القارة المكبّلة.. الماضي، الحاضر والمستقبل

القارة المكبّلة.. الماضي، الحاضر والمستقبل

في مواجهة الحقائق المروعة حول فقر قارة إفريقيا وفساد الحكم والقمع يفغر مؤلف هذا الكتاب فاهه مدهوشًا، فالحقيقة أشد قوة من أن تصدق.

قص لنا المؤلف روبرت جيست، كيف أنه أجرى حديثًا مع حاكم أحد الأقاليم في ناميبيا، الذي أنزل عقابًا من السجن والتعذيب بمئات من المواطنين الذي قاموا باضطرابات ثم أطلق سراحهم بعد ذلك، وسأله المؤلف: هل قدم اعتذارًا عما حلّ بمواطنين أبرياء؟ فأجابه بأن اعتذاره - أو ندمه - الوحيد، والذي أصرّ عليه، أنه لم يشترك بنفسه في العقاب؟! ويعلق المؤلف: لم أستطع أن أفكر في طرح أي أسئلة أخرى بعد ذلك. في هذا الكتاب يقدم لنا روبرت جيست، وهو مراسل مجلة «الإيكونوميست» في إفريقيا، زبدة تجاربه بمهارة وذكاء: لقد ترعرعت على ملامح بارزة لحقائق الزعامة الأبوية الإفريقية، وكوني غريبًا عن إفريقيا، وأعيش في لندن، بيد أن القارة المكبّلة سرعان ما حرّكت فيّ مشاعر الاستثارة والدهشة».

يضعنا الكاتب أولًا أمام الأرقام التي تتحدى العقلانيين حيث نجد أن نصف سكان القارة القاطنين داخل الصحراء، البالغ عددهم قرابة ستمائة مليون نسمة، يعيشون بما يقيم أودهم تحت مستوى 65 سنتًا يوميًا، إن لم يكن أقل، وواحد من كل خمسة قد مزقته الحرب الضروس. 50 مليون إفريقي قضوا نحبهم جراء مرض الإيدز (أي أكثر بسبعة أضعاف ممَن ماتوا نتيجة الهولوكست)، بينما يستصرخ الساسة الأفارقة مناشدين الغوث والعون لمشروع مارشال.

أنات إفريقيا

أصاخ المؤلف السمع جيدًا لأنّات إفريقيا - كواحد منهم - وتحدث بطريقة حادة عن حاجة القارة إلى معالجة أزمة الديون، خلال لقائه بأحد المسئولين في وزارة المالية بزامبيا، والذي أغرق نفسه في كئوس من الشمبانيا ليروح في النوم، قبل أن يفسر أسباب الاستيلاء على نصف المساعدات المالية السنوية المخصصة لمرض الإيدز، تحت دعوى استضافة أناس ذوي حيثية دولية.

الكونغو تعد مثالاً مؤكدًا على ذلك (51 مليون نسمة) خصوصًا ما قام به موبوتو من سلب ونهب على مدى ربع قرن من الزمان، بعد تأميمه لكثير من الأنشطة الاقتصادية، وانتهج سياسة (الأفرقة) وأعاد تسمية البلاد باسم زائير، بل غيّر اسمه شخصيًا ليرضي نزعاته المتسلطة، لا يختلف كثيرًا عمّا فعله الملك ليوبولد الثاني عام 1876 من فساد حكم مرعب.

لكن ليس من الانصاف إلقاء اللوم على كاهل ليوبولد فحسب، الحقيقة المحزنة في تلك الآونة أن بلجيكا قد استولت على الكونغو من ليوبولد لنفسها، فبعد أن كوّن مجموعة دولية لاستغلال منطقة الكونغو في مؤتمر برلين 1884، أرغمته على التنازل عام 1908 عن سيطرته على دولة الكونغو التي عُرفت بـ(مستعمرة الكونغو البلجيكية).

المزيد من التقسيم

يبدو أن الأمل الوحيد لكي تحكم هذه الشعوب كما ينبغي أن تنشطر إلى العديد من الدول؟! هكذا يمضي المؤلف، حتى أن كابيلا الذي اشتكى للمؤلف بأن كل مجلس وزرائه ما هو إلا عصابة من اللصوص. وفي الأسبوع التالي أمر باستحضار سيارتين فراري Ferraris، وهي سيارات إيطالية الصنع، باهظة الثمن، كلّفت المخصصات أعوامًا، بل إن الطريق من المطار إلى القصر الرئاسي قد عُبّد خصيصًا لها؟!

