حيث تختلط الحقيقة بالوهم: لحظة قيام دولة إسرائيل.. ماذا تعني لنا؟

حيث تختلط الحقيقة بالوهم: لحظة قيام دولة إسرائيل.. ماذا تعني لنا؟

حديث الشهر

ماذا تعني ولادة إسرائيل لنا نحن العرب. هل هي مجرد نكبة أم حدث تاريخي صاعق علينا أن نستخلص دروسه؟

بعض الاعتقادات تدوم، ولكن ذلك لا يعني أنها صحيحة. وبعض القواعد تتجذر، ولكن ذلك لا يعني أنها عادلة. وبعض التقاليد تتأصل، ولكن ذلك لا يعني أنها ضرورية. ثمة اعتقادات وقواعد وتقاليد، ودول أيضا تستمد ديمومتها من قدرتها على الاستمرار، وليس من صحة نشأتها أو عدالة وجودها. أقول هذا وأمامي عملان توثيقيان كبيران مصدرهما واحد هو هيئة الإذاعة والتلفزيون البريطانية "B.B.C" يخصان العرب، الأول فيلم وثائقي تلفزيوني وهو الأصل وعنوانه: "خمسون سنة من الحروب: إسرائيل والعرب"، وقد بث من التلفزيون البريطاني، والثاني هو بنفس العنوان، ولكنه على شكل كتاب يروي أحداث نفس الموضوع بتفاصيل أوفى.

من تابع البرنامج الوثائقي بالإنجليزية أو بالعربية ـ أي النسخة التي بثتها محطة التلفزيون العربية العاملة من لندن M.B.C يعرف أي جهد مضن يكمن خلف إعادة كتابة التاريخ والحوادث المعاصرة من جهة، وأي نتيجة تعليمية وإعلامية مقنعة يمكن الوصول إليها في هذا العصر، عصر التلفزيون، والمحطات الفضائية من جهة أخرى، إذا استخدمت أدواته بفاعلية وحرفية.

والفيلم الوثائقي والكتاب لا يعنيان من وجهة نظري، أنهما قراءة مفصلة ونهائية وقاطعة لتاريخ الصراع العربي ـ الإسرائيلي، ولكنه ـ خاصة الكتاب الذي أعرض لبعضه هنا ـ غني بالتفاصيل التي أعتقد أنها اختفت عن معظم المتابعين العرب، كما أنه يحمل دروساً لا يستهان بها لجيل عربي لا يعرف الكثير عن هذا الصراع، إنه محاولة لكتابة التاريخ دون الخضوع للمسلمات المعرفية الضمنية السابقة التي شابها الكثير من الضبابية.

قام بوضع هذا الفيلم الوثائقي ومن بعده الكتاب مجموعة من المتخصصين في الأعمال الوثائقية التلفزيونية، وهي نفس المجموعة الفنية التي قامت بعمل فيلم وثائقي سابق لهيئة الإذاعة البريطانية تحت عنوان "موت يوغسلافيا" وقد ركنوا في هذا العمل، خاصة في كتابة مادته التاريخية ـ بجانب الاتصال بشهود العيان ـ على اثنين من أهل الذكر أحدهما إسرائيلي، هو اهرون "روني" برجمن، وهو أكاديمي نشر كتابا أخيرا بعنوان "علاقات العسكريين بالمدنيين في إسرائيل"، وأكاديمية عربية من الأردن هي جيهان الطاهري، وقد شاركت في نشر كتاب عن ياسر عرفات أخيرا واختير الاثنان من بين العشرات بسبب أبحاثهما السابقة، وكان هناك مجموعة عربية وغربية استعين بها لإكمال هذا العمل، نشرت أسماؤهم في مقدمة الكتاب منهم مصريون وسوريون وأردنيون وأيضا إسرائيليون.

قام فريق البحث والتصوير بالطواف، والبحث عن الشخصيات المهمة التي شاركت بشكل أو بآخر في هذا التاريخ الطويل، كشهود عيان من المواطنين العاديين، أو كأشخاص كان لهم دور في الأحداث من عرب وغربيين ويهود، كما اطلع الفريق البريطاني الذي قام بالإنتاج على آلاف الأشرطة التلفزيونية والسينمائية التي وثقت للحوادث لفترات مختلفة من هذه المسيرة التاريخية الطويلة، وتحدث الشهود عن خباياها وما لم يعلن عنه من الأسرار في السابق. وتقول مقدمة للكتاب الذي نشرته الهيئة البريطانية إن المؤلفين، وهما برجمن والطاهري ورغم اختلاف وجهتي نظرهما في بعض الموضوعات فإنهما في الكثير من القضايا وجدا أنفسهما يوافقان عليها دون كثير من الجدل.

