الفيلسوف ابن البوسطجي

الفيلسوف ابن البوسطجي
        

بيير بورديو والتجربة الجزائرية

          إذا كان جان بول سارتر قد سيطر على الفكر الفرنسي في النصف الأول من القرن العشرين, فإن بورديو قد سيطر فكريا على النصف الثاني. 

          لا أعتقد أن هناك مجتمعا في العالم الغربي المتقدم يبدي من الاهتمام والاحترام نحو رجال الفكر والثقافة الرفيعة ما تبديه فرنسا الرسمية والشعبية على السواء. فعلى سبيل المثال, حين شارك جان بول سارتر الطلاب في حركتهم الثائرة عام 1968 واقترح البعض على شارل ديجول أن يقبض عليه مثلما فعلت بريطانيا مرارا مع فيلسوفها الأشهر برتراند راسل رفض ديجول الاقتراح وأطلق عبارته الرائعة (إن سارتر هو فرنسا). وقد كانت فرنسا دائما مركز جذب للمثقفين والمفكرين والمبدعين من كل أنحاء العالم بمن في ذلك المفكرون الثوار من العالم الثالث الذي كان يرزح تحت وطأة الاستعمار الفرنسي. وكانت فرنسا تتيح لهم الفرصة دائما للتعبير الصاخب في كثير من الأحيان عن آرائهم المناهضة لسياستها الاستعمارية التي كثيرا ما كانت تهدف إلى القضاء على الهويات الثقافية للشعوب الخاضعة لسلطانها. وكثيرا ما كان هؤلاء الثوار يحرضون الفرنسيين أنفسهم على الانضمام إليهم ضد حكومتهم. وقد حقق بعض هؤلاء المثقفين الوافدين من المستعمرات شهرة واسعة في فرنسا ولقوا كثيرا من الاحترام والاعتراف بقدراتهم الإبداعية من الأوساط الثقافية الفرنسية حتى وإن لم ترض عنهم الحكومات كما حدث مثلا للطبيب المفكر الثائر فرانز فانون الذي حارب في صفوف جيش التحرير الجزائري, والأديب الشاعر المارتنيكي إيميه سيزير والفيلسوف الشاعر السياسي ليوبولد سنجور الذي اشترك مع سيزير في الدعوة لفكرة (الزنوجة) وأفلح في أن يكون أول رئيس لبلاده السنغال بعد استقلالها ويصبح عضوا في الأكاديمية الفرنسية وغيرهم. فقد كانت فرنسا تفرق دائما بين العداء السياسي الذي تواجهه بكل عنف وقسوة والنبوغ والقدرات الفكرية التي تعمل على رعايتها وتشجيعها لأنها تسهم في إثراء الثقافة الإنسانية بوجه عام والفكر الفرنسي بوجه خاص. وقد جاء هؤلاء المثقفون إلى ميدان الفكر من تخصصات مختلفة ولكنهم كانوا جميعا يشغلون أنفسهم وعقولهم بهموم الأوطان التي جاءوا منها وهموم العالم ككل, كما كانوا يعملون على تطويع تخصصاتهم لفحص الأوضاع السائدة في المجتمع الفرنسي نفسه وفي المستعمرات التي كانت فرنسا تعتبرها امتدادا لها في الخارج.

المثقف الإيجابي

          وربما كان للإعداد الموسوعي الواسع المتنوع الذي يخضع له الإنسان الفرنسي خلال كل مراحل التعليم بما في ذلك مرحلة التعليم الجامعي المتخصص وتعرضه طيلة الوقت للمناخ الفكري الثري الذي يسود فرنسا الأثر الأكبر في اتساع أفق التفكير وشمول النظرة لدى المثقفين ودافع لهم للاهتمام بالوضع الإنساني بوجه عام. بل إن الشارع الفرنسي نفسه يتوقع دائما من مفكريه وفلاسفته وأدبائه وفنانيه المشاركة الفعالة والإيجابية في البحث عن حلول لمشاكله بحيث كان يسخر دائما من المفكرين الذين ينأون بأنفسهم عن الانضمام للحركات والجماعات المطالبة بتعديل بعض الأوضاع التي تعانيها بعض قطاعات المجتمع, وهو ما حدث - على سبيل المثال - مع الفيلسوف الاشتراكي لوي ألتوسير حين رفض المشاركة في مسيرات الطلاب الشهيرة عام 1968 فأخذوا ينشدون عبارة ساخرة ذات طابع موسيقي رتيب معناها (ما فائدة ألتوسير). بل إن أستاذا من كبار أساتذة الفلسفة الاجتماعية والسياسية مثل ريمون آرون الذي اشتهر بشخصيته المتواضعة والمنزوية إلى حد كبير كان يصف نفسه صراحة بأنه (المتفرج الملتزم), فهو لا يشارك بالفعل في السلوك الصاخب الثائر المتمرد ولكنه يلتزم التزاما دقيقا بالمبادئ الأخلاقية والإنسانية المتعلقة بهموم الجماهير والجماعا المظلومة ويبدي الرأي الحر الجريء بطريقته الخاصة الهادئة في كتاباته عن نقد المجتمع. لهذا كله كان المفكرون والمبدعون في فرنسا يحظون بقدر هائل من الإجلال والاحترام الأقرب إلى القداسة.

