مسقط إطلالة التجديد والمعاصرة صادق يلي

بعض المدن تشبه الكائن الحي، لا تكف عن النمو والتطور. ومسقط واحدة من تلك المدن التي استمدت من عراقتها القديمة قوة دافعة كي تأخذ مكانها في المستقبل. بعد أن كانت مدينة متقوقعة على نفسها لا تتجاوز مساحتها نصف ميل وسط الأسوار، انطلقت خارج هذه الأسوار وامتلأت أحياؤها الجديدة بالمباني والجسور المعلقة.

مسقط حاضرة سلطنة عمان اليوم مدينة عريقة تضرب بجذورها الموغلة في القدم أعماق التاريخ، كانت مركزا للتجارة البحرية، ومنطقة ارتكاز في حركة الاتصال بين آسيا وإفريقيا وأوربا، لذلك لعبت دورا بارزا منذ فجر التاريخ في التجارة الدولية بحكم موقعها في منطقة الحضارات القديمة، إلا أن هذا الدور أخذ يخبو ويتقلص، ودخلت البلاد في عزلة عن العالم المتمدن، فلم تزد مساحة مسقط في تلك العهود التي سبقت نهضتها المباركة الحالية التي قادها السلطان قابوس بن سعيد على نصف ميل ساحلي يقع بين قلعتي الجلالي والميراني، يحيط بها سور طيني تغلق أبوابه عند غروب الشمس، بعد أن يطلق أحد المدافع طلقته المعهودة إيذانا وإنذارا بإغلاق بوابة المدينة.

ومع انبثاق فجر النهضة والثورة التصحيحية التي قادها السلطان قابوس بن سعيد في عام 1970 شهدت مسقط حركة تطور وتعمير كبيرة، ونقلة حضارية هائلة شاركت فيها الوزارات والهيئات والمؤسسات الوطنية حتى أصبحت مسقط بحق مدينة حديثة وجميلة ومفخرة لكل عربي، كما اتخذت مكانتها المرموقة بين العواصم والمدن العربية الرائدة في خلال فترة زمنية قياسية هي عقدان من الزمان، وبمعدلات قياسية من حيث المساحة والعمران وعدد السكان والأنشطة الاقتصادية والتطور الثقافي والاجتماعي.

مسقط تصحو وتكبر

ومع إطلالة عام 1970 والثورة التصحيحية التي شهدتها السلطنة كان لا بد أن يكون لمدينة مسقط العاصمة النصيب الأوفى من المشاريع والخطط والبرامج التنموية، قد كانت مدينة مسقط حتى بداية عصر النهضة تتكون من تجمعين رئيسيين هما: حي مسقط وحي مطرح، تفصل بينهما طرق ضيقة ملتوية يمكن قطعها سيرا على الأقدام، وقد شكلت منطقة مسقط مركز السلطة بينما مثلت مطرح مركز النشاط التجاري للمدينة، وضمت كل من المنطقتين تجمعات سكنية اتخذت شكل الحارات المقفولة، سواء كانت داخل السور أو خارجه، وكان يربط المنطقتين طريق أسفلتي ضيق يتخذ مسارا متعرجا يشق مطرح حتى يصل إلى مسقط، أما المسالك البديلة الأخرى فكانت دروبا وعرة تسلكها الدواب والراجلون بصعوبة، أما المباني داخل سور مسقط فقد اقتصرت على مساكن وقصور الأسرة المالكة، وكذلك دواوين الحكومة، تميزت بالجودة وبالطابع الإسلامي في فن العمارة، ومازال الكثير منها باقيا حتى اليوم بصورته السابقة نفسها مثل بيت جريزا الذي يستغل حاليا كبيت للضيافة وقصر آخر يطلق عليه بيت السيد نادر، وكان في مسقط سوقان تجاريان أولهما مخصص للخضراوات واللحوم والمواد الغذائية، أما الآخر فكان سوقا جامعا تتوافر فيه جميع المستلزمات والأغراض المنتجة محليا والمستوردة من الخارج كالمنسوجات والتوابل والروائح وهو سوق شيد على نمط الأسواق التقليدية العربية التي سادت منطقتنا العربية منذ أقدم العصور. أما سوق مطرح فكان سوقا كبيرا ذا نشاط كبير، ويمتاز هذا السوق بأنه منفتح على المناطق المجاورة، وقريب من الميناء. وقد حافظت بلدية مسقط على الأسواق القديمة والأسوار، ويجري تحديث مبانيها تحت ضوابط صارمة ودقيقة بالتنسيق مع وزارة التراث القومي والثقافة، بحيث لا يتم هدم أي مبنى لإقامة مبنى آخر في موقعه إلا بعد أخذ صور فوتوغرافية وأشرطة سينمائية لجميع واجهاته وأجزائه، وتوظيف تلك الصور في إعادة بنائه على حسب النمط الخارجي الذي كان سائدا من قبل وإن اختلفت المواد التي يتم البناء حديثا بها.

