الصلب اليابانية هي أساس صناعة الصلب في كوريا الشمالية، فهي لم تبدأ من الصفر، هم استوعبوا درس التعليم، وعندما استقلوا كانت نسبة التعليم 60% في الستينيات. اليوم 95% من الذكور والاناث يستكملون دراستهم الثانوية، 32% من طلبة التعليم العالي يدرسون العلوم والهندسة. في الوقت نفسه كان النظام ديكتاتوريا يمنع نقابات العمال وأي صوت لهم، وركزوا على التصنيع والتصدير، وعملوا إصلاحا زراعيا، وأخذوا كل من لا يملك أرضا زراعية وحولوه إلى عمال.

العالم الثالث.. والخيار الصعب

العربي

ماهي الخيارات المطروحة أمام العالم الثالث إذا أخذنا في الاعتبار أن له طبيعة خاصة، وموارد محدودة ورأس المال يهرب منه، هل ممكن والحال كذلك إعمال قانون السوق؟ وهل يؤدي ذلك إلى تنمية حقيقية؟ أم أن توجيه الدولة وتدخلها مسألة أساسية؟ علما بأن العالم الثالث تتزايد فيه الفوارق الطبقية وظروف الفقر، هل تتدخل الدولة، أم يترك السوق لقانونه، أم أن هناك حلا وسطا؟

د. أسامة الغزالي

قلنا سابقا إن النموذج الذي تم في الاتحاد السوفييتي وأوربا الشرقية والذي استند أساسا إلى النظرية الماركسية، إنما كان رؤية معينة وتطبيقا معينا لها، وانطلاقا من عيوب هذا النموذج كان لابد أن يحدث الانهيار الذي تم، وهذا لا يعني أن النموذج الاشتراكي للتنمية قد سقط- وهذا ما يراه د. إسماعيل صبري عبدالله- الذي سقط بالتحديد هو هذا الذي تم في الاتحاد السوفييتي وأوربا الشرقية. في المقابل ومن خلال تحليل النماذج المستمرة والمزدهرة في العالم وهي نماذج في أوربا وأمريكا والعالم الثالث كاليابان، حققت نجاحا بدرجة أو بأخرى، إنه يبدو أن أفكارنا تقودنا إلى الابتعاد عن المعطيات الكبرى الاقتصادية والاجتماعية. مثلا لا نستطيع أن نتجاهل الآن نظام التعليم. لقد تعودنا أن يكون النظام التعليمي مسألة هامشية أو ثانوية، فإذا كنا معنيين بالتحليل الطبقتي، فكل ما يهمنا أن نبحث أي الطبقات تحكم؟ أين توجد السلطة السياسية؟ هذه ومثيلاتها أفكار أو تساؤلات تجرف الباحث، خاصة المرتبط بالفكر اليساري أو الماركسي، ويعتبر بقية الجوانب ليست على هذا القدر من الأهمية، ثم هناك الإدارة، لقد ساد- وإلى وقت قريب- نوع من الاحتقار لأي إنسان يتكلم عن الإدارة. كانوا يقولون: هذا كلام أمريكان، إنها ليست مهمة، إنه تميغ للفصمايا الكبرى، هكذا كان سائدا. هناك أيضا مجموعة من القيم الاجتماعية التي يجب أن تسود مجتمعا ما، مرتبطة بالانضباط واحترام العمل والوقت، والعقل والعلم، إنها مسائل مرتبطة في الواقع بمعطيات علمية لم نتعود كثيرا على أن نأخذها بجدية أو بحجمها المؤئر، مثل ما يسمى بالطابع القومي لشعب من الشعوب، الهوية القومية للشعب، وأن هناك فارقا- لأسباب كثيرة- بين الياباني وشخص يعيش في وسط إفريقيا مثلأ. هذه مسائل لابد أن نسلم بها، وهي تخرج عما اعتدنا عليه، إذن من الناحية المنهجية علينا أن نوجه اهتماما غير قليل إلى هذه المعطيات، بل أن ندخلها جزءا عضويا في مكونات التحليل الاجتماعي والثقافي والسياسي حتى نفهم إلى أي مدى هذا المجتمع قابل للتطور. إن هذا يجعلنا أكثر استعدادا لتصور الظروف الخاصة بكل مجتمع أكثر مما سبق بعيدا عن العمومية واقترابا من الخصوصية. إن ما ذكره د. إسماعيل صبري عبدالله يجعل الإنسان قلقا فيما يتعلق بنموذج للتنمية في بلادنا. إن فشل تجربتنا السابقة التي تمحورت حول الدولة وحول أفكار معينة، لا يعني بالضرورة أن الأفكار المطروحة الآن بشكل فج، وهي أن التنمية التقليدية رأسماليا هي البديل، لأنه بالتأكيد كما أننا لم ننجح لعدم توافر السلوك الاشتراكي، فإننا لن ننجح لعدم توافر السلوك والشروط الرأسمالية. إذن يجب أن نلتفت إلى مجموعة هذه الشروط التي تحدثنا عنها والتي تجعل النتائج أفضل من لاشيء.

