أسوان.. روح التاريخ وقلب الفن

أسوان.. روح التاريخ وقلب الفن

بالرغم من موقعها في أقصى جنوب الوادي من مصر، إلا أنها كانت قلبًا نابضًا بالحياة. كانت موطن التحدي الذي صنع فيه الإنسان العربي في مصر مستقبله عندما أصرّ على بناء السد العالي. وكانت قلب الفن عندما استلهمت تراث فن النحت القديم من أعماق التاريخ لتصنع منه إرثًا معاصرًا يحول الجرانيت إلى نماذج من الفن والجمال.

قبل أن نهبط في مطار أسوان الدولي الجديد، ثاني أكبر مطار في مصر، لفت نظري من نافذة الطائرة ذلك المسطح المائي اللانهائي، فتذكرت أن هذه هي «بحيرة ناصر» عندما أغرقت مياه السد العالي الجزء الشمالي من إقليم النوبة، عند تحويل مجرى نهر النيل، وميلاد هذه البحيرة الصناعية الكبرى، بطول يزيد على 300 كيلومتر، وعرض يصل في بعض الأماكن إلى أكثر من 25 كيلومترًا، حين كانت هناك ضرورة ملحة لبناء سد عالٍ في سبيل تحقيق تنمية وتطوير اقتصادات البلاد، وضمان تأمين احتياجاتها من المياه على مدار العام، وتأمين سلامتها ضد مخاطر الفيضانات الجارفة، واستغلال ذلك في توليد طاقة كهربائية هائلة لاستغلالها في العديد من الصناعات، وتصدير الزائد على الحاجة، فيما اعتبر هذا البناء رمزًا للصمود وقوة الإرادة والنضال ضد دول شنت حربًا عدوانية، وأخرى صديقة، ارتفع لها في سماء أسوان نصبٌ تذكاريٌة رمزًا ووفاءً لها.

وأتذكر تلك التجربة الفنية المثيرة التي أقدمت عليها الدولة عندما دعت عددًا من خيرة فناني مصر في تلك الفترة أمثال: صلاح طاهر وتحية حليم وعبدالهادي الجزار وراغب عياد وغيرهم، لتسجيل إبداعاتهم وانطباعاتهم، ومدى تأثرهم بما يحدث قبل أن تغيب هذه المشاهد والمناظر إلى الأبد عند الانتهاء من بناء السد، لتصوير مظاهر الحياة في النوبة القديمة وملحمة العمل الشاق في المشروع على مدار الساعة في طقس مرتفع الحرارة صيفًا، يغلب عليه صفات المناخ القاري.

وتعتبر فترة زيارتنا لأسوان الوقت المثالي، حيث يعتدل المناخ في هذه الفترة من العام، فهي ذروة الموسم السياحي الذي يبدأ في شهر نوفمبر وحتى أواخر مارس للتمتع بشمس الشتاء الدافئة، فهذه المدينة تعتبر من أجمل مشاتي مصر وربما العالم، حيث المناخ الجاف المعتدل، والهواء النقي، والهدوء الذي ربما كان السبب وراء حرص الرئيس الفرنسي السابق (ميتران) على قضاء إجازته السنوية بها في كل عام.

وعرفت مدينة أسوان قديمًا في اللغة المصرية باسم «سونو» بمعنى السوق، لموقعها الجغرافي في مدخل مصر الجنوبية إلى قلب القارة الإفريقية، مما جعلها ملتقى تجاريًا مهمًا يصل شطري وادي النيل شماله في مصر وجنوبه في السودان. وبقدوم العرب إليها العام 21 هـ أضيف حرف الألف «أسوان» بعد أن كان أهل النوبة ينطقونها «سوان»، وهي من أطول محافظات مصر «560» كيلومترًا، وكانت من قبل مركزًا وليست مدينة تابعة لمديرية الأقصر، ثم أصبحت مديرية قبل قيام ثورة يوليو، وعند اعتماد منظومة الحكم المحلي، أصبحت عاصمة لمحافظة أسوان، وهي تبعد عن القاهرة مسافة 899 كم، تحدها من الشمال محافظة قنا، وشرقًا محافظة البحر الأحمر، وغربًا محافظة الوادي الجديد، وتحدها جنوبًا جمهورية السودان. وتعتبر محافظة أسوان واحة الأمن والأمان بين محافظات مصر جميعًا، تبعًا لإحصائيات وزارة الداخلية للجرائم والحوادث، حتى في الأوقات التي طالت أيدي العنف والتطرف المناطق السياحية والأثرية في كل مكان، كانت محافظة أسوان بعيدة عن ذلك، ويرجع البعض ذلك إلى طبيعة سكانها، فهم أناس طيبون بالفطرة، مرهفو الحس، ورقيقو الوجدان، تفيض مشاعرهم ودًا ورحمةً، فحق لهم الفوز بجائزة «مدينة السلام» العام 2004م، التي تنظمها هيئة اليونسكو العالمية.

وأسوان مجتمع يتشكل من عدة قبائل، أكبرها الإسوانيون والجعافرة والنوبة والعبابدة والبشارية والنازحون من محافظات الجنوب (الصعيد)، ويبلغ تعداد سكانها حوالي نصف مليون نسمة يعملون بالزراعة، حيث تنتشر القرى والمياه الوفيرة، وبها أكبر مصنع لإنتاج الأسمدة (كيما) والفوسفات في مصر، ومن أهم محاصيلها قصب السكر، وأجود أنواع البلح والتمور، كما يعمل أهل أسوان في الأنشطة المتعلقة بصناعة السياحة والفندقة، فهي تستقبل قرابة 5 ملايين سائح سنويًا، لما لها من شهرة قديمة كمدينة تاريخية عريقة، تضاف دائمًا إلى لائحة المدن العالمية الواجب زيارتها. وتزخر أسوان بعدد كبير من الفنادق الرائعة والنزل الثابتة والفنادق العائمة، وهذه الرحلات في العادة تستغرق ثلاثة أيام، وتبحر من أسوان إلى الأقصر لزيارة المعالم الأثرية بمدينة كوم إمبو وإدفو، أو تبحر جنوبًا إلى معبد أبو سمبل (رمسيس الكبير) وهناك رحلات تستغرق سبعة أيام حسب برنامج زياراتها للأماكن السياحية والأثرية الكبرى في المنطقة.