لقد امتدت يد العمران للعاصمة مسقط لتصل إلى نحو ثلاثين ميلا عبر الأراضي الساحلية ابتداء من منطقة مسقط ومرورا بمطرح وبوشر حتى منطقة السيب، وفي هذه المسافة الكبيرة تم تنفيذ العديد من البرامج الإنشائية والعمرانية والإسكانية منها تعمير الشريط الساحلي من مسقط إلى مطرح، كما أقيمت مدينة قابوس السكنية ومدينة الإعلام التي تضم مبنى وزارة الإعلام ومبنى الإذاعة والتليفزيون العماني، وأيضا تم تشييد المدينة الدبلوماسية أو الحي الدبلوماسي بمنطقة الخوير، الذي يضم العديد من السفارات العربية والأجنبية ومساكن الدبلوماسيين، بالإضافة إلى ذلك تم إنشاء المنطقة الصناعية في منطقة الرسيل، وأنشئ ميناء قابوس الذي يتألف من عشرة مراس عميقة قابلة للزيادة، وكذلك ميناء الفحل حيث يتم عن طريقه تعبئة ناقلات النفط بالبترول.

عوامل ومؤثرات

كانت هناك مجموعة من العوامل المؤثرة والفاعلة لعبت دورا في عملية نمو منطقة مسقط وتطورها العمراني السريع انحصرت في الأهداف العليا التي رسمتها الدولة مع بداية عهدها عام 1970، تمثلت في توظيف كل الإمكانات للنهوض بالإنسان العماني وتوفير الحياة الكريمة له في ظل تطور وتنمية شاملة ترتكز على العلم والاستفادة من خلاصة تجارب البلاد المتقدمة، وقد شكلت منطقة مسقط بصفتها عاصمة البلاد نواة ومحور تلك التنمية والتي سرعان ما امتدت إلى بقية مناطق وولايات السلطنة المختلفة.

يقول المستشار في وزارة التراث القومي والثقافة الأستاذ مال الله بن علي حبيب اللواتي: إن العناية التي أولتها الدولة كانت في البداية موجهة إلى بناء الإنسان العماني، وبالطبع فعندما يكون الإنسان هو المحور للتنمية والنمو تسهل الأمور، فالإنسان العماني الذي شاهد التقدم والانفتاح في البلدان الخليجية من حوله، كان تواقا إلى الانفتاح المماثل، ولما جاءته الفرصة عمل بجد وإخلاص وشوق للنهوض بالبلاد، حتى من كان خارج السلطنة من العمانيين عندما جاء نداء الانفتاح وبناء السلطنة لم يتوان العماني المحب لبلاده والذي اكتسب مؤهلات وخبرات علمية في الخارج أن يحضر إلى البلاد ويساهم في بناء الدولة، ينطبق هذا الكلام على العمانيين الذين كانوا يعملون في البلاد العربية، أو على العمانيين الذين هاجروا إلى إفريقيا منذ وقت طويل، خاصة في إفريقيا الشرقية بحكم علاقات عمان بهذه المنطقة منذ مدة طويلة. ولا يخفى أن هؤلاء الإخوة اكتسبوا بحكم وجودهم في هذه البلاد الإفريقية خبرات ومؤهلات علمية جيدة في زنزبار وممباسا وكينيا وحتى في بعض البلاد الإفريقية الغربية مثل غانا ونيجيريا وموزمبيق، فقد رجع كل هؤلاء العمانيين إلى البلاد ورحبت عمان بمقدمهم واستفادت منهم فائدة كبيرة وعظيمة في نهضتها الشاملة.

كما كان للطفرة الاقتصادية الكبيرة وجهود الدولة المتواصلة لتنمية دورة البترول - الذي بدأ يأخذ مكان الصدارة في عائدات البلاد، وما صحب ذلك من ارتفاع كبير في أسعار البترول العالمية - الأثر الواضح إذ قامت الدولة بتسخير هذه الثروة وهذا الدخل في إحداث تنمية حقيقية وشاملة انعكست على الناحية العمرانية في البلاد بصفة عامة وعلى مسقط العاصمة بصفة خاصة. وقد تبع ذلك نمو سكاني كبير وتوسع عمراني، فكانت هناك هجرة للمواطنين إلى العاصمة سواء من داخل القطر كهجرة داخلية متوقعة لأن مسقط صارت بفضل التنمية عامل جذب طبيعيا للسكان، أو هجرة وطنية من الخارج للجاليات العمانية التي كانت تعمل أو تعيش في أقطار أخرى، والتي بدأت العودة بعد أن فتحت الدولة ذراعيها لكل المواطنين من أجل بناء السلطنة.

