تربية جديدة لمجتمع مدني فعال

تربية جديدة لمجتمع مدني فعال

إذا كانت الدول المتخلفة تسعى جاهدة لتقفز إلى قطار العولمة والدخول في اقتصاديات العالم، فإننا نخشى من انطلاق قطار آخر هو قطار الثقافة العالمية التي إذا استحكمت أمرها، أطبقت على هويتنا وسحقت شخصيتنا.

لقد استولت الشركات العملاقة والكارتيلات الجبارة على القرار الاقتصادي للدول، وأخضعتها لإرادتها برأس المال الذي تتحكّم فيه. وقد شرّعت لهذا الاستيلاء بقوانين دولية جعلت سلطة الدولة وسيادتها هشّة ظاهرية. من جهة أخرى، رسمت العولمة الخطوط الكبرى للشكل المطلوب في النظام السياسي العالمي، وطرحتها في سوق الأسهم السياسية المتداولة تحت أسماء شتى من مثل: الديمقراطية، الحريات، الشفافية، حقوق الإنسان.

أما الطرح الثقافي الذي يصل هادرًا مزبدًا إلينا حتى الآن، فقد ذرّ قرنه عبر الإعلام الغربي. وقد قرن إعلامه بإعلانه الذي يكدّر الأدمغة بالناتئ من الجسد، والكاسف من شظايا الروح. وهو يهدف إلى خلق حالة جماعية من الاستهلاك المفروض المبرمج. هذه الحالة تسوّقها وسائل مختلفة نرسم لها مثلاً عليا مرشحة للحلول مكان مثلنا العليا الدهرية وهي: السينما، والإذاعة، والتلفزيون، والإنترنت، والموسيقى، التي تقوم هذه الوسائل على إيقاعها ومن ثم البشر.

هكذا تغدو الثقافة ضربًا من الترف والتسلية، فتعلو الجيف المتبرّجة وتستقرّ الدّرر في أعماق البحار نسيًا منسيًا. والجدير بالذكر أننا لسنا وحدنا مستهدفين، بل إن أصواتًا في الغرب ارتفعت تنادي بالويل والثبور في هذا السياق.

إلا أننا بالرغم من كل ما يدور في الكواليس حتى الآن، وما ستنكشف عنه الأمور فيما بعد، لا نستطيع أن نواجه الشأن الثقافي العالمي بالتقوقع والردّة.

إذن، كيف نواجه هذه العولمة الطاغية، شئنا أو أبينا؟

أولاً: بتربية ناشئتنا على الجيّد من قيمنا العربية الموروثة وقيم الأديان السماوية، التي كانت ديارنا مهدًا لها، ولاسيما القيم الاجتماعية، التي تتجاوز القيم الفردية ونؤمّن التوازن والانسجام في مجتمعاتنا واستقلالية في المجتمع العالمي.

ثانيًا: باعتماد مبادرة فعّالة تحوّل توجّه وسائل الإعلام من وسائل لغسل أدمغتنا إلى وسائل لنشر الجيد من تراثنا وتأمين حضور فاعل لنا فيها يحصّننا تجاه ما نتلقّى ويؤهّلنا لدور المعطي.

التربية الجديدة

لاتزال برامجنا ومناهجنا التدريسية الأدبية تقوم على مفهوم ومعيار وضعه لنا ابن سلاّم الجمحي قبل أكثر من ألف عام، هو معيار فحولة الشعراء. وهو مفهوم ذو منحى لغوي يختار الشعراء الراسخين في العربية ممن عاشوا في البادية لا في القرى. ولذلك سيطر على كتبنا التدريسية في الأدب حتى الآن شعر البداوة، وما كان أقرب إليه في العصور التالية.

من جهة أخرى، وجّهنا همّنا إلى الشعر أكثر من النثر. ونحن، وإن كنّا أمة شعر، نقول إن الشعر ديوان العرب ينبغي لنا أن ننمّي في ناشئتنا التفكير المنطقي المتناسق، ونقرّب أولادنا من أسلوب الكتابة اليومية الذي به يواجهون الحياة كي لا ينصرفوا إلى استعمال اللغة الأجنبية لاستسهالها.

