مداخل فكريّة للنهضة الإسلاميّة أحمد كمال أبوالمجد

ما الذي يحتاجه المسلمون الآن وهم يواجهون ما يعصف بهم من الداخل وما يُحدق بهم من الخارج؟ سؤال تقتضي الإجابة عليه تنقيبا في عمق الأرض التي أفرزت راهن المسلمين الآن حتى تصح أدوات السعي باتجاه الأفق الُمرتجى.ومن الأسباب حتى الوسائل يمضي بنا هذا المقال الرؤية.

يحتاج مسلمو هذا الزمان وهم يواجهون ما يواجهونه من أزمات داخلية وتحديات هائلة خارجية إلى أن تكون بين أيديهم أدوات ثلاث لا غنى لهم عنها.

أولا: خريطة للعالم الذي يعيشون فيه، تحدد قسماته وتشير بلى القوى الكبرى صاحبة التأثير الأكبر في إدارة شئونه، كما تحدد في النهاية مكانهم هم فيه، وموقعهم من بين أممه وشعوبه.

ثانيا: سجل موضوعي دقيق لتاريخهم البعيد، ولتاريخهم القريب، يحدد اتجاه مسارهم على امتداد الزمن، ويرصد ما عرض لهم من أسباب النهوض والارتقاء، وما طرأ عليهم في أيام أخر من التراجع والهبوط والانكسار، ليستخرج الذين يستنبطونه منهم، أسباب هذا النهوض وذلك التراجع.

ثالثا: مصدر موصول ودقيق لأخبار العالم وأحوال الناس، يسجل كل حادثة وكل واقعة، ويرصد لكل تطور، ويعنى بذلك علماؤهم وأصحاب الرأي فيهم على أن يتحركوا إذا تحركوا، وهم على أرض صلبة وأساس متين من المعرفة بكل ما يدور حولهم، حتى لا تكون الدنيا في واد، وتكون حركتهم وتراثهم في واد آخر.

ولو أتيحت لنا- نحن العرب والمسلمين- هذه الأدوات الثلاث لانتبهنا يد عدد من الحقائق الكبرى التي نكتب هذه السطور في إطارها.

مراجعة مفاهيم ومواقف

الحقيقة الأولى: أنه منذ بدأ الضعف يتسلل إلى دولة الخلافة العثمانية في نهاية القرن التاسع عشرة ومنذ وقعت أكثر مساحات العالمين العربي والإسلامي في قبضة الاستعمار الغربي، ارتفعت أصوات العلماء والمفكرين والساسة العرب والمسلمين بحديث لا ينقطع عن ضرورة وقف تيار التراجع، وبدء مسيرة نهضوية جديدة سماها بعضهم نهضة إسلامية، وسماها غيرهم بعثا عربيا، وسماها أكثر الناس- أخيرا - صحوة عربية إسلامية.

وحسبنا هنا أن نشير إلى زعامات سياسية وفكرية متتابعة حاولت أن تفجر في ضمير الأمة معنى الثورة على واقع الجمود والتخلف أو الدعوة إلى إحياء العالم الإسلامي ليستأنف مسيرته الرائدة في خدمة شعوبه وخدمة الإنسانية كلها من جديد. حسبنا أن نشير إلى أسماء جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، وخير الدين التونسي، ومحمد رشيد رضا، وعبد الحميد بن باديس، ومحمد إقبال، ورفاعة الطهطاوي وحسن البنا ومالك بن نبي، على اختلاف مناهجهم في العمل، لندرك أن القلق الإسلامي موصول الحلقات، وأن الدعوة إلى التجديد والنهضة لم تنطفىء جذوتها حتى في أحلك ساعات التراجع والانتكاس.

