إسرائيل .. وحربها الخفيّة

إسرائيل .. وحربها الخفيّة

تحت سطح الداخلي التماسك السياسي، والتفوق الاقتصادي، والتقدم العلمي، والاستقرار الداخلي الذي يبدو أن المجتمع الإسرائيلي ينعم به، تقبع بعض المؤشرات التي تدل على وجود حرب خفية

يمكن اعتبار هذه الحرب روحية لأنها تتصل بمن هو اليهودي الخالص، ومَن هو اليهودي غير المكتمل العقيدة، وهي حرب مادية، لأنها تدور حول مستقبل الدولة، وما إذا كان في مقدورها بعد خمسين عاماً من إنشائها أن تواصل البقاء في إطار الدولة اليهودية، أم ستنحدر إلى مستوى الدول الأخرى، وهي من وجهة نظر البعض حرب ثقافية، لأنها تدور بين طرفين مختلفي التوجه والتكوين من أطراف المجتمع الإسرائيلي حول أهمية العقيدة في حياة الأفراد.

ويمكن تحديد معالم هذه الحرب من خلال الإشارة إلى رؤية معسكريها لفكرة الدولة اليهودية في مرحلتها الراهنة :

الأول، يرى أنه في مقدور إسرائيل أن تواصل حياتها وتفوقها وفق مبادئ الصهيونية العالمية دون تغيير أو تبديل، خاصة فيما يتعلق بالعقيدة اليهودية وعلاقتها ببنية الدولة حتى لو كانت الظروف الدولية من حولها تتطلب منها ذلك.

الثاني ، يرى أنه في مقدورها أن تحقق ذلك، ولكن بشروط وضع حد لدور العقيدة والقومية اليهودية في رسم سياسات الدولة العليا، لأن هذا الدور بعد استقرار الدولة بدأ يمهّد لتآكل الأسس الديمقراطية التي قامت عليها، ويعمل في الوقت نفسه على تزايد النعرة العنصرية.

اللافت للنظر أن كلا التيارين يدعي أنه يعتمد كتاب مؤسس القومية اليهودية الحديثة تيودور هرتزل (1840- 1904) الذي ألفه عام 1869 تحت اسم الدولة اليهودية كمرجعية أساسية لتثبيت دعائم توجهه داخل المجتمع الإسرائيلي. الفرق الأول يقول إن صيغة تحقيق الحلم الإسرائيلي قامت منذ نهاية القرن الماضي على مبادئ الصهيونية كما فصلها هرتزل ونفذتها مختلف تيارات الحركة الصهيونية من سياسة علمانية ودينية انطلاقاً من أسس العقيدة التي ربطت بين فكرة الدولة الحديثة ومسئوليتها تجاه جمع يهود الشتات، وبين فكرة القومية اليهودية التي تشدّهم إليها، أما الفريق الثاني، فيرى أنه قد آن الأوان للتحوّل من الاعتبارات الأيديولوجية التي ارتبطت بتشجيع الهجرة إلى أرض فلسطين العربية وبمقتضيات تكوين الدولة، وذلك بالفصل وفق

المرجعية نفسها بين أماكن الصلاة والتعبّد بعد أن أدت دورها، وبين مؤسسات الحكم خاصة أنها نجحت منذ البداية في الفصل بين ثكنات العسكريين ووزارات الدولة.

هذه الحرب التي تعتبر وليدة الظروف الداخلية التي شكلت الواقع الاجتماعي لدولة إسرائيل طوال العقدين الماضيين، تعد في الوقت نفسه نتاجاً طبيعياً لعلاقاتها المباشرة بيهود الشتات، وبالذات في أمريكا من ناحية، وبالظروف الإقليمية والدولية من ناحية أخرى. وهذه الظروف وتلك العلاقات لم تنشأ من فراغ، وإنما تراكمت على فترات حتى من قبل أن تنشأ الدولة رسمياً، ذلك أن فئات المجتمع التي شكّلت المجتمع الإسرائيلي منذ بدايات التهجير والاستيطان الأولى قبل بداية القرن الحالي كانت تتمحور حول حتمية أن تكون الدولة دينية بالدرجة الأولى. واستند الفكر الصهيوني طوال هذه الفترات على نظرية الاستعلاء على الشعب العربي في فلسطين والشعوب المجاورة انطلاقاً من قناعة اليهود المتوارثة لديهم بأنهم شعب الله المختار، تلك القناعة التي استساغتها الدول الغربية، البعض لأسباب دينية، والبعض الآخر لأسباب دنيوية. لهذا يلاحظ أن الفكر الصهيوني طوال المائة عام الماضية، ومنذ مؤتمره الأول، كان يرفض رفضاً قاطعاً أي ربط بين الفعل اليهودي البادئ بالاعتداء دوماً، وبين الفعل العربي المترتب عليه، تأسيساً على أن إقامة دولة إسرائيل الموعودة فوق الأرض العربية في فلسطين أمر مسلم به سلفاً لأنه حق أزلي ليس لأحد أن يعترض عليه أو أن يناقشه لأنه منحة الرب لليهود.