إن شعر البداوة والشعر القديم، بوجه عام، قام على القيم الفردية، التي اقتضتها حياة البداوة. وهو شعر لم يُعن، بصورة عامة، بشئون الناس وهمومهم ومشكلاتهم، الناشئة عن الحياة الاجتماعية في المدن والقرى والدساكر، فضلاً عن ندرة تطرّقه إلى القيم الاجتماعية الإنسانية.

وإذا ما ألقينا نظرة عجلى على برامج المرحلة الثانوية من مراحل التدريس، تبيّن لنا ما يلي من منطلق مفهوم جديد للحياة الاجتماعية في دولنا وأقطارنا، والنزعة العالمية إلى التكامل الاقتصادي والثقافي والسياسي.

ثمة قيم اجتماعية تجمع بين قيمنا الخاصة والقيم الإنسانية المتعارف عليها، ينبغي لنا أن ننشئ جيل الأولاد وجيل الشباب عليها، في إطار تصوّرنا للمواطن الصالح - مرحليًا وعلى الإطلاق - وللإنسان الصالح.

من جهة أخرى، يجب أن نتخلّى عن عُقَد مزمنة وتقليد متوارث وأفكار مسبقة، كانت وراء وضع هذه البرامج، فلو تدبّرناها برويّة لاستبان لنا أنها قامت على فنون الأدب العربي، التي نشأت في مجتمعات ديار العرب، وكانت وليدة تلك المجتمعات عبر العصور، إلا أننا لسنا مجبرين، على الإطلاق، على تدريس ناشئتنا الأدب بحسب فنونه، ولا انطلاقًا من جماليته وحسب، لقد درّسنا الأدب العربي في ثانوياتنا، وكأننا نمهّد به لإعداد اختصاصيين في مرحلة لاحقة، وإلا فلماذا هذا الركام الضخم من النماذج على فنون الأدب العربي، وبعض الفنون والأجناس الأدبية من آداب العالم؟

فلو تدبّرنا مضمون برامج الأدب القائمة حاليًا عندنا في لبنان (وفي بلدان عربية كثيرة) لوجدناها تتناول في السنة الأولى من البكالوريا (الخامس الثانوي )، مع اختلاف طفيف بين عصور الأدب:

- لمحة عن العصر والبيئة وأثرهما في الأدب.

- نماذج أو مختارات شعرية ونثرية بحسب الأغراض (وجوه من الأنواع الأدبية) موزعة على عصور الأدب العربي منذ الجاهلية، مع بعض التفاوت بين الفرعين: الأدبي والعلمي، وإليكم بيانًا بهذه الأغراض: الأطلال والأحبة - الفخر والحماسة - المديح - الرثاء - الحكمة والخواطر - الخمرة - الشعر السياسي - الغزل - الهجاء - الوصف - الوجدانيات - الموشحات - الأمثال والحكم - الخطابة - الكتابة الديوانية والترسّل - الحكايات والأمثال - القصص الشعبي - الأخبار الأدبية والنوادر - المقامة - النقد الأدبي - القصص الخيالي - الرحلة.

أما في السنة الثانوية الثانية (السادس الثانوي) فثمة في الفرع الأدبي وفرع اللغات القديمة:

أعلام الأدب العباسي (الجاحظ - ابن الرومي - المتنبي)، وذلك في بعض الفنون، وهي في معظمها وردت في برنامج السنة الأولى لأدب سائر الشعراء والناشرين. يضاف إلى ذلك اهتمام بعصر النهضة في فنون الأدب المعروفة والمستحدثة، مع التركيز على علمين من الأدب الحديث: أحمد شوقي وجبران خليل جبران.

مع الإشارة إلى أن برنامج الفرع العلمي أخف مضمونًا ونماذج، لكن بزيادة باب المقالة العلمية.