أما عن أوضاع العالم الثالث فقد كنا إلى وقت قريب مبهورين بأفكار نظرية التبعية، والتوصيف الذي ساد حول العلاقة بين العالم المتقدم والعالم المتخلف، بين الهامش والأطراف، وكان من مقتضى هذه النظرية أن ارتفعت شعارات التنمية المستقلة، وجرى فهم هذه الشعارات بشكل فج وكان بمقتضاها يجب فك الروابط بالمعسكر الرأسمالي. إذن نحن لا حاجة إلى إعادة نظر شجاعة في حقيقة وطبيعة علاقاتنا- في العالم الثالث- بالعالم المتقدم. حاليا تسود فكرة الاعتماد المتبادل، ولابد أن تجد لك مكانا في هذا السياق، ونحن نعلم محاذير أو قيود مثل هذا التصور. لا يمكن إذن الانفصال عن الواقع خاصة أننا نرى الدول التي انبثقت أخيرا عن الاتحاد السوفييتي المنحل تسعى حثيثا للاندماج في هذا النظام العالمي وليس الانفصال عنه. إذن هذه المراجعة ضرورية لأفكار التبعية وإعادة صياغة مفهوم الاستقلال الاقتصادي بما يتضمن نوعا معينا من الارتباط بالاقتصاد العالمي، بل من موقع قوة وتكافؤ وليس من موقع دوني أو تبعية.

هل هو عصر سقوط الأيديولوجيات؟

العربي

كلام الدكتور أسامة يطرح مقولة مضمونها أننا في عصر سقوط الأيديولوجيات. سقوط أيديولوجيتين كبيرتين- تحديدا هما الماركسية والرأسمالية- حيث تنشأ أيديولوجية جديدة قائمة على المصلحة، وليست قائمة على المثل كما كان في النظام الاشتراكي حيث العدل وما إلى ذلك من المثل، بل قائمة على البناء المادي للحضارات وليس البناء المعنوي.

د. إسماعيل صبري عبدالله

أنا موافق على إضافات د. أسامة، ولا داعي لتكرارها، والقضية على وجه الدقة هي معرفة شروط التقدم، أيا كانت الراية التي يتم تحتها هذا التقدم. وسبق أن قلت إنه لا تنمية بدون تراكم راسمالي وتراكم معرفي، والتراكم المعرفي لا يقل أهمية عن التراكم الرأسمالي، بل حتى لو أن عنصرا يحل محل آخر، فالمعرفة ممكن أن تحل محل رأس المال. والمهارات اليدوية يمكن أن تحل محل أدوات معقدة، وهذا يسري على التنمية سواء كانت في ظل نظام اشتراكي أو رأسمالي. موضوع الاعتماد المتبادل ومفهوم الاستقلال الاقتصادي كان محل مناقشة علمية في المؤتمر الأول للجمعية العربية للبحوث العلمية. وتقدم بالورقة الرئيسية في هذا الموضوع د. سعيد النجار وساهم في الرد عليه د. سمير أمين وغيره. وكانت المناقشة على مستوى رفيع- منذ عامين- وخلصنا منها بصياغتين غير مختلفتين كثيرا. د. السعيد النجار يعرف التبعية بأنها الهشاشة أمام الصدمات الخارجية كالارتباط بعلاقات تجارية مع دولة ما تتعرض لأزمة فينعكس أثر ذلك على اقتصادنا بشكل حاد. وأنا أقول إن معنى الاستقلال الاقتصادي هو إتاحة أوسع مجال ممكن لحرية الإرادة الوطنية في اختيارات التنمية، لأنه ثبت من تجربة العالم الثالث أن معظم هذه البلدان أقامت خططا للتنمية ومنحت أولويات وتعبت في دراستها واستقدمت خبراء أجانب وما إلى ذلك. والواقع أن المشروعات التي توافر لها تمويل أجنبي هي التي نفذت. الأولويات الحقيقية لم يكن لها علاقة بالخطة الموضوعة ولا المجهود المبذول، ففي النهاية أنه ما يتوافر له التمويل يخرج إلى حيز الوجود. وهذا المثل يوضح مدى الحرية التي تتمتع بها الإرادة الوطنية في تحديد اختيارات التنمية. وأعتقد أنه مفهوم أكثر تطورا من كلمة استقلال لأن كلمة استقلال أحيانا توحي بالانفصال الذي لم يعد مستطاعا. ونحن باعتبارنا جزءا من النظام الرأسمالي العالمي والجزء المستقل المظلوم أكثر من غيرنا، فنحن نكافح من أحل تحسين وضعنا في هذا النظام إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا، ويتغير النظام نفسه ويصبح لنا فيه ظروف أفضل، وسواء أخذت بمفهوم سعيد النجار او بصياغتي له، فهذا هو المدلول الحقيقي له. إن التبعية، لو نظرنا على أنها الاعتماد على الغير بديلا عن الاعتماد على النفس، فالأمر سيكون واضحا تماما.

أما من يقول بانتهاء الأيديولوجيات فإنه لا يتحدث بلغة العلم أبدا، لأن الإنسان لا يستطيع الحياة بدون أيديولوجيا، في جميع الاحوال، فالإنسان لابد له من تصور لنفسه وللعالم من حوله. لابد للإنسان من فكرة عن الكون ومكانته فيه. ولابد أن تكون له عدة أفكار متعلقة بالوضع الاجتماعي وسير المجتمع، أيا كان المحتوى الذي تضمه، لا يستطيع الإنسان أن يعيش بدون هذا النوع من الفكر. الصراع التاريخي هو أن يحول المعرفة المتخيلة إلى معرفة وحقائق علمية ثابتة.

والهوية الحضارية لا توجد إلا إذا كانت متطورة، وإلا كانت هوية متاحف، الهوية المحترمة هي هوية الأمة التي تستطيع أن تسهم في إنتاج المعرفة بشكل محدد وليس في استعارة المعرفة واستهلاكها، تأخذ وتعطي بفاعلية.

نحو قيم جديدة

العربي

التفاصيل حول القيمة من تعليم وخلافه واردة، ولكن لابد من إطار ثم نبدأ في ملء هذا الإطار، فهل هو الاشتراكية الديمقراطية؟ هل هي الشيء الأمثل؟ هل هو مطروح بمعطيات الواقع؟