صراع وحروب

يعرض الكتاب لتاريخ الصراع والحروب في سبعة أجزاء هي: فلسطين ومصر ودولة إسرائيل الجديدة، حرب 1967، سعي السادات التاريخي للسلام، أرض الوطن أو كفاح الفلسطينيين للعودة، الطريق الطويل لمدريد، هل هو السلام في النهاية، والجزء الأخير: المفاوضات مع سوريا.

ويبدو أن هناك مراجعة تاريخية عامة لما حدث في فلسطين منذ خمسين عاما، قد يكون المؤرخون الجدد في إسرائيل قد بدأوها منذ فترة بالاطلاع على الأرشيف السياسي للدولة الإسرائيلية وبإلقاء نظرة قريبة وموضوعية على مأساة شعب تشتت بشكل مأساوي واقتلع من أرضه، ولكن المراجعة لا تقتصر على المؤرخين الإسرائيليين الجدد، بل ساهم في هذه المراجعة كتاب غربيون أيضاً ووصلت هذه المراجعة على استحياء لكتاب ومؤرخين عرب، ظلوا لفترة طويلة لا يريدون أو ربما لا يجرؤون على فتح هذا الملف خاصة من منظور نقدي لما قام به أسلافهم من أخطاء.

انصب جهد المراجعة على الفترة الأكثر حميمية في تاريخ الدول وهي لحظة الولادة، وهي فترة تتكون فيها ومنها الأسطورة لأي شعب، وعلى تشكلها يبني هذا الشعب تصوراته للقادة والحوادث على السواء، وتطلق التعميمات وتسود المسلمات، وتبقى الأجيال التي تأتي بعد ذلك تجتر تلك اللحظة، وتضيف إليها الكثير من القصص الأسطورية حتى يتراكم عليها الزمن بفضل خيال الرواة وحواشي وزوائد السياسيين، سواء كانت بطولات أو إخفاقات، فيختلط الحق بالباطل، والحقيقة بالوهم، وعلى هذه اللحظة، لحظة الميلاد التي ما فتئت غامضة في تاريخ الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، والعربي ـ اليهودي، تتشكل الرؤية اليهودية والعربية لمسيرة الصراع الذي جاوز نصف قرن اليوم، وإن كان المجتمع الإسرائيلي قد خلق لنفسه أسطورة فلأنه المنتصر حيث أنشأ الدولة وشتت الشعب الفلسطيني واحتل الأرض، فإن الجانب العربي يجب ألا ينساق وراء الأساطير لأنه لا يزال يبحث عن مدخل للوصول إلى حقيقة ما حصل وأسبابه.

ولقد تسببت الضبابية في عرض موضوعات الصراع على المواطن العربي ـ بشكل عام سواء كان فلسطينيا أو عربيا يعيش ويتألم لما حدث في فلسطين حتى اليوم ـ بصورة مشوهة، فقد عرض الأمر عليه من منظوري التهوين أو التهويل وكلاهما تزييف للحقيقة، وكلا الطريقين مسدود، وكلاهما أيضا أدى إلى ما نحن عليه اليوم من حسرة، لذلك فإنني هنا سوف أعرض لبعض حقائق لحظة الولادة، ليس للتحسر على ما حدث وإنما إن أمكن استخراج الدروس.

حروب خمس

يتلخص بعض هذا الصراع في حروب عربية ـ إسرائيلية رئيسية خمس هي حرب 1948 ـ والتي يسميها الإسرائيليون حرب الاستقلال، ويسميها العرب بالنكبة. حرب السويس في سنة 1956. وحرب الأيام الستة في 1967 ويسميها العرب حرب حزيران. وحرب أكتوبر 1973 ـ ويسميها الإسرائيليون حرب يوم كيبور. وحرب احتلال إسرائيل للبنان 1982، وبين هذه الحروب الخمس كانت هناك مناوشات دائمة وتحفز مستمر بين الأطراف المتنازعة.

