تركيا.. إلى أين؟

تركيا.. إلى أين؟

العسكر والحداثة المشوه

هل تسبب إخضاع المجتمع المدني لسيطرة الحكم العسكري في تركيا في تشويه نهضتها الحديثة، وأحدث مأزقاً دائما في علاقاتها بدول الجوار؟

قامت تجربة التحديث في تركيا على قاعدة خلفية تاريخية تميزت بانهيار السلطة العثمانية بعد أكثر من خمسة قرون كانت في بدايتها السلطة من أقوى دول العالم واستمرت في منعتها حتى القرن التاسع عشر حين أصبحت كمريض لا أمل بشفائه. وقد اعتمدت تركيا الحديثة في عهد مصطفى كمال سياسة جديدة أدت إلى تدمير الكثير من البنى الاقتصادية والاجتماعية والإدارية والثقافية التي كانت سائدة فيها إبان المرحلة العثمانية الطويلة، ونتج عن ذلك إضعاف للروابط الثقافية والتاريخية ما بين تلك المرحلة وتركيا الحديثة خاصة بعد إلغاء الحرف العثماني وإبداله بالحرف اللاتيني.

وفي ظل الجمهورية التركية الحديثة تمت إزالة الخلافة الإسلامية بشكل آثار نقاشا حادا في الأوساط الإسلامية التي اعتبرت قرار مصطفى كمال بإلغاء الخلافة إعلانا صريحا عن ابتعاد تركيا مستقبليا عن مبادئ الشريعة الإسلامية وانخراطها المبكر ، منذ الولادة ، في عملية التغريب وليس التحديث الحقيقي كما فعلت اليابان، على سبيل المثال لا الحصر.

قام بناء الدولة التركية الحديثة، في عهد مصطفى كمال وخلفائه من بعده، على قاعدة رأسمالية طرفية تابعة، تشدد على سياسة الباب المفتوح وغير المقيد بضوابط علمية لحماية الاقتصاد الوطني التركي، وهو ما يعرف بسياسة "دعه يعمل دعه يمر".

ونظرا لكثافة الاقتباسات التركية عن النماذج الرأسمالية الغربية والتي تمت، في الغالب، دون تدقيق في مدى ملاءمتها للبنى الاقتصادية والاجتماعية التركية فإن عملية الاقتباس هذه أوصلت المجتمع التركي المعاصر إلى سلسلة طويلة من الأزمات المتلاحقة والتي مازالت تعاني منها تركيا حتى الآن.

التجربة الكمالية

انطلقت التجربة الكمالية في تركيا بالاستناد إلى عدة ركائز بنيوية أبرزها العمل على تطوير المجتمع التركي من مجتمع ريفي، زراعي، تقليدي إلى مجتمع مدني، صناعي ، حديث. وقد أعطى أتاتورك أهمية استثنائية لحركة التمدين المقرونة بإدخال التعليم على نطاق واسع إلى مختلف المناطق والطبقات في الدولة التركية الحديثة. وقد اعتمدت في ذلك، وبشكل أساسي، على النموذج الغربي في التعليم وطرائق التدريس في مختلف المراحل.

وقد تزامنت حركة تحديث التربية هذه مع انعاش الأفكار الليبرالية ذات المنحى الأوربي على حساب إضعاف الاتجاهات الدينية والتيوقراطية التي كانت سائدة بقوة في السلطنة العثمانية على قاعدة نظام الملل والبنى السياسية والاجتماعية والثقافية المرتبطة به.

ومع تحديث قطاع الصناعة تم تحديث قطاع المواصلات بهدف ربط المناطق التركية الواسعة عبر شبكة حديثة من الطرقات وتطوير القوى المنتجة في مجالي الحرف والصناعة. وفتح الباب واسعا أمام الرساميل الأوربية للتوظيف في مختلف قطاعات الإنتاج والنقل في تركيا. ولم تمض سنوات طويلة حتى تبدلت تركيا من دولة ذات إنتاج زراعي تقليدي متخلف إلى واحدة من أكثر دول الشرق الأوسط نمو في مجال التصنيع والإنتاج الحرفي المتطور. ونتج عن ذلك أن الدولة التركية الحديثة باتت تعتمد بشكل أساسي على قطاعها الصناعي في عملية التبادل التجاري مع الدول الأخرى.