حي مطرح التجاري

وكانت منطقة روي والأراضي الفضاء المتاخمة لها والتي عرفت فيما بعد باسم مطرح الكبرى هي أولى المناطق التي امتدت إليها يد العمران، وذلك لموقعها المتميز بالنسبة لمسقط، ففي هذا الحي التجاري أقيم أحد أهم المراكز التجارية غير الاستهلاكية، وهذه المنطقة تضم الدور والمؤسسات التي تتعامل مع المال مثل المقر الرئيسي للبنوك والشركات الكبيرة ذات الأنشطة المتعددة وشركات التأمين والطيران وغيرها من شركات الصيرفة. يقول السيد مهدي جواد اللواتي، وهو أحد الفعاليات الاقتصادية في هذا السوق: إن وجود منطقة متخصصة لذلك النوع من النشاط ذو أهداف ومرام متعددة، أهمها أن وجود تلك الأنشطة ذات الطبيعة المتقاربة والمتشابهة في مكان واحد سوف يسهل من عملية التعرف عليها بواسطة المواطنين والمقيمين والزوار، كما أن خلطها مع بقية الأنشطة التجارية الاستهلاكية الأخرى والتي عادة ما تجذب أعدادا كبيرة من المتعاملين والمتسوقين، سوف يؤدي إلى إيجاد مشاكل في المرور وفي مواقف السيارات مما يؤثر سلبا على نشاط هذه الدور والمؤسسات. والحقيقة التي لا شك فيها أن وجود حي للمال هو ظاهرة حضارية، حيث حرصت الكثير من الدول والعواصم الكبيرة في أوربا على تخصيص شوارع وأحياء بأكملها لنشاط واحد بعينه.

ولذلك فقد اختيرت هذه المنطقة لإقامة مثل هذا الحي التجاري بها، أما أول مشروع عمراني يقام في هذا الحي فهو البنك المركزي العماني، حيث بدئ في تنفيذه في أواخر عام 1975، ثم تلاه مبنى الاتصالات السلكية واللاسلكية، وسينما النجوم والمجلات التجارية الملحقة بها، وقد تم البدء في تنفيذ خدمات الحي الضرورية قبل بداية عمرانه، مما مكن المؤسسات والدور التجارية التي أقيمت بعد ذلك من ممارسة نشاطها فورا وبدون أن تواجهها أي مشاكل. ويعد حي مطرح التجاري من أرقى الأحياء التجارية على المستويين المحلي والإقليمي، ويعد أول تجربة عمرانية ناجحة بكل المقاييس، وقد جاءت صورته بعد اكتماله مطابقة تماما للتصور الذي وضعه المخطط.

بلدية مسقط

تعد بلدية مسقط الجهة المشرفة والمنظمة لكل الإنجازات والمشاريع التي نفذت أو في طريقها إلى التنفيذ، وهي المترجم الحقيقي للإبداعات المعمارية والمعالم البارزة التي تزخر بها عاصمة السلطنة، حيث تقوم بلدية مسقط بالإشراف على كل الأعمال الإنسانية والمعمارية، وتقديم جميع الخدمات للمواطنين مع مراعاة مصالح المواطنين في إطار الأنظمة والقوانين والصلاحيات المخولة إليها، إن الخدمات التي تقدمها بلدية مسقط خدمات جليلة تساير التطور الاجتماعي والثقافي والصناعي الذي يطرأ على المجتمع وسلوكياته، وما يصاحب ذلك من أعباء إضافية على البلدية مما يتطلب قدرا من المواكبة في الإمكانات والقدرات والخدمات التي تقدمها البلدية، فقد حققت العديد من الأهداف في مجال الخدمات الضرورية للإنسان من خلال تخطيط الأحياء السكنية الحديثة ورصف الطرق ومد شبكات الإنارة والمجاري وإنشاء الحدائق والمتنزهات كمتنفس ورئات لسكان المدينة.