هذه الحروب في العقود الخمسة الماضية جرت على أرض يسميها اليهود "أرض الميعاد" ونسميها نحن العرب فلسطين، وقد وصفها الكتاب المقدس بأنها "أرض اللبن والعسل"، ولكن الملاحظ أن المفاهيم الإسرائيلية ثابتة نسبيا في التسميات والإشارات، بينما لا يستقر مفهوم عربي واحد على الثبات، فالحديث عن النكبة قد تبنيناه نحن العرب دون نقاش، بينما هو في الحقيقة هزيمة سياسية وعسكرية، وكذلك تحدثنا عن النكسة سنة 1967، وهي هزيمة أخرى، بينما حرب سنة 1956 وحرب 1973 اعتبرهما البعض منا نصرا، ولكنهما في المفهوم العسكري وتحرير الأرض ليستا كذلك.

فلسطين بالنسبة للجغرافيين والعرب هي ممر تاريخي تجاري مهم ورابطة بين الأقطار العربية في الرقعة الممتدة من البحر المحيط إلى بحر الخليج، وهي أيضا أرض خصبة نسبيا تقطع الاتصال الواسع لما يحيطها من صحراء من الجوانب الثلاثة الجنوب والشرق وإلى حد ما الغرب، ولكنها ليست كذلك فقط، بل هي أيضا بلاد مهمة للأديان السماوية الثلاثة في العالم، اليهودية والمسيحية والإسلام، اليهودية والمسيحية نبتت أصولهما هناك، والقدس هي إحدى البقاع التي لها في نفوس المسلمين مكانة وقداسة حيث أسرى الله بعبده ورسوله محمد منها إلى السماوات العلا، وهي أولى القبلتين وثالث الحرمين، ويحج إلى هذه البقعة من الأرض أصحاب هذه الديانات الثلاث.

لأهمية هذه الأرض وقدسيتها قامت الحملات الصليبية في القرون الوسطى بتخطي الصعاب الكثيرة للسيطرة عليها في السابق، كما قامت الصهيونية الحديثة بفعل ذلك، وذهبت الدويلات الصليبية لأسباب فصلها التاريخ، كان من جملتها أن السكان المحليين قد حاربوا الصليبية بأسلحتها، وأخفق حتى الآن المعاصرون من أهل الأرض الفلسطينية وما حولها في استخدام عناصر القوة التي استخدمتها الصهيونية المعاصرة، وهي عناصر لا تخلو من العلم الحديث بكل ما يتطلبه من تنظيم سياسي واجتماعي، وإعداد عسكري، وكذلك وعي بالمحيط الدولي.

هذه الأرض وقعت طوال القرون الأربعة الأخيرة السابقة للقرن العشرين تحت الحكم العثماني، وما فرضه هذا الحكم خاصة في القرنين الأخيرين من هيمنة على الأرض العربية، كان بلا شك سببا للتخلف العربي والعثماني على السواء، وإن حافظ على بقاء الأرض عربية، إلا أنه لم ينتبه لما قد حققته البشرية من تقدم تقني وتنظيمي، فكان بالمستطاع نتيجة هذا الضعف والغفلة أن يمنى بهزائم عسكرية كان آخرها الحرب العالمية الأولى حيث تفتتت الإمبراطورية العثمانية المسلمة تحت ضربات العلم الحديث الذي صاحب القوة الغربية، وفي سنة 1917 سقطت أرض فلسطين تحت الحكم البريطاني، والذي سمي في ما بعد ذلك انتدابا.

بسبب احتياج الإمبراطورية البريطانية في ذلك الوقت للعرب واليهود في آن لمتابعة مجدها الحربي وتوسعها الإمبراطوري، أعطت الحكومات البريطانية المتعاقبة وعودا فيما بين الحربين العالميتين، لكل من العرب واليهود في نفس الوقت بأنها سوف تسلم فلسطين في نهاية المطاف إليهم، ظهر ذلك في وعد بلفور المعروف للصهيونية، وفي مخاطبات الشريف الحسين بن علي مع ماكماهون للعرب، وتلك قصة تعب العرب من روايتها.

