الشريف الإدريسي وكتابه..

الشريف الإدريسي وكتابه..
        

          يعد الشريف الإدريسي: أبو عبدالله محمد بن محمد بن عبدالله بن إدريس الإدريسي الحسني الطالبي (493 - 560هـ = 1100 - 1165م): نموذجاً رائداً للمثقف الانسكلوبيدي في القرون الوسطى من حيث تعدد مصادر المعارف وسعتها وشموليتها, فهو مؤرخ وأديب وعالم بالنبات وبالطب إضافة إلى شهرته الذائعة لكونه من أكبر علماء بالجغرافيا, وبالتأكيد إن تصميماته لصورة الأرض وخريطته الشهيرة تضفيان على معارفه صفة تصويرية وموهبة إضافية.

          كما يجسد صورة مشرقة لأثر الفكر المغاربي في تجسير الصلة مع الشرق والغرب عبر تبادل المعرفة, وجدلية السلطة والثقافة, وهو من أمراء أدارسة المغرب الأقصى, كان جده حاكماً للمغرب لكنه خلع عنه فلجأ إلى سبتة حيث ولد الإدريسي ودرس في قرطبة بالأندلس, وألّف كتابه الأشهر (نزهة المشتاق في اختراق الآفاق) في صقلية بعدما تعرّف على حاكمها روجار الثاني وأهدى له الكتاب الذي قضى خمسة عشر عاماً في تأليفه وأكمله سنة 1153 ميلادية, ويعد أهم كتاب من حيث الدقة ألّفه العرب في وصف بلدان أوربا وإيطاليا تحديداً خاصة أن الإدريسي عاش في هذه المنطقة لفترة لا بأس بها من الزمن وتعرّف عليها عن كثب, وكل من كتب عن الغرب من علماء العرب بعده اتخذ من كتاب الإدريسي مرجعا.

          وقد ترجم الكتاب إلى الفرنسية واللاتينية والإنجليزية والألمانية والإسبانية, وطبعت منه بالعربية طبعات عدة أهمها طبعة ليدن التي نشرها المستشرق الهولندي رينهارت دوزي.

          وللإدريسي أيضاً مؤلفات أخرى في شتى أنواع العلوم منها (الجامع لصفات أشتات النبات) الذي استفاد منه أندلسي آخر هو ابن البيطار الذي كان رحالة جواباً لأغراض أخرى, إذ طوى المشرق والمغرب بحثاً عن الأعشاب والأدوية المفردة كما كان يسميها في كتبه التي تعتمد على أعشاب الأرض في الطب.

          ومن كتب الإدريسي الأخرى (روض الأنس ونزهة النفس) ويعرف بالممالك والمسالك, و(أنس المهج وروض الفرج) و(كتاب الصيدلة) و(كتاب سعادة الرجال وغبطة النفوس).

          ويرجح المؤرخون أن وفاته كانت في مسقط رأسه سبتة رغم ابتعاده عنها لسنوات كثيرة.

          ومن المهم هنا الإشارة إلى طبيعة الحقبة الزمنية التي عاش فيها الإدريسي وألف كتابه الشهير هذا, بما انطوت عليها من مكونات ثقافية واجتماعية تلاقحية, إذ يمثل كتاب (نزهة المشتاق واختراق الآفاق) واحدة من الثمرات الطبيعية للتفاعل الحضاري بين العرب المسلمين وأوربا المسيحية, وعلى الرغم من خروج صقلية من سيطرة المسلمين بعد استقلالها عن إمارة مالقة الأندلسية, فإن تأثير الثقافة العربية الإسلامية بقيت ظلالها الواضحة حاضرة فيها بقوة وفاعلية لأكثر من خمسة قرون, ويمثل روجار الأول حاكم صقلية حقبة مشرقة في التأسيس لهذا التفاعل إذ استفاد من وجود المسلمين في الجزيرة وخبراتهم العلمية فأسس لتقاليد في العلاقات بين العرب المسلمين والأوربيين المسيحيين تقوم على التفاعل والتسامح واحترام معتقد الآخر وتقاليده, حتى إنه رفض الانخراط فيما عرف بالحملة الصليبية رغم الضغوط التي تعرض لها من قبل الكنيسة.