وكانت نتيجة الاقتباس عن الغرب دون استيعاب نقدي أن تركيا اليوم تعاني أزمات حادة ومتلاحقة تتجلى بشكل أساسي في انهيار سعر صرف الليرة التركية بالقياس إلى العملات العالمية، وتدهور القدرة الشرائية لدى الطبقات الفقيرة والوسطى، والتأزم المستمر للقطاع العام مع العمل على بيعه للقطاع الخاص تحت ستار الخصخصة، وإفلاس عدد كبير من المؤسسات الصناعية والحرفية بسبب عجزها عن تجديد نفسها باستمرار لكي تحافظ على قدرتها في الإنتاج الجيد القادر على المنافسة في اقتصاد السوق.

الآن، وبعد انقضاء أكثر من ستين عاما على وفاة مصطفى كمال فإن الدولة التركية مازالت تدين بالولاء للكمالية كركائز ضرورية للحفاظ على وحدة تركيا والعمل على حل الأزمات التي تعاني منها. مع ذلك، لابد من الإشارة إلى بروز تيارات سياسية تدعو إلى إعادة النظر بالكمالية من موقعين متناقضين تماماً.

أ - تيارات أصولية تؤكد على فشل الكمالية فشلا ذريعا بسبب ابتعادها عن جذورها الإسلامية وتحولها إلى حركة تغريب وليس حركة تحديث. وأن الكمالية قد استندت، منذ قيامها حتى الآن، إلى القوى العسكرية، فهي حركة تحديث عسكرية، قامت على العسكر ولخدمة العسكر بالدرجة الأولى. لذا كان من الطبيعي أن تنتهي إلى فشل ذريع، وأنها مازالت حاكمة بقوة العسكر وليس بالالتفاف الشعبي حولها.

وقد دلت الانقلابات العسكرية على أن المجتمع التركي، منذ أيام مصطفى كمال حتى الآن، مازال تحت الرقابة العسكرية المباشرة. وأن النظام العسكري يقيم سياسة أحلاف إقليمية تضر بالمصالح الحيوية للشعب التركي وتبقي تركيا في حالة عداء دائم مع الدول الإقليمية المجاورة لها.

ب - تيارات ليبرالية تؤكد على ضرورة تطوير التجربة الكمالية من موقع الحفاظ على الجوانب الإيجابية فيها وليس من موقع نقضها أو التخلي النهائي عنها. فالكمالية وليدة ظروف تاريخية محددة وهي بحاجة إلى تطوير وتعديل لكي تبقى قابلة للحياة في ظل التبدلات الإقليمية والدولية المتسارعة خاصة بعد الدعوة إلى إقامة نظام عالمي جديد وتراجع حدة الصراعات العسكرية على المستويين الإقليمي والدولي.

فدعاة تطوير التجربة الكمالية هم من التيار الإصلاحي المؤمن بدورها التاريخي وما قدمته من إيجابيات كثيرة للمجتمع والدولة في تركيا الحديثة. فمصطفى كمال، في نظر هؤلاء، رمز كبير تفتخر به تركيا ويجب الاحتفاظ به، وعدم التنكر له مهما تبدل شكل النظام السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي. دلالة ذلك أن التجربة الكمالية قد استكملت أو كادت تستنفد دورها التاريخي، فتحولت إلى عائق يمنع تحديث المجتمع التركي المعاصر، وبالتالي لابد من تطويرها بالطرق الديمقراطية أو بالتخلي عنها بالأسلوب الانقلابي الأصولي عن طريق نسف جميع الركائز التي قامت عليها. إلا أن التجربة الكمالية ليست فريدة في بابها وقد سبقتها أو تزامنت معها حركات تحديث كثيرة في الدول المجاورة لها أو البعيدة عنها. لكن اللافت للنظر أن جميع حركات التحديث التي قامت على قاعدة العسكر ولخدمة العسكر قد انتهت إلى الفشل بدرجات متفاوتة. ولكن سرعان ما دخلت تركيا في مأزق حاد بسبب النفقات الباهظة التي تتطلبها الإدارة المعسكرة على حساب قوى الإنتاج في مجتمعات نامية كالمجتمع التركي أو المجتمع العربي. كما أن الحروب المحدودة التي تقودها القوى العسكرية في هذه المجتمعات تبقى عديمة الأثر وتقود إلى مزيد من الأزمات الاجتماعية والاقتصادية الحادة من جهة، وإلى مزيد من العزلة عن دول الجوار بدل الانفتاح عليها.

