قرن وربع القرن على الصحافة السورية ورق كثير وحبر غزير وحريّة قليلة

  قرن وربع القرن على الصحافة السورية ورق كثير وحبر غزير وحريّة قليلة
        

قضايا

          يقول كليمنصو: (الصحافة حبر وورق.. وحرية), وإذ نستعرض تاريخ الصحافة السورية ضمن هذه المقولة, نجد أن الصحف التي صدرت منذ العام 1865 وحتى اليوم كانت حبراً وورقاً... ولكن معظمها إن لم تكن كلها كانت تفتقر إلى الحرية... خاصة أن الصحافة السورية نشأت في بداياتها الأولى بعناية الولاة وتحت رعايتهم أيام الحكم العثماني, وكانت صحفاً رسمية بكل معنى الكلمة, أنشئت لنشر أوامر الحكومة وإعلاناتها والحوادث الرسميّة التي كانت تقع في ذلك الوقت.

          وفي العام 1877, صدرت صحيفة (الشهباء) في الثامن والعشرين من تلك السنة لتكون أوّل صحيفة أهلية سورية أصدرها الحاج هاشم العطار المعروف بالخراط وتولى تحريرها الثائر الكبير عبد الرحمن الكواكبي الذي كتب في افتتاحية العدد الأول يقول: (... بادرنا متكّلين على عنايته تعالى لإيجاد هذه الجريدة العربية والجريدة الأدبية الموضوعة لنشر الحوادث السياسية والوقائع المحلية مع تحميلها أحياناً ببعض جمل سياسية ونبذ علمية أدبية وغير ذلك من الأبحاث والمقالات المفيدة لاتساع دائرة المعارف العمومية واكتساب الآداب المدنية وكشف أسرار الأمور وتنبيه أفكار الجمهور ومساعدة الدولة على انتظام حركات السياسة المحلية وصيانة الحقوق من الشطط بين أركان الهيئة الاجتماعية).

          ورغم أن افتتاحية العدد الأول أعلنت عن أملها الوطيد في الحصول على المساعدات والتسهيلات اللازمة من (أولياء الأمور الفخام في أيام دولة من تجلي كرسي السلطنة الأسمى بتجلي أنوار قمر خلافته العظمى مولانا وسلطاننا الأعظم الغازي عبد الحميد خان أدام الله دولته وأيد شوكته ونصره على أعدائه بالنصر العزيز والفتح المبين). ولكن كل هذه الديباجة المملوءة بالمديح والتمنيات لم تحمها من التعثّر, إذ عطّلتها الحكومة العثمانية بعد صدور العدد الثاني لخبر صغير مفاده أن مسئولاً تركياً رفض قبول المتطوعين الأرمن ما لم يستبدلوا أسماءهم المسيحية بأسماء محمدية.

          وبعد أن عاودت الشهباء صدورها الحذر, سرعان ما لحقها التعطيل مرة ثانية بعد العدد العاشر لمدة ثلاثة أشهر, فعادت ثم أوقفت إلى أن يئس الكواكبي من استمرار شهبائه. ولكنه لم يستسلم فأصدر (اعتدال) في يوليو من العام 1879 التي حذت حذو شقيقتها المتوقفة الشهباء فحاربها الحكام العثمانيون وأغلقت على يد جميل باشا والي حلب بعد عشرة أعداد منها.

          ورافق (اعتدال) الكواكبي صدور صحيفة (دمشق) لصاحبها أحمد عزّت باشا العابد و(السلام) للصدر الأعظم خير الدين باشا ثم وفي العام 1896 صدرت صحيفة (الشام) الإخبارية العلمية السياسية الأدبية لصاحبها مصطفى أفندي واصف... إلى جانب الصحف التي كانت تطبع علانية, بعض الصحف السريّة كانت تطبع وتوزّع سراً كجريدة (المنبر) التي أصدرها في حمص الشيخ عبد الحميد الزهراوي وهاجم فيها الاستبداد الحميدي.