إن الناظر في مضمون البرامج الوارد هنا يعجب لغياب أي اهتمام - كما أشرنا سالفًا بسرعة - ببناء المواطن الصالح والإنسان الأصيل المتطور من خلال القيم، التي تقوم عليها مجتمعاتنا ومؤسساتنا أو تلك التي نصبو إلى ترسيخها في مجتمعنا من خلال أفراده. كما أنها تكاد تخلو من المواقف الإنسانية البنّاءة والمسائل الحيوية، التي نواجهها في حياتنا العملية اليومية، لكأنما اقتطعت مقطوعات الشعر والنثر، التي ندرّسها من حياة كوكب آخر. أضف إلى ذلك أنها، في أحيان كثيرة، تعاكس أو تنافس القيم الاجتماعية والمواقف الإنسانية وسنّة التطور والتحوّل.

بناء شخصية

لذلك، قبل تفصيل بعض الأمثلة حول واقع البرامج والأمثلة مع «البدائل» أي إبدالها، نشدد على التوجهات التي رسمناها في الأسطر السابقة، فندعو إلى اختيار النصوص الأديبة التي من شأنها أن تبني شخصية الإنسان العربي في إطار مجتمع ديناميكي متحوّل أبدًا، على صورة الطبيعة والكون. وهذا مبدأ نعتقد أنه يجب أن يراعى في مضمون أي برنامج يوضع.

نسوق المثل الأول على واقع المضمون القائم من فن الفخر والحماسة، وفارسه عنترة بن شداد. إننا، مع إقرارنا بسحر شخصية هذا الشاعر الفارس، نأسف لتنشئة شبابنا على «فضائل» فردية تقوم على القوة الجسدية والبلاء في الحروب وما إلى ذلك، والمرغوب فيه أن نمر بهذه الأمور مرور الكرام عند عنترة وسواه، ولدى ذكر حرب داحس والغبراء، والحروب التي مزّقت أوصال المجتمعات القديمة، نتوقف عند فضائل أخرى نجعلها محور نصوصنا: كسهولة معاشرته، وعفته، وإبائه.

ولابد لنا من أن نشير هنا، كما بالنسبة إلى سائر فنون الأدب العربي، إلى أن النزعة الفردية تغلب على تراثنا، مما أدى إلى تفسّخ المجتمعات الصغيرة والكبيرة، بينما نحتاج إلى كل ما من شأنه أن ينمّي في نفوس ناشئتنا احترام المؤسسات والدولة، واعتبارها ملكًا لنا جميعًا لا جسمًا غريبًا عنّا، مع الإشارة إلى تنمية روح الاستقلال في النظر والتفكير والتعبير. وهكذا يكون الاحترام والتحرر قيمتين متلازمتين لا متناقضتين. وليس ضرب الأمثلة في هذا المجال ضروريًا، لأن معظم شعر الفخر أو نثره يدور على ما ذكرنا من مظاهر الأنانية والفخر بالآباء، حتى أن الإسلام في الكتاب والحديث والسنّة المدعو إليها، خصّ هذا الأمر بالكثير من المنع والتحذير.

إذا انتقلنا إلى فن الرثاء، لم نجد النصوص في وضع أفضل من حيث المبدأ والقيم، التي تكلمنا عليها. فالمعاني تفجّع، وعدم تأسّ، وانسحاق، وحزن، ومعاهدة على نبذ الفرح، صحيح أن عاطفة الوفاء والمحبة لقريب عزيز هي من أنبل المشاعر الإنسانية، لكن ألوان هذه العاطفة، كما ترد في النصوص، تزعزع شخصية التلميذ أحيانًا، وقد تدفعه إلى التلذّذ بالألم.

لقد لاحظت في جيلي من الطلاب، ثم في أجيال طلابي وتلامذتي في الجامعات والثانويات تأثرًا مرضيًا بمضامين التلذذ بالألم عند هؤلاء الشعراء والناشرين وسواهم. كما عند لامارتين وألفرد دو موسيّه. في آداب الأمم الأخرى، فكان أن طبعت شخصيتهم بطابع التأمل غير الديناميكي المستكين المستسلم القعدي، إذ إن الدنيا وادي دموع، وعواطف لا يمكن إرواؤها، إذا جاز أن تدرّس هذه النصوص في الجامعات، وأن يطالعها المثقفون فيما بعد، بعد أن يكون بناء شخصيتهم قد تكامل أو كاد، فلا يجوز أن يتدبرها بالتفصيل التلامذة في سن المراهقة الحسّاسة.

