صلاح أبوسيف..مخرج عمره 40 فيلما علاء دوارة

صلاح أبوسيف..مخرج عمره 40 فيلما

"أختار الموضوع الذي يثير غضبي" كان هذا أحد أقوال صلاح أبوسيف المخرج الكبير الذي ودعنا في شهر يونيو الماضي. فعلى مدى عمره الذي يبلغ أربعين فيلما حاول هذا المخرج أن يكون شاهدا على العصر الذي يعيش فيه، وبرغم أن اسمه ارتبط دوما بالواقعية فقد مات بعد أن أنجز أكثر من فيلم يعتمد على رؤية فانتازية تثير التأمل في الواقع بسخرية هي أقرب إلى اليأس. في عام 1946 كان موعده مع فيلمه الأول "دايما في قلبي" الذي اعتمد فيه على قصة حب رومانسية، ولكن المصادفة قادته إلى طريق الكاتب الكبير نجيب محفوظ الذي كان يمر بدوره بإحدى أزمات التعبير ووجد في السينما أداة جديدة - غير الكتابة - يعبر من خلالها عن أفكاره، وهكذا امتزجا معا فأخذ محفوظ منه حرفية كتابة السيناريو وأخذ أبوسيف من الكاتب ثراء الرؤية وتنوع الشخصيات وحرارة القضايا المثارة.

وإننا إذ ودعنا صلاح أبوسيف فإننا نتذكر هذه الرحلة الإبداعية الطويلة وليس أفضل منه في طريقته لإلقاء الضوء على معالم هذه الرحلة. فقبل وفاته بشهور قليلة وفي خطوة جريئة غير مسبوقة قام المخرج الكبير بجمع مقالات النقد التي كتبت عن الأفلام التي أخرجها على مدى ما يقرب من خمسين عاما وطبعها في كتاب، وقد ضم الكتاب استعراضا وتقويما للأربعين فيلما التي هي حصيلة كل عمره بأقلام أدباء ونقاد في مصر والدول العربية وفي الخارج أيضا.

وتتراوح الكتابات بين ا لإعجاب الشديد والهجوم العنيف.

وقد أهدى صلاح أبوسيف الكتاب إلى: "الناقد الذي أفنى زهرة شبابه عاشقا لفن السينما حتى الموت.. إلى سامي السلاموني"

وفي نهاية الكتاب يقول:

"كان بودي أن أعلق على ما كتبه النقاد عن أفلامي الأربعين، ولكني فضلت أن أترك المهمة للقارئ العزيز وهو خير حكم".

الصورة والرأي

يقدم د. علي شلش للكتاب فيقول: النقد السينمائي - كما نعرف - لون من التفكير في الصورة السينمائية ومقدرتها على التعبير. وهو أيضا لون من التعبير عن الرأي في هذه الصورة ومناقشة مفرداتها وهدفها وأثرها، وهدفه ذاته هدف السينما الصحيحة من حيث هي وسيلة فنية للاتصال بالجمهور على أوسع مدى، وتوصيل المتعة الذهنية والروحية، فهو - إذن - الوجه الآخر للعملة السينمائية الصحيحة غير المزيفة وهو - بهذا المعنى - ليس غريبا على صلاح أبو سيف.

منذ انفتح أمامه العمل في السينما بفيلم "العزيمة" عام 1939 لم يفقد صلاح أبوسيف هواه الأول للنقد والتفكير في الصورة السنيمائية، وظل يغذي هذا الهوى منذ أول فيلم استقل بإخراجه وهو فيلم "دايما في قلبي" الذي ظهر عام 1947. ولكنه فعل ذلك بالصورة، لا بالكلمة، فأفلامه التالية لهذا الفيلم يحمل كل منها نقدا لسابقه، ومناقشة لأسلوبه، بالصورة، لا بالكلمة.