صحف قصيرة العمر

          وإذا اعتبرنا أن مرحلة الولادة التي دامت إحدى وثلاثين سنة واختتمت بالانقلاب العثماني في العام 1908 قد حفلت بصحف خمس هي: (الشهباء) و(اعتدال) و(دمشق) و(السلام) و(الشام), والتي مثلت المرحلة الأولى من حياة الصحافة السورية وانطبعت ببطء نمو الصحف وقصر أعمارها وورودها باللغتين العربية والتركية, فإن المرحلة الثانية من حياة الصحف السورية قد ابتدأت قبل انتهاء الحكم العثماني في سوريا بعشر سنوات, وسمّى بعض المؤرخين تلك الفترة بمرحلة النمو الصحفي في سوريا إذ صدر عدد كبير منها بدءاً من العام 1908 وحتى 1917.

          فقد منح الاتحاديون من رجال تركيا الفتاة بعد الإطاحة بالسلطان عبد الحميد الحرية للصحافة السورية, ثم ما لبثوا أن تراجعوا وأظهروا أنهم أكثر رجعية وبطشاً من عهد السلاطين فحاربوا العربية واضطهدوا الصحافيين وعطلوا الصحافة وملأوا السجون والمحاكم ونصبوا المشانق.

          وقد صدر في تلك الفترة من حكم الاتحاديين عدة صحف في دمشق وحلب وحمص وحماة والساحل, وميّزها عن صحف المرحلة الأولى أنها كانت عربية اللسان وبعضها كان يصدر يومياً أو مرتين أو ثلاث مرات في الأسبوع, وصار فيها مواضيع محلية وعالمية واقتصادية واجتماعية وفنية, وظهر في الفترة الثانية من الصحافة السورية بعض الصحف الهزلية, وكانت عناوينها تدل عليها كـ (الروّاي) و(حط بالخرج) و(ضاعت الطاسة) و(أنخلي يا هلالة) و(بردا) و(السعدان), وذلك في العام 1909 وما تلاه, والطريف في كتابات هذه الصحف الساخرة بعض ما ورد في افتتاحية أحد أعداد جريدة (حط بالخرج) التي كان شعارها (قل الخير وإلا فاسكت, (إن عود على وزن جود وهذا رابع المستحيلات في الشام إذ إن أربعة ليس لها في شامنا وجود: الغول والعنقاء والخل الوفي... والجود, فاتركوا الفقير يسف التراب ودعوا الصناعي بلا أواعي).

          وصدرت (المقتبس) لمحمد كرد علي في العام 1908 وكانت تعتبر من أفضل ما صدر في تلك الفترة وكانت سياسية اقتصادية اجتماعية, واضعة مصلحة البلاد فوق كل مصلحة لا تتشيّع لحزب أو لجمعية ولا تتعرض لشخصيات الأفراد بل تحصر اهتمامها في الشئون العامة, وإذا دعت الحاجة إلى نشر حسنات المحسنين وسيئات المسيئين لا تذكرها إلا ببرهان كما ورد في افتتاحية عددها الأول, ولاقت أيضاً الإغلاق من قبل والي سوريا ناظم باشا فأصدرها أحمد كرد علي شقيق صاحب (المقتبس) باسم الأمة إلى أن عاودت (المقتبس) الصدور.

          وشهدت مراحل صدور الصحف في سوريا من العام 1865 وحتى العام 1918 أي خلال فترة العهد العثماني صدور مجلات عدة كان أولها (مرآة الأخلاق) التي صدرت في العام 1886 لصاحبيها سليم عنحوري وحنا عنحوري, ثم (الشذور) و(الشمس) وعدداً آخر من المجلات لكنه لا يقارن بعدد الصحف ويحتاج إلى بحث خاص.

وأخرى تحت الاحتلال

          وننتقل إلى الصحف السورية التي صدرت في عهد الانتداب الفرنسي بعد خروج القوات التركية ودخول القوات العربية بقيادة الأمير فيصل, وشهدت تلك الفترة ظهور صحف رسمية تنطق بلسان الحكومات كجريدة (العاصمة) التي صدرت في العام 1919 عن الحكومة الفيصلية في دمشق, وجريدة (حلب) التي أصدرها والي حلب العسكري شكري باشا الأيوبي في العام 1918.

