كوكب الأرض .. كيف يمكن إدارته؟ محمد الحديدي

كوكب الأرض .. كيف يمكن إدارته؟

كل خمس ثوان يستقبل كوكب الأرض مولودا جديدا، يحتاج إلى غذاء وماء وتحصين ضد الأوبئة وتعليم وعلاج طبي ورعاية، ثم عندما يكبر يريد عملا يكفل معاشه. الباقي قصة مألوفة، لسكان الدول النامية بصفة خاصة. جميع مشاكل الدول النامية تتفاقم كل ثانية، لأنه في كل ثانية يولد خمسة أطفال، والزيادة دائما تتمثل في هذه المناطق. تشير الدراسات إلى أنه بمجيء سنة 2025 - أي بعد أقل من ثلاثين سنة من الآن - سيكون تعداد سكان الأرض قد تزايد من 5.5 مليار إلى 10 أو 12 مليارا، أي إلى أكثر من ضعف ما هو عليه الآن. وسيكون ذلك مصحوبا بنقص في المياه الصالحة للاستهلاك الآدمي وتآكل في التربة الزراعية وتزايد في الفجوة بين الأغنياء والفقراء سواء داخل المجتمع الواحد أو بين المجتمعات، مما يسبب تفاقم الأحقاد والكراهية والصراع. وفوق هذا كله فإن تزايد أجسام البشر معناه تكاثر كل ما يعيش عليها من جراثيم وطفيليات وحشرات وفيروسات. الواقع أن هناك تقديرات أكثر قتامة منها، إذ إن البنك الدولي يشير في إحدى دراساته إلى أن تعداد سكان العالم سيصل إلى 14 مليارا!

ماذا سنفعل؟ هناك من حاول أن يجيب عن هذا التساؤل منذ مائتي سنة، توماس روبرت مالتوس (1766 - 1834) - عالم وفيلسوف اقتصادي إنجليزي، نشر سنة 1798 دراسة عنوانها: "بحث في التزايد السكاني وأثره في إمكان تحسين المجتمع الإنساني"، ويتضمن العنوان أيضا الرد على معارضي مالتوس (جودوين و كوندروسيه)، خلاصة أفكاره هي أن سكان الأرض سوف يتزايدون بمتوالية هندسية بينما الموارد تتزايد بمتوالية عددية، وأن هذا سيؤدي إلى أن تتفشى الحروب والجريمة والأوبئة، غير أن هذه الشرور ضرورة لا بد منها لإيقاف هذا التزايد المهلك. أي أنه يجب أن يقع ما نخشاه لكيلا يقع ما نخشاه ! ثم عاد فنشر سنة 1803 تعديلا يضيف أننا قد نفيد أيضا من ممارسة تحسين السلوك و"الانضباط المعنوي" - الواقع أن هذا يكفي لو أننا تداركنا أنفسنا، فالحروب والأوبئة قد تنقص أعداد البشر، غير أنها عندما تقتل منهم أعدادا كافية سوف تترك وراءها آلاف الملايين من المرضى واليتامى وذوي العاهات والمجانين والأفاقين والمشوهين، يعيشون في مستنقعات من الأوحال والألغام ومزارع الجراثيم. إنصافا لمالتوس فإنه لم يفته أن يذكر أن التقدم في الزراعة والتكنولوجيا قد يعوق الكارثة، وقد حدث هذا فعلا، فقط حتى متى؟ في ذلك الوقت كان تعداد سكان أوربا كلها بما فيها روسيا 200 مليون فقط، وكانوا يتضاعفون كل 25 سنة، كان سكان إنجلترا يتزايدون بمعدل 1% سنويا ثم تزايد إلى 4% - وكان مقدرا لهم أن يبلغوا 70 مليونا بعد بضعة عقود في تقدير مالتوس، غير أنه حدث أمران في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل العشرين، أنقذا إنجلترا من المصير الذي كان يخشاه مالتوس: التحسن الكبير في الزراعة والصناعة، ثم هجرة الإنجليز بأعداد كبيرة إلى أستراليا وكندا. لم يحدث هذا لإيرلندا مثلا التي دفع بها التخلف إلى مجاعة أهلكت 20% من سكانها برغم الهجرة، أما في الهند فالقصة معروفة.