ففي مجال التخطيط للمناطق السكنية قامت بلدية مسقط بتخطيط عدة مناطق متكاملة مثل منطقة الغبرة والخوير والصاروج ومنطقة الرسيل الصناعية، ويعد حي شاطئ القرم من أجمل الأحياء السكنية التي قامت بتنفيذها بلدية مسقط، وذلك منذ عام 1986 على موقع ساحلي يقع بين مسقط القديمة ومطار السيب الدولي، حيث تم إنشاء البنية الأساسية للحي وتنفيذ الخدمات والمرافق المتنوعة على مساحة تقدر بحوالي ثمانية كيلو مترات مربعة، وقد تم تصميم هذا الحي النموذجي بعد دراسات مستوفية لطبيعة الموقع وجغرافيته وطبيعة طقسه ومعطياته، فكان هذا الحي السكني هو الحي الرائد في تخطيطه ونسيجه المعماري المتجانس مستلهمين في تخطيطه نماذج العمارة الإسلامية والطابع المعماري العماني مع العمارة الحديثة، وقد صرفت الدولة على خدماته بسخاء لكي يصبح من المشاريع السكنية المتميزة على المستويين الإقليمي والعالمي، يحدثنا المواطن العماني محمد سالم بن حارب الذي يقطن في هذا الحي منذ ثلاث سنوات: إن حي القرم هو واحد من ستة أحياء سكنية تم إعداد مخططاتها في الفترة من 1980 - 1985 وهو من المشاريع السكنية العامة حيث لم تسمح البلدية بتعمير قطعه إلا بعد أن تم تنفيذ جميع الخدمات الضرورية والأساسية من كهرباء ومياه وهاتف وصرف صحي وتوصيل جميع هذه الخدمات إلى نقاط التوصيل، وقد رصفت الطرق وعبدت ممرات المشاة بالبلاط الأسمنتي ذي الألوان والأشكال المختلفة وبتشكيلات هندسية رائعة وتمت إضاءة المنطقة، وزرعت الأشجار والزهور وأصبحت الآن المنطقة السكنية الأولى التي تستأثر بالمواطنين خلال الأمسيات ليقضوا بين ربوعها أجمل اللحظات. ويضيف الأستاذ محمد سالم بن حارب قائلا: لقد وضعت بلدية مسقط شروطا وضوابط صارمة فيما يتعلق بالمخططات المعمارية التي تعدها المكاتب الهندسية بتلك المنطقة، وكذلك المقاولون الذين يتولون عملية تنفيذ المباني بها، وقد وضعت البلدية الخطوط العريضة والنهج الذي يجب على المكاتب الهندسية الالتزام به فيما يتعلق بالواجهات وأشكال النوافذ والأسوار والمداخل وغيرها من العناصر التي تؤثر على الشكل الخارجي للمبنى، وقد تم استنباط جميع تلك الإرشادات من التراث الإسلامي والطابع التقليدي العماني في فن العمارة، بالإضافة إلى شروط أخرى تنحصر في أن تكون المباني مصممة للسكن الخاص، وأن تكون جميع المباني مكو نة من طابقين لا أقل ولا أكثر وأن يكون اللون الخارجي للمبنى هو اللون الأبيض.

الحي الدبلوماسي وحي الوزارات

وكمظهر حضاري رفيع المستوى اختارت بلدية مسقط موقعا ليكون مجمعا لجميع السفارات والقنصليات العاملة في السلطنة في مكان واحد، كما اختارت حيا آخر لجميع الوزارات والهيئات الحكومية، وهو قرار ذو دلالة حضارية رفيعة، حيث إن وجود تلك الوزارات أو السفارات في مكان واحد سوف يسهل عملية الاتصال فيما بينها.

بنك الإسكان

وهناك قناة مهمة تساهم بشكل فعال في تقديم القروض العقارية والعمرانية للمواطنين، فقد كانت الحاجة ماسة لوجود بنك للإسكان يهدف إلى دعم الحركة العمرانية في السلطنة وفق الاحتياجات العامة للمواطنين والخطط الإنمائية التي تضعها الدولة، ولذلك فإن لبنك الإسكان صلاحية ممارسة العديد من الأنشطة التي تهدف إلى دعم الحركة العمرانية وفق الاحتياجات العامة.