وقد ساعدت هذه المسطحات الهائلة من المياه العذبة في النهر أو بحيرة ناصر على نمو وتكاثر الأسماك، واشتغال أهل أسوان بالصيد، وهناك مصنع لتجميد وتغليف هذا الكم الوفير من الأسماك الطازجة وإعداده للتصدير محليًا إلى شتى محافظات الجمهورية، وللتصدير خارجيًا أيضًا، وقد وفرت الطبيعة الجيولوجية لأسوان مخزونًا لا ينضب من الأحجار الصلدة، كالبازلت والجرانيت بأشكاله وألوانه المختلفة (الأسود والأحمر والرمادي) والديورايت، فاشتغل أهلها بالمحاجر وقطع الأحجار، وتشييد الكباري والسدود والأبنية الضخمة.

وفي جولتنا بالمدينة يلفت نظرنا قائد السيارة التي أقلتنا إلى أن أسوان الآن مدينة حديثة منسقة ومخططة، لتبرز بشكل جمالي لزائريها، أقيمت فيها الميادين، وزين بعضها أعمال فنية من ثمرات المهرجان السنوي لنحت الجرانيت (سمبوزيوم أسوان الدولي)، وسهلت الطرق، وتوسعت شبكتها، وتعددت الأسواق، وحفلت بالمعروضات، فهذا سوق البلح المجفف الذي يصنف بأسماء (الأبريمي والسكوتي وبتموت... إلخ)، وتلك المحلات التي تعرض من التوابل والعطارة ما يثير فضولك في معرفة أسمائها وفوائدها المختلفة، فلا تجد علة أو مرضا إلا ولها نباتها أو عشبتها، التي تشفيها، - سبحان الله - وما خلق الله من داء إلا خلق له دواء.

ولا تظن أنك تستطيع أن تعود إلى أصدقائك بعد رحلتك من أسوان دون أن تحمل معك لهم نوعين على الأقل من «البلح» ومطحون ثمار الدوم، وزهور الكركديه، وقدرًا من «الحناء» السوداء أو الحمراء للمتزوجين منهم.

وخلال هذه النزهة بين حوانيت ومعارض أسواق أسوان، سوف يجذب انتباهك تعدد وتنوع الصناعات البيئية من الحرف والصناعات الفنية الشعبية التي تتميز بها أسوان - دون غيرها من المدن المصرية - كموروث ثقافي يتسم بالعراقة والثراء، وتتباين أشكاله في البناء والأثاث والحلي والرقص والغناء، إضافة إلى التقاليد الاجتماعية والعادات والمعتقدات الشعبية. وسوف تلاحظ مدى استخدامهم سعف نخيل البلح لتصنيع مشغولات تستخدم في الحياة اليومية لأهل المنطقة، كالأطباق الكبيرة (الشوير) والأطباق الصغيرة (الكارج) يقدم بها البلح وبعض الأطعمة الجافة، خاصة في حفلات الزواج، وتعلق على الحائط كعمل فني بما تحمله من ألوان متباينة ومتداخلة بشكل زخرفي جذاب، ومن الخام نفسه تشكل على شكل آنية لحفظ الأغذية، أو على شكل بسط ومدات للجلوس أو النوم عليها أو الصلاة.

وتنتشر في كل مكان أغطية الرأس (الطاقية) الملونة، وإلى جانبها تعرض بعض المفارش المطرزة بالإبر اليدوية (الكروشيه) وتتقن البنات والسيدات هنا أعمال الخرز الملون ويعرفن أسرار صناعتها ويجدنها فيصنعن منها الأساور والعقود والأكياس الصغيرة لحفظ النقود، وتدخل مع بعض قطع النسيج بغرض إدخال البهجة لما تتمتع به من شدة وصراحة ألوانها البراقة.

وتحمل المشغولات - والإنتاج الشعبي عمومًا - بعض العناصر الزخرفية ورموزًا لها دلالات معنوية وأسطورية، فاستخدام الزهور يعني المحبة والصداقة، والهلال والنجمة يعتبران رمزين إسلاميين، وللتعبير عن التشاؤم يكون الغراب أو البومة، وتوحي القطة السوداء بالتفاؤل، كما كانت معتقدات أجدادهم المصريين القدماء. وقد فازت مدينة أسوان في العام 2005 بجائزة مدينة الفنون والإبداع، وهي جوائز تقدمها اليونسكو للمدن التي تتميز بالإبداع الفني والثقافي على مستوى العالم.

عندما شاهدنا عربة «حنطور» كانت إنقاذًا لنا من تعب التجوال الذي تجاوز أكثر من ساعتين، أقلتنا إلى مقهى على كورنيش النيل لاحتساء قهوة المميزة لأهل أسوان على موسيقى وأغان. تنطلق من «الكاسيت» أنغام وأغانٍ تقليدية وفلكلورية بعضها يغلب عليه أصوات مجموعات من الرجال، وأخرى من النساء على أنغام الدفوف - وأناشيد فردية على الربابة. ولما لاحظ اندماجي مع تلك الأنغام اقترب مضيفي صاحب المقهى الشاب بوجهه الأسمر وابتسامته السمراء التي تكشف عن أسنان ناصعة تتنافس مع عمامته البيضاء لتكريمي، وقال إنه سيسمعني بعض أغاني المطرب المغني النوبي الكبير محمد حمام، صاحب أغنية «يا بيوت السويس» التي حركت الشارع المصري خلال حرب الاستنزاف ضد دولة الاحتلال الاسرائيلي (1968 - 1970)، وكان محمد حمام أحد أهم ثلاثة رموز نوبية سياسية نشطة في ذلك الوقت، المحامي المتميز زكي مراد، وأبو الرواية النوبية محمد خليل قاسم، صاحب رواية «الشمندورة».

وبصعودنا إلى «التاكسي» الذي سيقلنا للعودة إلى الفندق، صحبنا صوت المطرب محمد منير الشبابي المتفرد بإيقاعاته المستوحاة من تراث النوبة في عقد الثمانينيات صاحب أغنية (الليلة ياسمرا)، تمنيت لو طال الطريق حتى تنتهي أغانيه الشجية.