بلورة الهوية

لعب احتلال الإسرائيلي للأراضي العربي- إذن- الدور الأهم والأكثر تأثيراً في مجال بلورة الهوية القومية الإسرائيلية الحديثة التي لعب العداء للسامية في أوربا بدوره دوراً كبيراً في تشكيلها، لأن فكرة خلاص الشعب اليهودي كانت تمثل لنخبه الفكرية أكبر المشاكل التي تعاني منها التجمعات اليهودية في أوربا في مواجهة الهجمة العنصرية الشرسة التي كانت تتعرّض لها في أكثر من بلد أوربي على امتداد المسافة من روسيا إلى إسبانيا، فإما الذوبان في المجتمعات الكبرى التي كانت تعيش بين جنباتها، وبالتالي فقدان وتلاشي الهوية على مدار السنين، وإما التحرر عبر نضال طويل قد ينتهي أو لا ينتهي بالحصول كأقلية على الحقوق التي تحتفظ لها بالخصوصية الثقافية والدينية، وبالتالي بالهوية القومية أمام هجمات الغير.

كلا الخيارين كان مستحيلاً بالنسبة للفكر الصهيوني، خاصة بعد انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول في 29 أغسطس عام 1897 بكازينو بلدية مدينة بازل السويسرية الذي طرح من خلاله تيودور هرتزل الفكرة المحددة للدولة اليهودية، والتي في ضوئها ولدت الحركة الصهيونية كحركة سياسية تملك حق تمثل إرادة الشعب اليهودي موحد القومية، وكلاعب مؤتمر في الساحة الدبلوماسية الدولية. وبعد المفاضلة بين الأرجنتين وفلسطين كوطن تحوّلت غاية آمال يهود العالم تجاه فلسطين في أعقاب هذا المؤتمر، وكنتيجة مباشرة له من مجرد دوافع دينية في الغالب الأعم إلى مخططات استيطانية تمهيداً لإعادة تأسيس دولتهم فوق ترابها.

واقترح هرتزل تحقيقاً لهذا الهدف إقامة هيئتين، الأولى : جمعية اليهود التي تعتبر الأداة السياسية التي سيوكل إليها كل الأعمال المتعلقة بتوعية وتجنيد الرأي العام اليهودي على مستوى العالم لتأييد إقامة الدولة مادياً ومعنوياً، وتنظيم

الهجرة الجماعية إليها، والتفاوض مع الدول الكبرى المؤثرة في السياسات الدولية للحصول على مباركتها لما تقوم به، ومن ثم على تأييد سيادة الدولة اليهودية على ما تحت يدها من أراض ومقومات وموارد وطاقات.

والأخرى : الشركة اليهودية التي ستتولى جمع المال وتنظيم الصناعة فوق أرض دولة اليهود تحت التأسيس وتجارتها مع دول العالم، إلى جانب الإشراف على تصفية ممتلكات اليهود في أوربا وشراء أراضي المستوطنات الجديدة، وإمداد المهاجرين بالقروض والأدوات لمساعدتهم على الاستقرار.

وبعد قيام الدولة، واستقرار إسرائيل فوق خريطة المنطقة السياسية، أعلن بن جوريون عام 1951 أنه لم تعد هناك حاجة إلى الصهيونية، وبالرغم من ذلك، استمرت المنظمة في القيام بدعم الدولة الناشئة مادياً ومعنوياً للحفاظ على تماسك عناصر مجتمعها لقناعة القائمين على أمرها بأن هذا التماسك لا يعتمد على ثروات المجتمع البشرية والمادية وحدها لتثبيت أركان الدولة أو على قدراته في ميدان محاربة الأعداء المحيطين بها فقط لتوفير الأمن والأمان لأبنائها، وإنما على أساس تطوير المقومات الروحية داخل أبناء الشعب اليهودي في إسرائيل وخارجها، وبالذات فيما يتعلق بالدور الذي يمكن أن يقوم به يهود الشتات، وذلك عن طريق:

أ- توسع دائرة الاستثمار داخل إسرائيل خاصة في مجالات التجارة والصناعة والزراعة.