إلا أن القصة لا تنتهي هنا، فقد قامت الحركة الصهيونية التي قويت ونظمت إبان الربع الأخير من القرن التاسع عشر في أوربا، قامت بتنظيم الهجرة اليهودية من أوربا إلى أرض فلسطين، ولم تأت خالية الوفاض، جاءت ببرنامج هو نتاج التفكير الأوربي، أوله التنظيم، الذي يتطلب التضحية والتبتل في التقشف، وخدمة الأرض وفلاحتها لتغيير ما عرف تاريخيا عن اليهود في أوربا من أنهم مجبولون على كنز المال والمضاربة، كما أقامت المؤسسات المالية لشراء الأرض من أهلها الفلسطينيين، وأقامت المؤسسات التعليمية، كما قامت بتنظيم هجرات يهودية أخرى إلى أرض فلسطين، وكانت هذه الهجرات من متعلمين أنشأوا مجتمعا ذا طابع عسكري، ومع تزايد الهجرة اليهودية قام العرب ـ وقد كانوا أهل مدن صغيرة ومعظمهم فلاحون قرويون ـ بردود فعل على هذه الهجرة، ولكنها ردود فعل غير منظمة، ارتاحت لكونهم أغلبية في وطنهم في البداية فتقاعست، هذا الركون للأغلبية أخر ردود الفعل التي كان يجب أن تكون، ومع ذلك فإن السلطة البريطانية شجعت من جانب آخر سيل الهجرة في البداية، بل عينت السير هربت صمويل كأول حاكم لفلسطين وهو يهودي وصهيوني أيضا.

تصاعد الصراع على أرض فلسطين في الثلاثينيات والأربعينيات من هذا القرن بين أغلبية عربية مجردة من الخطط الواضحة، وليست ذات قيادة منظمة أو متوافقة، فلاحية في الأغلب، تتآكل أغلبيتها مع مرور الزمن، وأقلية يهودية مؤمنة بأيديولوجية صهيونية تزداد عددا وقوة، صناعية في الغالب، وتأخذ بأساليب التنظيم الحديث، وتستفيد من كل المتاح سياسيا واقتصاديا لتحقيق أهدافها.

تلك كانت المعادلة البشرية والسياسية في فلسطين وفي الوقت الحرج لحظة الولادة ولحظة التغير، واستمرت هذه المعادلة بعد ذلك في الحروب التي تلت بين العرب واليهود، فقد كانت إسرائيل تمسك بعصا التفوق وقوة التهديد وروح المبادرة والتخطيط، وكان العرب غارقين في الخلافات بينهم وترك ذلك صورة محزنة من الشقاق والعجز أمام الاستيطان الجديد.

وقفات من التاريخ

لم يكن الأمر يخص الوضع العسكري فقط على أهميته، ولكن كان يتعداه إلى الموضوع السياسي، فقد أعلنت بريطانيا أنها سوف تنسحب من فلسطين في موعد أقصاه 15 مايو سنة 1948 وقررت نتيجة ما لقيته قواتها من مقاومة يهودية مسلحة أساساً ومقاومة عربية مدنية في الأساس، أن تضع المفتاح "مفتاح فلسطين تحت الباب وترحل"، كما عبر الكتاب عن الخروج السريع وغير المنظم للدولة البريطانية من فلسطين، ولقد كانت طريقة الإعلان عن تحويل القضية برمتها إلى جهاز آخر لافتة للنظر، حيث أعلن وزير الخارجية البريطاني العمالي وقتها ارنست بيفن في فبراير 1974 ذلك الأمر، وقال في ذلك الإعلان "إن حكومة صاحب الجلالة ليس لديها السلطة كي تسلم البلاد "فلسطين" إما للعرب أو اليهود، أو حتى تقسيمها بينهم. لذلك فإننا وصلنا إلى قناعة بأن الطريق الوحيد المتاح أمامنا هو أن نرفع القضية إلى حكم الأمم المتحدة".

وقبل الموعد المقرر لانسحاب الإدارة البريطانية كان على الجهاز الدولي المنشأ حديثا والذي سمي بالأمم المتحدة، كان عليه إيجاد حل ـ من طموحات كل من العرب واليهود في فلسطين وهي طموحات كانت متصادمة، في هذه الفترة كان هناك اقتراحان مطروحان، التقسيم، أي بأن تقسم فلسطين إلى جزأين واحد للعرب والآخر لليهود، الفكرة عضدت وقبلت من اليهود ورفضها العرب، والاقتراح الثاني هو دولة موحدة، مع تمثيل نسبي للمواطنين اليهود والمسلمين والمسيحيين، هذه الفكرة قبلها العرب ورفضها اليهود.

