فهد العسكر.. شاعر اليقين في زمان الشك

فهد العسكر.. شاعر اليقين في زمان الشك

«وما كفرت...وكفروني»، عبارة شعرية ساخطة قالها شاعر كويتي قبل أكثر من نصف قرن مواجهًا بها انتقادات مجتمع تقليدي ضاق بخيارات شاعر غير تقليدي على الإطلاق فحاول إلغاءه عبر إلغاء تلك الخيارات أو على الأقل تزويرها، وتوجيه تأثيراتها المحتملة نحو أهداف لم يكن يعنيها الشاعر. وبالرغم من أن الشاعر أصرّ على تلك الخيارات الحياتية الصعبة، حتى نهايته مريضًا، حزينًا وبائسًا، مستهامًا تتناهب الشجون كبده دون أن يجد مجيرًا له من تلك الشجون، وربما دون أن يجد من يعترف به شاعرًا أول للكويت والعلامة الأبرز في طريقها الشعري كله، فإن هذه المكانة الرفيعة قد تكرست له بالفعل بعد رحيله تدريجيًا كضرورة لتحقق هذا الشاعر وفرادة تجربته الشعرية والفكرية أيضا ليس على صعيد الكويت وحسب بل على صعيد الوطن العربي كله.

«وما كفرت.. وكفروني»، قالها الشاعر عجزا لبيت القصيد كله في تجربته التي ابتسرت اضطراريًا قبل اكتمالها، وقبل أن يقوم تحت وطأة اليأس ومرارة التجاهل بمحاولة انتحارية لذاته الشعرية فيقدم على حرق ما كان تحت يديه من قصائده، حيث لم يفلت منها إلا ما احتفظ ببعض نسخها أصدقاؤه ومريدوه، بالرغم من أن بعض المصادر تشير إلى أن ذوي الشاعر هم الذين قاموا بحرق تلك الأشعار!!

ولعلي لا أتجاوز قوانين ولادة الأمثال الشعبية وتكونها في ضمائر الشعوب الجمعية عندما أقترح ذلك المفتاح الشعري لقصيد ذلك الشاعر مثلا قد يسير في تضاعيف ظروف هذا الراهن المراوح ما بين الكفر والتكفير، ليس على صعيد الإيمان الديني وحسب، بل على كل صعد الحياة وتصاريفها ذات الاتجاهات المختلفة والآفاق المفتوحة بالضرورة.

إنه فهد العسكر، هدية الكويت الشعرية إلى ديوان الشعر العربي في أبرز صورها وأنصعها وأجلها، بل وأشهرها أيضا بالرغم من زهد الشاعر في تلك الشهرة وإهماله لمقدماتها أو متطلباتها أو التزاماتها. ولعلنا لا نضيف الكثير إلى ما كتب حول سيرة العسكر المأسوية في معظم مفاصلها، عندما نذكر أنه على أرجح الأقوال، أنه ولد في الفترة من 1913 إلى 1917. في إحدى مناطق العاصمة الكويتية القديمة لأسرة شديدة التدين والتمسك بالعادات والتقاليد الموروثة،ما أنشأه منغمسًا بتلك الروح الدينية، والتي كرّستها المدارس التقليدية التي التحق بها في بداياته، ولكن المدرسة المباركية التي التحق بها بعد ذلك، وهي أول مدرسة عصرية نظامية في الكويت، ثم المدرسة الأحمدية التي استكمل بها تعليمه لم تفلحا في تغيير قناعات العسكر التي نشأ عليها، لكنهما على الأقل أتاحتا له أن يتصل بمصادر الأدب العربي التقليدية، وأن يكتشف موهبته الشعرية شيئًا فشيًئا، وعندما ألقى قصيدة في المدرسة المباركية بعد أن ترك الدراسة فيها، بمناسبة حفلة المولد النبوي، اعترف كل من حضر ذلك الحفل أن شاعرًا قد ولد للتو، فقد هزت تلك القصيدة مشاعرهم وأخذت بألبابهم، وحاز إعجاب المتدينين منهم تحديدًا. لكن ذلك الإعجاب تلاشى شيئا فشيئا، عندما اتجه العسكر بعد ذلك بسنوات قليلة جدا إلى نوع جديد من القراءات التي لم تكن لترضي هؤلاء المتدينين التقليدين. وكان الشاعر المتطلع لكل ما هو جديد يبحث عن مظانه في المجلات الأدبية الصادرة من القاهرة وبيروت ودمشق وبغداد، حيث كان يحصل على أعدادها المتلاحقة عن طريق استعارتها من مكتبة ابن رويح، وهي أول مكتبة افتتحت في الكويت.