الحقيقة الثانية: أن الإحساس بالهزيمة الذي ظل ولا يزال كامنا في الضمير العربي والإسلامي قد طبع أكثر الحركات النهضوية بطابع اعتذاري من ناحية ورومانسي من ناحية أخرى، فقد شغلت هذه الحركات أتباعها بأحاديث الأمجاد الماضية والمقارنات التاريخية التي تتملق الذات العربية والإسلامية أكثر مما تعينها على الخلاص من أزمتها، كما أن النزعة الرومانسية أغرفت الأتباع في موجات متلاحقة من الشعارات الكبيرة، والآمال العريضة، وحرمتهم فرصة التعامل الموضوعي الجاد مع عناصر الواقع الذي يسعون إلى تغييره. وبين الاعتذارية التي تقتات على قصائد الفخر وهجاء الآخرين، والرومانسية التي وصلت في بعض حالاتها القصوى إلى فصام حقيقي عن الواقع، وعجز عن التوجه المسئول لمواجهة المستقبل. تراجعت فرص النهضة الحقيقية وارتفعت شعارات أن الحركة أهم من الفكرة، وأن سياسة الشعوب وتحقيق أهدافها لا تحتاج إلا إلى القدرة على حشد الأنصار وتجميع الجماهير، والتحكم في مشاعرها وأفكارها وسوقها- هكذا!!- إلى طريق الإصلاح.

الحقيقة الثالثة: أن هذا المنهج الاعتذاري الرومانسي الذي لا يعنى كثيرًا بتأصيل مناهج الإصلاح، وإرساء الأساس الفكري الصلب لها قد أدى إلى ضعف عام في البنية الإسلامية، وإلى عجز عن ملاحقة الآخرين الذين يتغذون صباح مساء على تراث العلوم الطبيعية والإنسانية التي قفزت قفزتها الكبرى الأولى في عصر النهضة في أوربا، ثم توالت بعد ذلك قفزاتها العالية التي مثلت ثورات حقيقية في حياة الإنسان على كوكب الأرض، من عصر البخار إلى عصر الكهرباء إلى عصر الذرة التي تولد الطاقة التي تتعدد- يوما بعد يوم- مجالات استخدامها في أغراض السلام وأغراض الحرب والأذى على السواء، ناهيك عن الثورات التي تشبه المعجزات في مجالات صناعات الانتقال والاتصال والمعلومات. ولقد كان طبيعيا أن يستمر هذا الضعف بثمراته السيئة في ميادين المنافسة الاقتصادية والصراعات السياسية والعسكرية، فإذا بالمسلمين قد صاروا جزءا من العالم الثالث، وإذا بفقرائهم قد صاروا فريسة لأزمات الجوع الذي يقتل مئات الألوف منهم تحت سمع العالم وبصره، ووسط ذهول وحيرة سائر العرب والمسلمين. وإذا بأغنيائهم ثمرة سهلة لكل من تحدثه نفسه باغتيال ثرواتهم وحيازة أراضيهم أو تصفية حضارتهم. وإذا بهذه الكوارث التي يأخذ بعضها بخناق بعض تملأ الأفق كله حيرة ومرارة وغضبا. وإذا بالسهام التي لا تقوى الأيدي المرتعشة على توجيهها للخصوم، تتوجه- في حماقة لا مثيل لها- إلى صدور الأصدقاء وظهور الأشقاء، في حروب بعضها أهلي وبعضها غير أهلي، وإذا بنا- نحن العرب والمسلمين- حديث الدنيا كلها عنوانا على عجزنا، وشدة بأسنا بيننا، وكثر كلامنا وقلة عملنا، وإصرارنا ونحن على هذا الضعف والهوان على قذف الآخرين بالحجارة وإعلان حروب وهمية، أكثرها كلامي على أمم الأرض وشعوبها.