ففي مايو سنة 1947، عينت الأمم المتحدة لجنة من أحد عشر عضوا، سميت اللجنة الخاصة لفلسطين "يونسكوب"، ورأسها قاض سويدي وجاءت اللجنة إلى فلسطين واتصلت بالوكالة اليهودية "التي أسست سنة 1929"، وكذلك باللجنة العربية العليا "التي أسست سنة 1936 بعد الثورة الشعبية"، وبينما تعاون ممثلو اليهود مع اللجنة الدولية قاطعها ممثلو الفلسطينيين العرب، فعل العرب ذلك لأنهم اعتقدوا أن الأمم المتحدة ليس لها الحق الأخلاقي لتسليم اليهود أي قطعة من أرض فلسطين، حيث إن اليهود وقتها كانوا يشكلون فقط ثلث السكان في فلسطين، ويملكون فقط ثمانية في المائة من الأرض. ولم يكن العرب مدركين أن تيارا غربيا جارفا يطالب بتأييد إقامة "وطن قومي يهودي في فلسطين" لأسباب كثيرة منها التعاطف مع ما حل باليهود في غرب أوربا، خاصة إبان الحكم النازي، ومنها أسباب دينية مسيحية في الثقافة اليهودية المسيحية والتي نشأت عنها الحركة الصهيونية المسيحية، والتي نمت في الجسم المسيحي الأوربي خاصة الأمريكي بشكل سريع إبان سني القرن التاسع عشر التي تؤمن بقوة بفكرة العودة إلى أرض الميعاد.

كانت مهمة اللجنة الدولية شبه مستحيلة، فكيف يمكن أن تحل صراعا ناشبا بين شعبين يدعي كل واحد منهم حقه في ملكية الأرض المتنازع عليها، وأن تفعل ذلك دون إراقة دماء؟

في بداية عمل اللجنة سأل رئيسها إميل ساندستروم الأعضاء: هل أحد منكم يفضل أن تقوم دولة عربية فلسطينية في كل أرض فلسطين؟ لم يجب أحد من اللجنة. ثم سأل: هل منكم من يفضل أن تقوم دولة يهودية في كل أرض فلسطين؟ ولم يجب أحد أيضا، في نهاية المطاف على كل حال صوت ثمانية من الأعضاء في اللجنة الأحد عشر للتقسيم، وبأن تقسم أرض فلسطين بين اليهود والعرب، والثلاثة الباقون من أعضاء اللجـنـة فضلوا أن تقوم دولة موحدة بين اليهود والعرب في كل فلسطـين.

المعركة في الأمم المتحدة

المعركة السياسية في الأمم المتحدة كانت أيضا خسارة فادحة للعرب، في الأول من سبتمبر 1947 أعلنت لجنة "يونسكوب" المشار إليها سابقا تقريرها الذي تبنى فكرة التقسيم، وأنه فقط بالتقسيم يمكن حل هذه المعضلة "العربية اليهودية". تقرير اللجنة نشر ـ معه أيضا خارطة مقترحة للدولتين المقترحتين الجليل الأعلى والساحل البحري وصحراء النقب للدولة اليهودية. العرب أعطوا شمال وغرب الجليل، الضفة الغربية لنهر الأردن وقطاع غزة. وكلتا الدولتين مكونة من ثلاثة قطاعات مرتبطة فيما بينها بطرق برية. المدينة المقدسة للجميع القدس اقترحت اللجنة أن تبقى تحت الوصاية الدولية كمدينة حرة.

اليهود سروا بهذه التوصيات في الوقت الذي نزلت على العرب نزول الصاعقة، ولقد راهن الجانبان على نتائج قرارات الأمم المتحدة التي يمكن أن تقبل أو ترفض اقتراحات اللجنة، اليهود عملوا من أجل قبول وتأييد المقترحات، والعرب عملوا من أجل نسف المقترحات، والمعركة السياسية التي تمت في أروقة الأمم المتحدة وكواليس اتخاذ القرار الدولي تنبئ عن العجز السياسي العربي وقتها، خطط لاجتماعات الجمعية العامة للنظر في اقتراحات اللجنة يوم 29 نوفمبر 1947، في الوقت نفسه وعلى الأرض الفلسطينية بدأت حرب بين القوات اليهودية المدربة جزئيا وبين جماعات فدائية عربية، يسمي الإسرائيليون هذه الحرب بحرب الاستقلال كما ذكرنا ولا يسميها العرب، مع الأسف، لم يعطها العرب أي اسم إلا بعد ما دخلت خمسة جيوش عربية إلى فلسطين ولكن بعد انتهاء الانتداب في مايو 1948 وسميت النكبة هكذا لا غير.