يحدثنا الأستاذ محمود بن محمد بن بهرام أمين سر المجلس للبنك قائلا: ينحصر نشاط بنك الإسكان العماني في تقديم القروض للغايات التالية: بناء منزل أو شراء منزل جاهز أو شراء منزل غير جاهز وإكماله أو إكمال منزل غير جاهز أو توسعة منزل قائم، وبالإضافة إلى هذه الأمور، فقد بدأ بنك الإسكان ممارسة نشاط جديد وهو نشاط تملك الأراضي الصالحة للبناء واستغلالها في إقامة وحدات سكنية بغرض تمليكها للمواطنين العمانيين عن طريق قروض يمنحها لهم البنك وفق شروط معينة، ويضيف الأستاذ محمود بهرام قائلا: إن للبنك دورا كبيرا وفعالا في عملية البناء والتعمير حيث أتاح الفرصة لعدد كبير من المواطنين لتأسيس مساكن لم تكن متاحة لهم لولا وجود هذا البنك، وذلك من خلال التسهيلات التي يقدمها للمواطنين والتي تتمثل في منح القروض الإسكانية، وذلك بمبالغ مختلفة حسب إمكانات المواطن، وقد تصل هذه القروض إلى نحو 35 ألف ريال وبمدد سداد طويلة الأجل تمتد إلى نحو 20 عاما، وبأقساط ميسرة تمثل نسبة قد لا تتجاوز 35% من دخل المقترض.

الجسور العلوية والطرق السريعة

لقد كانت أهم المشكلات التي أفرزتها الطفرة العمرانية الكبيرة والزيادة الهائلة في عدد السكان والمركبات في مدينة مسقط، وفي الوقت نفسه لم تواكب هذه الزيادة وبالسرعة نفسها عملية تحديث الطرق العامة والطرق الداخلية بروز مشاكل واختناقات مرورية، تمثلت في تكدس السيارات في صفوف طويلة ومتراصة بالشوارع العامة، خاصة عند تقاطع الطرق والدوارات. وكانت هذه المشكلة تسبب متاعب جمة للمواطنين والمقيمين على السواء، كما أنها كانت تؤرق المسئولين، لذلك تصدى المسئولون في الدولة بكل جد والتزام لتلك المشكلة وبدأوا منذ عام 1980 في إعداد الخطط والدراسات الضرورية والتي تمثلت في إحداث توسعات كبيرة في الشوارع العامة والعمل على ازدواجيتها، وذلك بشق طرق جديدة أخرى مساعدة للطرق العامة، كي تمتص جزءا من الضغط الواقع على الشوارع القائمة، فما الذي قامت به بلدية مسقط لحل مشكلة الاختناقات المرورية في العاصمة وضواحيها؟

حملنا هذا السؤال إلى المهندس عبدالله بن عباس بن أحمد رئيس بلدية مسقط فأجاب قائلا: وضعنا مشروعا متكاملا وجذريا لحل مشكلة المرور في مسقط، وقد تضمن المشروع إقامة عدد كبير من الجسور العلوية فوق جميع الدوارات القائمة على الشارع العام الرئيسي القادم من مطار السيب الدولي إلى مشارف ضاحية مطرح، وقد بدأنا بالفعل مع بداية الثمانينيات في تنفيذ تلك المشروعات ذات الأهمية القصوى، والتي أدت بعد اكتمالها إلى حل مشكلة المرور بمنطقة مسقط حلا جذريا. ويضيف المهندس عبد الله بن عباس بن أحمد قائلا: والحق أن ازدواجية الطرق السريعة وتعدد المسارب بها، ثم إقامة الجسور العلوية في بعض الدوارات المهمة مثل دوار الغريبة والغبرة والخوير والقرم والوطية وروي ومطرح وبيت الفلج وازدواجية الشوارع الرئيسية مثل شارع البستان وشارع الجامع وشارع البرج بالإضافة إلى شوارع الخدمة الموازية للشوارع المزدحمة الرئيسية تعد إنجازا كبيرا بكل المقاييس، نظرا لحجم تلك الأعمال وضخامة تكلفتها، ثم الفترة القياسية التي نفذت فيها، فهي في الواقع مفخرة تضاف إلى مفاخر التنمية بالسلطنة. وقد بلغت جملة أطوال هذه الطرق التي تم تنفيذها 89.152 كيلو مترا.

تشجير الطرق والحدائق العامة

وقد حرص المسئولون في السلطنة على تطوير منطقة مسقط والوصول بها إلى مصاف المدن العالمية الراقية، ففي مجال التشجير وإقامة الحدائق وضعت خطط متكاملة كان بدايتها إنشاء مشتل خاص تنطلق منه عمليات التشجير، ثم بدأت بعدها عملية تخضير الدوارات وتشجيرها، وتبعها بعد ذلك إنشاء مجموعة من الحدائق العامة وتزويدها بالألعاب المسلية للأطفال، ومن المشاريع الكبيرة في مسقط إنشاء حديقة الوادي الكبير وهي من الحدائق الكبيرة المزودة بأنواع مختلفة من الألعاب العادية والكهربائية، ومع إطلالة العيد الوطني الخامس عشر للسلطنة تم افتتاح حديقة كبيرة في ضاحية ريام، وقد حوت العديد من الألعاب ووسائل الترفيه والراحة بالإضافة إلى وجود بحيرة صناعية وعدد من الجسور الصناعية والاستراحات.