سوف يختلف الحال في العالم الصناعي، معدلات الإنجاب تتناقص والناس لا يعدون الزواج ضرورة للمعاشرة، والمجتمع "يشيخ" بفعل تطاول الأعمار ونقص المواليد، ومما يتصور أن الملايين سوف تحاول أن تتسلل من العالم الثالث إلى هذه المناطق. مليون مكسيكي يتسللون إلى الولايات المتحدة كل سنة، والحكومة فقط هي التي تعترض، أما أصحاب المزارع فلا. ترى أي نوع من المشاكل سينشأ في بلد هو الآن عاصمة العالم، نتيجة للفوارق المعيشية والعرقية؟. وقد حاولت كل من الهند والصين أن تفرض حلا لهذه المشكلة، وكانت نتيجة ذلك في أولى الحالتين سقوط حكومة أنديرا غاندي في السبعينيات واعتقالها واتهامها بالفساد، إلى جانب تطبيق حملة تعقيم الرجال على عجائز فوق الثمانين نتيجة لسوء إدارة المشروع. أما في الصين فقد أدى فرض سياسة الطفل الواحد إلى ممارسة وأد البنات قبل ولادتهن ونشوء أجيال أغلبها من الذكور الذين هم صبية مدللون ناعمون، لن يجدوا إناثا .. وحتى لو وجدوا! إن واجب الحكومة هنا هو حسن استخدام وسائل التعليم والإعلام فيما فيه خير المجتمع، ولكن الحكومة لن تستطيع أن تمارس تنظيم الأسرة. السؤال هو: هل يمكنها أن تصلح من مستوى معيشة الشعب بما يجعل الآباء والأمهات يريدون أن يحافظوا على هذا التحسن؟ يقودنا هذا إلى أنظمة الحكم وممارساته، الكفاءة والإخلاص؟ أم الخيانة والبطش؟

وقد يكون ابتلاء البشر بالتعاسة ثمنا مقبولا لاستقرار المجتمع، بشرط أن يكون الحاكم، أولا راغبا في تحقيق الخير لشعبه، وثانيا قادرا على تحقيقه بحنكته وكفاءته. ولكنا لم نعد نرى إلا "بلطجية" يثبون على السلطة بانقلاب أو آخر، ثم يفسدون كل شيء بجهلهم وحماقتهم ويستخدمون القسوة في الاحتفاظ بوظيفتهم الجديدة لأنهم لا يصلحون "إلا لها" كما قال أبو العتاهية، ومنهم من رأيناه يستخرج مسدسا من جيبه ويصرع واحدا من وزرائه في اجتماع "مجلس الوزراء" أما الحرب، فهي طبقا لنظرية أورويل: الحرب في الخارج هي السلام في الداخل! ترى إلى أي حد يسمح للحاكم بأن يمارس القسوة لتحقيق الاستقرار؟ كان دوفالييه - الحاكم الأسبق لهايتي - يحتفظ بخصومه السياسيين في قبو في قصره وعندما يريد أن يريح أعصابه من مسئوليات الحكم، فإنه يهبط إليهم ليتسلى بمشاهدة تقلصات وجوههم والاستماع إلى صرخاتهم وهم يتعذبون. أما في بعض "جمهوريات" إفريقيا، فإنهم يأكلون خصومهم، وبذلك يضعون حدا لعذابهم. أما عن ستالين وتلميذه تشاوشيسكو، فما عليك إلا أن تقرأ ألكسندر سولزتسين. هل كل هذا ضروري؟ لماذا إذن تحقق الاستقرار والازدهار في بلدان كثيرة دون أن تغرس القضبان المحمية في فتحات الأجساد ودون أن يغمر الناس في أحواض الأحماض المركزة، أو يعلقوا عرايا لتزحف عليهم جحافل الحشرات القارصة. "إن الذي كان يعد وحشية في عصر إيفان الرهيب، والذي لم يقع في عصر كاترين أو بطرس الأكبر، كل هذا حدث في المجتمع القائم على المبادئ الاشتراكية" والبشر يقعون ضحية المتألهين على جميع المستويات. كان جيم جونز قسيسا أمريكيا وقرر أن يرتقي إلى مصاف الآلهة، بنى مستعمرة في جويانا وصحب معه أربعمائة رجل وامرأة، أمريكان! وكانت معجزاته تتمثل في ممارسة الجنس مع الجميع، ورعيته تلتف حوله لتزداد إيمانا به. ويوم وجد نفسه مهددا من السلطات أمرهم بالانتحار وأقبلوا عليه معتقدين أنه سيعيدهم سيرتهم الأولى! نفس القصة في أرقى بلدان العالم وأكثرها تقدما، الألوية الحمراء في إيطاليا، الحقيقة السامية في اليابان، الداوديون في تكساس، والرجال الأحرار في مونتانا، ثم سويسرا وكندا، عباد البشر ينتحرون مع زوجاتهم وأطفالهم. إن دل هذا على شيء فإنما يدل على أن التلوث الذي يسود الأرض، سواء من الكيماويات أو الجراثيم أو المبيدات أو البشر أنفسهم، ليس إلا انعكاسا لتلوث العقول، في عصر العلم والتكنولوجيا والكمبيوتر. فيم يختلف هذا عن فرق الحشاشين أو القتلة "الأساسين" في القرن الحادي عشر؟