خمس مقولات في حاجة غلى التدقيق

ولقد أفرزت الأسباب السابقة كلها فكرا متكامل العناصر ينسبه أصحابه إلى الإسلام ويرون فيه وحدة المنهج الصحيح لتبليغ الإسلام والدعوة إليه وتطبيق شرائعه بين الناس.وانتشر هذا الفكر وتعددت صياغاته دون المساس بجوهره، وصارت عناصره مسلمات لا تتسع العقول أو الصدور لمناقشتها، حتى لقد تصور كثير من ذوي النيات الحسنة والعلم القليل أن مثل هذه المناقشة تنطوي بالضرورة على خصومة للإسلام، وخروج على أصوله وكيد للإسلام والمسلمين. وترجع هذه المعالم إلى المقولات الخمس التالية:

1 - أن المجتمعات المسلمة المعاصرة قد صار فسادها أكثر من صلاحها، وأنها تمثل جاهلية جديدة، وأن الواجب الأول على كل جماعة إسلامية راشدة، هو هدم هذه المجتمعات واقتلاع قيمها الفكرية والسلوكية من أساسها، وهكذا صار المجتمع في جملته خصما وعدوا.

2 - أنه- ما دام الحال كذلك- فإن الجماعة الإسلامية التي يتبايع أفرادها على العمل بالكتاب والسنة، ويتعاهدون على طاعة أميرهم في المنشط والمكره، هي- وسط المجتمع الجاهلي- جماعة المسلمين التي لا تجب الطاعة إلا لها، ولا يجوز الإحساس بالانتماء لغيرها. وشيئا فشيئا تغدو الدولة المدنية القائمة بكل أجهزتها ورموزها ومؤسساتها كما لو كانت مجرد عقبة مادية في وجه الدعوة الإسلامية، فلا طاعة لها، ولا شرعية لقراراتها. وبذلك تولد بذور الخروج على الدولة واستباحة أموالها وحرماتها، ويبدأ مسلسل العنف المتبادل الذي سنظل نرفع الصوت عاليا داعين إلى وقفه وكسر دائرته الخبيثة.

3- أن المجتمع الدولي كله آثم، ومنظماته أدوات قهر وظلم وإعلانات حقوقه كذب وتضليل، والحرب بين الدنيا كلها وبين المسلمين قائمة لم تنقطع ولن تنقطع، وأن مسيرة البشرية- خارج الإسلام التاريخي والجغرافي- مسيرة ضلال وفساد لا معنى لمسايرتها أو الحرص على الارتباط بها أو الاشتراك في شيء من سعيها. وبذلك تبذر- كذلك- بذور عزلة المسلمين واغترابهم، وهي العزلة التي مكنت لخصومهم منهم، وساهمت- جزئيا على الأقل- في تشويه صورتهم والافتراء على حضارتهم ودينهم وتنفير سائر الناس والشعوب منهم ومن ثقافتهم.

4 - أن المسلمين مأمورون- جميعا- بالنهي عن المنكر وإزالته، وبالأمر بالمعروف وإقامته، وأن أعلى درجات ذلك أن يكون باليد، وألا يكتفى فيه بنية القلب ودعوة اللسان. فإذا أضفنا إلى هذا التصور ما قدمناه من تصور عن جاهلية المجتمع، وفساد الزمان، وضلال العالم، وهداية الجماعة الإسلامية الصغيرة التي يقودها إلى الحق أميرها، أدركنا أي اضطراب وأي فوضى وأي أذى يمكن أن يصيب المجتمع من جراء تصور تسقط فيه الحدود بين واجب الأمر بالمعروف العام، الذي هو فرض كفاية والذي له حدوده الشرعية والسياسية التي ضبطها علماء المسلمين قديما وحديثا، وبين واجب التنفيذ المباشر- باسم الدولة- إزالة للمنكرات وإقامة للعدل والصلاح، وهو الواجب الواسع الذي يباشره القضاة، والمحتسبون، وولاة المظالم، وولاة الشرطة، وجامعو الزكوات وفرائض المال.

5 - أن أمر هذه الأمة- في حاضرها ومستقبلها- لن يصلح إلا بما صلح به أولها، وبهذه الكلمة التي هي كلمة حق وضعت في غير موضعها، وفهمت على غير حقيقتها ومعقولها، وقف كثير من رافعي شعار الإسلام في وجه كل تجديد فقهي أو سياسي أو اجتماعي، وتصوروا كل أمر من هذا لم يكن عليه سلف هذه الأمة، خروجا على الدين، وتفريطا في الشريعة، ومجاراة لغير المسلمين.