نعود إلى المعركة السياسية في الأمم المتحدة، كان على العرب واليهود أن يحشد كل طرف منهما تأييد الدول في الجمعية العامة للأمم المتحدة، واليهود بتنظيماتهم الدولية بدأوا يعملون على ذلك في لندن وفي نيويورك وعواصم أخرى من العالم، وبدأت الحركة الصهيونية العالمية تحشد لما أسمته وقتها "الإقناع العظيم" فقسم العالم إلى شرائح، وبدأت الوفود تتجه إلى تلك البلدان أو ممثليهم في نيويورك حيث ستجتمع الجمعية العامة.

في الحسابات الأولى لم تكن هناك أغلبية لتأييد التقسيم في الجمعية العامة، ففي 27 نوفمبر عندما عقدت الجمعية العامة جلستها غير الرسمية للتداول في الموضوع، وقد أجرت لجنة مؤقتة في اليوم السابق حصرا غير رسمي للأصوات للتأكد من وجود نصاب قبل الاجتماع، ووجد الوفد اليهودي أن نتيجة التصويت غير الرسمي لم تكن في مصلحته، كانت حسابات الوفد اليهودي أن البعض من مندوبي الدول سيصوت لمصلحتهم ولكنهم وجدوا أن هذا البعض قد قرر التصويت لمصلحة العرب دولة واحدة، وقبل أن يتبادل الوفد العربي التهنئة لهذا النصر الذي يبدو في الأفق فإن رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة اوزولدو ارنها وهو برازيلي يرى بعض المؤرخين أن له ارتباطات صهيونية، أعلن أنه بسبب عيد الشكر الذي يحتفل به الأمريكيون والذي يصادف موعد التصويت الأولي، فإن الجمعية العامة للأمم المتحدة سوف ترجئ التصويت لمدة يومين.

في هذين اليومين عملت الآلة الصهيونية كما لم تعمل قط، فقد أعطى الوفد اليهودي وقتا ثمينا لإقناع من لم يقتنع بعد من ممثلي الدول، وتم أكبر ابتزاز وتهديد وإغراء للدول أو مندوبيها، كما تقول المصادر المحايدة، البعض أغري بالمال، والبعض الآخر بالتهديد والابتزاز، أصحاب الشركات الكبرى والمصالح العالمية تدخلوا لإقناع الدول خاصة من العالم الثالث أن من مصلحتهم تغيير تصويتهم إلى نعم للتقسيم.

في 29 نوفمبر كان التغيير في توجه الأصوات واضحا، مجموعة من الدول التي قررت في السابق إما معارضة التصويت أو الامتناع عادت فغيرت وجهة نظرها، فوق ذلك دخلت بعض الدول في مزايدة لإيجاد وطن قومي لضحايا هتلر والنازية، ولقد لاحظ مؤرخ بريطاني كبير هو السير شارلس وبستر، لاحظ هذا الأمر وعلق عليه، ربما بشيء من المبالغة "إنه أول نصر دبلوماسي في التاريخ لإقناع بلا قوة"، ولكن القوة هنا كانت غير مباشرة.

لم يكن لعبدالرحمن عزام "باشا" الأمين العام لجامعة الدول العربية الذي نسق الموقف السياسي للعرب في الأمم المتحدة في ذلك الوقت لا المال ولا السلطة من أجل استخدامهما لإقناع الدول العديدة بالاستمرار في موقفها، لقد تغلب الابتزاز والضغط والمناورة على الحق، فالحق إن لم تتبعه عناصر القوة عادة ما يهزم.

والمعركة على الأرض

بين 29 نوفمبر 1947 تاريخ التصويت بالموافقة على التقسيم، ومنتصف مايو 1948 موعد الانسحاب البريطاني وأيضا دخول القوات العربية، دارت حرب ضروس على الساحة الفلسطينية بين طرفين غير متعادلين: طرف منظم له خطة واضحة يعرف ما يريد وطرف يرتجل ردة الفعل. لعب الطابع الزراعي للمجتمع والشقاقات الفئوية وتدني مستوى التعليم، واحتكار القرارات السياسية في أيدي نخبة صغيرة من الوجاهات التقليدية والعائلات التي كانت بدورها منقسمة على بعضها، كل ذلك أضعف من قدرة التصدي والمواجهة.