لقد فتحت له تلك القراءات نوافذ واسعة على التجارب الجديدة لمجايليه من الشعراء العرب، وتأثرا بتلك التجارب بدأ فهد العسكر رحلته في التحول على الصعيد الشعري أولاً، ثم على الصعيد الفكري والصعيد الاجتماعي، فتحول من شاعر تقليدي محافظ في أفكاره وأساليبه الفنية، إلى شاعر رومانسي ثائر على التقاليد الموروثة، حالم بمستقبل أفضل، جريء في حربه على التقاليد البالية، إلى حد التهور في كثير من الأحيان والأفكار والقصائد، مما أوغر صدر أسرته ومجتمعه عليه، وأثار غضبهما، فلم يجد سوى الشكوى من هؤلاء الذين لا يفهمون ما يريد، ربما لأنهم لا يريدون ذلك. ولعل في قصيدته الشهيرة «شهيق وزفير»، صورة دقيقة لتفاصيل تلك الشكوى، فيقول مخاطبا والدته:

كفي الملام وعلليني فالشك أودى باليقين
وتناهبت كبدي الشجون فمن مجيري من شجوني
وأمضني الداء العياء فمن مغيثي؟ من معيني؟


وبالرغم من أنه لم يجد مغيثا ولا معينا فإنه لم ينطو على ذاته، ولم يكتف بشكواه الشعرية والتعبير عن معتقداته الاجتماعية والشخصية بقصائده الشاذة عن جغرافيتها. فقد كانت نظرته أبعد من ذلك بكثير، ولعل في قصائده الرائعة الكثيرة من التعبير عن إيمانه القومي وخدمة القضايا العربية، وخاصة القضية الفلسطينية ما يرسم لنا صورة أكثر دقة لاهتمامات فهد العسكر في مجملها.

وقد أولع الشاعر بفن شعري تقليدي هو التخميسات، حيث خمس بعض القصائد الشهيرة لكثير من الشعراء العرب القدامى، والمحدثين. آنذاك أيضًا. على أن هذا كله لم يخفف عنه عناء المجابهة مع الأقربين، ولم يشفع له عندهم، فقد انتهى الأمر بشاعر الكويت الأول بائسًا يائسًا حزينًا يرسل آهاته الحرى وأناته المحتضرة نحو السماء من غرفة متواضعة ومظلمة لم يجد أفضل منها ليلملم فيها شتات روحه المغتربة، وجسده المنهك بعد أن تنكر له الأهل ونبذه المجتمع وتسلل مرض التدرن الرئوي إلى صدره ليضاعف الألم، ويجعل من الشكوى مهنة دائمة لشعرية الشاعر الكبير.. الضرير. وعندما نقل في المرحلة الأخيرة من حياته إلى المستشفى الأميري لتلقي العلاج، كانت الأدوية والأمصال أعجز من أن تعالج جسد الشاعر الضعيف وروحه المنهك ونفسيته المتعبة من عجز الآخرين عن فهمه، وعجزه عن فهمهم، فأطلق آهته الأخيرة يوم الخامس عشر من شهر أغسطس لعام 1951، تاركا وراءه كومة من الأوراق الشعرية التي نجت من نار اليأس والتجاهل، وأخرى مما كتبه في أيامه الأخيرة دون أن يمهله الموت ليراها ديوانًا شعريًا عنوانه «الفجر الصادق» وهو العنوان الذي كان، وفقا لبعض الروايات، قد اختاره بنفسه عنوانًا لديوانه الذي كان يحلم بصدوره، لكن الحلم لم يتحقق... حتى بعد مرور أكثر من خمسة عقود على رحيل صاحب الحلم.

وها نحن، نحاول في سبيل تحقق الحلم، أن نذكر به عبر قليل من الاختيارات الشعرية لهذا العدد.

 

سعدية مفرح