الرواية والمدينة... أيهما يقتحم الآخر? محمود الورداني تصوير: سوسن محمد عزت

الرواية والمدينة... أيهما يقتحم الآخر?

تحقيق أدبي
في ملتقى القاهرة الثاني للإبداع الروائي العربي

مائة وخمسون كاتبًا وناقدًا ومستعربًا جمعتهم القاهرة في ملتقى أدبي ليناقشوا قضايا الرواية العربية, مركزين هذه المرة على علائق (الرواية والمدينة), وليشهدوا في ختام الملتقى منح جائزة الرواية العربية. ولعل حيوية هذا الملتقى لا تعود إلى حجم الاتفاق بين الملتقين, بل حجم الاختلاف فيما بينهم, وحجم ما يحفل به أي ملتقى من مفاجآت!

  • هل أقحمت المدينة على الرواية العربية؟
  • 150 كاتباً وناقداً ومستعرباً يناقشون الخطاب الروائي.

أنهى الروائي صنع الله إبراهيم ملتقى القاهرة للإبداع الروائي على نحو (روائي) حقًا باعتذاره عن عدم قبول جائزة الملتقى في خطاب مفتوح وجهه للجميع عدّد فيه الأسباب التي دفعته لاتخاذ هذا القرار في لحظة محددة من تردّي الأحوال العربية التي نعيشها جميعًا, وهو ما أفاضت وكالات الأنباء والصحف في ذكر تفاصيله.

وكان الملتقى الذي دعا إليه المجلس الأعلى للثقافة في مصر قد انعقد متأخرًا قرابة ثلاثة أعوام بسبب الظروف السياسية المتوالية, فالملتقى الأول عقد في فبراير 1998, وكان مقررًا أن يعقد كل عامين, وأخيرًا عقد في الفترة من 18 إلى 22 أكتوبر الماضي, وشارك فيه نحو 150 كاتبًا وناقدًا عربيًا, فضلاً عن عدد كبير من المستعربين من السويد وإيطاليا والولايات المتحدة وغيرها.

والحقيقة أن الازدحام الشديد والبرنامج المتخم بالقضايا والموضوعات كان هو السمة الغالبة, فالجلسات والندوات والموائد المستديرة والشهادات تنعقد بالتوازي في ثلاث قاعات مختلفة.

على سبيل المثال, وبعد الجلسة الافتتاحية التي حضرها وزير الثقافة وألقيت فيها الكلمات التقليدية للأمين العام د.جابر عصفور ونجيب محفوظ - ألقاها نيابة عنه الشاعر عبدالرحمن الأبنودي - كما ألقى الروائي إبراهيم الكوني كلمة نيابة عن الضيوف العرب, وعن المستعربين ألقى هارتموت فندريتش كلمة, وعن الروائيين في مصر ألقى إدوار الخراط كلمة أخرى.

بعد هذه الكلمات التقليدية وعلى مدى أربعة أيام عقدت أربع وعشرون جلسة بحثية واثنتا عشرة جلسة للشهادات شارك فيها عشرات الروائيين العرب, فضلاً عن خمس موائد مستديرة. بطبيعة الحال لا يمكن متابعة أو حتى مجرد الحضور لكل هذا النشاط الحافل, ومن ثم لابد من الاختيار, ولابد أيضًا أن تفوتك بعض هذه الجلسات!

الملتقى عقد تحت عنوان عريض هو (الرواية والمدينة), لذلك دارت أغلب موضوعات وقضايا النقاش النظري حول هذا العنوان سواء على المستوى النظري أو التطبيقي, كما أهدى الملتقى دورته لاسم الراحل إدوارد سعيد وخصص لدوره النقدي والفكري مائدة مستديرة حافلة استمرت نحو أربع ساعات.