باختصار شديد يمكن القول إن التجربة الكمالية نجحت في تحويل تركيا إلى دولة عصرية عن طريق تطوير القطاعات المنتجة، وربط الأرياف بالمدن التركية عبر شبكة واسعة من طرق النقل والمواصلات الحديثة، وزيادة حجم السكن المدني بشكل واضح، وتطوير القطاع الصناعي، وادخال التكنولوجيا الحديثة المستوردة من الغرب إلى تركيا، وتقليص نسبة الأمية عن طريق الاهتمام الواسع بقطاع التربية والتعليم والبحث العلمي، وتعميق الروابط الاجتماعية بين الأتراك على أساس الولاء للوطن التركي والأمة التركية، وتأسيس أحزاب علمانية حديثة ذات منحى ديمقراطي وعلماني، وزيادة الاهتمام بالفرد لتطوير قدراته الذاتية على الخلق والإبداع وغيرها.

لقد توسعت إصلاحات مصطفى كمال إلى مجالات كثيرة ومتنوعة تم معها تحديث تركيا على قواعد ثابتة أبرزها: إنهاء السلطة العثمانية والانتقال إلى مرحلة الجمهورية التركية كتجربة مغايرة تماما لتجربة السلطنة. التشديد على العنصر التركي والقومية التركية. الاستناد إلى قاعدة شعبية واسعة للقيام بإصلاحات اقتصادية واجتماعية وثقافية كبيرة. القيام بثورة حقيقية ضد كثير من الأشكال التقليدية التي كانت سائدة آنذاك في المجتمع التركي وتنشر وعياً ثقافياً مزيفاً عبر الفرق الصوفية وفرق الدراويش وغيرها.إطلاق الحرية الكاملة للتيارات الليبيرالية لتنشر وعياً علمانياً حديثاً مقتبساً من تجارب التحديث العلمانية في الغرب. وأخيرا بناء ركائز قوية لدولة تركية حديثة تستند بشكل أساسي إلى بيروقراطية متماسكة وذات خبرة طويلة في العمل الإداري، يحميها جيش قوي مدرب بشكل جيد ومزود بأحدث الأسلحة، وعلى جهوزية كاملة لقمع كل من يحاول النيل من تجربة التحديث الكمالية ودولتها المركزية.

لقد قوبلت إصلاحاته العلمانية بكثير من العداء في الأوساط العربية والإسلامية. وزادت موجة العداء العربي حدة بعد سيطرة أتاتورك على لواء الاسكندرون السوري بدعم مباشر من عصبة الأمم. كما أن إعطاء العنصر التركي الأولوية في مختلف المجالات دفع القوى القومية الأخرى داخل المجتمع التركي إلى صفوف المعارضة بأشكال مختلفة وصولا إلى العمل العسكري المسلح ضد الدولة التركية كما هو الحال مع المعارضة الكردية التي تحولت إلى حرب أهلية طويلة الأمد ما بين الأتراك والأكراد.

يضاف إلى ذلك التناقض ما بين البنى التقليدية والبنى المحدثة في المجتمع التركي كان يزداد حدة منذ أيام مصطفى كمال حتى الآن بعد أن تحولت في العقدين الأخيرين، ونتيجة تفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية في القطاعات المحدثة، إلى أزمة هوية وانتماء دفعت بالعسكر التركي مجدداً إلى واجهة العمل السياسي، واستمرار اللجوء إلى حل النزاعات الداخلية المستعصية بالأسلوب العسكري الذي أثبتت التجربة العملية فشله الذريع.

