اليتيمة الثانية

اليتيمة الثانية
        

سأُمجّد روحَكِ سيدتي وسأَعْني بالروح الجسدا
صِنوانِ لديكِ بهاؤهما فَلْيوفِ المجدُ بما وَعَدَا
سأُمجّد خيمتك السودا ء ترُشُّ على الصحراء ندى
ومراوح إن دارتْ عَبقَتْ وتناثرَ أطولها بَددا
كالمُغْمى تحملني وترو دُ بلادًا بي وتجوزُ مدى
سأمجّد نافذتي ليليـ ن وراء الشُبّاك انعقدا
عينانِ بأفراحِ الدنيا وبأحزانِ الأرضِ احتشدا
والهالةُ من حول العينيـ ن رماد حريقٍ ما خمدا
والطفلةُ في البؤبؤ تبقى مِن بعد صباحًا منفردا
لم يُشرِقْ بعدُ سواه كأنْ مازالت فاتنتي ولدا
المجدُ لثغركِ يخطفني مثلَ العطشان إذا وردا
أسمَعُهُ بالأُذنين وبالعينيـ ن إذا غَنّى وشدا
مرتعش جسدي بالنبرا تِ كما في الصيف إذا ابتردا
الشفةُ العليا زقزقةٌ والشفةُ السفلى رجعُ صدى
سَأُمجّد خَدّيك إذا ما لامستُ بأنملتي اتّقدا
كالجمرِ إذا ما الجمرُ غدا وردًا والقاطفُ مَدَّ يدا
سأمجّدُ كفّيكِ حَمامًا يدنو, وفَراشًا مبتعدا
فتُسلّمُ كفٌّ عاقدةً وتفكّ الأخرى ما انعقدا
بأصابعَ إن عُدَّتْ نَقَصَتْ فإذا لَعِبَتْ زادت عَددا
سأمجّدُ عُنُقًا مصريّا منحوتًا يتحدّى الأَبَدا
تنسابُ نعومته فكأ نَّ حريرًا صينيّا فُردا
الكفُّ تسيلُ عليه فلا تملِكُ أن تَقِفَ وتستندا
لولا كتفٌ توقفها ثُمَّ تجوبُ بها بلدًا بلدا
فشواطئ في الكتفِ اليُمْنى ترتاح إلى مَوْجٍ رَقدا
وبحارٌ في اليُسرى تغلي وترشّ على الدنيا الزَّبَدا
فإذا انزلقَتْ كَفّي شَهَقَتْ في الوادي ثمّ مَضَتْ صُعُدا
تتسلّقُ رابيتين من الإسـ ـفنج الأبيضِ مُنعقدا
نهدان تأرْجَحَ بينهما نَفَسي فافترَقا واتحدا
فإذا داعبتْهُما ارتعدا وإذا نازلتُهما صَمِدَا
فإذا أطلقتهما نفَرا وإذا لاصَقْتُهما لَبَدا
فإذا هَبَطَتْ كفّاي زَهَتْ سُهُبٌ لاحَدَّ لها ومدى
أتمرّغُ فيها مُنبهرًا وأغوصُ وأطفو مُرتعدا
وأضيعُ فأُمعِنُ في سَفَري وأهيمُ, فلا ألقى أحدا
إلاّ نفقًا يأخذني مسـ ـلوبًا يسعى من غيرِ هُدى
يا ربَّ العزّة هل أبكي أم أصرخُ: ياربُّ المَدَدا
هل هذا خُلْدُكَ أم أنّي ضيّعتُ على البابِ الخَلدا
آمنتُ, وحُبُّكِ أوصلني وسما بي روحًا أو جَسَدا
-------------------------------

شوقي بغدادي.. شاعر من سورية.

* اليتيمة الثانية.. هذه القصيدة مستوحاة من التراث مباشرة - وأعني على وجه الدقة (القصيدة اليتيمة) المنسوبة لدوقلة المنبجي أو لغيره. فمنذ قرأتها كاملة قبل سنين وأنا أفكر في هذا النص العجيب الذي لا مثيل له في تراثنا الشعري العريق, خاصة أن ناظمها غير مؤكد. وهكذا انطلقت منذ سنوات أشتغل فيما يشبهها ولكن برؤية جديدة وخيال محدث...

 

شوقي بغدادي   

أعلى الصفحة | الصفحة الرئيسية
اعلانات