وفي اليوم الأول - الذي شهد أربع جلسات فضلاً عن جلستين للشهادات ومائدتين مستديرتين - شارك في الجلسة الأولى صبحي حديدي من سوريا ببحث عن (المدينة وجدل الحاجة إلى حكاية) قدم من خلاله تشريحًا لرواية الياس خوري - من لبنان - (مجمع الأسرار) وذكر الأسباب التي أدت إلى استخدام الحكاية داخلها وأولها - كما ذكر - أن مقاربة موضوعات المدينة (استخدام الياس بيروت في روايته مسرحًا لأحداثها) استدعت سيلاً من الحكايات المتداخلة. وأضاف أن رواية علوية صبح - من لبنان - (مريم الحكايا) تستدعي المقاربة ذاتها. إننا نحتاج إلى الحكي لكي نستولد عددًا إضافيًا من الأسئلة التي تحاول الرواية الإجابة عنها. وفي حال خوري تتولد الحكاية من ثلاثة أقطاب. الأول شخصية بيروتية, والثاني قادم من الريف, والثالث يرتبط بها الشخصيتان الأخريان, ويدير خوري حوارًا بين هؤلاء ليهتك أسرار الحكايا.

وفي مداخلته ربط د.فيصل دراج - من فلسطين - بين الرواية والديمقراطية, فذكر أولاً أن الرواية ولدت ولادة (معوقة) واستمرت فترة طويلة, وشهدت تطورًا منذ بداية الأربعينيات وحتى الخمسينيات والستينيات بسبب صعود الحركة الشعبية (سوف نجد في هذه الفترة مدينة مجازية, صحفًا, أحزابًا, تظاهرات شعبية عارمة, وبالفعل تم خلق مدينة مجازية سوف تقتل بشكل سريع بعد عام 1967).

وأضاف أنه بالرغم من جهود المخلصين, فإن الرواية دخلت حدود (الاستنقاع) في مجتمع يرى فيها جنسًا يجب قتله ومحاربته.

بينما أكّد د. صبري حافظ - مصر - في مداخلته حول (تحولات مدينة القاهرة وخطابها الروائي الجديد) قيام تناظر نقدي بين تغير بنية القاهرة الحضرية في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين, وتحوّلات الخطاب الروائي في مصر في الفترة نفسها. وفي هذا السياق طرح حافظ ثلاث مراحل مختلفة في تطور المدينة تناظرها ثلاث حساسيات ثقافية واجتماعية متباينة, فالعقود الثلاثة الأخيرة من القرن الماضي شهدت بزوغ مدينة أخرى هي المدينة العشوائية التي يطوّق حزامها القاهرة من الشرق والغرب, مدينة الفقراء المقامة خارج النطاق الرسمي: مدينة ذات أحياء كاملة للإسكان العشوائي والهامشي, بل وإسكان المقابر (بلغ مجموع سكان مناطق المقابر وحدهم في القاهرة أكثر من مليون نسمة).

....وهكذا أدى نمو المدينة السرطاني إلى زحف المساكن على المقابر وانعدام الفواصل الجغرافية...هذه المدينة هي بنت عقد السبعينيات و(انفتاحه)!

الخيال المؤنث

اختتم هذه الجلسة د.عبدالله الغذامي - من السعودية - ببحث عنوانه (الخيال المؤنث) مشيرًا إلى أن هناك بحوثًا أجريت في الخارج أكدت وجود فروق جذرية تتعزز بين ذهن الرجل وذهن المرأة, وأن الأخيرة لديها القدرة على إنتاج نسق ثقافي بعيد عن الأنماط السابقة والجاهزة والمقولبة التي تعارفنا عليها. إن (الخيال المؤنث) كما أضاف الغذامي قد يكون ملكة عند رجل لأن الحديث ينطلق من مفهوم التواشج الذي يعني القدرة على قراءة الطرف الآخر وقراءة مشاعره. إن ألف ليلة - مثلاً - عمل من صنع النساء, إلا أن تدوينه تم بواسطة الرجل فجرت التحوّلات التي أدت إلى صبغه بالصبغة الذكورية.