وقد أولت بلدية مسقط اهتماما واضحا بعمليات تشجير واسعة بالمدينة، فقامت بتشجير وتخضير المساحات الموجودة على جانبي الطرق وتمت زراعة شجيرات الزينة بمعظم الدوارات، كما اهتمت بزيادة المسطحات الخضراء، وزراعة العديد من هذه المسطحات في أماكن بارزة من المدينة وجاءت هذه المسطحات الخضراء على شكل رسومات وأشكال تمثل الطابع العماني كالخنجر العماني التقليدي أو خارطة عمان أو بعض الأشكال الفنية المنتقاة والموزعة في أنحاء متفرقة من العاصمة.

ولكن من أين تحصل مدينة مسقط على هذه الكميات الكبيرة من المياه لري وسقي هذه المسطحات الخضراء والحدائق العامة؟ حملنا هذا السؤال أيضا إلى المهندس عبدالله بن عباس بن أحمد رئيس بلدية مسقط فأجابنا بقوله: نحن لدينا شعار هو أن نخلق من مسقط مدينة خضراء، ومن زار مسقط قبل أربع أو خمس سنوات ويزورها الآن يجد أن هناك قفزة نوعية كبيرة في المساحات الخضراء في الطرق والحدائق والتشجير، أما المياه التي نعتمد عليها في ري هذه المساحات الخضراء والحدائق فهي بصورة أساسية مياه الصرف الصحي المعالج، فلدينا الآن ثلاث محطات لمعالجة مياه الصرف الصحي، والمياه التي تروى بها هذه المسطحات الخضراء هي مياه معالجة لثلاث مراحل وهي جيدة لهذه المزروعات، ونسبة الملوحة بها قليلة جدا، ونحن نروي نحو 90% من مسطحاتنا الخضراء والطرق السريعة وأكتاف الجسور من هذه المياه، أما البقية الباقية فنرويها من المياه العادية.

مشاريع تجميلية

وقد قامت بلدية مسقط بإنجاز مجموعة من المشاريع التجميلية لإضفاء شيء من الجمال على مناطق العاصمة، وهي كلها مشاريع مستلهمة من التراث العماني الخالد، منها مشروع الميدان التجاري، وهو واحد من المشاريع الحضارية والجمالية التي قامت بلدية مسقط بتنفيذه، فبالإضافة إلى كونه مكانا للتنزه والتجوال، فهو أحد المراكز الثقافية والاجتماعية والسياحية المفتوحة بمسقط، يشغل مشروع الميدان التجاري، وهذا هو اسمه، مساحة تبلغ 25 ألف متر مربع منها 7 آلاف متر مربع مخصصة لمواقف السيارات يستخدمها مراجعو الحي التجاري ووزارة التجارة والصناعة، بالإضافة إلى سوق مسقط للأوراق المالية، ويتوسط ساحة الميدان التجاري برج بارتفاع 41 مترا ينتهي بقبة تحتها ساعة يمكن مشاهدتها من الجهات الأربع، أما قاعدة البرج والتي تبلغ مساحتها 30 × 30 مترا فهي عبارة عن ثلاث لوحات تبرز التراث العماني في ثلاث واجهات، أما الواجهة الرابعة فهي شاشة ضخمة تتألف من 96 شاشة تليفزيونية سيتم من خلالها بث البرامج الثقافية والرياضية والفنية والسياسية كنشرات الأخبار، ويمكن أن تتغير إحدى هذه الشاشات لتبث أسعار العملات والأسهم وحالة الطقس والإعلانات التجارية التي سيكون ريعها لبلدية مسقط.

أما ساحة البرج، فقد أقيم بها مسرح مفتوح يتم استخدامه بصفة دورية لعروض بعض الفرق الشعبية والموسيقية في الأعياد الوطنية والمناسبات، كما يمكن استخدام المسرح لتقديم العروض المسرحية والمسابقات الثقافية المتنوعة أو عروض راقصة لبعض الفرق العالمية، وعلى جانبي الميدان أقيمت ثمانية معارض مخصصة لبيع التحف التذكارية واللوحات الفنية والمصوغات التقليدية العمانية، كما يوجد بالميدان ممرات على شكل أقواس ذات طابع إسلامي يمكن استغلالها لإقامة معارض فنية، وقد تمت زراعة المساحات الأرضية من مشروع الميدان التجاري بالنخيل ووزعت العديد من أحواض الزهور في أشكال هندسية رائعة.