أما الهجاء فقد يكون نصيبه من الضرر أشدّ وأدهى على نفوس الناشئة، فهو يرفع تنافر الأفراد وتخاصمهم وعداواتهم، وتفسّخ المجتمعات، وتخاصم الأعراق والقوميات، فضلاً عن حروب القبائل - إلى مستوى الفن الذي يزيّن القبيح ويخفي المعاني القبيحة تحت غلالة من التعبير المؤثر الجميل، فيستهوي الأسماع والعقول، ويستخف الحليم الرصين فيكرّره ويردّده من دون وعي، في أحيان كثيرة، فمن هجاء الأخطل والفرزدق وجرير الحافل بالثارات الشخصية والقبلية المفككة لعُرى المجتمع وأواصر الأفراد، إلى خبث بشار ولؤمه وفي «تراثه» الهجائي المقذع، إلى قاموس الشتم والسباب وهتك الأعراض عند سواهم حتى درك البذاءة... تقويض للأخلاق الفردية والفضائل المجتمعية وامتهان للكرامة الإنسانية بالتلذذ بفضح العيوب والنيل من سمعة الناس.

ومن شأن ذلك أن يعوّد الطلاب والتلامذة ألاّ يروا في زملائهم سوى العيوب، أو أن يتسقطوا تلك العيوب، فيجنح بهم ذلك إلى عدم اكتشاف الحسنات والنواحي الجميلة في الرصفاء والأصدقاء.

وليس حظ فن المديح من التأثير السلبي في نفوس التلامذة أقل من حظ الهجاء والفخر أو بعض ميراث هذه الفنون، وبعبارة أدق الأغراض الأدبية. فقد ضرب فريق من شعراء المديح على أنفسهم بشعر المديح للذلة والمسكنة والاستعطاء والاستعطاف. وهي مشاعر يمكن أن تؤثر سلبًا في نفوس الناشئة، وأن تجعلهم يستكينون إلى أولي الأمر مهما جاروا، ويسلّمون بحق الحاكم في التصرّف بالناس كيفما شاء.

أضف إلى ذلك أن كثرة هذه القصائد (أو المقطوعات النثرية) - وما أكثرها - تعلّمهم الرياء والكذب، بل النفاق، والتقلّب في الرأي والفكر، وعدم التعبير عن قناعات، والتزام جانب الوصولية والانتهازية، ويصبح الأمر كلامًا بكلام، لا أفعالاً بأفعال، عملاً بقول الجاحظ على لسان أحد بخلائه في «كتاب البخلاء»: هذا رجل سرّنا بكلام وسررناه بكلام. والأقبح من ذلك أن معظم المدائح انقلبت أهاجي، فإذا الوصولية في نظر التلامذة وسيلة شرعية من وسائل كسب العيش، والتعاطي الاجتماعي. كما أن التواكلية مذهب من مذاهب السلوك مادام الممدوح يغدق كرمه على المادح، والمتزلف ما يكفيه مئونة السعي والجهاد.

قد يعترض معترض على منحانا هذا في مقاربة مضمون نصوص الأدب العربي، فيقول: لقد أغفلت دور المعلم في توعية التلامذة وتوجيههم. فالمعلم يوجه التلامذة إلى مساوئ الأفكار أو العواطف الواردة في النصوص، فيشخّص الداء ويصف الدواء. أقول: مهما يكن دور المعلم حاضرًا، فإن المضمون قوي ودامغ - وبخاصة في سن السادسة عشرة حتى التاسعة عشرة - بحيث ينطبع في أذهان الناشئة وفي لاشعورهم. زد على ذلك أن عدد المعلمين الواعين المتخذين من مهنتهم رسالة قلّة، ولاسيما في أيامنا، كما أن الوقوف أمام كل نص «منحرف» أمر غير ممكن عمليًا، لأن عدد ساعات التدريس محدود والبرامج مثقلة بمواد النصوص الأدبية. ولا يمكن الاتكال على توجيه المعلمين - فيما إذا توافر - في خضمّ مواد الدراسة، وغياب الوعي، وتضاؤل شعلة الرسالة وتقلّص الوقت.