ب- فتح الطريق أمام الإبداعات اليهودية في المجال العلمي والثقافي بلا حدود.

ج- تأكيد الزعامة الروحية لحاخامات إسرائيل على كل مراكز الديانة اليهودية أينما كانت.

اليهودية والصهيونية

وإذا كانت دعوة الصهيونية للاستثمار في مجالات الإنتاج تمثل امتداداً طبيعياً لمهارات اليهود في ميدان المال التي عرفوا بها طوال تاريخهم، فإن حرصها على فتح الباب أمام الاستثمارات الإبداعية من ناحية، وتأكيد زعامة حاخامات إسرائيل الدينية عن طريق تفرّدهم بالاستثمارات الروحية من ناحية أخرى يمثل بناء مرجعية قوية للوقوف أمام موجات التحرر الأوربية التي سمحت بالتعدد الديني والثقافي فوق أراضيها وما يشكله ذلك من تهديد مباشر لليهودية. فبعد أن كانت زعامات المؤسسات الجمعية اليهودية في الدول الأوربية تسيطر على مجريات الأمور التي تخص تجمعات اليهود في مختلف أنحاء دول القارة الأوربية، فتح التعداد الديني والثقافي الباب أمام الاندماج السهل اليسير بين الجماعات التي تشكل منها هذه المجتمعات مما ينبئ بحلول أشد الأخطار التي يخشى منها على اليهودية وهي تغلغل الروح الفردية داخل نفوس يهود هذه التجمعات محل انتمائهم الجمعي لمقومات دينهم وثقافتهم.

وبذلك نجحت الصهيونية في الدمج بين ما هو يهودي وما هو صهيوني، وما هو إسرائيلي في أذهان غالبية أبناء الديانة اليهودية على اتساع العالم مما سهّل لها محاربة خصوم الفكر الصهيوني من اليهود بتكفيرهم إن هم لم ينصاعوا لمخططاتها. هذا الدمج غير المنطقي ساعد على إبقاء الحركة الصهيونية في مكان الصدارة بالنسبة لسياسات إسرائيل، ولكن انتصار إسرائيل في حرب يونيه 1967 غير أبعاد هذه الصورة حين دخل نظام حكمها في طور جديد بعد تربع أحزابها اليمينية على قمة السلطة منذ أواخر السبعينيات وحتى الآن ما عدا الفترة من 92 إلى 1994، فقد أعطى احتفاظها بالأراضي العربية في قطاع غزة والضفة واستغلالها اقتصادياً واستيطانياً إلى جانب القدرة على التعايش مع الرافضين لهذا الاحتفاظ، وذلك الاستغلال حافزاً لليمين المتطرف لاعتماد سياسة تضع الاحتلال على رأس أولويات اهتماماته الوطنية، لقد انقلبت الأوضاع حين أعطت قيادات حزب العمل شرعية لتكتل الليكود لتولي مسئولية الحكم وفق الشعارات الدينية برغم علمانية أهدافه وبرامجه.

وعلى الرغم من هزيمة إسرائيل، وصدمتها العسكرية في حرب أكتوبر 1973، فإن انكسار الدولة المادي والمعنوي، وفر لمناحم بيجن عوامل استغلال عناصر التخوّف من تكرار الاعتداءات العربية للتركيز على ضرورات الاحتفاظ بالأراضي العربية المحتلة لأهميتها الدينية والأمنية مما ساعده على اجتذاب الحزب الوطني الديني للدخول معه في ائتلاف حكومي عام 1977 مشكّلاً بذلك أول حكومة قومية دينية. وأتاح هذا الائتلاف لحكومة الليكود في ظل الشعارات التي رفعها الجناح المتطرف داخل الحزب الوطني الديني المعروف باسم جوش أمونيم التشدد فيما يخص سياسات تهويد الأراضي العربية التي بُدئ في تسميتها يهودا والسامرة، ووضعت السياسات الإدارية اللازمة لمعاملتها كأراض مدارة وليست محتلة.

