مثلث الرعب الجديد

مثلث الرعب الجديد

بعد زلزال سبتمبر في نيويورك, تعاقبت التوابع التي أظهرت أن العالم تغير فعلاً, وأبرز المتغيرات كان انتقال كثير من هواجس الرعب الكامن, أو المُتخيّل, إلى واقع محتمل, وقد طفت على السطح - عدا مالم يطفْ من أمور مُضمرة - ثلاثة مخاوف ساطعة تشكّل مثلثاً لرعب جديد أضلاعه الإرهاب النووي,
والكيميائي, والبيولوجي. وهو مثلث نجوس بين زواياه ببعض المعرفة متعددة الوجوه, لعل المعرفة تضيء دروباً للتفكّر والتدبّر.

الجدري يعاود الظهور

في عدد يناير الماضي نشرت العربي مقالاً عن (الجمرة الخبيثة) التي راجت شهرتها بعد الهجمات بالمسحوق المحتوي على بذورها في الخطابات البريدية, ولم تكن الجمرة هي الأخطر في ترسانة الإرهاب البيولوجي, فثمة رعب أكبر أطل برأسه المخيف من هذه الترسانة, وهو فيروس الجدري الذي ظنت البشرية أنها تخلصت من جوائحه وويلاته.

كان مرض الجدري من أخطر الأمراض المعدية التي عانتها البشرية على مدى تاريخها الطويل, فقبل استخدام طريقة الوقاية منه في بداية القرن التاسع عشر, والتي اكتشفها الطبيب البريطاني إدوارد جينر, تسبب الجدري في وفاة الملايين من البشر.

إن مرض الجدري مرض قديم جداً, وأول إصابة به مسجلة تاريخياً هي حالة الفرعون المصري رمسيس الثالث الذي وجدت بالمومياء الخاصة به آثار الإصابة بهذا المرض, كما كان المرض معروفاً في الصين والهند وتركيا وأوربا. وقد حدث بشكل وبائي اجتاح العالم كله مرات عدة وتسبب في وفاة 40% من الذين أصيبوا به. أما أهم مضاعفاته فتشمل فقدان البصر, فقدان السمع, الجنون, الالتهاب الرئوي, والفشل الكلوي.

سبب المرض وأعراضه

يحدث الجدري نتيجة العدوى بفيروس خاص, وتبلغ مدة الحضانة حوالي أسبوعين. وهو يصيب كل الأجناس وكل الأعمار. ونظراً لأن الأطفال كانوا يطعمّون ضد الجدري في الشهر الثالث من عمرهم بحكم القانون, فقد قلت حالات الجدري بينهم, وكان هذا المرض يصيب البالغين الذين تزيد أعمارهم على خمسة عشر عاماً لأنهم فقدوا المناعة التي اكتسبوها في طفولتهم ضد هذا المرض. وأهم أعراض الجدري ارتفاع شديد في درجة الحرارة وصداع وألم في منطقة أسفل الظهر. وتستمر هذه الأعراض ثلاثة أو أربعة أيام تهبط في نهايتها درجة الحرارة وتزول بقية الأعراض, وفي الوقت نفسه يظهر طفح على الوجه وعلى السطح الخارجي لمفصل اليدين (الرسغ) وربما الكتف, ثم ينتشر الطفح من أعلى إلى أسفل فيصل إلى الساقين بعد أربع وعشرين ساعة. ويكون الطفح أولاً على شكل حليمات صغيرة حمراء مرتفعة عن سطح الجلد ثم تتحول هذه الحليمات بعد ثلاثة أيام إلى حويصلات تحوي سائلاً صافياً شفافاً, ثم ينبعج مركز الحويصلات ويصبح كالسرة ويرتفع ما حوله على هيئة دائرة, وهذا ما يسمى بالانبعاج السري. وقد لا يقتصر ظهور الطفح على الجلد بل يصيب الأغشية المخاطية للأنف والفم والبلعوم والحنجرة, كما يصيب ملتحمة العين. وبعد ثلاثة أيام أخرى, أي في اليوم التاسع للمرض تقريباً, يبتدئ التقيّح في الحويصلات فتتكون داخلها مادة صديدية ويحمرّ ما حولها وتسمى حينئذ بالبثرات. وفي ذلك الوقت تزداد الأعراض شدة وخاصة ارتفاع درجة الحرارة. وإذا بقي الطفح منفصلاً كان الجدري من النوع المتفرّق, أما إذا اقترب بعضه من بعض كان من النوع المختلط وهو أشد خطراً من النوع الأول وأشد تشويهاً. وتجف البثرات بعد تقيّحها بثلاثة أيام أي من اليوم الثاني عشر من المرض وتترك قشوراً تنفصل خلال الأسبوع الثالث تاركة وراءها ندوباً غائرة في الجلد لا تنمحي مدى الحياة.