ولعل مثال ما تم في المناوشات الأولى شبه العسكرية ما يغني لإثبات هذا الطابع الارتجالي الذي واجه به الفلسطينيون عنفوان التنظيم الحديث، ففي 9 أبريل 1948 وفي قرية دير ياسين المشرفة على الطريق إلى القدس قامت عصابة صهيونية بدخول القرية ضعيفة التسليح وقتلت من أهلها العديد من الرجال والنساء، وكانت مذبحة قبل بضعة أسابيع من خروج السلطة البريطانية، وقام الموثقون الذين كتبوا الكتاب وأخرجوا الشريط الوثائقي بمقابلة العديد من الأحياء الذين شهدوا المذبحة من بينهم بعض العرب الذين كانوا في القدس وتلقوا هذه الأنباء، وبالرغم من وحشية ما تم في دير ياسين، فإن ردة الفعل العربية الفلسطينية وقتها وكما رواها حازم نسيبه الذي كان يعمل في إذاعة فلسطين في ذلك الوقت أن التعليمات جاءت من عضو اللجنة الوطنية الفلسطينية لتضخيم ما تم في دير ياسين والحديث عن اغتصاب بجانب القتل من أجل دفع الجيوش العربية للإسراع في الدخول إلى فلسطين، لا أحد يلوم اليوم ردة الفعل تلك، ولكنها لم تكن محسوبة إلى درجة أن النتائج جاءت كارثية فقد هجر ثلاثة أرباع مليون فلاح فلسطيني قراهم خوفا من المذابح والاغتصاب، لقد حقق الإعلان على نطاق واسع ما يريده الصهاينة وهو "أرض بلا شعب".

ستبقى قضية دير ياسين تحكى من أكثر من جانب إلا أن فكرة إخلاء الأرض الفلسطينية في ذلك الوقت من سكانها كانت. هدفا استراتيجيا للحركة الصهيونية.

حرب 1948

في 14 مايو 1948 وفي الرابعة بعد الظهر من ذلك اليوم وفي مدينة تل أبيب أعلن ديفيد بن جوريون قيام الدولة الإسرائيلية، هذا جعل من قيام الحرب بدخول الجيوش العربية قضية وقت، الجبهة العربية لم تكن موحدة، الحاج أمين الحسيني رئيس اللجنة العربية العليا التي تشكلت في فلسطين في العام السابق 47 ـ وكان وقتها منفيا خارج الأرض الفلسطينية وشكلت هذه اللجنة بدورها لجانا وطنية في مناطق فلسطين العربية ـ كان معارضا لدخول الجيوش العربية أرض فلسطين، كان يفضل هجوما مركزا من المقاومين الداخليين، ولم يكن يخفي خوفه من أن دخول القوات العربية ربما يتيح للملك عبدالله، ملك الأردن وقتها أن يدخل القدس ويضمها لمملكته، رئيس الوزراء المصري محمود فهمي النقراشي أيضا كان معارضا للتدخل، كان يرى أن على مصر أن تقنع بريطانيا بالتخلي عن وجودها في قناة السويس المصرية بدلا من الدخول في حرب مكلفة مع الصهيونية، بعد نقاش عسر قررت مصر أن تلتزم بقرار الجامعة العربية للدخول في الحرب، ولكن الجيوش العربية في مجملها في ذلك الوقت لم تكن مهيأة للدخول في حرب، وبعضها تنقصه الأجهزة والأدوات والمهمات وحتى العقيدة القتالية، وهكذا تحرك العرب للدخول إلى فلسطين بعد إعلان دولة إسرائيل في أجواء اتسمت بعدم الانسجام وضبابية الرؤية، وفي حالة من الشعور النفسي بالتفوق تبين أنه كاذب، وبلغ العدد الكلي للجيوش العربية التي دخلت فلسطين مع المتطوعين العرب أكثر قليلا من خمسة وثلاثين ألفا، أي بحجم القوة الرئيسية "الهاجاناة" الإسرائيلية، وكان المطلوب قوة وتجهيزا أكبر من ذلك بكثير لدحر القوة اليهودية، ما جرى في الحرب معروف، فقد استمر لبضعة أسابيع فقط وتوقف للهدنة الأولى، وبعدها كان استعداد الجيش الإسرائيلي أقوى مما كان فكانت الهدنة الثانية التي أعقبها نكوص من الحرب.