دور الأحزاب الدينية

دفع ذلك الأحزاب الدينية الصغيرة والحركات التي انشقت عنها إلى خوض الميدان السياسي ولعبة التمثيل النيابي تحت شعار ضرورة الاحتفاظ بالقدس موحّدة تحت السيادة الإسرائيلية بالضفة والقطاع لأنها أرض الأجداد برغم تأييدها للحركة الصهيونية كطريقة للخلاص. وقد وفر لها ما تحتاج إليه من دعم مادي لتمويل مدارسها ومؤسساتها الدينية يتزايد حجمه كلما زاد تأييدها لأولويات الحكومة الأمنية المرتبطة بالاحتفاظ بالأراضي العربية المحتلة. وفي الوقت الذي دخل فيه مؤيدو حزب شاس أفرعاً كثيرة من القوات الإسرائيلية، شكلت مجموعات من شباب الحزب الوطني الديني وحدات عسكرية زادت من مؤشر لاهوتيته وهو المعروف بتاريخه العلماني، ورفعت في الوقت نفسه من مؤشر التطرف داخل صفوفه. ومع تداعيات عملية السلام في الشرق الأوسط، ظهرت بوادر الحرب الخفية التي أشرنا إليها بين أطراف المجتمع الإسرائيلي مما وضع الحركة الصهيونية أمام واحد من أهم التحديات التي واجهتها طوال تاريخها، ونعني بذلك ضرورة إعادة صياغة الفكر الذي تقوم عليه إذا أراد القائمون على أمرها أن يستمروا في خدمة اليهودية حيثما وجدت!.

على الجانب الآخر، يخشى يهود الشتات أن يؤدي سيطرة الفريق العلماني على الحياة في إسرائيل إلى تعكير صفو العلاقات بين الطرفين، خاصة إذا نظر إليها من زاوية تأثيرها الواضح على هجرة اليهود إليها وخصوصاً الغربيين منهم الذين يشعرون في داخلهم بأنهم في بلادهم الأصلية أكثر انتماء لدياناتهم من يهود إسرائيل، يضاف إلى ذلك ظهور نغمة جديدة لم تكن معروفة من قبل تدور حول مدى أحقية حاخامات إسرائيل في احتكار منح صك اليهودية لمن تطبق عليهم شروطها، وهم الذين يمثلون مجتمعاً من الأغيار كل ما يجمعهم حول حائط المبكى أو في داخل قاعات اللوبي الديني لمناقشة مشاريع القوانين الدينية، وأنهم يتكلمون العبرية.

قد يرى بعض المحللين أن هذا الخلاف ليس جديداً في جوهره، فقد أدى حين قام منذ خمسين عاماً بين العلمانيين والمتدينين حول درجة اليهودية التي يجب أن تكون عليها دولة إسرائيل عند نشوئها، وحول مقدار التزامها بالقوانين اليهودية، إلى تعويم القضية الخلافية حين عجزوا عن حسم هذا الخلاف.

الجديد في الخلاف الحالي أن الصراع داخل الحركة الصهيونية يتجاذبه طرفان، تيار إسرائيلي متدفق يطالب بأن تكون الصهيونية أداة لخدمة أهداف إسرائيل باعتبارها الملاذ الآمن لكل يهود العالم، وتيار من يهود الشتات يرى أنهم هم الضمان الأكبر لبقاء إسرائيل وتفوقها بحكم دعمهم المالي المستمر بها، وبحكم ثقلهم السياسي وراءها في الساحة الدولية وخاصة الأمريكية.

لقد بذلت الحركة الصهيونية الكثير من الجهد لتحقيق الوعود التي قطعتها على نفسها منذ حوالي مائة عام، ولكنها لم تحقق لليهود بعد الأمن في وطنهم الذي أقاموه فوق أرض فلسطين، ولم تحقق المساواة بين اليهود الشرقيين والغربيين، ولم تحقق الانفتاح على البيئة المحيطة بها، ولم تحصل على تأييد عرب إسرائيل لها وتعاونهم معها، لذلك هناك من يرى أن مطالبة الحركة بأن تكون أداة لخدمة أهداف إسرائيل لن يكتب لها النجاح مادام المشروع الذي تتبناه الحكومات الإسرائيلية يقوم على فرض هيمنتها السياسية والاقتصادية والعسكرية على الشعوب العربية.

 

حسن عبدربه المصري

أعلى الصفحة | الصفحة الرئيسية
اعلانات