إن فساد الحكم جعل كلا من أنجولا ونيجيريا أكثر فقرًا الآن، منهما عندما اكتشف البترول فيهما. أكثر من نصف الدخل لأنجولا (2ر8 مليار دولار سنويًا وسكانها حوالي 12 مليونا) يختفي في جيوب الطغمة الحاكمة، وقبل وفاة الرئيس النيجيري ساتي أباتشي، كان قد نهب أكثر من ملياري دولار، أي بمعدل مليون دولار يوميًا في الفترة التي قضاها رئيسًا، بما في ذلك أيام الإجازات؟! (ما بين أعوام 1993 - 1998).

وعيدي أمين، أوقف العمل بالدستور، وطرد 50 ألف أوغندي من أصل آسيوي، وقتل 300 ألف من معارضي نظامه، وطالب بجزء من جارته كينيا عام 1976 وأوقع حربًا بينه وبين جارته تنزانيا.

أمثال هؤلاء ممن نكبت بهم القارة الإفريقية حطموا شعوبهم، وظلوا سادرين في غيّهم، إلى أن اكتسحهم الطوفان، انقلابًا، اغتيالاً، أو وفاة طبيعية. ومع ذلك فقد كان هناك حكام طغاة إفريقيون، لكنهم محبون للخير مثل كينيث كواندا رئيس زامبيا، بعد أن أمّم صناعة النحاس التي كانت مملوكة للأجانب، وأعلن تملّك الحكومة لشركات إنتاج البترول، وسار بزامبيا نحو تعددية حزبية، وارتفع الناتج القومي إلى 8ر8 مليار دولار، لشعب قوامه عشرة ملايين نسمة، وجوليوس نير يرى رئيس تنزانيا، بعد أن وحّد تنجانيقا وزنزبار في دولة واحدة في 26 / 4 / 1964 تحت مسمى تنزانيا، واستقال بمحض إرادته، وكان ثاني رئيس إفريقي يفعلها بعد ليوبولد سنجور رئيس السنغال الذي استقال 1980.

الرجل المحافظ هاستنجز باندا، الذي حكم مالاوي إبان الثمانينيات، حافظ على قوة مركزه بمكافأة أصدقائه الحميمين بأرض قد انتزعها من مستعمري السابقين. وهذا بالضبط، وعلى نحو مشابه، ما قام به الرئيس الطاعن في السن روبرت موجابي تحت مسمى استئصال شأفة النزعة الاستعمارية بأن ألزم ملاك الأراضي الزراعية البيض ببيعها بالأسعار التي تحددها الحكومة.

هنا نجد ظاهرة منفردة لزعامة قبلية تضرب بالقانون والمساواة عرض الحائط، ولديها القدرة على أن تفعل ذلك، لأنه لا يوجد نظام مؤسساتي يكبح جماح وجموح هذا الرئيس أو ذاك، ويعيد توازن السلطة إلى نصابه.

يتساءل المؤلف في نهاية كتابه، أسئلة صائبة لم يجد مطلقًا إجابات موثوقة عنها، وينتهي إلى أن إفريقيا ليست فقط بحاجة إلى إعمال القانون، ولكن أيضًا إلى المؤسسات الضرورية والقضاة الشجعان، لو أردنا للديمقراطية أن تنجح في القارة السوداء.

وبمثل ما وجد البنك الدولي أن سياسات الإصلاح الاقتصادي يمكن أن تنجح فحسب، حين ترغب الحكومات في إنجاحها، بالمثل تُفعّل الديمقراطية من أجل إرسائها، كما يحدث في بوتسوانا، فقد أقيمت مؤسسات لازمة مدعاة للاحترام، بعد أن أنهت سياسة التفرقة العنصرية والفصل العنصري (الأبرتهيد) وأقامت حكومة متعددة الأجناس، وتتمتع برخاء (سكانها 5ر1 مليون، وجملة الناتج المحلي 5 مليارات) بعد التوسع في استخراج الماس والذهب.

من غير هذا أو ذاك، فمن المحتمل أن يسير التاريخ في مجراه عبر مخاض مؤلم للمحاولة والخطأ، كما هو معهود في مختلف القارات.

 

 

تأليف: روبرت جيست