متحف النوبة

منذ اللحظة الأولى لدخولنا القاعات الرئيسية الواسعة بمتحف النوبة، ومواجهة رمسيس الثاني، صاحب معبد أبو سنبل الشهير، وحتى انتهائنا من جولتنا في جنبات طوابقه الثلاثة، تدرك أنك كنت أمام عرض متكامل لحضارة مصر القديمة وبلاد النوبة، ومرورها بعصور متعاقبة منذ فترة ما قبل التاريخ، حيث تشاهد رسوم حيوانات الإنسان الأول على جدران الكهوف، إلى أن تصل إلى زمننا الحاضر، لعرض يشف الحياة الاجتماعية لسكان بلاد النوبة وتراثهم الثري.

افتتح متحف النوبة مع نهاية العام 1997، كثمرة للتعاون بين اليونسكو والحكومة المصرية، فوق ربوة مرتفعة في مواجهة النيل على ضفته الشرقية بمساحة تبلغ أكثر من عشرة آلاف متر مربع، وراعى فيه المصمم المعماري المصري محمود الحكيم أن يتماشى بناؤه وفنون العمارة النوبية الأصيلة، استحق عليه جائزة الأغاخان العالمية للتفوق المعماري.

ويلقى المتحف إقبالاً متزايدًا من الوفود (الجروبات) السياحية، وخلال تجوالك في أرجائه سوف تسمع لغاتٍ متعددة يفسر بها (الأدلة) لوفودهم ما يشاهدونه لأكثر من ثلاثة آلاف قطعة هي مجمل القطع والنماذج المعروضة بالمتحف، وسرني كثيرًا رحلة أطفال أبناء مدرسة قرية «أبو الريش» لزيارتهم لمتحفهم، وكثيرًا ما تنظم المدارس المنتشرة في المحافظة مثل هذه الزيارات، فمتحف النوبة هو متحف للمجتمع المحلي، يضم قسمًا تعليميًا ينظم رحلات وحلقات درس ومحاضرات لطلاب المدارس، كما يعتبر المتحف مركزًا مهمًا للبحوث والدراسات المتخصصة للحضارة المصرية القديمة والتراث النوبي.

جزيرة فيلة

عندما تزور مدينة أسوان لابد لك من زيارة جزيرة فيلة ومعابدها، ويجدر بك أن تعرف أنها ليست جزيرة فيلة الأصلية التي غرقت تمامًا الآن، ولا يبدو لها أثرٌ غير قضيب حديدي يبرز من تحت سطح الماء مؤشرًا لمكانها القديم، بعد أن نقلت المعابد التي كانت عليها بعد تفكيكها بالشكل نفسه على جزيرة (أنجيكيا) المرتفعة، التي تعرف الآن بجزيرة فيلة، وقد قامت شركات مصرية وإيطالية بفك كتل هذه المعابد وإعادة بنائها بالشكل نفسه، فيما عدا معبد «كلابشة» الذي تولته ألمانيا الغربية، وتولت فرنسا جانبًا من معبد «عمدا» وتم نقله على قضبان حديدية إلى مكان آمن في الموقع نفسه.

والحقيقة التي تجب معرفتها أن جزيرة فيلة وما عليها من معابد كانت تغمرها مياه خزان أسوان القديم (1902م)، خاصة بعد تعليته في العام 1934م، الأمر الذي جعل كامل الجزيرة بما عليها من معابد مغمورة تمامًا بالمياه أغلب أوقات السنة، وكان يشكل خطورة شديدة على صخور بناء هذه المعابد الجميلة.

وقد جاء إنقاذ هذه المعابد بعد استجابة هيئة اليونسكو لطلب الحكومة المصرية، ومن بعدها حكومة السودان، بتقديم مساعدات علمية وفنية فعالة، إلى جانب توفير التكاليف المالية لمشروعات إنقاذ آثار النوبة.

وقد اضطلعت اليونسكو بمسئولياتها في صون وتأمين التراث العالمي بإنقاذها معبدي أبو سمبل الصخريين وإعادة تشييدهما في المرحلة الأولى، وإنقاذها لمعابد فيلة في المرحلة الثانية والأخيرة من مشروعها العظيم: «الحملة العالمية لإنقاذ آثار النوبة»، وكان هذا أكبر نجاح في تاريخ اليونسكو الذي جسد التضامن والتعاون الدولي في المحافظة على التراث الإنساني الذي يهم العالم، وقد أقيم احتفال كبير العام 1980 باختتام حملة إنقاذ آثار النوبة، وتنظم شركات السياحة رحلات يومية لزيارة الجزيرة، كما تستطيع بشكل فردي أن تؤجر قاربًا بخاريًا لتصل للجزيرة، مستمتعًا بمنظرها الرائع، وقبل أن تصل لشاطئها تفاجأ بالمشهد المهيب عندما تتواجه مع جدران المعبد الرفيعة وأعمدته الشامخة، وإذا مكثت فترة على الجزيرة حتى يحل الظلام، سوف تستمتع بعروض الصوت والضوء والتي تقدم في أوقات مختلفة وباللغات: الإنجليزية والفرنسية والإيطالية والإسبانية، وأيضاً من بينها اللغة العربية، إنه مشهد ليلي رائع لصرح تاريخي يعود تاريخ بنائه إلى القرن الخامس قبل الميلاد, أظهر السقوط الضوئي تفاصيل معمارية تبرز جماليات التصميم المعماري الفرعوني، وزاده غموضًا وسحرًا وإجلالاً.

جلست في ساحة العرض أتابع سرد أحداث العرض التاريخي للمعبد الرئيسي الذي شيد لعبادة الإلهة إيزيس زوجة أوزوريس، وما كانت تدور في هذه المعابد من طقوس وشعائر دينية، مستعرضًا النقوش والرسوم الجميلة والكتابات المصفوفة التي تحتفي بها جدران المعبد الداخلية والخارجية، كما يظهر مشهد دخول حتحور إلهة الخصوبة والحصاد التي تحمل رأس بقرة، مذكرًا أن إيزيس تحظى بالتقدير اللائق بها.

في مساء اليوم التالي توجهت لزيارة الفنان المثال آدم حنين، أحد كبار النحاتين المعاصرين والمشرف العام على الملتقى السنوي للنحت الدولي، منذ أن تأسس العام 1996، والذي يعقد بمدينة أسوان إحياء لفن نحت أحجار الجرانيت الصلدة، الذي برع فيه فراعنة مصر القدماء.