نحن نعرف أن الفيلم الجيد، مثله مثل الرواية الجيدة، أو القصيدة الجيدة .. لا يمكن نقده من مشاهدة أو قراءة واحدة، ولا يمكن فهمه بمعزل عن السياق العام - لأفلام صانعه .. أما غير ذلك فهو انطباع .. وإذا كان النقد يبدأ بالانطباع فلا يمكن للانطباع وحده أن يشكل نقدا جديرا بهذا الاسم. وهذا ما سوف نكتشفه حين نقرأ معظم المقالات النقدية التي كتبها نقاد سينما أبو سيف عندنا.

وسوف نكتشف أيضا أن معظم هذه المقالات بنت الانفعال الفوري والانطباع العام، ولكن هكذا الصحف اليومية والأسبوعية في تناولها للأفلام، ما لم يسندها متخصصون، خبراء بالفن السابع وأسراره. كما سنكتشف أن بعض أصحاب هذه المقالات أدباء أو مشتغلون بالأدب ونقده، مثل صلاح ذهني وعبدالقادر القط وألفريد فرج، بل سنكتشف أخيرا أن النقد السينمائي عندنا ما زال يتخبط بين الانتقاد والمجاملة .. أما التحليل والمقارنة فيبدو أنهما أدوات ما زالت أجنبية. ولكن المؤكد أن هذه الكتابات التي تناولت أفلام أبو سيف تشكل سجلا من سجلات النقد السينمائي عندنا، وهذا السجل الحافل لا يمكن الاستغناء عنه عند كتابة تاريخ سينما صلاح أبوسيف، ولا عند كتابة تاريخ السينما العربية بوجه عام.

هذا الكتاب - إذن - سجل تاريخي وعمل وثائقي، شديد الأهمية لأنه يفيد دارس السينما وناقدها ومؤرخها، ومشاهدها، وصانعها أيضا.

وتحت عنوان "نصف قرن من النقد الفني" كتب أحمد يوسف: ربما ليس هناك بين الفنون جميعا فن أكثر ديمقراطية من السينما، تلك الديمقراطية التي تتيح لكل فرد من الأفراد من كل الطبقات والثقافات والشعوب، أن يقرر أن يشتري تذكرة ليدخل إلى ظلام قاعة العرض، حيث يعيش ساعتين في حالة بين اليقظة والحلم، متوحدا مع ذاته، ذائبا في جموع المتفرجين من حوله في آن واحد، وحين ينتهي الشريط، وتضاء الأنوار، يخرج إلى العالم مرة أخرى لكنه لا ينسى وهو على عتبات دار العرض أن يقول لك رأيه فيما رآه على الشاشة، إن لم يكن قد قاله بالفعل أثناء عرض الفيلم.

وليس هناك فن أكثر ديمقراطية من السينما، هذا الفن الذي يفتح ذراعيه لكلمات "النقد" من كل اتجاه، بدءا من محرري الصحافة الفنية وأخبار النجوم وانتهاء بأصحاب الأعمدة السياسية، يدلي كل منهم برأيه أو رؤيته، يختلفون أكثر مما يتفقون. فقد يرى أحدهم شيئا ويرى الآخر نقيضه، وقد يرى البعض في هذا الاختلاف النقدي إشارة إلى نوع من الاضطراب، لكنه في جوهره يعكس الطبيعة الديمقراطية الأصيلة لفن السينما التي تنسحب على الإبداع والتلقي والنقد معا. فنادرا ما كان الفيلم - أي فيلم - حصيلة إبداع فنان واحد، ومن المستحيل أن تطلب من الجماهير أو النقاد استجابة متطابقة تجاه نفس الفيلم.