مداخلات هذه الجلسة شارك فيها كل من سحر خليفة - من فلسطين ووجهت كلامها إلى فيصل دراج قائلة: (لدي تجربة في نابلس وهي مدينة محافظة وتقليدية بسبب نسيجها العائلي المتداخل, وعلى الرغم من ذلك استطاعت إيجاد صيغ ديمقراطية للمقاومة والتكامل, رغم تقليديتها وسط القصف والإغلاق المتواصل, وهي مالم تقدر عليه مدن أكثر انفتاحًا, بينما أشار بنسالم حميش من المغرب إلى أن ما ذكره د.دراج حول الرواية بوصفها الجنس الوحيد القادر على التعبير عن المدينة, يعني إقصاء الأنواع الأدبية الأخرى, فهل نحن في حرب فنادق تدور رحاها بين الأجناس الأدبية? وأضاف: إن الرواية تصاب بالضعف إذا افتقدت الشعر.

تواصلت مداخلات هذه الجلسة تحديدًا بسبب اختلاف وجهات النظر, حيث وجه مبارك ربيع - من المغرب - كلامه لدراج أيضًا وذكر أن الروائي, وهو يشيد مدينة, ربما يكون أكثر انفتاحًا وحرية من المدينة التي ذكرها دراج في ورقته النقدية, وأضاف رشيد بنحدو - في السياق نفسه - أن بعض الروايات التجريبية معوقة حكائيًا, ولاشيء يحدث فيها كأنها صدى لنوع من الحداثة الغربية التي استنفدت أغراضها قبل ثلاثة عقود تقريبًا, لذلك فإن مفهوم الإعاقة الذي استخدمه دراج يحتاج إلى توسيع أكثر.

ورد د.فيصل دراج على هذه الملاحظات ذاكرًا أن بعضها صحيح, غير أننا نحتاج إلى (عسف نظري) لتوضيح الرؤية, وأضاف (أنا متمسك بمفهوم الإعاقة, فالرواية ولدت معوقة بالفعل لأن فرح أنطون - مثلاً - قدم عملاً ذهنيًا, وجبران خليل جبران كتب مجموعة من المشاهدات, أما الإعاقة الأكثر مأساوية فهي القارئ, لا يوجد قارئ للرواية العربية, لا يوجد ناقد, لا توجد مؤسسات, هناك إعاقة كاملة).

وتتابعت الجلسات البحثية, ففي الجلسة التي رأسها محمد شاهين وضمت د.محمود الربيعي ومنصور الحازمي وفاطمة موسى, تحدث الربيعي - مصر - مشيرًا إلى أن القضية ليست في الموضوع (المدينة) بل في الابتكار والخلق, وإذا بقي الخلق الفني متعثرًا لا يستطيع التخلص من ركام الموضوع المادي, وأنه عادة ما يفشل فشلاً ذريعًا, وأضاف: هل (قصة مدينتين) لديكنز تعد قصة مدينة? لم يقل أحد ذلك مطلقًا. ورواية (العجوز والبحر) لهيمنجواي - مثلاً - هل هي رواية الماء أم رواية السمك?!, وانتهى الربيعي إلى أن ما ينقصنا هو نوع من الاختراق على جبهتين: اللغة التي مازلنا عاجزين عن التصرف فيها, كما أن كثيرًا من الروائيين لغتهم ضعيفة مع الأسف. وينقصنا أيضًا اختراق الخيال وهذا مناطه, المبدع وهي مسئولية المبدع في كل الأحوال.

حول أعمال الكاتبة اللبنانية غادة السمان دارت مداخلة د.فاطمة موسى - مصر: (بيروت من كوابيس الوطن إلى كوابيس الغربة). وأوضحت أن السمان عندما تكتب عن الوطن, فهي تكتب عن العالم العربي, إنما تؤرخ كل ما تكتب وتدوّن المكان الذي كتبت فيه عملها(!!).