والتقيت هناك مع أحد رجال الأعمال الكويتيين (أبوفهد) الذي أعرفه جيدًا، فهو من عاشقي الفن والأدب وصديق لعدد كبير من أدباء مصر، منذ أن كان دارسًا في القاهرة خلال فترة الستينيات من القرن الماضي وحتى الآن، وقبل مغادرته واعدني على ملاقاته في الغد بعد الظهر وبالفعل توجهت لفندقه العريق كتراكت أو (أولد كتراكت)، كما ينطقونه دائما، تميزًا عن فندق كتراكت الحديث، وصعدت إليه بمصعد الفندق الذي يعد تحفة بحجم غرفة سكنية من غرف هذه الأيام، وتتشكل جدرانه من حوائط زجاجية سميكة محفور عليها نقوش وزخارف وتتماسك بنجارة خشبية لأجود أنواع الخشب، وصعد في بطء وبلا صوت غير معترف بعامل الزمن ودلفت إلى جناح الصديق أبو فهد ذي الحوائط العالية جداً، والتي أجبرت البناء على أن تكون له شبابيك تدانيه الارتفاع، وهي منتشرة على طول وعرض الجناح المكون من ردهة المدخل وصالون وغرفة النوم، وهناك نوافذ كثيرة متتابعة تغطيها ضلف خشبية (شيش) تسمح عند غلقها بمرور النسيم العليل والهواء النقي ، وتمنع دخول الشمس، وأخرى ضلف زجاجية غاية في الشفافية في إطارها الخشبي، وجلسنا في «التراس» المبني بالكامل من الأخشاب التي مرت عليها سنون طويلة، شهد خلالها أحداثًا ولقاءات تاريخية مهمة، وبعد تناولنا الشاي المعطر بأعواد النعناع الأخضر، هبطنا إلى حيث تتخذ القوارب الشراعية والبخارية الظلال أسفل التراس مرساة لها.

تهادى بنا المركب الشراعي على صفحة النيل في سكون، عرفت ماذا يعني أن تركب النيل في مركب شراعي وليس بخاريا، بالرغم من فارق السعر الذي يتضاعف مرات في حالة الشراع، وإن قدر لك مثل هذه الرحلة النيلية فلن تنسى مناظر الطبيعة التي تؤنسك وتشبعك جمالا ومتعة وأنت على ظهر هذا النهر العظيم، خاصة في تلك البقعة منه، حيث يحتشدالشاطئان بالنباتات الكثيفة بمختلف درجات اللون الأخضر في تكوينات هارمونية وكأن متخصصًا فذًا قام بترتيبها وزرعها مع بعضها، ومن بينها - هذه الكتل الخضراء - تنبثق أشجار النخيل في تناغم متباينة متدرجة في الارتفاعات دون رتابة أو تكرار، إنها الطبيعة بتلقائيتها وعفويتها، فضلاً عن كتل الصخور البركانية الصلدة، والتي تحف الشاطئ أو تبرز داخل مجرى النهر، وكأن «هنري مور» النحات العالمي قد مر من هنا، فهي قطعة نحتية بالفعل، لكنها من إنتاج الطبيعة. وستدهش ويزداد عجبك أنه بالفعل قد قفز على هذه الأحجار فنانون مصريون قدماء على قدر عال من الحس الفني، لينقشوا بعض رموزهم وكتاباتهم على هذه الأحجار الفولاذية، ولا حيلة لك إن رغبت في توقف القارب لتمسك بهذه الأحجار، فالقارب منساب بفعل النسيم ويستقبله شراعه حتى محطة الوصول لحديقة جزيرة النباتات، وهي شمال جزيرة فيلة، ويعود الفضل في زراعتها بالنباتات والزهور النادرة من إفريقيا وآسيا للورد كتشينر قائد حملة بريطانيا على جيش المهدي في السودان العام 1891 ثم تولي القنصل العام في مصر. وتعتبر هذه الجزيرة سيمفونية من الألوان تفوح عطرًا وتصدح بأنواع مختلفة من الطيور.

النهر الخالد

يعتبر هيرودوت (أبو التاريخ)، فقد كان مؤرخًا إغريقيًا عاش في القرن الخامس قبل الميلاد، ورحل إلى العديد من البلاد، خاصة التي تقع حول حوض البحر المتوسط، ومن أفضل الذين كتبوا عن النيل، ويذكر «أن مصر موهوبة منعمة» ووصف أرض مصر بأنها «هبة النيل» ويرجع الفضل فيه إلى تكوين دلتا مصر من ترسيب طبقات من التربة الخصبة التي تحملها مياه النيل، ولا يمكن أن نتخيل حال مصر لو لم يوجدالنيل بمياهه العذبة، خاصة أن مصر لا تسقط عليها أمطار تذكر، فلو لم يكن النيل لبقيت مصر جزءًا من تلك الصحارى الشاسعة التي قسمها النيل إلى قسمين، في واد ضيق يتفاوت عرضه بين كيلومترين و10 كم، ويبلغ أقصى عرض له عند كوم إمبو، حيث يصل إلى أكثر من 15 كم، والوادي بكامله هو هبة النيل، وقد استطاعت مصر بفضل هذا النهر العظيم أن تكون لها هذه المكانة الممتازة على مر التاريخ، تتطور ويتزايد سكانها، وهو يوفر لها الأراضي الخصبة لثروة زراعية، ويحافظ على وحدة البلاد واستقرارها السياسي، فلم يطرأ على حدودها أي تغيير، وفهم الأقدمون ذلك وخصوه بالتمجيد والتبجيل، وصوروه على هيئة آلهة مختلفة، ترمز للوفرة والنماء، وقدموا له القرابين سنويًا مع بداية فيضانه، وكان المصريون يحتفلون وفاءً للنيل وابتهاجًا بقدومه وينشدون الأغاني مشيدين بما في فيضان النهر من خير وبركة، ويقومون بغرس الشعير ويصنعون تماثيل صغيرة لأزوريس من الصلصال رمزًا لعودة الأرض إلى الحياة بفضل الفيضان، وقد أدى هذا الانتظام في وصول الفيضان منذ فجر التاريخ، إلى وضع تقويم من ثلاثة مواسم، يستغرق كل منها أربعة أشهر، اعتبره يوليوس قيصر «أعظم وأذكى تقويم في العالم»، فأخذ به وعممه على العالم الروماني.