ينبغي الوقوف في وجهه، والإنكار على أصحابه فسدوا على أنفسهم وعلى الناس - كما يقول ابن قيم الجوزية- طرقا كثيرة من طرق الحق والعدل ظنا منهم منافاتها للشريعة، ولعمر الحق إنها لم تناف الشريعة ولكن نافت ما فهمه هؤلاء من الشريعة.

دعوات العزل..لماذا؟

وفي ظل هذا التصور الفاسد لمعنى السنة والبدعة والتجديد، ومراعاة اختلاف الأزمنة والأمكنة والأحوال ارتفعت مقولات لا أصل لها في الفهم الصحيح لكتاب الله وسنة رسوله (صلى الله عليه وسلم)، على رأسها أن كل جديد بدعة وأن الاحتياط لدين الله يقتضي أن نتابع أبا بكر رضي الله عنه حين قال: كنا نترك مائة باب من الحلال مخافة أن نقع في باب من الحرام. ومنها أن الشورى معلمة لا ملزمة، وأن الأمير واحد لا يتعدد لقوله (صلى الله عليه وسلم): إذا كنتم ثلاثة في السفر فأمروا عليكم واحدا. ومنها أن الديمقراطية نظام لا يعرفه الإسلام ولا يقره، وأن الكثرة ليست دليلا على الحق والمصلحة، وأن الفنون لا تنفك عن آثام ملازمة وملابسة لها، وأنها لهو ولغو لا مكان له في مجتمع المسلمين، وأن المجتمع الإسلامي مجتمع انفرادي لا يشترك فيه النساء مع الرجال استنادًا إلى حديث ضعيف مؤداه أن النبي (صلى الله عليه وسلم) سأل ابنته فاطمة: أي شيء أصلح للمرأة، فقالت: ألا ترى رجلا ولا يراها رجل. فقال (صلى الله عليه وسلم): ذرية بعضها من بعض.

وهكذا ينتج هذا الفكر الذي أفرزته عصور التراجع والهزيمة والرغبة في توكيد الذات الحضارية دعوات مترابطة إلى عزل المسلمين عن العالم. وعزل الدعاة عن مجتمعاتهم، والقطيعة بين حركاتهم وسائر حركات الإصلاح من حولهم، وعزل النساء عن الرجال، وإقصائهن عن المجتمع. وضاعت- في زحام التراشق بنصوص لا يعرف المتراشقون بها حقيقة روايتها ولا صواب درايتها - ضاعت الرؤية الإسلامية السوية للعالم، ولمكان المسلمين فيه، ولدور المسلم وسط أهله وعشيرته. نسي قوله تعالى: وما أرسلناك إلا رحمة للعالمينونسي قوله (صلى الله عليه وسلم): الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها ونسي قوله تعالى: وإن جنحوا للسلم فاجنح لها ونسي قوله (صلى الله عليه وسلم) عام الفتح: بل اليوم يوم المرحمة، اليوم أعز الله قريشا، ونسي قوله (صلى الله عليه وسلم): إن الرفق ما دخل في شيء إلا زانه وما نزع من شيء إلا شانه ونسي قوله (صلى الله عليه وسلم): إن النساء شقائق الرجال ونسى أنه (صلى الله عليه وسلم) رفض دعوة جار له للغداء حين لم يوجه الدعوة - معه (صلى الله عليه وسلم) - إلى عائشة رضي الله عنها، ونسي قوله تعالى: فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون.

إن المحصلة النهائية للعوج الفكري الذي أصاب الثقافة العامة التي يروج لها اليوم بين المسلمين محصلة ذات بعدين لا ندري أيهما أعظم خطرا وأفدح ضررا: بعدها الأول جمود المسلمين على الموجود وتقاعسهم عن تحصيل العلوم العقلية والتجريبية، التي بها يكون فلاح الأمة وصلاح الشعوب، وانكفاؤهم على الماضي يجترون علوما لم يعد كثير منها قادرًا، على إخراجهم مما هم عليه إلى ما ينبغي أن يكونوا عليه.وبعدها الثاني عزلتهم عن العالم واغترابهم عن شعوبه وذهولهم عن العصر وشرودهم عن مسيرة البشرية التي ابتعثهم الله لهدايتها وريادتها.