وكانت نسبة الوفاة بهذا المرض قبل إدخال التطعيم تصل من 50 إلى 70%, ولكن بعد اتباع نظام التطعيم الإجباري انخفضت هذه النسبة إلى حوالي 20%.

طرق العدوى

تنتقل العدوى من المريض إلى السليم بواسطة الرذاذ الذي يخرج من فم المريض أو باستنشاق القشور عند انفصالها من الجلد. وتنتقل القشور من مكان لآخر بواسطة الهواء أو الذباب, وقد تحدث العدوى أيضاً من ملامسة الأيدي لثياب المريض وحوائجه الملوّثة بالقشور أو صديد البثور. ويساعد الازدحام وتكدّس السكان وخاصة في الأحياء الفقيرة على انتشارالمرض بصورة وبائية.

الوقاية

خير ما يعمل للوقاية من الجدري هو التطعيم الإجباري وعزل المريض وتطهير ملابسه والأشياء التي استخدمها أو حرقها إذا أمكن وتطهير غرفته وأثاثها. إلا أن جميع هذه الاحتياطات لا تثمر مثل تطعيم كل المخالطين للمريض ووضعهم تحت الملاحظة ثلاثة أسابيع. ومما يجدر ذكره أنه لا يوجد علاج لمرض الجدري حالياً.

والهدف من التطعيم هو الوقاية من الإصابة بالمرض, وقد كان إجبارياً في أغلب البلاد, إذ إن الحكومات كانت تحتّم على الوالدين تطعيم أطفالهم في مدة لا تتجاوز ثلاثة أشهر بعد ولادتهم. وتستخدم في التطعيم المادة المأخوذة من جدري البقر. وكان أول من نادى باستخدام هذه الطريقة الدكتور إدوارد جينر في عام 1798 الذي لاحظ أن جدري البقر يمكنه أن يكسب الإنسان مناعة ضد الجدري, وتعبأ المادة المأخوذة من البقر المصاب بالجدري واللازمة لتطعيم الإنسان في أنابيب شعرية من الزجاج مغلقة الطرفين.

ونتيجة للتطعيم الإجباري ضد الجدري على مستوى العالم كله تقريباً, أعلنت منظمة الصحة العالمية في عام 1980 اندثار هذا المرض فتوقفت الحاجة للتطعيم ضده, وعلى ذلك أصبحت الأجيال الجديدة في جميع الدول غير محصنة ضد الإصابة به. ومع ذلك فإن فيروس الجدري مازال محفوظاً في معامل (مركز مراقبة الأمراض) بولايتي أتلانتا وجورجيا الأمريكيتين, ومعمل للأبحاث في روسيا, ومن المعتقد أن بعض الدول قد تكون لديها مخازن سرية للفيروس.

وقد تجدد الخوف من استخدام فيروس الجدري بواسطة الجماعات الإرهابية كسلاح بيولوجي بعد استخدام بكتيريا الجمرة الخبيثة, ذلك لأن خطورة الجدري تكمن في أن العدوى به تنتقل من إنسان لآخر, ومعنى ذلك أنه من السهولة بمكان أن ينتشر بشكل وبائي في مدة وجيزة من الزمن. ونظراً لأنه مرض فيروسي, فهو لا يستجيب للعلاج بالمضادات الحيوية المعروفة حالياً.

ومع أنه يوجد لقاح للوقاية من الجدري, إلا أن الكمية المتاحة منه حالياً محدودة, كما أن صنع كميات مناسبة من اللقاح تحتاج إلى عامين على الأقل, في حين أن الهجوم المكتسح لهذا المرض قد يقضي على الإنسان في أيام عدة, ولذلك فإن المشكلة التي تواجه المسئولين عن الصحة العامة هي كيفية التعجيل بوقاية الملايين من المواطنين في مدة وجيزة في حال اندفاع الإصابة بمرض الجدري.

 

أنيس فهمي