هكذا احتفى به الأقدمون على خلاف المحدثين من المصريين فقد أساءوا إليه كثيرًا بتلويثهم مياهه العذبة بسبب التوسع في المشروعات التصنيعية التي أقيمت على الأراضي المتاخمة لمجراه، وصرف مخلفاتها السائلة إليه مباشرة، أو بطريقة غير مباشرة دون معالجة علمية صحيحة، مما أدى إلى زيادة تلوث مياهه والتغير في خواصه الطبيعية، ما أثر على كل الكائنات بالنهر من أسماك وغيرها من الأحياء التي تعيش في النهر، والأعظم من ذلك تلويث المصدر الوحيد للمياه العذبة الصالحة لشرب الإنسان. ونهر النيل أطول أنهار الدنيا (6700 كم) ويبدأ مساره من المنبع عند بحيرة «فيكتوريا» ثالث البحيرات العظمى في العالم، وسط شرق إفريقيا في أوغندا.

وإن كان لي من اقتراح، أتمنى أن تشرع محافظة أسوان بإصدار كتيّب إعلامي يشمل كل المعلومات والبيانات عن المراكز الحضارية وخدمات الفندقة وتعريفها والأنشطة الاجتماعية والثقافية لتكون دليلاً ومرشدًا وفي متناول أيدي كل من يزور أسوان في محطات القطار والمطارات والفنادق باللغتين العربية والإنجليزية ويتكاتف كل من يرد ذكره في الكتيب بتحمل نفقات الطباعة وإعادتها كل فترة لتحديث المعلومات الواردة بهذا الكتيّب المهم.

ملتقى النحت العالمي

أسوان ليست التاريخ فقط. ولكنها الحاضر أيضًا. فبجانب معابد أبو سمبل ومعابد فيلة وكلابشة وبيت الوالي ومقابر النبلاء وضريح أغاخان وزوجته البيجوم أم حبيبة ودير الأنبا سمعان، هي أيضًا المدينة التي أنجبت الأديب العملاق والمفكر عباس محمود العقاد، والمثّال أحمد عثمان (1908 - 1970) أستاذ النحت وأول عميد لكلية الفنون الجميلة بالإسكندرية. لذا، لم يكن غريبًا أن نجد هذا الحدث الثقافي الذي يتكرر كل عام منذ أحد عشر عاماً، ألا وهو ملتقى النحت الدولي «سمبوزيوم أسوان» وترجع أهمية هذا المشروع الفني للفنان فاروق حسني وزير الثقافة، حيث أصبح هذا المشروع الإبداعي الأكثر حيوية والدليل الحي الذي يؤكد قدرة مصر على فهم واحتضان ثقافات وفنون الآخر.

وقد اجتذب «سمبوزيوم» أسوان نخبة من الفنانين المبدعين: نحاتين محترفين ينتمون لثقافات متعددة، لهم أفكارهم وانطباعاتهم التي تجعل من هذه الرحلة الفنية مغامرة إبداعية نادرة المتعة والبهجة والإثارة، حتى يمكننا أن نقرر مطمئنين باعتبار «سمبوزيوم» أسوان اليوم أشهر وأضخم الملتقيات الدولية للنحت، التي يسعى كل فنان عالمي للاشتراك فيه.

إنه حالة كبرى من الاهتمام المتجدد بالتاريخ والفن الذي نحن أحوج ما نكون إليه في هذه الأيام، تأكيدًا لتقاليد مصر التي تكمن فيها جذور الحضارة الإنسانية على مدى التاريخ.

هل عادت أسوان إلى عصرها الذهبي من جديد؟ لقد كانت أسوان مركزًا مهمًا من مراكز الحضارة، وتنبه الفراعنة منذ أيام الأسرة الأولى إلى المزايا الطبيعية التي ينفرد بها هذا «الموقع» باعتباره المصد الأول لمملكتهم، لوجود حاجز طبيعي من الصخور البلورية الصلدة، التي كانت تحد من اندفاع النيل. ومن هذه الأحجار الصلدة المتنوعة قدر لمصر أن تكون من أعظم شعوب العالم القديم في مجال الحضارة والبناء، ولقد كان الشيء الأهم في هذه المنطقة محاجر الجرانيت التي ستخرج منها الأحجار فكانت دائماً بمنزلة حجر الزاوية لانتعاش المدينة ورخائها، فنجدالملوك من بناة الأهرام من مدينة منف (الجيزة حاليًا) استخدموا كمية كبيرة من أحجار الجرانيت في بناء الهرمين الأكبر والثاني، وتبطين الهرم الثالث كله بالجرانيت.

ونجد حتشبسوت التي لم تشهد حروبًا، قد استمرت في العمل على تقطيع صخور الجرانيت من محاجر أسوان من أجل مسلاتها الضخمة العظيمة وإرسالها إلى كل جزء من أنحاء مصر.

وقد ازدهرت صناعة المحاجر في عهد رمسيس الثاني وتحتمس الثالث وأمنوفيس، وتقع هذه المحاجر في منطقة التلال جنوبي مدينة أسوان، ومازال المحجر الشمالي حتى اليوم يحتوي على أثر عظيم، حيث المسلة الضخمة غير المستكملة بسبب العيوب التي ظهرت في بنية الحجر، ويبلغ طولها 173 قدماً وتشهد على قدرة عمال المحاجر في معالجة وفصل وتقطيع هذه الأحجار الصلدة.

ويشيد أهل التاريخ وأساتذة المصرولوجيا بما وصل إليه العمل الفني في صقل الجرانيت في العصر الذي يعرف بـ «الحجر المصقول» في مصر، فقد وصلوا حدًا من الإتقان والدقة، بحيث يتعذر معه أن يوجد له مثيل في أي بلد آخر.

لغة الحجر

في موقع ورشة العمل للسمبوزيوم وتحديدًا الربوة ذات المستويات الثلاثة حيث يتوزع الفنانون حول كتل الجرانيت التي قطعت وجلبت من المحاجر، وعلى جانب تقبع المعدات ومضخات الهواء المضغوط وإحدى أهم الوسائل المعينة في مساعدة النحاتين والفنيين على عملهم، دقات الأزاميل وضغط الهواء من الأجهزة تشكل موسيقى تصدح في الأفق حتى ساعات الليل الأولى حينما يخلد الفنانون إلى التوقف لأخذ قسط من الراحة والنوم العميق بعد يوم عمل شاق في الصراع مع تلك الصخور الصلدة، وفي يوم آخر ومنذ الصباح تقوم الرافعات بتعديل إحدى قطع الجرانيت ووضعها في اتجاه يحتاج إليه الفنان ليكمل عمله. إنه حوار يومي يدور بين الفنان وحجره الضخم ليتعامل معه بقسوة وشدة، ومن إحساس ورقة في حذف ما هو زائد من الكتلة مع الحرص البالغ، فلا يزيل أكثر مما يتطلبه التشكيل الذي يريده، فلا مجال هنا للخطأ لأنه لا يمكن تصحيحه.