          وجاء في افتتاحية العدد الأول من العاصمة أنها صدرت معتصمة بحبل الله المتين شاكرة آلاءه إذ أتاح للأمة العربية استقلالها وحقق بمنته وكرمه آمالها بعد قرن انقضى بالاستبداد وأيام أحلكها الظلم والاضطهاد لتكون ترجماناً صادقاً عن آمالها ومرآة لأعمالها كما هو الحال في جميع البلدان الراقية.

          ثم كرّت السبحة وظهرت صحف عدة في دمشق وحلب وحمص وحماة ودير الزور كـ (الاستقلال العربي) و(لسان العرب), و(الحياة) و(الصاعقة) و(العرب) و(حرمون) و(سوريا الجديدة) و(النهضة) و(الفرات) و(فتى العرب) و(الوطن) و(الأردن) وغيرها, وقد لحق تلك الصحف التعطيل من قبل الحكومات, إلى أن جاء إنذار غورو إلى الملك فيصل في الرابع عشر من يوليو من العام 1920 ليظهر نيّة الحلفاء الحقيقية تجاه العرب. وكانت ميسلون وشهيدها يوسف العظمة وزير الحربية السوري آنذاك فانتهى عهد فيصل ودخلت سوريا في الانتداب الفرنسي, ولكن هذه الأحداث لم تمنع الصحف من الصدور بل ومن الازدياد فظهرت (ألف باء) و(سوريا الشمالية) و(صدى سوريا) و(الأنوار) و(السمير) و(فتى الشرق), ولحقها أيضاً الإغلاق لفترات متعددة, والذي توّج تلك الفـــترة من قـــــمع الحـــريات صدور قانون المطبــــوعات الداخلية في العام 1924 والذي بيّن كيفية إصــدار الجــــريدة وما هو المسموح والممنوع نشــــره وطريقــــة بيــــعها ووضع شرطاً وجود مدير مســــئول من تبعة إحدى الدول الأربع المشمولة بالانتداب أو من تابعي الدول الموقـــــعة على عهد جمعية الأمم.

          وبدأ عهد استقلال سوريا في السابع عشر من أبريل العام 1946, بدأت تنظيمات جديدة للبلاد تناولت أدواراً عدة ومنها تنظيم الصحافة, فأقرّ الترخيص بإصدار الصحف والمجلات والنشرات وجميع المطبوعات على ألا يتجاوز عدد الصحف السياسية المرخصة في المدينة الواحدة أكثر من صحيفة واحدة لكل خمسين ألف مواطن, كذلك تضمن التنظيم مبررات تعطيل تلك الصحف لأسباب التعريض برئيس الدولة والجيش السوري ومخالفة اللباقة بجهاز الدولة وكرامة الموظفين أو الدول العربية والأجنبية ورؤسائها وممثليها في سوريا ونشر أخبار تمس العلاقات الطيبة بين سوريا وتلك الدول والتعرض لما يسمى بمبادئ الدستور ونظام الحكم الجمهوري ورئيس الدولة.

          وكتبت (الأيام) في افتتاحية لها حول هذا الموضوع تقول: (شاءت الحكومة أو شاءت ملاكاتها أن تحدد عدد الصحف على أساس عدد النفوس في البلاد فخانها الذكاء والصواب لا لأنها خالفت مبادئ الحرية في الدنيا كلها وسنّت بدعة جديدة لم تسبقها إليها دولة من دول العالم ديمقراطية كانت أم دكتاتورية بل لأنها ناقضت منطقها بمنطقها..

          وشهد عهد الاستقلال الأول صدور صحف جديدة فكانت (العلم) و(العرب) و(دمشق) و(البعث) و(الشعب) و(الوحدة العربية) و(الفيحاء) و(عصا الجنة) و(النجم الجديد) و(الأنباء) و(الرأي العام) و(المنار) و(الحضارة) و(المفيد), وتوزعت على العاصمة دمشق وحلب وحمص ودير الزور.