وقد حظيت منطقة حي الميناء التجاري بمدينة مسقط بأحد الأعمال الهندسية الجميلة يتمثل في بوابات وأسوار مستوحاة من سور وبوابات مسقط التقليدية، فمن المعروف أن مدينة مسقط كانت تتميز بسورها الذي يحيطها وبوابات كبيرة، حيث تشكل هذه الأسوار وتلك البوابات علامة مميزة لهذه المدينة، ومن هنا جاءت فكرة إنشاء بوابات وأسوار مشابهة لسور مسقط وبواباتها لتجميل منطقة حي الميناء التجاري، والمشروع يتكون من سور على شكل قلعة يمتد بما يقرب من نصف كيلو متر بالإضافة إلى بوابات ضخمة تسمح بمرور السيارات من خلالها، ويمكن للجمهور التجوال في هذه الأسوار التي تحوي منصات للمشاهدة وأماكن للترفيه وممرات للمشي.

وفي حي القرم وهو من أرقى أحياء مسقط أقامت بلدية مسقط بحيرة اصطناعية، ويهدف هذا المشروع التجميلي إلى خلق حدائق ومسطحات خضراء للعابرين والزائرين، وتسخير المصادر الطبيعية بالمنطقة حتى يظهر المكان بهدوء متميز يريح الناس بالمنطقة من حركة المرور الصاخبة، وقد زودت الحديقة بنافورة تضخ المياه إلى مسافات بعيدة، وقد زرعت المساحات الموجودة حول النافورة بمختلف النباتات والأزهار مما أعطى للحديقة جمالا خلابا، وقد أقيم جسر صخري للمشاة يربط جانبي البحيرة يتناغم مع المنظر الطبيعي العام للمكان، كما أقيمت ممرات لربط أجزاء الموقع ليتمكن الرواد والزوار من الاستمتاع بكل عناصر المشروع الجمالية.

مجمع رياضي

وإيمانا من حكومة سلطنة عمان بالشباب ورعايتهم واعتبار الشباب ركيزة أساسية فقد اهتمت بتنمية وتطوير الأنشطة الشبابية بوضع الخطط والبرامج لرسم سياسة تهدف إلى النهوض بالأنشطة الشبابية، ويعد مجمع السلطان قابوس الرياضي من أضخم وأحدث الصروح الرياضية في السلطنة من حيث الحجم والخدمات التي يحتويها، والمجمع مدينة رياضية متكاملة تم افتتاحها عام 1985، وتبلغ مساحته نحو 800 ألف متر مربع منها 132 ألف متر مبنية للخدمات الرياضية، ويستوعب الإستاد الرياضي نحو 35 ألف مشاهد، ويحتوي على 28 بابا لتسهيل الدخول والخروج للمتفرجين، وقد بلغت تكاليف بناء هذا المجمع الرياضي نحو 37 مليون ريال عماني.

وهذا المجمع الرياضي الكبير معد لممارسة جميع الأنشطة الرياضية مثل كرة القدم وألعاب القوى والسباحة وكرة اليد وكرة السلة والتنس الأرضي والكرة الطائرة والملاكمة وكرة الريشة والكاراتيه وغيرها من الألعاب الرياضية المتنوعة، وللدلالة على ضخامة هذا المجمع الرياضي الكبير يقول أحد المسئولين عن الشباب والرياضة في عمان: لقد أقيمت في هذا المجمع الرياضي عام 1989 أربعون مباراة رياضية متنوعة شهدها أكثر من مائة وستين ألف متفرج، ويضيف هذا المسئول قائلا: إن هذا المجمع مجهز بالوسائل الحديثة والتسهيلات والإسعافات الأولية والتخزين والمقاصف وأماكن الترويح والسكن والطعام بالإضافة إلى وجود قاعات للمحاضرات والعروض، وقد حرصت الدولة على أن تكون بعض أبنية هذا الصرح الرياضي نموذجا للفن المعماري العماني الأصيل، بالإضافة، ذلك يضم المجمع تجهيزات فنية للتوقيت وتسجيل الأهداف والتصوير والعرض والمراقبة والكمبيوتر والاستقبال وإرسال الصورة التليفزيونية والإشارات.