يقول آدم حنين (77 عامًا) قوميسير السمبوزيوم: «أنا أعيش فترة السمبوزيوم وسط المحاجر ومع الفنانين، نمشي معاً ونتأمل الطبيعة وندور حول قطع الأحجار ننظر كيف تتشكل، وعوامل التعرية والهواء والماء، وهذه لغة لابد للفنان أن يدرسها ويتعرف على لغة الحجر ويمارس معها حوارات بصرية بالشغل والإنتاج، ومن ثم تدخل هذه المشاهدات في تركيبة الفنان، ويخرج العمل الفني إلى النور ومن ثم إلى المتلقي بعد معاناة صاحبه ومعايشته التي قد تصل حد التوحد به».

كل هذا عبر جهد يصحبه العرق، يحيط به الغبار من كل جانب، وتتطاير شظايا الأحجار في كل اتجاه، ولا يتوقف عن ملاحظة مقاييسه من عرض وارتفاع حتى لا يعرض نسب عمله إلى أي انحراف.

إن النحت من الفنون الصعبة، فالنحت يكشف تمكّن الفنان وقدرته على التعامل مع خامة صعبة هي الأحجار أو الجرانيت ويصبح تطويع الخامة كشفا عن الفنان الجيد المتمكن، لأن ما تزيله من قطعة الحجر لن يعود، حتى وإن كان في ذلك تصويب لخطأ ارتكبته. لابد من حساب كل خطوة تقدم عليها، ولكل دقة مسمار.

ولا شك أن نحت الجرانيت يحتاج إلى ظروف مكانية خاصة وإمكانات فنية كبيرة، وخبرة ذاتية تأتي من ممارسة العمل مع الأيام والسنين، فليست هناك معلومات عن التكنيك والأدوات، ومما هو جدير بالمعرفة أن هناك أدوات وأشكالاً من العدد أغلبها تحمل أسماء إيطالية كالمسمار الصلب المدبب (والكاربلا المبططة) والمطارق ومنها «الطمبورة» والتي تزن 10 كيلوجرامات، وهناك المعدات الحديثة طوعها الفنان لخدمته، مثل الكمبروسور والصواريخ وأسطوانات القص وحجر الخلخ والسنفرة الميكانيكية و«المارتلو» مسدس الهواء والأزاميل والدفر الكهربائية.

الحاج علي - كبير النحاتين والمتعهد الأول باستقدام المساعدين (نحاتي الحجر) عن توارث المهنة يقول: «ورثتها وإخواني عن أبي» ويوضح أن أغلب نحاتي الحجر يأتون من الأقصر، والباقي من أسوان، ويذكر أنه اكتسب خبرات جديدة في هذا المجال من الإيطاليين، وأنه شارك في بناء خزان إسنا وخزان إدفينا والسد العالي بتقطيع الجرانيت ونحته وصقله، أما الأعمال الفنية، فقد عمل هو وإخوانه في نصب «رمز الصداقة المصرية السوفييتية»، في أسوان.

ويعمل الفنيون المساعدون (20 فنيًا وعشرة عمال) على مساعدة الفنانين، وعادة يعهد لكل فنان باثنين من المساعدين ويتقاضى المساعد 65 جنيهاً عن يوم عمل يمتد من الثامنة صباحًا حتى الخامسة مساءً، وهم مقبلون على عملهم فرحين بهذه الممارسة، وأحياناً تأخذ الحماسة بعضهم في عمله، ويحكي بعض الفنانين النحاتين الأجانب أن مساعده «يرفع المطرقة (الطمنبورة) زنة العشرة كيلوجرامات ويقوم بالطرق بها على رءوس المسامير التي ثبتها في الحجر على خطين متوازيين، والمطلوب منه الطرق على رءوسها بشكل متوازن من اليمين إلى اليسار، إنه يقوم بهذا وكأنه يحمل قلمًا من الرصاص لا وزن له».

ولهؤلاء العمال طقوس جميلة أثناء العمل، فكل منهم مخلص جدًا للقطعة التي يقوم على نحتها وعينه أيضًا على القطع الأخرى التي يعمل بها زملاؤه، خاصة إن كانت جميلة من وجهة نظره، وعندما ينتهي العمل في قطعة ما يبدأ في توقيف القطعة، فالكل يترك عمله ويبدأ في التجمع مع صياح متناغم «أوعى.. أوعى.. أوعى.. أوعى» في حالة لا تتكرر إلا في مثل هذه اللحظة، ويلتفون حولها كحلقة ذكر في نشيدهم، وهمهمتهم وتكون لهم علاقة بالنحت الذي أحبوه بشكل واضح.

ولنا كلمة، حيث كان في أسوان قسم للجرانيت بالمدرسة الزخرفية الثانوية، وتم إغلاقه منذ زمن مع الأسف، فهل يعيد إحياء فن النحت على حجر الجرانيت بسمبوزيوم أسوان الاهتمام بفتح هذا التخصص، وتوضع له المناهج المتطورة لإعداد طلاب هذا التخصص، وإحياء صناعة الأجداد والتي نحتاج إليها بالفعل؟!