لقد دلت تجارب حركات التحديث في العالم كله على أن أيديولوجية التحديث للعسكر وبالعسكر تحمل في داخلها بذور أمتها التي تقود إلى انهيارها في معظم الأحيان. مرد ذلك إلى أن تجربة التحديث التركية بقيت أسيرة القوى العسكرية، ولم تنتفح على الأفكار الديمقراطية والليبرالية إلا في حدود ضيقة للغاية، وسرعان ما تآكلت الإيجابيات السابقة تحت وطأة السيطرة العسكرية المستمرة على المجتمع التركي، وتم استنزاف الرصيد المعنوي للرمز التاريخي المؤسس فازدادت الحاجة إلى التغيير الجذري في ظروف إحكام القوى العسكرية قبضتها على المجتمع المدني وتعطيل الكثير من طاقاته الإبداعية.

إن نظرة نقدية معمقة لتجربة التحديث في تركيا منذ أتاتورك حتى الآن تؤكد أن هذه التجربة نجحت في إدخال تركيا دائرة الحداثة المقرونة بالتغريب مما ساعد في تأزم الأوضاع الداخلية التركية لدرجة تستعدي بقاء الجيش في رأس الهرم السياسي المسيطر من جهة، وإبرام اتفاقيات عسكرية مع إسرائيل والحلف الأطلسي للضغط على دول الجوار من جهة أخرى. لذلك عجز النظام التركي عن حل أزماته الداخلية، خاصة المسألة الكردية وعن إقامة علاقات طبيعية وطويلة الأمد تقوم على احترام المصالح الحيوية لتركيا ودول الجوار وحل الخلافات الحدودية العالقة بالطرق السلمية. يضاف إلى ذلك أن مسألة الانتماء أو الهوية القومية ما بين آسيا وأوربا مازالت دون حل ، كذلك مسألة التصالح ما بين الدولة العلمانية والإحساس الديني للشعب التركي بالانتماء إلى الدين الإسلامي.

انطلاقا من هذا التحليل المنهجي نرى أن مأزق النظام العسكري التركي وما تصدر عنه من مواقف عدائية ضد قوى المعارضة الداخلية وقوى الجوار الإقليمي ينبع من عجز الكمالين عن إكمال تجربة التحديث التي بدأها مصطفى كمال ونقلها من التغريب إلى الحداثة، ولا يتم هذا الانتقال إلا على قاعدة الأفكار الديمقراطية، والاحتكام إلى التمثيل الشعبي السليم، وإطلاق برامج اقتصادية وتربوية مدروسة وطويلة الأمد لتحديث المجتمع التركي.

يكفي التدليل على مصداقية هذه المقولة بتقديم النموذج الياباني في هذا المجال. فقد نجحت اليابان في عهد الإمبراطور "مايجي MEIJI " في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين بتحويل اليابان إلى دولة حديثة تخضع للسيطرة العسكرية والاحتكارات الرأسمالية الكبيرة. لكن تلك القوى دفعت باليابان إلى مصاف الدول الإمبريالية الكبرى عبد أن سيطرت على مساحات كبيرة من أراضي الدول المجاولة، خاصة الصين وكوريا. وأدت تجربة الحكم العسكري الياباني إلى تدمير القوى الديمقراطية اليابانية أولا، ومن ثم انهيار الدولة اليابانية نفسها بعد هزيمتها في الحرب العالمية الثانية وفرض الوصاية الأمريكية عليها، وهي وصاية مازالت مستمرة بأشكال مختلفة حتى الآن على الرغم من بروز اليابان كواحدة من أكثر دول العالم قوة في المجال الاقتصادي.

الجديد في هذا المجال أن اليابان قد استفادت من دروس التاريخ وطورت تجرية التحديث فيها ووضعتها في خدمة المجتمع الياباني بالارتكاز إلى التمثيل الديمقراطي. ونظرا لكثافة المصالح الحيوية لليابان مع دول الجوار الآسيوي، وفي مقدمتها الصين وكوريا اللتان شهدتها علاقات تاريخية سلبية للغاية مع اليابان إبان احتلال جيشها لمساحات كبيرة من أراضيهما، بادرت الإدارة اليابانية إلى التصالح الفعلي مع مجالها الإقليمي الحيوي تمهيداً لإقامة علاقات حسن الجوار في المستقبل.