أما منصور الحازمي - من السعودية - فقد تناول في ورقته (مكة المكرمة في الرواية السعودية) أجيال الرواية السعودية, بينما تحدث جميل عطية إبراهيم - مصر - عن القرية الكونية وتطور وسائل الاتصال وعلاقة هذا بالرواية والمدينة. إن مقولة لا زمان دون مكان ولا مكان دون زمان قد تغيرت, غيّرتها وسائل الاتصال التي استطعنا من خلالها أن نشهد سقوط برجي مركز التجارة في نيويورك على الهواء مباشرة, لقد هزمت التكنولوجيا الجغرافيا, لذلك لابد من تجديد الخطاب الروائي.

بطبيعة الحال لا يمكن عرض كل ما دار في أربع وعشرين جلسة بحثية واثنتي عشرة جلسة للشهادات فضلا عن الموائد المستديرة, لذلك سأحاول اختيار عدد من الجلسات التي تغطي أغلب القضايا والموضوعات المطروحة.

ويمكن القول, من جانب آخر, إن اختيار موضوع المدينة كمحور رئيس للملتقى أدى على هذا النحو أو ذاك إلى محاولة إدخال وإقحام اسم المدينة على أي مستوى, حتى لو كان غير ضروري. ففي الجلسة التي شارك فيها د.محمد برادة وبنسالم حميش (المغرب) وروجر ألن (أمريكا) وعبدالحميد المحادين (الأردن), قدم برادة ورقة عنوانها (فاس - طنجة - القاهرة - باريس.. فضاء للنسيان والتذكر) تناول من خلالها تجربته الذاتية تجاه المدن السابق الإشارة لها وتأثره بها في أعماله وانتهى إلى أن المدينة (فضاء يشعرنا باختلافنا عن الآخرين, كما أنها لا تحدد الهوية بل تساعد على تلاشيها ليبرز الآخر الساكن في أعماقنا).

وإذا كان روجر ألن قد اختار في بحثه عن (الرواية والمدينة) رواية (مجنون الحكم) لبنسالم حميش ورواية (شجيرة وحناء وقمر) لأحمد توفيق - وكلاهما من المغرب - فإن عبدالحميد المحادين في ورقته عن (الرواية والمدينة العربية) اختار أن يتحدث عن الخليج بوصفه محكوما بالبحر والصحراء, وفي الوقت نفسه فإن الإنسان محكوم أيضا بالمكونات ذاتها. في هذه الظروف ولدت الرواية, ولما كانت القرية هي الوحدة الأساسية في الخليج, فمن الصعب أن يكتب روائع من الخليج إلا ويبدأ الحديث عن القرية التي تتسم بالتجانس والحفاظ على التقاليد والقيم. ومع ذلك فإن المحادين انتهى إلى أن الرواية كيان لغوي وفن كلامي, وليس ضروريا أن ترتبط بمكان, كما أنها لا تصلح للتأريخ لأن الراوي يعتمد على التخيل.

رواية التسعينيات

كذلك خصصت جلسة بحثية أخرى لرواية التسعينيات رأسها د.محمد بدوي - مصر - وشارك فيها د.حاتم عبدالعظيم من مصر أيضا ومحمد البنكي - من البحرين - وصلاح صالح من سوريا - ود.محمد المخزنجي - مصر. دارت الورقة الأولى التي قدمها حاتم عبدالعظيم عن رواية التسعينيات واختار عشر روايات, لكنه استغرق أغلب الوقت في معاظلات نظرية جافة لمصطلحي المكان والفضاء, بينما أشار إلى الأعمال الروائية ذاتها إشارات مبتسرة وسريعة, على العكس من محمد البنكي الذي كانت مداخلته محددة متماسكة, حيث أوضح أن رواية التسعينيات تقدم تجارب مازال أمامها مستقبلها, وهي في طور التشكل الآن, لذلك فإن البنكي أبدى تشككه من جدوى الكلام عن قطيعة الرواية التسعينية الكاملة مع ما سبقها, وفي هذا السياق أيضا أشار إلى سخف التعبيرات الشائعة التي أطلقت على هذه الكتابة, مثل كتابة الجسد أو أدب البنات أو كتابة الاختلاف, وانتهى إلى قراءة أعمال كل من ميرال الطحاوي التي قدمت المدينة بوصفها فعل تهديد, وعلاء الأسواني الذي قدم عملا كلاسيكيا واقعيا, ومنتصر القفاش الذي قدم بطلا وجوديًا في روايته الأخيرة.