ليس هناك إذن "وصفة" جاهزة للنقد السينمائي، كما أنه ليس هناك مثل تلك الوصفة للحكم على الكتابات والمناهج النقدية، بقدر ما لا يمكنك أن تجد أبدا، في كل مجالات الإبداع الفني، أي وصفة جاهزة سلفا تضمن للفنان أن يحقق عملا فنيا رفيعا. لكن النقد السينمائي، كما هو الحال في الإبداع الفني، ليس إلا محصلة للعديد من العوامل الذاتية والموضوعية التي تنصهر معا في بوتقة واحدة، تجمع بين عمق الخبرة الإنسانية واتساع الثقافة المكتسبة، ورحابة النظرة إلى الحياة، ووضوح الموقف السياسي ودقة الاختيار الجمالي والحالة النفسية والمزاجية، كما تجمع أيضا بين عوامل قد تبدو أقل أهمية، لكنها تترك أثرا هائلا على طبيعة النقد، بدءا من جودة العرض السينمائي وانتهاء بنوعية الجمهور الذي يتوجه له الناقد. وهذا الكتاب، وإن كان كتابا عن صلاح أبو سيف، فهو أيضا كتاب عن النقد السينمائي في مصر خلال ما يقرب من نصف قرن، من خلال بعض المقالات التي تناولت أفلام صلاح أبوسيف تلك التي تميل إلى الاحتفاء أو الانتقاد سببا في زيادة القيمة الفنية لصلاح أبوسيف أو الانتقاص منها، دون أن تكون المكانة التي حققها صلاح أبوسيف في تاريخ السينما المصرية سببا في إصدار أي أحكام قيمة على تلك المقالات، فمن خلال التفاعل الجدلي الذي لا ينتهي بين الفن والنقد، سوف تظل المقالات النقدية، بما فيها من سلب وإيجاب، تلقي مزيدا من الضوء على أفلام صلاح أبوسيف، كما سوف تساهم في إعادة تقويم هذه الأفلام، جيلا بعد جيل، في قراءة ما بين سطور تلك المقالات.

ضمير الرفض

أما الناقد كمال رمزي فعنوان مقاله "صلاح أبوسيف ضمير الرفض والواقعية في السينما العربية" ويقول:

صلاح أبوسيف من رواد السينما العربية الذين ساهموا في بناء السينما الواقعية ورفض كل أشكال التسلط من منظور طبيعي. أبطاله بشر معروفون من قبل الجميع، حتى أن مشاهد أفلام صلاح أبوسيف يخال أنه يشاهد الواقع بلحمه ودمه.. فهو بحق ضمير الرفض والواقعية في السينما العربية.

الحديث عن صلاح أبو سيف يعني جوهريا، الحديث عن أفضل جوانب السينما العربية، يعني الحديث عن رؤية شابة للحياة، ناقدة، متطورة، مدعمة، نافذة، ترصد بدقة تضاريس وتغيرات الواقع، وتضع تحت المجهر عوامل السلب والإيجاب في مسيرة المجتمع وتمثل الاحتجاج الدائم ضد ألوان الظلم جميعا، وترنو بأمل وثقة إلى عالم أكثر عدلا.

قدم صلاح أبوسيف خلال أربعة عقود 36 فيلما روائيا طويلا، وفيلمين روائيين قصيرين. وأفلامه في مجملها سواء كانت تعتمد على حوادث حقيقية أو أصول أدبية أو شخصيات تاريخية. وسواء كانت كوميدية أو غنائية أو تراجيدية وسواء حققت نجاحا كبيرا أو متواضعا فإن معظمها يتمتع بأسلوب لا يمكن أن تخطئه العين، ذلك أن بصمة صلاح أبوسيف المميزة فكريا وفنيا ستجدها واضحة يزداد تبلورها من فيلم إلى آخر.

وبعيدا عن التسلسل الزمني لأفلامه، التي تحتاج إلى كتاب ضخم، يمكن القول إن العديد من أفلامه الآن أصبحت من الكلاسيكيات بالمعنى الذهبي للكلاسيكية، بمعنى أنها أصبحت من اللآلئ المضيئة ليس في تاريخ السينما وحسب ولكن في تاريخ الثقافة، وهي ليست مجرد لآلئ متخفية فقط ولكنها تمتلئ بالحياة، وهي الآن تعد من المعايير التي يقاس عليها مدى نجاح الأفلام الجديدة التي تحققها الأجيال الجديدة.