إتلاف الكوكب: الماء

نحن بنو الموتى فما بالنا

نعاف ما لا بد من شربه ؟

"المتنبي"

لم يكن أبو الطيب يتحدث عن شرب الماء الملوث في الواقع، ولم يكن الماء ملوثا إذ ذاك، ولم نسمع أن خليفة أو واليا عباسيا مرض من شرب الماء، ولكننا سمعنا عن رئيس أمريكي حدث له ذلك، جورج بوش، أثناء فترة رئاسته، أصيب بوعكة أرجعها أطباؤه إلى أنه شرب ماء غير نقي. ومن أين؟ من صنبور في البيت الأبيض. إنه حتى في قلعة التكنولوجيا هذه، تذيع الجهات الرسمية أن 20% من الأمريكيين يشربون مياها ليست صالحة تماما للاستهلاك الآدمي.

مجموع الماء الذي يحمله كوكب الأرض يقدر بحوالي 1400 مليون كيلومتر مكعب (الكيلومتر المكعب يساوي ألف مليون متر مكعب من الماء، أي ألف مليون طن، والمتر المكعب بدوره يساوي ألف لتر من الماء) كمية هائلة لا تفنى ولا تتجدد ككل أنواع المادة، إلا بأقدار لا قيمة لها، كما يحدث عندما ينشأ بخار الماء عن احتراق البنزين في محركات الطائرات النفاثة مما يؤدي إلى نشوء سحب من بخار الماء المختلط بنواتج احتراق الكربون، ليسهم في تلويث الغلاف الجوي. كمية الماء هائلة فعلا ولكن أكثر من 97% منها مياه مالحة في المحيطات والبحار، والباقي وهو 2.7% يشتمل على ثلوج قطبية وماء متجمد في قمم الجبال وسحب تجيش بها السماء وأنهار جوفية. في النهاية، لا يتبقى لنا سوى 0.36% على هيئة ماء قابل للاستعمال، بحيرات وأنهار أغلبها أصبح ملوثا بشكل ميئوس منه. الدانوب الأزرق لم يعد أزرق والراين الذي تغنى به شعراء أوربا تحول منذ سنوات إلى مصرف للنفايات الكيميائية، عندما وقع انفجار في مصنع هوفمان لاروش للدوائيات في سويسرا وانسابت مئات الأطنان من السموم لتهبط فيه، سرعان ما عمدت كل المصانع المطلة على النهر إلى انتهاز الفرصة لتتخلص هي أيضا من نفاياتها. من هذا القليل المتبقي 80% يلزم لاحتياجات الري، والزراعة هي مصدر ما يقرب من نصف الغذاء اللازم للإنسان والماشية. في كل يوم يستحم الناس ويتخلصون من فضلاتهم بأنواعها وتنساب مجاري المساكن لتختلط بنواتج غسل السيارات ومعها الزيوت والشحوم المستعملة وكل ما نريد أن نتخلص منه .. إلى أين؟ ليس إلى الفضاء الخارجي بالطبع بل إلى البحار (إن كانت قريبة) أو الأنهار والبحيرات لتقتل الأسماك أو تسممها، ثم تأتي مياه الصرف الزراعي محملة بالمبيدات الحشرية لتنضم في جهد مشترك مع هذا كله. أصبح المصدر الوحيد لمياه طبيعية تصلح للشرب هو الآبار الجوفية من أماكن مثل جبال كولورادو حيث تعبأ الزجاجات وتباع بثلاثة أو أربعة دولارات للمترفين وحدهم طبعا. وحتى هذا أصبح عرضة للتلوث من أعمال حفر المناجم وآبار النفط والتفجيرات النووية تحت الأرض، ثم الاستهلاك، فالمياه الجوفية مستودعات تكونت على مدى ملايين من السنين، وقد بدأت بعض البلدان الصحراوية في السحب بكميات هائلة من هذه المستودعات للنهوض بالزراعة، وبعضها حقق نتائج طيبة جدا، فقط عندما ينضب هذا المعين فإلى أين؟ فكر العلماء في استخدام السحق النووي - أو الطاقة النووية عموما - لتحلية كميات كبيرة من مياه المحيطات، غير أن الحديث عن استخدام هذا النوع من الطاقة أصبح في حد ذاته أمرا محفوفا بالخطر. كان ابن الرومي من أكثر الناس خوفا من ركوب البحر، وله قصيدة يصف فيها شعوره ذاك، تنطبق على حالة الماء في عالمنا وإن لم يكن هذا ما قصد إليه بالطبع، بل إنه عندما مات بماء مسموم، لم يكن مسموما من نفايات الصناعة:

وأيسر إشفاقي من الماء، أنني

أمر به في الكوز مر المجانب

وأخشى الردى منه على كل شارب

فكيف بأمنية على نفس راكب ؟

وأشهد لو ألقيت فيه وصخرة

لوافيت منه القاع أول راسب !

نحن نعيش في نطاق من سطح الأرض وعشرة كيلومترات في الهواء ومثلها في أعماق المحيط، ولكن 95% من الحياة الأرضية محصور في نطاق سمكه 3 كيلومترات فقط. في أثناء القرن العشرين زادت نسبة ثاني أكسيد الكربون في الهواء من 280 جزءا في المليون (p.p.m ) إلى 350 جزءا وسوف تصل إلى 600 إذا استمرت المصانع والسيارات ومحطات القوى تنفث دخانها في الهواء. ينتظر أن تتزايد سخونة الكوكب بمقدار 4 درجات مما سيرفع منسوب سطح مياه المحيط بفعل التمدد وذوبان الثلوج. تصور بلدا مثل مصر يتزايد سكانه إلى ضعف ما هم عليه الآن وأيضا تأتي مياه المحيط لتغرق الدلتا. 20% من غابات ألمانيا أتلفتها الأمطار الحمضية. لا نهاية لما يمكن أن يقال في هذا الصدد، ومنه أن الإنسان في صراعه مع الطبيعة ومع نفسه قد زرع أيضا حوالي 25 مليون لغم أرضي، عشرة آلاف شخص كل سنة -أغلبهم من الأطفال - تتقطع أوصالهم ويعيشون في بؤس ورعب طيلة حياتهم.