في الجلسة نفسها تناول صلاح صالح أعمال الروائي خيري الذهبي وصورة دمشق لديه, بينما تركزت مداخلة محمد المخزنجي على اعتراضه على هذا التكريس الزائد للون من الأدب على حساب الأطياف الأخرى. وأضاف أن هذا الاعتراض, ليس بوصفه كاتب قصة فقط لأن كتابه (لحظات غرق) ينتمي إلى (رواية الحقيقة) وهو اتجاه وتيار قائم بذاته في الكتابة, لذلك فاعتراضه أيضا بوصفه من كُتّاب الرواية. إن هذا التكريس المبالغ فيه للرواية يهدد الأخيرة ذاتها بالتحول والذبول, لأن قانون تنوع الحياة يؤكد أن تسييد نوع على حساب بقية الأنواع يهدد الحياة كلها بل النوع نفسه. وإذا كانت تعبيرات من نوع (الزعيم الأوحد) أو (العرق الواحد) تقلقنا, فلماذا لا يقلقنا الحديث عن نوع واحد يصادر على بقية الأنواع الأدبية في إطار السرديات النثرية, التي يزيل النقد الحديث ما بينها من حواجز?! وانتهى المخزنجي إلى أن النقد لم يكتف بإقصاء هذه الأنواع فقط, بل أقصى أنواعا أخرى داخل الرواية ذاتها مثل الروايات الشعبية, ورواية الحقيقة Faction, أو رواية الصحافة الجديدة كما تم الاكتفاء بلون واحد من الرواية ذات التأريخ الغربي البادئ بدونكيشوت بينما هناك نموذج روائي شرقي أبعد تاريخنا وتمثلة ألف ليلة العربية وكليلة ودمنة الفارسية ومسارات الببغاء الهندية.

معمار المدينة ومعمار الرواية

مازالت الجلسات البحثية تكاد أن تكون مقصورة على المدينة وعلاقتها بالرواية, وهو ما أدى في كثير من الأحيان لإقحام المدن على الخطاب الروائي. ففي الجلسة التي رأسها الطيب صالح (السودان) وشارك فيها محسن جاسم الموسمي (العراق)  ومبارك ربيع (المغرب) وهارتموت فند ريتش (سويسرا) ومحيي الدين اللاذقاني (سوريا), تناول مبارك ربيع في ورقته عن (الفضاء الروائي: دينامية السرد والتحول) المدينة الحديثة تحديدا التي تلازمها الرواية الحديثة, حيث وجد المجتمع الجديد في الرواية الحديثة طريقة للتعبير عنه, بينما كانت المسرحية والشعر طريقة للتعبير عن المجتمع السابق, وتساءل ربيع في مداخلته: لماذا لا تكون المدينة الروائية خالقة للمدينة المعمارية? وهي بذلك باعثة عليه وليست نتيجة له, إنها عبقرية خاصة في الفعل الروائي.

بينما تركزت مداخلة هارتموت فند ريتش على رواية (المجوس) لإبراهيم الكوني, التي اعتبر موضوعها غريبا على عالم الكوني الروائي المعتمد على الصحراء, حيث تجري الأحداث في القرية, بينما في المجوس تبدأ الأحداث في الصحراء قبل أن توجد المدينة, وتنتهي بإزالة هذه المدينة.