ما البديل؟

- في خارج إطار الفنون الأدبية أو الأجناس والأنواع الأدبية، يمكن اعتماد توزيع النصوص المختارة على أساس المطالب (الموضوعات الشاملة) أو ما يسمّى في اللغات الأوربية Themes، كأن نتناول:

الحب - الحرب - الموت - الصداقة - الحرية (بأنواعها) - المساواة - التآخي - التعاون - التسامح الديني والفكري - الوطن والوطنية - العلاقات الاجتماعية: علاقة البائع بالمشتري أو بالمستهلك، علاقة المؤجر بالمستأجر.

وفي هذه الحالة، يشار إلى مقدمة النص، أو في الهامش إلى مناسبة المقطوعة الشعرية أو النثرية وبالتالي إلى الفن أو النوع أو الجنس الأدبي الذي تندرج فيه.

- في إطار الفنون والأنواع والأجناس الأدبية، تختار النصوص التي تتناول المطالب التي أشرنا إليها، والتي من شأنها أن تنمّي الشخصية الذاتية أو الاجتماعية أو الإنسانية عند الطالب أو الشعور الوطني في بناء وطن أو إصلاح نظام سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي، أو بتقوية الشعور بالوحدة الوطنية، والتساهل الديني أو التسامح الفكري.

إن الأدب العربي - على الرغم من سيطرة الروح الفردية والقبلية عليه في العصور القديمة - ينطوي على مطالب وطنية وإنسانية، ومواقف إنسانية رائعة، وتحليل لعلاقات الناس بعضهم بعضًا وبين مختلف الطبقات في شتى شئون الحياة.

والأمثلة على ما ذكرت كثيرة ومن مختلف عصور الأدب العربي، بما في ذلك العصر الجاهلي الذي ينطوي شعره على مواقف وعلاقات إنسانية وتنوّر لما بعد الحياة، وهي أمور أغفلها البرنامج المعمول به حاليًا. وأبدأ من هنا، فأقول: إن شعر عديّ بن زيد العبادي مسرح للتأمل في الحياة وما وراءها، ولمطلب يمكن أن نسميه الشعور بعظمة الحياة الدنيا وتضاؤلها حتى الفناء بالمعنى العبثي الحديث، لكنه يختلف عنه بخيط من الإيمان بالآخرة لا ينقطع. والجدير بالذكر أن هذا الشعر التأملي يختلف عن شعر الحكمة والمواعظ عند زهير بن أبي سلمى وطرفة بن العبد مما كرّسه برنامج البكالوريا، إذ إن حكمة هذين الشاعرين بعيدة عن التأمل المجنّح الذي يكاد يلامس الفكر الماورائي. والأهم، كذلك، أن عديّ بن زيد أفرغ تأملاته في قالب شعري يرتكز على القصص الخاطف والإكثار من الإشارات إلى تاريخ الأمم البائدة والعصور السالفة والملوك الفانية في إبداع يرتكز، أحيانًا، على الصور الشعرية، لا على السرد والخواطر الجافة كما عند معاصريه. فالحكمة عنده مرتبطة بالقصص.

كما أن عديًا تفرّد، من دون شعراء الجاهلية، بالقصص الشعري المستوحى من التوراة، إلى جانب الإشارات التاريخية التي يحفل بها شعره. ذلك أنه كان مثقفًا بثقافة دينية تمتد أفياؤها إلى مسارح الروايات التوراتية والأمثال الإنجيلية، والتمثيلات المجوسية الأبستاقية، والرموز البيزنطية، والأساطير التي اختمرت بها بلاد الرافدين، إضافة إلى أخبار العرب البائدة والعاربة والمستعربة. وقد كان كثير الأسفار بين شاهنشاهية الأكاسرة وإمبراطورية البيزنطيين وإمارات العرب وديار قبائلهم، فاكتسب علومًا ومعارف وتجارب لم تكن لتتوافر لسواه من شعراء العرب في عصره وحتى لكثيرين على عصره. من ذلك رثائيته الرائعة المصدّرة بالمطلع الآتي:

أرواحٌ مودّعٌ أم بكورْ لك، فأُعمد لأيّ حالٍ تصير


فإذا انتقلنا إلى أدب الصداقة، مثلاً، وهو الذي يسمو بالعلاقات الاجتماعية إلى مستوى العلاقة الإنسانية الروحية وجدنا فيضًا منه في أدب ابن المقفّع وعلاقته بعبدالحميد الكاتب، وفي شعر بشّار بن برد، ومنثور أبي حيان التوحيدي، ونظيم الشريف الرضيّ وأبي اسحاق الصابئ، وصولاً إلى العصر الحديث.