          أما جريدة (الشعب) فقالت في افتتاحية العدد الأول من مارس العام 1949 تحت عنوان (هذه هي رسالة الشعب..), عندما قرر حزب الشعب إصدار هذه الجريدة كان يستهدف تنوير الرأي العام السوري والعربي بطرح الحقائق أمامه من دون تحوير أو زيف أو تحريف, فسوريا وبقية العالم العربي قد عاشت دهراً طويلاً تقع تحت ضغط السلطات ونفوذها أو تعمل بوحي لا يمت بصلة إلى مصلحة الأمة وأهدافها القومية..). وأغلقت الجريدة في العام 1951 وأتت صحيفة عصا الجنة الساخرة والتي تصدر عن رابطة محرري الصحف لصاحبها المسئول نشأت التغلبي في نوفمبر من العام 1947 لتقول في صفحتها الأولى: (يوم خلق الله حواء خيّل لآدم أنه وهب الرعية التي من حقه التحكم بها والسيطرة عليها والتصرف بمقدراتها وكانت حواء أمهر من أن تعارض خياله أو تعصي له رغبة, لأنه كان الحاكم بأمره ورجل الدنيا الأوحد, فعززت فكرته وأرضت غروره ثم استولت على زمامه من طرف خفي, وألقت به بين براثن الغواية وأخرجته من الجنّة فأقامت الدليل على أن المرأة يجب أن يحسب حسابها وأنها هي القوة المحركة لولاها لما كان للرجل أي سلطة إلا على نفسه).

انقلابات وصحف

          وجاء عهد الانقلابات العسكرية الذي افتتحه الزعيم حسني الزعيم في الثلاثين من مارس العام 1949 وبدأ عهد جديد من الانتقام من الصحافة السورية فألغيت بمراسيم صحف عدة منها: (الإنشاء) و(بردى) و(الفيحاء) و(الكفاح) و(الاستقلال العربي) و(النظام) و(الأخبار) و(الأنباء) و(المنار) و(النذير) و(السوري الجديد) و(صوت سوريا) و(عصا الجنة) و(الحوادث) و(الدستور) و(التقدم) و(النهضة) و(اللواء) و(سوريا) و(الرأي العام) و(الشهباء) و(الحضارة) و(الإحسان) و(صوت الفرات) و(الأحرار), وغيرها الكثير, أما الصحف التي لم يشملها الإلغاء فقد طالها سيف التعطيل لمدد متفاوتة كـ (القبس) و(الأيام) و(الشعب), بينما جاء الانقلاب الثاني في أغسطس 1949 فأفرج عن صحف (النضال) و(البعث) و(النذير) و(السوري الجديد), ورأت صحف أخرى جديدة النور كـ (السماء) و(المنار الجديد) و(الكلب) و(دمشق المساء) و(الأسبوع) و(الفيحاء الجديد) و(اللواء) و(الدستور) و(الأمة العربية) و(القافلة) و(الشعاع).

          ونقف عند جريدة (الكلب) التي صدرت في العام 1950 كنشرة هزلية تعالج المواضيع بقالب شعري ساخر والذي كان يسمى الشعر الحلمنتيشي الذي اشتهر في مصر... (الكلب) أصدرها الأديب الروائي صدقي اسماعيل وهي نادرة الوجود اليوم إلا من بعض أعدادها التي جمعت في كتاب.