أما محسن جاسم الموسوي فبدأ ورقته (المكان فاعلا - مفعولا في رواية ما بعد الاستعمار) بأننا نكاد نسلّم أن المدينة تشغل المادة الأساسية في الرواية العربية, لاسيما رواية ما بعد الاستعمار وتسقط خطاباتها عليها. فعصفور من الشرق لتوفيق الحكيم هي في الأساس صراع أفكار بين الشرق والغرب, وباريس لديه هي الأقوى, بينما القاهرة باهتة, لأن الخطاب النهضوي قاده إلى خطاب نهضوي آخر. وفي هذا السياق أضاف الموسوي أن الغيطاني عندما أخذ من المقريزي تمكن من بلوغ مداخل المدن, وتحرك داخل المساحة المكانية على نحو جعل المكان يظهر مرة ثانية, وفي (حكايات المؤسسة) - رواية الغيطاني - يمكن أن تكون المؤسسة هي المدينة أو الدولة, ويمكن لهذه الأفكار أن تبدو وقد ظهرت داخل القوانين والأنظمة التي تتنزل من أعلى إلى كل المجتمع.

وتحدث في نهاية الجلسة محيي الدين اللاذقاني عن التحايل النسوي على كتابة التاريخ العربي روائيا والإشكاليات المرتبطة به. ففي رواية (البشموري) لسلوى بكر نرى الفتح الإسلامي لمصر معروضًا بطريقة ذكية, وأضاف: إن التاريخ العربي رواية جاهزة, فيه تلك الدراما المتحركة التي تجعل من تناوله مسائل مثيرة شديدة الجاذبية.

أكثر من خمسين شهادة

تجاوزت الشهادات خمسين شهادة لمبدعين ينتمون لأغلب الأقطار العربية ومعظم الأجيال والتيارات, لذلك, ومثلما عرضت لنماذج دالة من الجلسات البحثية, سأعرض لبعض النماذج الدالة في الشهادات وليس بسبب قيمتها مثلا. فؤاد التكرلي مثلا, من العراق, بدأ شهادته بالإشارة إلى مقولة لفتت نظره, وهي أن الرواية مناقضة للأخلاق القويمة وتدعو إلى الابتذال والفساد. وعلق التكرلي: (أدهشتني المقولة. وجدتها مرفوضة ومقبولة في الوقت ذاته, لأن الواقع والمتخيل يتداخلان في الرواية بشكل قادر على نقل الحياة في المدينة, وما يجري وراء جدران البيوت من انتهاك الأعراض والقوانين التي تفضح نفوس الناس السوداء وهو الأمر الذي صدمهم بشدة وجعلهم يثورون على الفن الروائي الذي سرّب الاضطراب إلى أخلاقياتهم الرصينة).

أما إدوار الخراط فاختار أن يقدم تشريحًا نقديًا لروايته (صخور السماء) بدأها بقوله: (آمل ألا تكون صخور السماء قائمة فقط في سماء الإسكندرية, بل هي في سماء مدينة كبرى أخرى, وليست قرية كما تصوّر بعض النقّاد, بل هي مدينة أخميم:  مدينة الخصوبة والحياة, وأتصوّر أن نزعة الخلود, وتوحد الكلي بالجزئي, الإنساني بالإلهي, قائمة وفعالة في داخل كل منا, نزعة غالبة على ما أسميته الرواية السكندرية, وما قد استشفه في عملي الروائي عن مدينتي الإسكندرية).

هدى بركات, من لبنان, قدمت شهادة عذبة عن مدينتها بيروت: (كان جدي مسموع الكلمة هو أول من رأى البحر وتمشى على الساحل وداخل مدينته الكبرى. أبى أن ينحصر في أماكن قليلة, ولم يفعل مثل بقية الريفيين. سمح لأمي بالعمل فيما كان زوَّج أخواتها الست دون سماع رأيهن. ولدت في ضاحية بيروت الشرقية, يعبر سكانها قلب المدينة ليعودوا إليها مسرعين, وهكذا كنت أعود في باص المدرسة دون أن أرى من بيروت شيئًا. لم أبدأ في التعرف على بيروت أنا وأمثالي من الريفيين سوى في الجامعة.. هنا كان الخطأ يتمثل في الاقتراب من بيوت الغانيات ومعاكسات الشباب. رأيت ونحن نخطو في المظاهرات الطلابية أننا ندخل قلب المدينة بالفعل. كان فينا الشماليون والجنوبيون والبيروتيون والفلسطينيون والعراقيون وبعض الأجانب. انتبهت في هذه اللحظة إلى أن ما يميز المدينة ليس سكنى الزعماء والمقتدرين من قريتي فقط, ولكن فسيفساء التنوع استمرت حتى ضربتها الحرب وحوّلتها إلى ريف قاس ناكر لأصوله.. الآن قلب بيروت فارغ).

