صدام الحضارات بين العولمة والإسلام

صدام الحضارات بين العولمة والإسلام

قرأت باهتمام بالغ مقالة معنونة بـ (التسامح المعنى والمغزى) فى العدد (542) يناير 2004م لأستاذ التاريخ د.قاسم عبده قاسم, حيث تعرض لمصطلح التسامح كمعنى واستخدامه فى مجال الحديث عن الجوانب الدينية, وفى الحديث عن الحوار حيث أبرز مسألة (صدام الحضارات) و(حوار الحضارات) وضرورة التسامح, وتعرض لقضية التهديد الإسلامي: خرافة أم حقيقة, والصعوبات التى تواجه طريق التسامح.

فمنذ أن وقعت واقعة 11 سبتمبر في الولايات المتحدة الأمريكية يخرج علينا الكُتاب الأمريكيون والغربيون بنظريات جديدة وتفسيرات ومبررات لنتائج ما حدث في ذلك التاريخ, ومن بين ما تردد وطغا على الساحة الدولية ما يسمى بـ (صدام الحضارات), وكان صمويل هنتنجتون قد تنبأ قبل سنوات عدة بأن العالم ستصطدم حضاراته!! والبعض صنفها على أنها نبوءة, والآخرون قالوا إنها دعوة, ولكنها يبدو أنها كانت تحريضا, وهذا ما تجسد في الأحداث الأخيرة لشق فجوة بين الإسلام والغرب, وبين الحضارة الشرقية العربية والحضارات الغربية الأوربية الأنجلو - ساكسونية.

إن نظرية هنتنجتون انطلقت من نظرة خاطئة للإسلام والحضارة الإسلامية والمعطيات القرآنية, لأن الإسلام ليس في صراع إلا مع العناصر العدوانية, تاركا للجميع حرية اختيار العقيدة والفكر والمذهب وطريقة الحياة, وقد أكد القرآن الكريم على ذلك حين قال لكم دينكم ولي دين وفي سورة الغاشية, تذكير إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر. وفي مكان آخر يقول المولى سبحانه وتعالى: لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم

كل هذا يؤكد أن الإسلام أتاح مساحة كبيرة من الأمان والاستقرار, ودعا للسلام مع كل الأديان والعقائد الأخرى حتى عبدة النيران ترك لهم حريتهم في إقامة شعائرهم ومناسكهم فكيف يكون هناك ما يسمى بـ (صراع الحضارات) بين الحضارة الإسلامية - التي قامت وتأسست على التسامح والرحمة والسلام - والحضارات الأخرى, بل على العكس فإن الإسلام يمد يده إلى كل صاحب حكمة لكي يتحاور معه ويستفيد من معطياته. وقد قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها .

لقد دعت محافل ومنظمات كثيرة إلى حوار الحضارات منذ الستينيات من القرن المنصرم. ثم انتهى الحوار إلى أوراق نشرت في كتب وأذيعت في صحف لكنها لم تثمر نتائج ملموسة حتى الآن, وعندما ترددت في أرجاء العالم السياسية والفكرية نظرية عن (صدام الحضارات) كان البديل المنطقي الذي تمت المسارعة إلى استدعائه هو (حوار الحضارات) الذي تمت الدعوة إليه بقوة في جميع المحافل والملتقيات. وعُملَ على إنجاحه قصد تجنيب العالم ويلات الصراع, وكوارث الصدام الحضاري. وإذا كانت جهات غربية كثيرة قد دأبت على الدعوة إلى حوار الحضارات وفق شروط وضوابط معينة أملتها ظروف التفوق, فإن الطرف الإسلامي لم يكن بعيدا عن فكرة تنظيم مؤتمرات وملتقيات دولية لترسيخ آليات الحوار الحضاري, من طرف مؤسسات ومنظمات ثقافية إيمانا منها بأن (حوار الحضارات) يعتبر مطلبا إسلاميا مُلحا يدعو إليه القرآن الكريم وتبشر به السنة النبوية الشريفة.