          الانقلاب الثالث في نوفمبر من العام 1950 أظهر عدم ارتياحه للصحافة بأن أعطى رئيس الدولة الحق بإلغاء رخصة كل مطبوعة دورية في أحوال معينة, وقام بدمج بعض الصحف بالبعض الآخر كـ (الأيام) و(الإنشاء) و(النضال) و(ألف باء) و(الحضارة) و(الجيل الجديد).. و(اللواء) الناتجة من دمج (بردى) و(المنار) و(الزمان) من (القلم) و(القبس) و(الأنباء) من (الفيحاء) و(دمشق المساء), والنصر الجديد) من (النصر) و(الأخبار) وغيرها, ووجدت هذه الخطوة معارضة من الصحف فكتبت المنار الجديد تقول: (الصحفيون في هذا البلد أصبحوا مضغة على فم كل حاكم فكلما تغيّر حكم بحكم أو تبدّل عهد بعهد, وضع الصحفيون أيديهم على قلوبهم ولبثوا ينتظرون مصيرهم الجديد ومستقبلهم الغامض).

قانون ونقابة ووحدة

          وفي العام 1954 قدمت حكومة العسلي إلى مجلس النواب مشروع قانون مزاولة مهنة الصحافة تحت الحاجة إلى تنظيم المهنة بما يتفق وأهداف الدستور, عن طريق إيجاد هيئة رسمية للصحافة في سوريا وذلك بإنشاء نقابتين واحدة لدمشق وحمص وحماة وحوران وجبل الدروز, وثانية لحلب واللاذقية والفرات والجزيرة, وتحت عنوان تنظيم عمل الصحافة واستقلالها وصيانة كرامة المهنة, ولكن هذا المشروع لم ير النور بسبب قيام الوحدة بين سوريا ومصر, وشهدت تلك الفترة صدور صحف جديدة كـ (النضال) و(الأسبوع السوري) و(الأسبوع العربي) و(المختار) و(البيان) و(الجماهير) و(البناء الجديد) والعلم) و(مراحل الجهاد) و(الشباب) و(العروبة) و(النور) وغيرها من الصحف التي سبقت إعلان الوحدة السورية ـ المصرية في فبراير 1958 والتي استمرت حتى يوليو 1960 وخلال تلك الفترة كانت الصحافة تحت رقابة عسكرية والتي طبقت على إقليمي الجمهورية العربية المتحدة, وأصدر رئيس الجمهورية القانون رقم 195 لتنظيم الصحافة في الإقليم السوري. وبموجب هذا القانون تمت غربلة الصحافة السورية عن طريق تنازل أصحاب الصحف عن امتيازات صحفهم أو عن طريق إلغاء الامتياز أو التوقف قبل صدور القرار وطال ذلك 58 مطبوعة, وربط إصدار الصحف والعمل بها بعد ذلك بترخيص من الاتحاد القومي, واعتبر هذا القانون تأميماً للصحافة لا تنظيماً لها. وكلّف رجال المباحث التابعون لعبد الحميد السراج بتنفيذ هذا التنظيم على طريقتهم في الاعتقال والملاحقة والمصادرة وقال عبد الغني العطري صاحب (الدنيا) في ذلك: (رجال التحرّي لا يجشمون أنفسهم مهمة منع عمالي من تحضير العدد بل كانوا ينتظرون حتى مساء الأربعاء من كل أسبوع وعندما تصبح المجلة جاهزة للتوزيع يشرّفون بسيارتهم الكبيرة, ويتناولون الأعداد بعد أن نسرق أو نهرب منها ما أمكننا إلى بعض المشتركين والقرّاء بوسائل خاصة).

          ومع قيام حزب البعث بالحكم في مارس 1963 قرر المجلس الوطني لقيادة الثورة وقف إصدار الصحف ما عدا (الوحدة العربية) و(بردى) و(البعث) وألغيت الصحف الأخرى جميعها وأغلق أماكن طبعها وصودرت المطابع والآلات والمطبوعات العائدة لها, ووضعت أموال أصحاب الصحف تحت الحراسة القضائية, وفرضت عقوبة العزل المدني على عدد من أصحاب الصحف بتهمة أنهم أساءوا إلى إيمان الشعب في سوريا بالقومية العربية أو بثّوا الأفكار الشعوبية ولا سيما الذين عملوا على زعزعة ثقة الشعب بقوميته بدافع التكسّب والحصول على المنافع غير المشروعة والأموال من الهيئات الرجعية أو الجهات الأجنبية).