رؤية الواقع

الواقعية عند صلاح أبو سيف لا تعني تصوير الواقع ولكنها تعني رؤيته: أن ينفذ العمل إلى ما وراء الظاهرة .. أن يرى أحراش الحدود وأن يكتشف القانون الذي يفرز الظاهرة.

في كلاسيكية "الفتوة" التي نكاد نحفظها جميعا نشهد صعود أحد غيلان السوق (فريد شوقي) الهارب من جوع أحد الأقاليم البعيدة، وبالتعاون مع غيره يصمد أمام الغول القديم، ملك السوق المتوحش (زكي رستم)، وهو في صعوده يدرك ويجعلنا ندرك معه أن خيوط اللعبة ليست في السوق ولكنها في يد (الكبار) الذين يعملون لحساب القصر الملكي وأن هذا السيرك الذي نراه في السوق بصراعاته الدامية منظم بصراحة، وكل شيء محسوب بدقة. والشطر الأكبر من فروق الأسعار، يصب في جيوب السادة (الشبيحة) الأرستقراطية التي تحكم وتتحكم في الأمور. و"الفتوة" عندما ينتهي بنهاية تتطابق مع البداية إنما يؤكد أن القضاء على الاستغلال داخل السوق لا يتم إلا بالقضاء على هذا المجرم أو ذاك، ولكن كما يوحى بحق يتحقق بالقضاء على النظام الفاسد الذي يفرز بالضرورة تلك الأنماط من المجرمين.

"الفتوة"، يمكن تحويلها إلى محاضرة في الاقتصاد السياسي، ولكنه - وهذه قيمته - قطعة نابضة بالحياة.. فالأفكار هنا تتحول إلى لحم ودم ومشاعر وعلاقات، وبحذر شديد فإن الفيلم لا يجعلك تتعاطف مع أحد تجار السوق ضد الآخر، ففريد شوقي بعد أن ينتصر على غريمه زكي رستم، يصبح طاغيا كريها كما كان سلفه المخلوع تماما .. يصبح شرها يلغ في دم ضحاياه بلا رحمة متنكرا لمن تعاونوا معه.

الإنسان ليس فردا

الإنسان عند صلاح أبو سيف ليس حياة مغردة تعيش وحدها ولكنه جزء من كل، يؤثر ويتأثر. يولد وينشأ ويكبر في عالم كامل، جاهز ومنظم سلفا، وتغيير هذا العالم لا يمكن أن يتم من خلال فرد واحد مهما كانت إرادته، ولكنه يتم من خلال الجموع فهي القوة الوحيدة التي يمكنها أن تعيد ترتيب العالم.

الجموع عند صلاح أبو سيف يمكنها أن تحمي الفرد في "الأسطى حسن" 1952 - يتعاون أهل الحارة على إنقاذ ابن حارتهم الضال.. وهي أيضا التي تنقذ الفدائي - رشدي أباظة في "لا وقت للحب"- 1963 - فهي من خلال حركة الأطفال التي تربك القوات الإنجليزية في إحدى مدن القناة، ومن خلال الأغنية الشعبية التحذيرية تنبه الفدائي إلى جنود الأعداء الذين يتربصون به، وفي "القاهرة 30" 1966 - يطارد البوليس الفتى الثائر موزع المنشورات -عبدالعزيز مكيوي - الذي يتخلص من مطارديه عن طريق الذوبان في الناس.

ومن القيم الإيجابية التي أكدها صلاح أبوسيف في "أنا حرة" قيم العلم والعمل والانخراط في نضال الوطن، ففي هذا الفيلم المتمتع برحابة الرؤية يتابع صلاح أبوسيف بطلته - لبنى عبدالعزيز - الباحثة عن حريتها والتي تريد أن تحقق ذاتها. وهي تجد بالتجربة أن العلم أحد شروط التحرر ثم تجد المزيد من الحرية في العمل، وهي بعد أن تتحرر من أغلال الجهل، وبعد أن يصبح اعتمادها اقتصاديا على نفسها تجد ذاتها في أجمل صورة تتمناها عندما تناضل مع الآخرين.