          وعلى قاعدة النهج ذاته مضى روجر الثاني (الابن) في ترسيخ هذا النوع من التفاعل الحضاري عبر صقلية فاحتضن موهبة الإدريسي ووفر له كل الممكنات لتأليف كتابه وتصميم أدق خريطة للأرض في وقتها, فقدمهما الإدريسي هدية له, حتى عرف كتاب نزهة المشتاق باسمين مرادفين لاسمه الأساسي هما (الكتاب الروجاري) عرفاناً بجهد روجار الثاني, و(جغرافية الإدريسي) توصيفاً لجهد مؤلفه. وربما كان هذا التفاعل نوعاً من الرد النوعي على أن التفاعل الحضاري لا يتم بالحروب والعنف فحسب.

          وقد قسم الإدريسي الأرض في كتابه على وفق تقسيمات الأقاليم السبعة بعد تطوير هذا المفهوم الوافد من الثقافة اليونانية من خلال ترجمة كتاب بطليموس (جغرافيا) وتقسيم الأرض المأهولة إلى أقاليم سبعة يجري تصوير ملامحها من خلال أسس فلكية وليس على هيئة تقسيمات هندسية مفترضة كما شاع في الطور الأول من علم الجغرافيا (صورة الأرض) بين عدد ممن بحثوا هذا الموضوع في الثقافة الإسلامية كياقوت الحموي والبيروني.

          وبينما اعتمد الإدريسي في التعريف بالمدن المأهولة والجزر النائية على تجربته الشخصية من خلال رحلاته, أو من خلال قراءته لمصادر الرحالة العرب ومراجعتها وتصحيحها, أو في الاعتماد على التقارير التي وفرها روجار الثاني له عبر إيفاده الرحالة الوسطاء لهذا الغرض, فإنه أضفى على عمله صفة إضافية تمثلت في مقاربته لجوانب أساسية ومهمة من علم (الإناسة) من خلال تركيزه على بعض السمات الخاصة لدى الشعوب ورصد نشاطاتها الحياتية وخصائص تقاليدها المجتمعية, كما يمضي الإدريسي إلى أبعد من ذلك أحياناً حين يعمد إلى رصد الأزياء والعادات والتقاليد ووسائل العيش وأنماط الإدارة والحكم وغيرها من الظواهر المميزة للشعوب ولا يغفل عن وصف سحناتهم وطبائعهم وأمزجتهم وطبيعة طعامهم ومعتقداتهم الشعبية والأسطورية والدينية وأهوال القرى والمدن ومصائرها وما جرت عليها من ويلات.

          ولذلك ليس مستغرباً أن نلمح استفادة ابن خلدون في تاريخه وفي مقدمته أيضاً من بعض هذه التوصيفات وإشارته إلى تلك الفائدة في متن كتابيه.

          ويحرص الإدريسي على تعقب مجاري الأنهار, وتقسيم البحار إلى متصلة ومنفصلة وحساب المسافات بين التكوينات الطبيعية, وتحديد إحداثيات لا تخلو من دقة بين كل موضع وآخر ومدينة وقرية بالأميال, خاصة إذا علمنا أن تقديره لمحيط الأرض في كتابه يقارب إلى درجة لافتة ما هو معروف حالياً عن محيط الأرض. ولعل براعته كأديب تظهر منذ الفصل الأول من كتابه الذي سماه (صورة الأرض) في محاولة لافتة لرسم العالم بالكلمات التي تجمع بين الدقة العلمية والبلاغة المكثفة والتشبيهات المميزة.

          ويبقى حديثه عن استدارة الأرض في ثقافة عصور القرون الوسطى واحد من أهم النجاحات التي حققها في كتابه ليس في كون الاعتقاد العام السائد آنذاك هو أن الأرض مسطحة, بل لأن مثل هذا الرأي أطلقه الإدريسي في ثقافة القرون الوسطى بما اتسمت بها من دوغما ذهنية معروفة في هذا السياق.

محمد مظلوم

 

   

أعلى الصفحة | الصفحة الرئيسية
اعلانات