مداخل فكرية للنهضة

إن المداخل الحقيقية للنهضة الإسلامية المرجوة هي مداخل فكرية في المقام الأول، ذلك أن الفكر الواضح هو أساس كل حركة فاعلة من حركات التغيير، فإن استقامت استقام، وإن اعوجت كان البناء أشد عوجا. ذلك أن البلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا.

إنه لم يعد من حق أحد من العلماء وأهل الرأي أن يقنع بمشاهدة ما يجري وما يدور، وهو قابع في موقعه أو عاكف في صومعته، فإن مسئولية العلماء لا تقل في ميزان الحق عن مسئولية الأمراء، وعليهم أن يشهدوا بالحق في كل مقام، وألا يكتموا الشهادة "ومن يكتمها فإنه آثم قلبه". إننا - في هذه السطور- ندعو إلى مواجهة صارمة لا مداورة فيها لكل عناصر العوج في الفكر الذي يروج له باسم الإسلام، وهو يحمل- في طياته- إفرازات عصر التراجع والهزيمة والانطواء. وفي مقدمة ما ندعو إليه أمور ثلاثة:

1 - رؤية جديدة لمهمة المسلمين في الحياة، فهي تبدأ بالتعمير والبناء، لتصل- بعد ذلك- إلى الترشيد والهداية، فالدين لا يهدي أرضا بلقعا ولا ساحات خربة مهجورة. ومهمة تعمير الأرض حضارة كاملة لها شروط ولها تبعات، وأول هذه الشروط أن يتذكر المتصدرون لها أن مهمة تحقيق الخلاص الجماعي للأمة هي ميدان من ميادين الجهاد لا يغني عنه الانقطاع للخلاص الفردي الذي لا يهتم فيه الفرد بأمور أمته. إن من واجب الجماعات الإسلامية - إن أرادت أن يكون لها مكان في عالم اليوم- أن تشتغل بأمور المسلمين وأن ترعى مصالحهم وتسعى لنهضتهم وتحقق رخاءهم وأمنهم وحماية حريتهم، كما تشتغل بالإرشاد والتعليم الديني وتقرير الأحكام الفقهية.

2 - رؤية جديدة للمجتمعات الإسلامية، فهي في جوهرها مجتمعات صالحة تؤمن بالله وتحب رسوله (صلى الله عليه وسلم) وتتوجه بلى إقامة الإسلام على أرضها، ولكنها تخلط عملاً صالًحا وآخر سيئا، وهي تحتاج إلى الإصلاح من موقع الصحبة والمودة ولا تحتاج إلى الهدم والإزالة من موقع الخصومة والبغضاء.

3 - رؤية جديدة للعالم، فالأديان في جوهرها قوى خير، والثقافات المتنوعة آية من آيات الله ولو شاء لجعلهم أمة واحدة. والتعايش بينها سنة إلهيه وفريضة ربانية وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ، و لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم. وتقسيم العالم إلى دار حرب ودار إسلام تقسيم فقهي يعكس رؤية تاريخية وليس تقسيما إلهيا يجعل المسلم ي مواجهة عسكرية دائمة مع الدنيا كلها. ونقول هنا إن لكل عصر فقهه وإن باب الاجتهاد مفتوح، وإن السياسة الشرعية جزء من الشريعة وليست خصما لها.

هذه بعض المداخل الفكرية التي لا غنى عنها اليوم للمسلمين إن أرادوا أن يكون انبعاثهم بشير خير لهم وللدنيا من حولهم.

وأن تكون حركتهم على طريق هذا الانبعاث حركة علمية، يحكمها منهج واقعي لا مكان فيه للشعارات التي تدغدغ المشاعر المكبوتة، ولا تغير الواقع الذي يتصايح الجميع بالشكوى منه.