ولأن أغلب أبطال صلاح أبوسيف من الناس العاديين فإن الأماكن التي يتحركون فيها غالبا ما تكون في الحارة أو السوق أو مكاتب صغار الموظفين أو الحانات المتواضعة أو الحمام الشعبي أو الشقق الصغيرة الضيقة .. وهذه الأماكن بحضورها القوى وببعض اللمسات تعطي للأفلام مذاقا واقعيا مميزا، ففي "الأسطى حسن" - 1952 - يجلس فريد شوقي في شقته بأثاثها القليل على كرسي بثلاث أرجل. وفي "بداية ونهاية" - 1965 - بعد أن تبيع الأم ساعة الحائط في بداية الفيلم يظل لون الحائط في المكان الشاغر مختلفا عن لون بقية الحائط، وعن طريق الإعلانات الملصقة على الجدران ينقلنا صلاح أبوسيف إلى أجواء الثلاثينيات في "القاهرة30" - 1966 -وفي "ريا وسكينة" - 1953 - عندما يفتح باب البدروم يتصاعد منه الدخان الكثيف كما لو كان قبرا أو جحيما. ومن خلال الدخان نشهد بصعوبة الناس في الداخل وندرك على نحو مقبض أنه في هذا المكان يتم ذبح الضحايا، وفي "بين السماء والأرض" - 1959 - يقدم صلاح أبوسيف على تجربة فريدة بالغة الجرأة، عندما يصور يلمه أو معظمه داخل المصعد وبالطبع تتوافق جدران المصعد العارية مع تحريكه لنفوس أبطاله، طوال مدة الفيلم.

وبعد توقف عدة سنوات يطلع علينا صلاح أبوسيف عام 1986، بفيلم بديع، فريد في بابه هو "البداية".

البداية الذي ينبئ بمزيد من عطاء الأستاذ يستحق وقفة خاصة.. إنه كوميديا سياسية أقرب إلى الفانتازيا، يميل إلى التعليمية، يلخص ويشرح على نحو بالغ الطرافة والجرأة والوضوح كيفية نشوء وازدهار النظم ذات الطابع الديكتاتوري ويبين بتفهم كامل آليات الدولة الفاشية.

اختار صلاح أبوسيف بحساسيته وخبرته ودرايته أنسب شكل لموضوعه، فالكوميديا تأتي هنا لتغلف موضوعه - الذي يبلغ في جديته حد الصرامة - بابتسامة عريضة وضحكات تذيع من خلال اكتشاف المتفرج للمفارقات الصارخة المتوافرة في العلاقات المختلة - التي قد تألفها العين لفرط تكرارها بين الناس والسلطة - في أنظمة العالم الثالث القائمة على الظلم والقمع.

أما الفانتازيا المتمثلة في ذلك الخيال المنطلق الذي يستدرج المتفرج إلى مناطق بعيدة، والذي يبدو للوهلة الأولى بأن لا علاقة له بالواقع أو المنطق فمن الواضح أنه كان الطريق الوحيد الذي تمكن به صلاح أبوسيف مع لينين الرملي من أن ينقذ فيلمه الشائك الذي ينظر في عين الحقيقة من براثن الرقابة.

تخاريف مخرج

يبدأ الفيلم بكلمة مباشرة يكتبها المخرج على الشاشة يدعي فيها أن فيلمه "تخريفة من تخريفات المخرجين" وينتهي الفيلم بكلمة أخرى يعترف فيها المخرج بأن "الطبع يغلب التطبع" وأنه اكتشف - مدهوشا - أن عمله "مغرق في الواقعية" شأنه شأن مجمل أفلامه.