وشارك في عملية التصالح الإمبراطور الياباني نفسه، ورئيس وزراء اليابان ووزير خارجيتها، فقاموا بزيارات ودية لتلك الدول وقدموا الاعتذارات العلنية لها لما ارتكبه الجيش الياباني من أعمال عدوانية وجرائم بربرية في حق الصينيين والكوريين.

دلالة ذلك أن نجاح تجربة التحديث في اليابان، حتى في ظروف السيطرة الأمريكية العسكرية المباشرة على أراضيها، دفع القوى اليابانية الحاكمة إلى التصالح مع دول الجوار الإقليمي بهدف الحفاظ على المصالح اليابانية الراهنة وتطويرها. بالمقابل، فإن فشل تجربة التحديث في تركيا وبقاءها في دائرة التغريب من جهة، ولخدمة العسكر التركي بالدرجة الأولى من جهة ثانية، جعل الحكم العسكري التركي المسيطر أسير استراتيجيات القوى العظمى ذات النفوذ القوي في هذه المنطقة، وبشكل خاص الولايات المتحدة الأمريكية وحليفتها الدائمة إسرائيل. لذلك فقدت تجربة التحديث الكمالية الكثير من إيجابياتها بعد وفاة مؤسسها من جهة وتبدل الظروف التاريخية التي رافقت ولادتها من جهة أخرى. وصار الكماليون على الرصيد المعنوي لمصطفى كمال لدرجة الإساءة إليه يومياً.

ولم تنجح التجربة في تشكيل حزب سياسي قوي وقادر على حماية تركيا من الانقسامات والحروب الداخلية، وتحسين علاقاتها مع دول الجوار، وحسم انتماء تركيا إلى محيطها الآسيوي بعد أن عجزت عن حسم هذا الانتماء إلى الغرب الأوربي الذي مازال يضع الشروط التعجيزية أمام تركيا للقبول بها كدولة أوربية.

إن بقاء تركيا الحديثة أسيرة النظام العسكري تحت ستار أن أتاتورك نفسه تركيا الحديثة أسيرة النظام العسكري تحت ستار أن أتاتورك نفسه كان رجلا عسكريا قد أضر بسمعة تركيا بعد انهيار حكم الجنرالات والانقلابات العسكرية في كثير من دول الجوار، وبعد أن اختارت مختلف دول العالم النظام الديمقراطي بديلا عمليا لكل الأنظمة.

ومع تأزم الأوضاع الداخلية التركية وسوء علاقاتها مع جميع دول الجوار، وهي دول عربية وإسلامية في الغالب، وقيام تحالف شبه ثابت ما بين تركيا وإسرائيل، وهي العدو الأساسي للعرب وللمسملين، باتت تجربة التحديث التركية أسيرة قوى عسكرية تستنزف الآن القسم الأكبر من موازنة الدولة التركية. هذا في وقت تزداد فيه كثافة السكان في تركيا وتزداد معها نسب البطالة والأمية والفقر، وتتفاقم أزمة قطاعات الإنتاج مع زيادة نسبة الإفلاسات في كثير من المؤسسات المالية والاقتصادية ومع انهيار مريع في سعر صرف الليرة التركية بالقياس إلى العملات الدولية.

لقد اختار الحكم العسكري التركي موقع الحليف لإسرائيل، وهي وظيفة أفقدت الاقتصاد التركي الكثير من الموارد الطبيعية والأسواق التجارية والمالية، العربية والإسلامية، في وقت لم يتعزز فيه دور تركيا الاقتصادي والمالي في السوق الأوربية المشتركة. لذا فالتهديدات العسكرية التركية لسوريا في الآونة الأخيرة ليست إلا تعبيرا عن مأزق تجربة التحديث التي شهدتها تركيا منذ أتاتورك ولم تتطور إلى حركة تحديث تقوم على تطوير جميع قطاعات الإنتاج والقوى المنتجة، وتقيم التوازن ما بين الأصالة والتجديد، كما تقيم أفضل العلاقات مع دول الجوار الإقليمي وتحل المشكلات الحدودية العالقة معها بالطرق السلمية وليس بالقوة العسكرية.

 

مسعود ضاهر