سطوة الإعلام

تشارلز بيرس (1839 - 1914) مؤسس مذهب البراجماتية، يقول في بحث بعنوان "ترسيخ الاعتقاد"، إن الناس عندما يحارون وينتابهم "عذاب الشك" كما يسميه، فإن موئلهم يكون : معتقدات سابقة - خبرات جديدة - نصح الآخرين. ضغوط هذا العصر لا تسمح باكتساب خبرات جديدة فهي دائما "مستعجلة"، والمعتقدات السابقة تزيد الأمر كآبة بخروجها عن حقائق العصر. أما نصح الآخرين فمصدره هذا الشيء الذي قد يأتيك بخير عظيم أو يقضي عليك كإنسان: التلفزيون. إنه الصورة الواقعية للـ "تيليسكرين" التي تخيلها جورج أورويل في روايته "1984"، التي توجد في كل بيت وفي داخل كل جدران، تراقب الناس وتتنصت عليهم وأيضا تتحكم في عقولهم وتصرفاتهم وتجعلهم في النهاية، بفعل القهر وغسيل المخ، يحبون "الأخ الأكبر"، الحاكم الذي لا يعرف أحداً حتى إذا كان قد مات أو لا يزال يعيش. كان ماوتسي تونج - الزعيم العظيم - هو أقرب شيء لهذا المتأله، والآن وقد ذهبت العظمة بدأنا نعرف أنه كان يمارس الجنس مع أسراب من بنات بلده ونقل عنه طبيبه الخاص أنه قال مرة إن أعراض المرض لا تظهر عليه "لأنني أغسل نفسي هكذا" كان ألدوس هكسلي قد سبق أورويل بروايته "دنيا جديدة شجاعة" (العنوان مأخوذ من مسرحية شكسبير "العاصفة") وقد تصور هكسلي أن الإنسان سوف يتناسل في المعامل وأن الاستبداد لن يكون بالتعذيب أو القتل بل بالتكييف البيولوجي لإنسان أنبوبة الاختبار، ولذلك فإن الكبت .. سيكون متعة! وقد تناظر الرجلان طويلا في وسائل التحكم في عقول البشر. إنه حتى من قبل مجيء الساتلايت بحوالي نصف قرن، وفي سنة 1913 كان جون د. روكفلر الأب (1839 - 1937 ) يتمتع بكراهية عميقة من الشعب الأمريكي وكانت الصحف تصفه بأنه "غول" و"المجرم الأكبر". كان يملك مناجم بولاية كولورادو، وقامت حركة نقابية عارضتها الإدارة بشدة، وحدث إضراب واعتصام، وبتحريض من روكفلر وابنه، جون روكفلر الصغير (1874-1960) جاءت قوة مسلحة أمطرت المضربين بالرصاص وقتلت ثلاثة وخمسين شخصا منهم 13 طفلا. بلغ السخط أقصاه، ولكن روكفلر استأجر أخصائيا في الإعلام الجماهيري، وبدأت أغلفة المجلات والصفحات الأولى من الجرائد تظهر الأب الرحيم روكفلر وابنه الرقيق وهما يوزعان الهبات على أسر الضحايا وسرعان ما حدث تحول يشبه ما أحدثه أنطونيوس لحساب يوليوس قيصر.

طريق النجاة

في مكنتنا نحن البشر، أن ننجو من هذا المصير، بشيء واحد : تحسين السلوك، ولن ينقذنا شيء آخر، تماما كمن يريد أن يقلع عن عادة سيئة كالتدخين، لا توجد وصفة سحرية في هاتين الحالتين، الإرادة هي الطريق إلى حل المشكلة. وهناك دور أساسي يلعبه الحكام، فهم في هذا الزمن يسيطرون على وسائل الإعلام، وعلى كل ما يمكن من تحسين السلوك كالتعليم ومرافق الخدمة. ولا بد للحاكم من أن يملك مهارتين أساسيتين: الوصول إلى الحكم والبقاء فيه، ثم الكفاءة الإدارية. الكفاءة من نوع كفاءة لودفيج ايرهارد، وليس سيزار بورجيا، إن مهمة الحاكم هي أن يحقق الخير لأبناء بلده وعليه في سبيل ذلك أن يدرك أن السلطة الممنوحة له ليست إلا واحدة من وسائله في سبيل ذلك، وليست هي الغاية التي يجب عليه أن يسعى إليها. فإذا لم ينجح في تحقيق الرخاء، فإن عليه أن يترك منصبه لمن هو أكفأ منه في الإدارة، وليس أن يعمل على مزيد من الكبت واستخدام القسوة.

الفيلسوف البريطاني برتراند راسل، بدأ حياته عالما في الرياضيات والفيزياء، ثم انتقل من هذا إلى علوم المنطق فأضاف إليها فتوحا جديدة في أصول الفكر الإنساني ووضع مؤلفات في علم المعاني وعلم المعرفة، واهتم بتطورات الفيزياء النظرية وناقش النسبية مع أينشتاين و إيدنجتون، والكوانتم مع ويل ومع نيلز بور - ثم تعمق في فلسفات الميتا فيزيقا وانتقل منها إلى الفلسفة السياسية ووضع من هذا كله كتاباته الشهيرة في السياسيات مثل كتابه الفذ "القوة"Power. لعل قليلين جدا من البشر قد أتيح لهم هذا العلم الزاخر بدنيا الفكر والمادة والفنون، ومن استطاعوا أن يبنوا قدراتهم الذهنية على أساس يجمع الماتيماطيقا والفيزياء والفلسفة والفنون. وقد وضع راسل في أواخر أيامه كتابا عنوانه "هل للإنسان مستقبل؟" يدور الكتاب في الواقع حول انتشار الأسلحة النووية أثناء عصر الحرب الباردة. لعل هذا لم يعد أكبر خطر يتهدد البشرية في السنوات التي نعيشها الآن، غير أن "الوصفة" التي يأتي بها هذا المفكر العظيم ويرى فيها خلاص البشرية من الفناء، لا تزال تصلح لمواجهة الأخطار الناجمة عن تفاقم مشكلات التكاثر والتلوث والتضليل وفساد الحكم - وإذا وجد من يخالفه فيما يقول به فإننا لا نزال نرى أن الفقرات التي سننقلها هنا بأقصى درجة من الدقة والأمانة نقدر عليها، لا تزال في حد ذاتها قطعة فذة وبالغة الروعة، من الفكر الإنساني الرفيع، ومن التعبير الأدبي الرائق البديع. يقول راسل:

"علينا أن ندرك .. أن الكراهية، أن إهدار الوقت والمال والطاقات الفكرية من أجل بناء أسلحة الدمار، والخوف مما يمكن أن نلحقه ببعضنا البعض، والخطر الوشيك من انتهاء الحياة البشرية وانهيار كل ما تحقق فيها، أقول : علينا أن ندرك أن هذا كله ليس إلا نتاجا لحماقات البشر، وليس القدر المحتوم. إنه ليس أمرا تفرضه الظروف الطبيعية، بل هو الشر الذي يأتينا من داخل عقولنا والذي تمتد جذوره إلى فظاعات العصور القديمة والخرافات التي قد تليق بقطعان البشر الوحشية في الأزمنة السحيقة. وهي في عصرنا هذا، كفيلة بأن تلحق الدمار بكل ما ننعم به الآن، ثم، بالحياة ذاتها، في أقصى الاحتمالات".

"إنه في عالم يمكن للبشر بناؤه في هذا العصر، إذا اختاروا هذا الطريق، يمكننا إن نرسي دعائم حياة تكون مبدعة وخلاقة في إطار الوجود الأرضي. لقد تقدمت المعرفة الإنسانية في الحقبة الأخيرة بسرعة هائلة جعلتها مقصورة على نخبة محدودة من الخبراء، جعلت صفوة صغيرة من هؤلاء يقدرون على أن يبثوا فيها روح الشاعرية والبصيرة الكونية. لقد توصل البطالمة إلى منظومة الفلك والأجرام الكونية في زمانهم، ولكن ألفا وخمسمائة سنة كان لا بد أن تمضي قبل أن يأتي دانتي ويتخذ منها مادة لتعبيراته الشعرية. إننا نعاني عدم القدرة على هضم هذا الكم الهائل من الكشوف العلمية، فقط في عصر يمكن للتعليم فيه أن ينتشر إلى آفاق لا حدود لها، يمكن لهذا القدر غير المهضوم أن يستوعب ويمتص، ويمكن للشعر والفنون أن تتسع لاحتواء عالم من المعرفة يوصف في الملاحم الجديدة. إنه من الممكن أن تنطلق الروح الآدمية لتقودنا إلى كون رحيب من الروائع المتسامية، إلى عالم بأكمله من الفن والجمال، لا يمكننا أن نتصوره ونحن نرزح تحت وطأة الماضي بوحشيته واختناقاته. إننا إذا أمكننا أن نتغلب على ما لدينا من مشكلات، فسوف يتسنى للإنسان أن يتطلع إلى مستقبل يفوق الماضي بقدر لا يمكنه قياسه، تحثه رؤية تتسع آفاقها لتبث فيه آمالا دائمة لا حدود لها، ومنجزات لا آخر لها. لقد حقق الإنسان بداية يستحق بها الإقرار بمصداقيته، فهو، هذا الكائن البيولوجي الذي جاء في نهاية القائمة، لا يزال - على هذا المقياس - وليدا صغيرا. ليست هناك حدود لما يمكنه تحقيقه في المستقبل، ويمكنني أن أصور لنفسي دنيا مليئة بالعظمة والمتعة، دنيا تتألق فيها عقول البشر وتتسع آفاقها، وتظل الآمال تلتمع، ويتسنى لكل ما هو راق ورفيع أن يمضي في طريقه دون أن يعد عقبة في طريق أهداف تافهة أو أطماع سفيهة. كل هذا يمكن أن يتحقق لو أننا فقط تركناه يتحقق".

 

محمد الحديدي

أعلى الصفحة | الصفحة الرئيسية
اعلانات