حاول أمين الحسيني أن يعلن دولة فلسطين، وبالفعل فعل ذلك فأعلنها في أكتوبر 48 في قطاع غزة حكومة عموم فلسطين، التي لم تدم إلا بضعة أسابيع أيضا، فقد نظم اليهود أنفسهم قبل ذلك بوقت مبكر في مجتمع قادر على التحول إلى دولة لها أركانها، استمر العرب يراوحون بين قومية شاملة يغيب فيها الرأي الفلسطيني وبين رئاسة فلسطينية إقطاعية. لقد كان المجال العربي الذي اعتقد الفلسطينيون أنه حاضنة لهم هو الذي أغراهم بالاعتماد على الغير، وعندما كانت فلسطين تدخل أكثر مراحل تاريخها الحديث قسوة وتوضع الخيارات واضحة، لم يكن في فلسطين سوى ثلاثة من أعضاء اللجنة العليا الاثنى عشر، كلهم تركوا البلاد طوعا عدا الحاج أمين الحسيني الذي كان قد نفي، لقد ترك المواطنون دون قيادة.

عجبي أن ما حدث في الحروب اللاحقة بين العرب وإسرائيل هو ارتكاب نفس الأخطاء من الجانب العربي، عدم استعداد، وجهل بأدوات العصر واستصغار للعدو وعدم معرفة دقيقة به، والخسائر كانت تتضاعف في كل حرب.

الدروس

لم أكتب ما كتبت سابقا لأنقد فئة أو أقيم تجربة، كتبت لأن ما شاهدته من توثيق قد لفت نظري ونظر آخرين ربما لأهمية قراءة التاريخ بشكل موضوعي لمعرفة أين يكمن القصور في صراع حضاري انسقنا جميعا وراء استخدام مفاهيمه "بعض العرب يتحدث مثلا عن حرب 48 على أنها حرب استقلال" وكذلك انسقنا حتى وراء تحديد التواريخ من وجهة نظر الآخر، فرأيي أن المعركة ليست خمسين عاما بل أكثر من ذلك، إنها معركة ثلاثة أرباع القرن على الأقل، كما انسقنا وراء لوم الآخر دون معرفة ونقد لقصور النفس، ومهما قيل الآن في الحوادث الماضية فلن يغير ذلك من الواقع شيئا، المطلوب هو الاستفادة من الدروس، وهي كثيرة، في رأيي أنه من المستحيل مواجهة تحد من هذا النوع ـ وهو تحد حضاري ـ قبل كل شيء دون التمكن من أدوات العصر، وهي العلم بكل ما يعنيه من تثاقف وتبني التفكير العقلي، فليس من قبيل المصادفة أن تستطيع إسرائيل أن تطلق أقمارا صناعية وبصواريخ إسرائيلية ويشتري العرب هذه التقنية من السوق العالمية كمثال لا أريد أن أحصر، كما أن التقدم لا يمكن أن يتم في قطاع دون آخر فهو تقدم متكامل اجتماعي سياسي فكري وحضاري.

الفلسطينيون هم من يجب أن يحمل الراية الأمامية في التنظيم الحديث والمقاومة البصيرة، والاستفادة من الشفافية وقبول الرأي الآخر والتعددية، العرب عليهم المناصرة والدعم، لقد وقعت قيادات فلسطينية مع الأسف في الكثير من الأخطاء ولم تتعلم الدروس على حقيقتها، ولكن آمال الشعوب لا تبقى حبيسة رأي أو طموحات أشخاص بعينهم.

اليوم نحن على مفترق طرق وثلاثة أرباع مليون فلسطيني الذين كانوا يؤلفون ثلاثة أرباع الشعب الفلسطيني هم اليوم ما بين ستة إلى سبعة ملاييهجروا موطنهم سنة 48 والذينن شخص يعيشون في الشتات وبعضهم في الداخل والخارج يعيشون عيشة ضنكا اقتصاديا وسياسيا، ولمدة ثلاثة أرباع قرن لم تمت قضيتهم وهي بالتالي تعيش وتتوارثها الأجيال، وللأجيال القادمة نحن نكتب فدون محاربة العدو بأدوات العصر سوف نظل نحتفل بالمناسبات دون تقدم يذكر، فهل أسمعنا?!

 

محمد الرميحي

 
  




غلاف الكتاب