وشارك في دورة هذا العام (27 يناير - 17 مارس 2007) سبعة من الفنانين الأجانب هم: ديمتري سكالكوتس (اليونان)، وقد درس فن النحت في مدرسة نحت في الرخام، ثم كلية الفنون الجميلة قسم النحت إحدى عشرة سنة (1989 - 2000)، وقد شارك في تسع دورات نحتية (سيمبوزيوم ألمانيا -قبرص - أثينا...)، وله عدة تماثيل في الميادين العامة باليونان. ماريا كلوديا فارينا وباسكال مارتيني (إيطاليا) وقد عمل مدرسًا للنحت ثلاثا وعشرين سنة، والآن هو متفرغ للنحت في متحف مفتوح للمنحوتات الضخمة. دومينيك بوفي (سويسرا) من مواليد 1922، ومارس نحت الحجر عشرين سنة وقد اعتذر بسبب حادث في ساقه. فالدان مارتينو فيتش (صربيا) شارك في كثيرمن المعارض والبيناليات الدولية وسيمبوزيوم يو الدولي للفن (الرخام والأصوات). تاكاشي كوندو (اليابان) شارك في أكثر من ثلاثة عشر سيمبوزيوم للنحت على الحجر في اليابان والمانيا وبلغاريا والبرتغال، وفاز بالجائزة الكبرى في سيمبوزيوم النحت الحجري الخامس بإسبانيا العام 2003، فريتزباك (المانيا) درس النحت في ألمانيا (1980 - 1985)، وعاش وعمل في مناطق الرخام (بيترا وسانتا وكابيلا وسيرافيزا) بإيطاليا، وهو يعيش ويعمل في سويسرا وإيطاليا وألمانيا وتعرض أعماله في معارض سنوية، وله أعمال في الأماكن العامة، وتسعة فنانين مصريين هم: طارق زبادي، محيي الدين حسين، أكرم المجدوب، ساركيس طوسونيان، ، شمس الدين القرفنلي، د. سعيد بدر، محمود الدويحي، محمد رضوان، وهاني فضل. ومن شروط اختيار المشاركين في الملتقى الخبرة في النحت على الأحجار، وارتفاع مستوى أعمال الفنان السابق، ومشاركاته الدولية. وللسيمبوزيوم لجنة عليا يترأسها الفنان فاروق حسني وزير الثقافة، وتضم كلاً من الفنان آدم حنين، القوميسير العام والأستاذ كامل زهيري وأيمن عبدالمنعم والفنانين محسن شعلان، صلاح مرعي، صبحي جرجس، أحمد السطوحي، صبري منصور، والناقد التشكيلي كمال الجويلي.

ومما لا شك فيه أن نتائج هذا السيمبوزيوم كثيرة، فقد أصبح في مصر مجموعة رائعة من الأعمال الفنية لمثالين ونحاتين مميزين ستكون متحفًا عالميًا للنحت يضاف إلى أهم المعالم السياحية بمدينة أسوان، كما أن هناك بعض القطع يمكن أن تأخذ طريقها لتجميل بعض المواقع والميادين المهمة في أسوان (35 عملا)، وسائر المدن المصرية من الإسكندرية حتى توشكا التي بها عملان، وهناك ثلاثة أعمال بوزارة المالية الحديثة بالقاهرة، وفي ميدان الحجاز عملان، واثنان بمنطقة الدقي وثلاثة أعمال بالشيخ زايد وعمل واحد بالحديقة الدولية وفي قنا عمل مهم. كما نرى بالفعل النحت العملاق للفنان آدم حنين في مدخل طريق السد العالي، ومع انتشار هذه الأعمال الفنية تستشعر بها جماهيرنا وننشر الوعي والذوق الفني العام، ونكسب حب واحترام مواطنينا للفن ومبدعيه.

والحقيقة أن هذا الملتقى السنوي الذي ترسخ مع توالي السنوات الماضية، قد أعاد فن النحت وصناعته بعد أن خفتت منذ زمن بعيد فيما عدا بزوغ نجم رائد الفن المصري المعاصر المثال محمود مختار وإنجازه «تمثال نهضة مصر» المنفذ بالجرانيت ليعبر عن ثورة 1919، وجسد فيه الفلاحة المصرية رمز العطاء والزراعة رافعة عن وجهها الغطاء، وتعتمد على أبي الهول في إشارة إلى التاريخ القديم، الذي يهم بالنهوض رمزًا لنهضة المجدالقديم، وقد ساعده في نحت الجرانيت حرفيون من إيطاليا. ولم يأت بعد ذلك إلا الفنانان محمود موسى وعبدالبديع عبدالحي ممن نحتا تماثيل من الحجر الصلد بأحجام متوسطة وصغيرة.

المتحف المفتوح

بلغ مجمل الأعمال النحتية المنفذة من الجرانيت منذ بداية انطلاقة الملتقى السنوي للنحت الدولي سيمبوزيوم أسوان العام 1996 وحتى الآن حوالي 150 عملاً، تتجمع غالبيتها على مساحة ألف متر مربع تتوسط بين صخور الجرانيت التي شكلتها الطبيعة بالقرب من منطقة المحاجر، وهي هضبة جميلة تطل على الوادي، حيث مياه النيل والأشجار والزراعات الخضراء.ومن الناحية الأخرى تشرف على الصحراء بين خزان أسوان والسد العالي، لتكون نواة أول متحف للنحت، يضم تجمعاً لأعمال إبداعية لفنانين مصريين وعربًا وعالميين تتآلف في تناسق وتعارف قوي حميم يؤكد على محبة الشعوب بعضها بعضا وبلا فوارق.

وقد أضاف محافظ أسوان اللواء سمير يوسف مساحة إضافية امتدادًا للمتحف لكي يستوعب عرض الأعمال النحتية المتزايدة مستقبلاً، وافتتح هذا المتحف من قبل وزير الثقافة في الحفل الختامي للدورة السابعة العام 2002، وقيد الدرس حاليًا إعداد التصميمات واعتماد الميزانيات، خطة طموح لإقامة صرح حضاري لمتحف عالمي يخصص لفن النحت. كما توجد هناك وعود بتخصيص موقع على النيل لإنشاء ورش وأتيليهات تستضيف نحاتين مصريين وأجانب ليصبح مركزًا دائمًا لنحت الجرانيت.

وإن كان من نتائج ملموسة ونجاحات تحسب لهذا المشروع الحضاري، فإنه أصبح لدينا أكثر من ثلاثين نحاتًا مصريًا يمارسون فن النحت على الأحجار الصلدة، وميلاد جيل جديد أيضًا يتواصل مع جيل قديم كاد أن يغيب من الفنيين، والعمال المهرة في حرفة قطع ونحت الجرانيت.

طوال أكثر من 100 عام مضت ومنذ فترة بزوغ نجم النحت على يد مبدعه محمود مختار ولا يزال النحت المصري يتراوح مكانه، فلم يتقدم بما كان يجب أن يكون عليه أولاد حضارة النحت اللهم إلا بعض التجارب الفردية أو البحثية أو بعض الأعمال التي لاتبرأ من الالتفاف حول تجارب الآخر.