وقد كتب الناقد مصطفى درويش عن فيلم البداية:

ها هو صلاح أبو سيف يعود بعد غياب عن ساحة الإخراج على أرض مصر دام تسعة أعوام أو يزيد بفيلم مغرق في السياسة، وها هو ذا من جديد يبدأ بـ "البداية" فيلما يسخر فيه من الديكتاتورية دون أن يهاب.

وفي ظني أن صلاح أبوسيف قد بلغ قمة نضجه السينمائي في "البداية" حيث طرح التساؤلات بعد التساؤلات في طبيعة السلطة والتسلط، ثم قدم الإجابات التي تحمل معنى التحدي لحكم الفرد المطلق.

وفي الحق، فعين أبوسيف السينمائية لم تترك صغيرة أو كبيرة في النظام الاقتصادي والسياسي، وفي طبائع الاستبداد المعاصر إلا وأحصتها في شيء يشبه أسلوب الكاريكاتير المعتمد على المبالغات أو المفارقات.

وقائع "البداية" تبدأ بحادث طائرة تسقط في صحراء، لا ماء فيها ولا شجر ويشاء كاتبا السيناريو صلاح أبوسيف ولينين الرملي أن تكتب النجاة لاثني عشر شخصا يمثلون شرائح مختلفة من المجتمع بينهم رجل الأعمال والفنان والعامل والفلاح والعالمة والصحفية والراقصة وقائد الطائرة المتزن ومساعده المتردد والضيف المتشائم والمضيفة الودود، وفوق ذلك طفل يمثل أمل المستقبل، وهذه النماذج يحملها أبو سيف بمهارته المعهودة سلوكيات المجتمع وأوهامه، يضع على أكتافها تناقضاته وأوزاره.

وينتهي الفيلم باندحار الديكتاتورية أما م الديمقراطية، وكأن المخرج الرائد يريد أن يذكرنا بأن المساواة والعدالة بين الناس حقيقة واقعة تريدها الجماعة كلها.

تقول الناقدة الألمانية "أريكاريشتر" عن واحد من أفلام صلاح أبوسيف المهمة هو فيلم "الفتوة":

صلاح أبوسيف هو أستاذ الأفلام الواقعية في مصر، وتعتبر أفلامه العمود الفقري لهذا الاتجاه، تلك الأفلام التي نستطيع من خلالها دراسة أهم المواضيع والأساليب والحلول الفنية التي يلجأ إليها الفيلم الواقعي في مصر للقضايا التي يواجهها ويتصدى لها، وقد استطاع صلاح أبوسيف أن يواجه الأفلام اللاواقعية التي تنتجها "هوليوود الشرق" بأفلام ذات مضمون شعبي وإنساني، وأصبح بذلك سندا أو محرضا وممهدا للسينما المصرية التقدمية، ويعتبره الشباب الممثل الثاني للسينما المصرية بعد كمال سليم، ولقد استطاع هذا المخرج ذو الوزن العالمي أن يدخل الفيلم المصري في نطاق تاريخ الفن السينمائي العالمي، ولقد عرضت أفلامه في مهرجانات كان والبندقية وموسكو وكارلو فيفاري وبرلين.

وتمتاز أفلام صلاح أبوسيف بالجمع المحكم العضوي بين التوظيف السياسي والترفيه، بين الموقف التحليلي والنهج الشعبي، ويظهر فيها تصوير تاريخي واجتماعي دقيق ومحدد لكل مشهد من مشاهد الحياة، كما يظهر فيها السرد الحيوي المرح، وحتى أحيانا السرد العنيف السريع التأثير.

المخرج وجمهوره

ولقد عرف صلاح أبو سيف كيف يستطيع مجاراة ذوق الجماهير دون الاتكال عليه أو الاستسلام لمطالبه، واستطاع أن يقدم أفلاما حققت له الاحترام والتقدير.