النشاط التعليمي وجامعة قابوس

وقد نال النشاط التعليمي حظه من هذه النهضة سواء في المدارس أو المعاهد والكليات المتوسطة بالإضافة إلى جامعة السلطان قابوس، ولمعرفة هذه الانطلاقة التي حققت قفزة هائلة في نشر التعليم في السلطنة، يكفي أن نعرف أن التعليم في عمان عامة كان في عام 1970 يتمثل فقط في ثلاث مدارس تضم نحو ألف طالب، يقوم على تعليمهم ثلاثون معلما، فكانت هناك مدرستان فقط في مسقط، والمدرسة الثالثة كانت في صلالة في جنوب البلاد، بينما كانت بقية مناطق السلطنة محرومة من الخدمات التعليمية، أما في عام 1990 فقد ارتفعت أعداد المدارس لتصل إلى 800 مدرسة تضم 355 ألف طالب وطالبة يقوم على تدريسهم أكثر من 15 ألف معلم، لقد استهدفت السياسة التعليمية في السلطنة تنويع التعليم والارتقاء بنوعيته لمواجهة حركة التنمية السريعة في مجالاتها الاقتصادية والاجتماعية وتزويدها بالكوادر المؤهلة، ومن هنا قام التعليم الثانوي الصناعي والزراعي والتجاري والديني، ثم المدارس الثانوية المتخصصة ودور المعلمين والمعلمات التي تحولت إلى كليات متوسطة، بالإضافة إلى هذه الجهود فقد اهتمت الدولة بإدخال التقنيات والآليات الحديثة في التعليم مثل نظام الحاسوب الآلي ومراكز البحوث والتقنيات التربوية.

أما جامعة السلطان قابوس التي تقع في منطقة الخوض بمسقط، فقد تم افتتاحها في العام الدراسي 1987/86 وهي بحق منارة علمية شامخة، فقد استقبلت أول دفعة من الطلاب والطالبات، وكان عددهم 511 طالبا وطالبة موزعين على خمس كليات هي التربية والعلوم الإسلامية والهندسة والعلوم والزراعة والطب، ثم أضيفت إليها بعد عام كلية الآداب. أما في عام 1993 فسوف تقبل الجامعة الدفعة الأولى من طلاب كلية التجارة والاقتصاد ليصل عدد كليات الجامعة إلى سبع كليات جامعية، والملاحظ أن إنشاء الكليات العملية جاء قبل الكليات النظرية، وذلك لأسباب نابعة من احتياجات البلاد التي هي في مسيس الحاجة إلى المهندس والطبيب والمدرسة أكثر من غيرهم من التخصصات الأخرى في هذه المرحلة.

مرافق الجامعة

وتضم جامعة السلطان قابوس العديد من المرافق المكملة، حيث تضم مستشفى يقع داخل الحرم الجامعي على مساحة 44 ألف متر مربع مزودا بأحدث الأجهزة والمعدات الطبية الحديثة ويتسع هذا المستشفى لحوالي 500 سرير موزعة على التخصصات الطبية والأقسام الرئيسية التي يشملها هذا المستشفى. ويعد هذا المستشفى مرجعا علاجيا في المجالات الطبية المختلفة، كما يقدم خدمات في حالات الطوارئ والحالات المحولة إليه أن المرافق الصحية الأخرى، وهو مرتبط ارتباطا مباشرا بكلية الطب، حيث يقوم الطلاب بالتدريب العملي في أقسام المستشفى المختلفة بهدف تمكينهم من اكتساب الخبرة العملية حسب البرنامج الدراسي المعد خاصة في مجال الدراسة الإكلينيكية.

مكتبات ثلاث

وتضم الجامعة ثلاث مكتبات كبيرة، وهي مكتبة الجامعة الرئيسية، وهي تحوي مختلف المراجع والكتب والمجلات العلمية بالإضافة إلى التسجيلات المرئية والصوتية التي يستفيد منها الطلاب، وتضم المكتبة 48 ألف مرجع وأربعة آلاف دورية علمية، أما التسجيلات الصوتية والمرئية فهي في حدود 6555، وتزداد هذه المواد في حدود 25% كل عام، ولدى مكتبة الجامعة اتصالات عالمية تستطيع الحصول على أي مرجع علمي في فترة وجيزة، وكذلك تضم الجامعة مكتبة بكلية الطب وهي تضم كتبا ومراجع تخصصية لا يحتاج إليها طلاب الكليات الأخرى، وهذه المكتبة تحتوي على نحو أربعة آلاف مرجع وهي مكتبة علمية متميزة تضم المراجع المهمة والمجلات العلمية في كل التخصصات الطبية.

أما المكتبة الثالثة فهي ما يطلق عليها مكتبة. المسجد، وتضم نخبة كبيرة من المراجع والكتب الدينية، والمكتبة ملحقة بمسجد الجامعة وتضم حاليا حوالي 5 آلاف مرجع ديني.