أما آداب العلاقات الاجتماعية، ففي تراث الجاحظ وشعر أبي نواس وأبي تمّام، وأدب التذاكر وكتاب عصر النهضة وشعرائه ما يكفي لتنشئة شبابنا على ما يجمع ولا يفرق، ويرفع مستوى التعامل في مجتمعنا إلى معارج التكامل والتسامي. ويجدر بنا - في هذا الصدد - أن نشير إلى أدب الديارات والمواسم الدينية الذي ينهض شاهدًا جميلاً معبّرًا عن التسامح الديني وتجاوز الطائفية والمذهبية إلى جوهر الأديان، مما حدا بعض الخلفاء من بني العباس على النظر برضا وارتياح إلى احتفالات النصارى بعيد الشعانين وبعض الأعياد الأخرى.

فضلاً عن موقف بعض خلفاء بني أمية من خروج قبائل مسيحية إلى الحرب، جنبًا إلى جنب مع المسلمين.

زد على ذلك، بعض النصوص التي وردت في كتب التذاكر مبيّنة الحرية الفكرية في زمان المأمون (الخليفة العباسي)، بل في حضرته، حيث كان يتناقش المسيحيون واليهود والمسلمون والملحدون أو الدهريون من دون إكراه على قدم المساواة الفكرية.

الفلسفة العربية

أول ما يسترعي النظر في مضمون برنامج الفلسفة العربية غلبة فلسفة ما وراء الطبيعة عليه. ومأخذنا الأساسي على هذا الاتجاه في تدريس الفلسفة هو عدم تناسب مضمون البرنامج مع سن التلامذة. فهم في عمر لم تكتمل لهم خلاله قوى التجريد الذهني، ولم يعانوا شئون الحياة العملية كما ينبغي،فما بالك بما يتطلب منهم معاناة فكرية مجرّدة تتجاوز الطبيعة إلى ما وراءها؟صحيح أن الفلسفة العربية قامت على التوفيق بين الدين والفلسفة، أو محاولة التوفيق بينهما.

وركن هذا التوفيق بين الوحي والعقل يقوم على الشأن الماورائي، وعلى نظرية الفيض وتسلسل العقول وصولاً إلى العقل الفعّال، وهو الرابط بين عالميّ الروح والمادة. ومن الضروري لكل مقبل على دراسة الفلسفة العربية أن يبدأ من هنا.ويركّز البرنامج المرتجى، بعد ذلك، على النواحي الفكرية والاجتماعية والسيكولوجية والتربوية واللغوية، التي تناولها فلاسفة العرب والبلدان الإسلامية.وفضيلة ذلك - إضافة إلى إعفاء التلامذة مما لا يمتّ إلى واقعهم ونضجهم بصلة - أنه يطرح أمام التلامذة وجوهًا من مشكلات الحياة التي بدأوا يواجهونها في بيئتهم الصغيرة ومحيطهم الكبير مثل: تنشئة الأولاد عند ابن سينا، ونظرياته في فقه اللغة، وفي مصطلحات الفلسفة - ومشكلات الموسيقى عند الفارابي ومصطلحاتها، إلى جانب مفهومه السياسي للمدينة الفاضلة - علم الاجتماع والمجتمعات العربية والإسلامية، كما فهمها ابن خلدون وفلاسفة الاجتماع في العصر الحديث - التوسع في دراسة الترجمات من اليونانية والسريانية والفهلويّة والسنسكريتية، إلى العربية - دراسة المصطلحات العلمية والفلسفية (في فروعها) التي أدخلتها الترجمات إلى العربية وأغنتها بها، واستخلاص الدروس لما نعانيه، في أيامنا، في هذا الميدان - تفاعل الحضارات في بلدان المشرق العربي والإسلامي خلال عصور التراث العربي.وفي هذا الإطار، ينبغي للبرنامج أن يكون له وقفة طويلة مع عصر لم يحفل به ولم يذكره، وهو عصر النهضة الذي كان أقرب إلى ناشئتنا من حيث الزمان ومن حيث المشكلات التي واجهت أعلامه وحاولوا حلّها أو معالجتها، وهي مشكلات لايزال أكثرها قائمًا في أيامنا. وهي متجليّة في تراث فرح أنطون وشبلي الشميّل وأمين الريحاني وعمر فاخوري ومحمد عبده ويعقوب صروف وجمال الدين الأفغاني.ولما كان هذا الفكر النهضوي يطرح المسائل والقضايا والمعضلات التي لايزال معظمها قائمًا في أيامنا - في مختلف وجوه الحياة: الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية - فإننا، به، نعدّهم للحياة في محيطهم المدرسي والعائلي والاجتماعي العام، ونوقظ فيهم روح التيقظ والمراقبة والتفكير. وعندئذ تتكامل «عدّتهم» الفكرية بالجمع بين اتجاهات الفلسفة القديمة ومنازع الفكر الحديث، فيكتشفون الصلة بينهما من جهة، ومن جهة أخرى ما نعانيه في حياتنا العامة ويحفزون إلى تنوّر المعالجات في المستقبل.