وكلنا أمل، وبالفعل بدأت تلوح بوادره وظهور تجارب طيبة وناجحة في كل معرض يقام الآن، فهناك حركة تعلن أن هناك من التقط الأزميل بعد مختار، وسيكون سيمبوزيوم أسوان حجر الزاوية في هذا الشأن.

ومن الموهوبين الذين أعلنوا عن حضورهم من مصر: ناجي فريد, أرمن أجوب، محمد رضوان، عصام درويش، هاني فيصل، أحمد قرعلي، شكري جبران، سعيد بدر، شريف عبدالبديع، فيفيان البتانوني، وحازم المستكاوي ومحمود دويحي من المساعدين وقد فاز بجائزة أولى في صالون الشباب وله قطعة في وزارة المالية، وهو ابن الحاج علي كبير الحجارين.

وهناك عدد من الأشقاء العرب قد تم دعوتهم في دورات سابقة أذكر منهم: يوسف بصبوصي، وشوقي شوكيني، وندا رعد (لبنان) ـ حاجي بشير (الجزائر) ـ خالد فرحان (البحرين) ـ إكرام قباج (المغرب) ـ ماهر البارودي (سورية)، فضلا عن دعوة أكثر من 90 فنانًا أجنبيًا على مدى الدورات السابقة من مختلف بلاد العالم (فرنسا ـ إسبانيا ـ اليابان ـ سويسرا ـ النرويج ـ ألمانيا ـ أمريكا ـ كندا ـ رومانيا ـ المكسيك ـ بولندا ـ السويد ـ تركيا ـ البرازيل ـ إنجلترا ـ إيطاليا ـ كوريا ـ ويوغسلافيا...) إلخ.

يقول المثال آدم حنين: «لقد أصبح من نتاج سيمبوزيوم أسوان الاطمئنان على استمرار المشروع، ونحن الآن في العام الثاني عشر فقد ترسخ وأصبح من الصعب توقفه بعد أن كان مصدر قلق وتشاؤم من إمكان استمراره في البداية لكل القائمين عليه، بمن فيهم اللواء صلاح مصباح محافظ أسوان السابق، ولكن الآن انتشرت الفكرة فأقيمت ورشة للنحت في مكتبة الإسكندرية وأخرى في مرسى مطروح، وبمتحف مختار، وفي الدول العربية، كما رأينا في سورية وعُمان والأردن والكويت وأصبح المثالون المصريون خريجي سيمبوزيوم أسوان لما لديهم من خبرة كبيرة في التعامل مع الأحجار الصلدة، سفراء لفن النحت المصري، توجه لهم الدعوات في كثير من البلاد العربية الشقيقة وبقية دول العالم.

 

 


يحيى سويلم 





صورة الغلاف





أسوان.. الموقع الذي تفجر عنده النيل توهجًا وجمالاً





رحلة عمر بقوارب شراعية تتهادى على صفحة النهر الخالد





مواطن مصري من قبائل البشارية، فمجتمع أسوان يتشكل من عدة قبائل إلى جانب النازحين من محافظات الصعيد





إنسان السد من أبرز أعمال الراحل عبدالهادي الجزار أحد فناني (رحلة العشرين فنانًا) الذين اختارتهم الدولة لتسجيل انطباعاتهم عن بلاد النوبة وملحمة العمل بالسد العالي





اللواء سمير يوسف محافظ أسوان مدينة السلام ومدينة الفنون والإبداع (صورة من الأرشيف)





تعتبر جزيرة فيلة من أجمل مناظر أسوان.. قبل أن يرسو قاربنا يأخذ لبك هذا المشهد التاريخي العظيم وتلك الجدران الشامخة لمعابد كادت أن تندثر (معبد إيزيس الكبير)





«معابد فيلة» تم تنظيف الهياكل الحجرية وتفكيك أجزائها وإعادة بنائها في موقعها الجديد على جزيرة أنجيكيا بعد تسوية الأرض فيها بحيث تشبه جزيرة فيلة التي غرقت تمامًا تحت مياه بحيرة ناصر





«معابد فيلة» تم تنظيف الهياكل الحجرية وتفكيك أجزائها وإعادة بنائها في موقعها الجديد على جزيرة أنجيكيا بعد تسوية الأرض فيها بحيث تشبه جزيرة فيلة التي غرقت تمامًا تحت مياه بحيرة ناصر





من نحت الطبيعة لكتل من الصخور البركانية الصلدة التي تبرز أحيانًا داخل مجرى النهر





سوق أسوان، محلات تعرض توابل وعطارة تعتمر بالأعشاب التي تشفي من كل داء





تضاف (أسوان) دائمًا إلى لائحة المدن العريقة عالميًا الواجب زيارتها فهي تستقبل 5 ملايين سائح سنويًا





تضاف (أسوان) دائمًا إلى لائحة المدن العريقة عالميًا الواجب زيارتها فهي تستقبل 5 ملايين سائح سنويًا





من ورشة العمل، رسم للفنان جميل شفيق





الفنان آدم حنين شيخ المثالين والمشرف العام على الملتقى السنوي للنحت الدولي





الفنان فاروق حسني، وزير الثقافة المصري، راعي سمبوزيوم أسوان الدولي للنحت (صورة من الأرشيف)





الملصق الدعائي للسمبوزيوم





من أعضاء اللجنة العليا للسمبوزيوم المثال آدم حنين المشرف العام وأيمن عبدالمنعم رئيس صندوق التنمية الثقافية والفنان صلاح مرعي أستاذ الديكور بمعهد السينما يعلنون بداية انطلاق مهرجان فن النحت الثاني عشر





اسكتش للفنان جميل شفيق من موقع العمل





للسمبوزيوم مقتنيات خاصة يضمها المتحف المفتوح ذات مستوى عال من الفكر والرؤية والفلسفة والتقنية





المعدات الحديثة والوسائل المعينة تتوافر في ورشة العمل لمساعدة النحاتين والفنيين في عملهم





اتخذ فنانو السمبوزيوم ربوة تطل على بانوراما مدينة أسوان ورشة عمل منذ بدء فعالياته





الحرف والصناعات الفنية الشعبية من المنتجات البيئية التي يعشقها السائح





يعزف على الربابة، فقد جذبت فنون الطرب في أسوان وألحان أغانيها إعجاب الناس في مصر والمهرجانات العالمية