لقد استطاع الجمع بين الترفيه والتوجيه، ففي أفلامه - باستثناء بعض الأفلام التاريخية - قدم لنا صورة المجتمع المصري من النصف الأول من القرن العشرين حتى اليوم، ولقد صور فيها حياة ومشاكل مختلف الطبقات والفئات من الوزراء إلى النكرات، ومن الرأسماليين إلى الفلاحين، وإن نضج صلاح أبوسيف الفني واستقامته، وإصراره الخلاق، تتجسد في تحفته الفنية "الفتوة"، في هذا الفيلم تتجسم أمامنا حصيلة التجارب الاجتماعية والفنية مع الموهبة الخلاقة التي تنطلق عبر موقف اجتماعي تقدمي من الأحداث.

وعن فيلم "المواطن مصري" قال الكاتب محمد عودة:

إنه فيلم ليس ككل الأفلام وهو بلا شك أفضل وأجمل وأشجع وأصدق عمل قدمته السينما المصرية منذ زمن بعيد. وليس هذا فحسب بل إنه أحد "كلاسيكيات" الفن والوعي المعاصر وسوف يضاف إلى التراث، وسوف يبقى لكل العصور، وإذا ما أراد أحد أن يعرف حقيقة ما جرى ويجري لمصر في هذا العصر فسوف يكفيه أن يرجع إلى هذه الوثيقة. ويروي الفيلم فصلا من الدراما ذات الفصول المتصلة والتي لا تنقطع ويسجل مشهدا مأساويا من صراع يحكم حياة مصر وتاريخها منذ البداية وينعكس أول ما ينعكس في القرية.

ولكن...

ليس كل الكلام مدحا .. وليس كل النقد استحسانا فعن فيلم "الكداب" قال رءوف توفيق:

"لا بد لنا أن نعترف .. أنه وسط دوامة تدهور الفن السينمائي.. إذا ظهر فيلم مثل "الكداب" يصبح محتما علينا الاحتفال به ! لأنه من النادر جدا أن تجد "فيلما جيدا ومعقولا بمقاييس هذا التدهور".

ولا بد لنا أن نعترف أيضا .. أنه إذا ناقشنا المخرج صلاح أبوسيف عن فيلم "الكداب" بمقاييس الفن والمنطق .. مع الأخذ في الاعتبار تجربة وخبرة صلاح أبو سيف، ودوره البارز في تاريخ السينما المصرية، يصبح محتما علينا - أيضا - أن نقول له بكل الصدق والحب .. لا .. لقد صنعت فيلما باستعجال شديد .. وتمزقت الخيوط الفكرية للفيلم ولم تصل في النهاية إلى هدف محدد أو قضية محدودة .. ومع الأسف بعد الخبرة الطويلة في المهنة، سقطت في أخطاء فنية ما كان يجب أن تسقط فيها.

وعندما نقسو على صلاح أبوسيف كمخرج صاحب تاريخ غني.. وله عشاق وتلاميذ ومريدون، فإننا هنا نقسو على الأستاذ الذي أعطى لنا "الأسطى حسن"، و"ريا وسكينة"، و"الفتوة"، و"شباب امرأة"، و"بداية ونهاية "، و"لا وقت للحب"، و"القاهرة 30"، و"الزوجة الثانية" ولا يحسب له فجر الإسلام أو حمام الملاطيلي.. ثم ها هو في فيلم "الكداب" يضعنا في موقف محير.. ما الذي جرى للأستاذ؟ لماذا فقد توهجه؟ هل هو الزمن أو الظروف.. أو المناخ العام ؟

لقد كان يحاول في أيامه الأخيرة أن يقوم بتجربة جديدة يعزز بها المرحلة الفكرية التي يعيش فيها، ولكن الموت كان أسرع من تنفيذ أفكاره.

 

علاء دوارة

أعلى الصفحة | الصفحة الرئيسية
اعلانات




غلاف الكتاب





صلاح أبوسيف