قراءة جديدة للحضارة العربية

وهنا لا بدّ من الانتقال من النقد إلى البناء، من تشخيص الداء إلى وصف الدواء، تداركًا للواقع الاجتماعي المضطرب غير المتماسك. قمت بمشروع تعليمي تربوي طموح يهدف إلى إعادة بناء مجتمعاتنا العربية من جديد، وتوفير التضامن لها والانسجام فيما بينها، باستلهام تعاليم الأديان السماوية، التي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر. وذلك بقراءة جديدة لتراثنا، من هذا المنظار، ننصرف بها إلى إبراز القيم الاجتماعية الإنسانية لنربّي إنسانًا اجتماعيًا جديدًا يحفظ كيان وطنه وتراثه الديني والأدبي والفكري ويتكيّف، مستقلاً، في العالم المتعولم ولا أقصد بذلك الابتعاد عن جوهر تراثنا الفردي والاجتماعي، بل إبراز الإنساني منه من خلال قيم مثل قيم الضيافة التي تشكل أسّ التضامن الاجتماعي، كما وردت في شعر الحطيئة الذي لا يكتفي بإطعام ضيفه وإشباع جوعه، بل يقبل عليه مؤانسًا، محدثًا، حيث يقول:

أحدّثه إن الحديث من القِرى وتعلم عيني أنه سوف يهجع!


هكذا صرفتُ أربع سنوات من البحث في تراثنا الشعري والنثري، أدبه وفلسفته، فوقعتُ على نصوص رائعة تبرز القيم الاجتماعية السائدة اليوم، والتي هي وليدة أدياننا السماوية كما قلت، في الأساس، مثل العفّة والقناعة والتسامح والمساواة والتعاون والحرية بجميع وجوهها ومتفرِّعات ما يسمى اليوم الديمقراطية.

وجدتُ ذلك في أدبنا القديم وحياة أسلافنا التي نقلت بعض ملامحها كتب التاريخ، وعثرتُ على الكثير منها في أدبيّات عصر النهضة، في تراث الشيخ مصطفى الغلاييني، وفرنسيس فتح الله المُرّاش، والياس صالح، وعبدالرحمن الكواكبي، وأديب اسحق، وأحمد شوقي، وأمين البستاني، وجميل صدقي الزهاوي، وتوفيق الحكيم، وبديع الكسْم، وسواهم.وقد نشرتُ ذلك في كتيّب ضمن كتاب: مرصد الديمقراطية في لبنان، منشورات مؤسسة جوزف ولور مغيزل، بالتعاون مع الاتحاد الأوربي، عام 2000، ولاأزال أوالي البحث لتقديم نتائج أبحاثي إلى أبناء أمتي في المدارس والجامعات، سعيًا منا إلى نهضة عربية جديدة نحتلّ بها المكان اللائق بنا تحت الشمس.

 

فكتور الكِك