***

في حضرة إدوارد سعيد

أطلق الملتقى على دورته الحالية اسم (إدوارد سعيد) تكريمًا له واحتفاءً بدوره الذي غيّر وجه النقد الغربي, وقدم رؤية انقلابية على كل ما سبق. في هذا السياق عقدت مائدة مستديرة امتدت ثلاث ساعات على جلستين منفصلتين أدارتهما د.فريال غزول من العراق, شارك في الأولي صبحي حديدي من سوريا, ود.صبري حافظ من مصر, وروجر ألن من أمريكا وفيصل دراج ومحمد شاهين من الأردن, ومحسن الموسوي.

قدم صبحي حديدي استعراضًا موجزًا لفكره النقدي مشيرًا إلى جانبين, يتعلق الأول بالأعمال النقدية الخاصة بالرواية مباشرة, والثاني حول عدد من المفاهيم التي كرسها مستوحيًا معطياتها من خلال نقده للرواية.

وفي دراسة سعيد لكونراد - على سبيل المثال - قدم افتراضين أساسيين: الأول أنه للمرة الأولى وبهذا العمق طرح سعيد مفاتيح مختلفة وليست كلاسيكية, كما درس رسائل كونراد الشخصية وحاول تقصي الانعكاسات التي جعلته يشعر بنفسه كآخر داخل اللغة الإنجليزية.

وأكد د.صبري حافظ أن سعيد أدخل التاريخ باعتباره مكانًا محوريًا - بتأثير لوكاتش - لكن سعيد عمّقه وأدرك أنه في حاجة ماسة لمنح الجغرافيا المكان دورًا أساسيًا. كذلك نجح في أن يجعل الخطاب النقدي الماركسي مقبولاً داخل مؤسسة النقد الغربي المعاصر, وهي المؤسسة التي كانت قائمة أساسًا على العداء للماركسية.

أما د.هاني حنفي, من مصر وتلميذ إدوارد سعيد, فقد أشار إلى وعي سعيد الحاد بالأجناس الأدبية المختلفة. كما أشار إلى دوره في (إنزال) النظريات النقدية من أبراجها العالية, فضلاً عن لغته التي تميزت بالبساطة على الرغم من ثرائها وعمقها, إلا أن من يشتغلون بمنهجه حوّلوه إلى نوع من الكهنوت! وفي هذا السياق أشار إلى أن بعض مفاهيم إدوارد سعيد يتم التعامل معها على نحو بالغ الخطورة, فنص (الخباء) لميرال الطحاوي يعتمد على مضامين لا تنتمي إلى العمل الروائي نفسه, بل هي موجهة للآخر, وكذلك يجري التعامل مع الأقليات النوبية وهو أمر خطير في التعامل مع صورة الأمة.

 

محمود الورداني 

أعلى الصفحة | الصفحة الرئيسية  
اعلانات




 





صورة تذكارية للفائز صنع الله ابراهيم قبل ان يعلن رفضه للجائزة





الطيب صالح يعلن حيثيات منح الجائزة





ابراهيم الكوني يلقي كلمة الروائيين العرب





إحدى الجلسات الافتتاحية من اليمين: د.الغذامي, د.دراج, د. جابر عصفور, د. صبري حافظ, ود. صبحي الحديدي





د. جابر عصفور يعلن بداية الملتقى





كلمة نجيب محفوظ يلقيها الشاعر  الأبنودي





في الهواء الطلق: حوار روائي حر يصنع لقاء بين القادمين من أقطار عربية عديدة





جلسة لمناقشة مشكلات الرواية





وقت للشاي يخفف احتدام نقاشات  الرواية





شهادات وروايات ومبدعون في المجلس الأعلى للثقافة