إن التقاء الحضارات معلم من معالم التاريخ الحضاري للإنسانية, وهو قدر لا سبيل إلى مغالبته أو تجنبه, وقد تمّ دائما وأبدا وفق هذا القانون الحاكم (التمييز بين ما هو مشترك إنساني عام وما هو خصوصية حضارية). ولا شك أن الخيار البديل للصدام هو أن تتفاعل الحضارات الإنسانية بعضها مع البعض الآخر بما يعود على الإنسان والبشرية جمعاء بالخير والفائدة, فالتفاعل عملية صراعية ولكنها متجهة نحو البناء والاستجابة الحضارية لتحديات الراهن, عكس نظرية (صدام الحضارات) التي هي مقولة صراعية, تدفع الغرب بإمكاناته العلمية والمادية لممارسة الهيمنة ونفي الآخر والسيطرة على مقدراته وثرواته تحت دعوى وتبرير أن نزاعات العالم المقبلة سيتحكم فيها العامل الحضاري.

إن من ينظر إلى الوضع العالمي المعاصر نظرة موضوعية, متحررة من منطق المركزية الأوربية الغربية, سيرى نظاما تسود فيه علاقة معينة هي علاقة النظام الرأسمالي العالمي بالبلدان التي كانت تشكل (العالم الثالث), والتي أصبحت بحق, في النظام العالمي الجديد, في وضعية (الأمم البروليتارية). فسلوك الدول الغربية والنظام الاقتصادي العالمي الذي تفرضه, سواء عبر العلاقات الثنائية أو عبر المنظمات والأجهزة الدولية, يجعل علاقاتها مع البلدان الفقيرة وغير المصنعة عموما, علاقات استغلال. والصراع أو الصدام في هذا النوع من العلاقات هو صراع المصالح وليس صدام الحضارات.

إن هناك خصوصيات حضارية وثقافية وإثنيات وقوميات, وهي مكونات متجذرة في الحياة البشرية, وهذه جميعا لا تحكمها علاقة وحيدة الاتجاه, بل تربطها علاقات تداخل وحوار في إطار من الاحتكاك على هذه الدرجة أو تلك من الشدة, ولا يكتسي هذا الاحتكاك صورة صدام إلا إذا كان يحركه صراع المصالح. وإذا كان الفكر الغربي جنح طوال تاريخه المديد إلى إعطاء أهمية كبيرة للنفي ولمقولة (الآخر) فإن ذلك لا يعني في نظرنا أن الأمر يتعلق بخصوصية حضارية أو ثقافية ينفرد بها الغرب, بل إن الأمر يتعلق بظاهرة بشرية عامة, فكرية وسلوكية, يمكن أن تبقى محصورة في مستوى العلاقات السلمية البناءة, علاقات الحوار والتلاقح والإغناء المتبادل, في إطار الاعتراف بحق الاختلاف, وهي لا تتحول إلى مستوى الصدام إلا إذا حركها الميل إلى الهيمنة, إلى الانسياق مع منطق المصالح, منطق الأنانية.

وهكذا فإن تصحيح صورة الإسلام والمسلمين لدى الغرب والرأي العام العالمي يتطلب إخلاص النوايا في توحيد الجهود, والتنسيق بين كل القوى والدول العربية والإسلامية, وإعداد خطة علمية وواقعية لمواجهة حملات التشويه والإساءة التي توجه للعرب والمسلمين في الإعلام الغربي, والتخلص من الأنانية التي تسيطر على بعض القيادات الإسلامية, وإطلاق الملكات الإعلامية في الدول العربية والإسلامية من عقالها لكي تعبر بحرية عن الحقائق دون توجس او تسلط من البعض, وتوطين تكنولوجيا الاتصال المتقدمة في العالمين العربي والإسلامي, وإنشاء موقع على الإنترنت خاص بالتقريب بين المذاهب الإسلامية لتزويد الباحثين والكتّاب بالمعلومات والمصادر والوثائق, وإقامة قنوات فضائية عربية وإسلامية وصحف عالمية وشبكات إذاعية تخاطب العالم الغربي بلغاته, إلى جانب تحرير الإعلام العربي.

ما سبق كان رؤى وتصورات وأفكارا والسؤال: هل ستتبدل المفاهيم بعد انتهاء هذه الأزمة التي يمر بها العالم حاليا? أو هل ستستمر وتزيد نعرة (صدام الحضارات), التي يتبناها بعض الكتاب الغربيين ـ بعد انتهاء الأزمة ? هذا ما ستكشفه الأيام المقبلة.

محمود سلامة محمود الهايشة
المنصورة - مصر