نسمات الحرية

          وخلال فترة الحركة التصحيحية التي قامت في السادس من نوفمبر لعام 1970 وحتى اليوم صدرت صحف ثلاث (البعث) التي تعتبر امتداداً للبعث الناطقة باسم حزب البعث العربي الاشتراكي والصادرة عام 1948, (الثورة) التي تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ويصدر عنها (الموقف الرياضي) في دمشق و(العروبة) في حمص و(النداء) في حماة و(الجماهير) في حلب و(الوحدة) في اللاذقية, وجريدة (تشرين) التي تصدر عن مؤسسة تشرين للصحافة والنشر, وبقيت ساحة الصحافة السورية مقتصرة على الصحف الثلاث والمطبوعات التي تصدر عنها وبعض الصحف التي صدرت أخيرا وتمثل بعض أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية إلى أن استفاق الناس في صبيحة أحد الأيام ليجدوا إعلانات طرقية تحمل اسم (الدومري) وبعد أيام التقوا بها في أكشاك البيع, (الدومري) الساخرة الكاريكاتورية وآخر صحيفة سورية خاصة سمح لها بالصدور لصاحبها رسام الكاريكاتور علي فرزات الذي قال في افتتاحية العدد الأول منها بتاريخ 26/2/2001 وتحت عنوان فانوس:

          (هل كان من الضروري أن أقيم معرضاً للوحاتي كي أمرر فيه كل ما منعته الصحافة المحلية والعربية, هل كان علي أن أتحايل على الموضوع عدة مرات حتى أستطيع نشره, هل من الضروري ألا يقال الرأي الحر إلا بالإشارات أو الرموز.

          هذه هي الأسئلة التي كانت تدور في ذهني عندما فاجأني الدكتور بشار الأسد بحضور معرضي الذي عرضت فيه مجموعة من الرسوم الممنوعة من النشر في بعض الصحف المحلية والعربية, وأسعدني كثيراً رأيه عندما لم ير ما يبرر منع هذه الرسوم وحجبها عن الناس, وأثنى على أهمية السخرية في الكاريكاتير والكتابة لبناء مجتمع قوي معافى, الأمر الذي دفعني للحديث عن حلمي القديم بإصدار جريدة ناقدة ساخرة تنشر موادها بجرأة وحرية, ولا تعرقلها الظنون أو الشخوص ما دام من يكتب فيها يحمل صفة المواطنة وهو من ثم لا يحتاج إلى وصاية الرقيب.

          نحاول أن نجعل الشارع أكثر فرحاً وأقل عبوساً وعلى اعتبار أن (شرّ البلية ما يضحك), فإننا نحاول أن نخترع ما يضحك لشرّ البلية, ونترك الخيار للقارئ في الضحك أو البكاء في الوقت نفسه الذي نعتقد فيه أن أحدث طريقة لتغيير الواقع هي السخرية منه ومن أخطائه وهذا يفترض بنا ألا نقيم أي اعتبار لأي شخص أو مؤسسة خارج اعتبارات الضمير المهني ومصلحة الوطن..).

          واستبشر الناس بـ (الدومري) على أنها (ستشيل الزير من البير) كما يقول المثل, وأن تنتقد ما لم تستطع صحف أخرى أن تنتقده أو أن تتحدث عنه لا قولاً ولا كاريكاتوراً إلى أن لحق (الدومري) ما لحق غيرها منذ قرن ونصف القرن من الزمان وحتى اليوم فطالها مقص الرقيب وأفرغ صفحتين ثم صفحتين من الحبر وجاءت الصفحات بيضاء إلا من كاريكاتير ينم عن مقص الرقابة.

          إذن, الصحافة السورية وعلى مدى ما يقارب قرناً ونصف القرن من الزمان كانت كما قال كليمنصو, ولكن مع بعض التعديل: (حبر كثير وورق أكثر وحرية قليلة قليلة)...

 

سمير رفعت