قبلة المبدعين

          واهتمام فرنسا بالفكر والإبداع كان دائما وراء البحث الجاد عن أصحاب المواهب الواعدة ورعايتهم منذ البداية بل ومنذ الصغر من خلال تقديم المساعدات والمنح الدراسية والجوائز التشجيعية والإشادة بالأعمال التي تبشر بالخير, وذلك على أساس أن ما يقدم من تشجيع ورعاية لتلك البراعم سوف يكون له مردود ثقافي وفكري وعلمي ضخم في المستقبل. ولولا هذا الاهتمام وتلك العناية والرعاية والإشادة لما ظهر كل ذلك العدد الكبير من المفكرين والأدباء والفنانين والمشتغلين بالعلوم الإنسانية بالمعنى الواسع للكلمة الذين أثروا تأثيرا بالغا في الفكر العالمي وجعلوا فرنسا قبلة المبدعين في كل المجالات. وثمة عبارة شائعة في الغرب تعبر أصدق تعبير عن هذه الحقيقة إذ تقول إن فرنسا متخصصة في (صنع) المفكرين مثلما أن روسيا متخصصة في (صنع) لاعبي الشطرنج. ففي النصف الثاني من القرن الماضي - على سبيل المثال - ظهر عدد كبير من الأسماء الضخمة لمفكرين أفذاذ من أمثال ميشيل فوكو وجاك لاكان وجاك دريدا ولوي ألتوسير وكثيرين غيرهم ممن أفلحوا في نشر أفكارهم على مستوى العالم كله. ثم جاء بعد هذا كله اسم بيير بورديو الذي عاصرهم تلميذا أو زميلا مفكرا يقال إنه سيطر على الفكر الفرنسي في ذلك النصف الثاني من القرن مثلما سيطر جان بول سارتر على ذلك الفكر في النصف الأول. فدوره في الحياة والفكر والثقافة في فرنسا لا يقل عن دور سارتر مع فارق كبير هو احتفاظه في الوقت ذاته بالمعايير الأكاديمية الصارمة في بحوثه ودراساته وكتاباته المختلفة. وقد جذب بورديو انتباه المثقفين والمفكرين الاجتماعين منذ ظهر كتابه القصير عن (سوسيولوجيا الجزائر) عام 1958 في مجموعة Que Sais-Je وكان حينئذ في السابعة والعشرين من عمره, وظل تأثيره يتنامى ويتعاظم إلى أن وضع السرطان حدا لحياته في الثالث والعشرين من يناير 2002 وهو في الحادية والسبعين من العمر, أي أن تأثيره القوي في الفكر الفرنسي والفكر العالمي استمر أكثر من أربعين سنة أثناء حياته, وأغلب الظن أنه سوف يستمر لعقود طويلة بفضل تلك الجدية الأكاديمية التي كان يلتزم بها, ونوع المشكلات التي يعنى بها وأسلوب معالجته لتلك المشكلات واهتمامه بالبعد الإنساني فيها. وظل حريصا على الاستمرار في الكتابة والمحاضرة رغم مرضه بحيث ترك وراءه أكثر من خمسة وعشرين كتابا وخمسمائة مقال من الفكر الإنساني المتنوع الرفيع في مجالات اللغة والفعل والإيستمولوجيا (نظرية المعرفة) وفلسفة العلم والنظرية السياسية والتعليم والأخلاق والجمال وغيرها من الموضوعات الفلسفية أو ذات الطابع الفلسفي.

منحة دراسية

          لم تكن الظروف العامة التي أحاطت بنشأته الأولى تنبئ أو تبشر بما سوف يئول إليه أمر بيير بورديو الصغير من الشهرة وارتفاع المكانة في الأوساط الأكاديمية والثقافية. فالمولد كان في قرية صغيرة منعزلة في جنوب فرنسا اسمها (بيارن) وقد ذاع ذلك الاسم في العالم بطبيعة الحال مع ذيوع صيت بورديو المفكر والعالم الاجتماعي. والعائلة كانت عائلة من الفلاحين الذين يشتغلون بالزراعة, وإن كان الأب عمل بعد ذلك (بوسطجيا) في مكتب البريد. ولكن ما أبداه بورديو التلميذ من ذكاء وقدرة على التحصيل والتفكير والنبوغ في الدراسة أتاح له دائما فرصة الحصول على منح دراسية كانت كفيلة بإرساله إلى إحدى المدارس الثانوية الكبرى في باريس ومنها إلى الإيكول نورمال سوبيريور (مدرسة المعلمين العليا) ذات المكانة الرفيعة والتي تخرج منها عدد كبير من أهم مفكري فرنسا. وفي تلك (المدرسة) درس الفلسفة على أيدي ألتوسير ثم عمل مدرسا للفلسفة بإحدى المدارس الثانوية (وهو الطريق الطبيعي الذي سار فيه معظم مفكري فرنسا أيضا) قبل أن ترسله فرنسا عام 1955 إلى الجزائر لأداء الخدمة العسكرية. وكانت هذه نقطة التحول الكبرى في حياته كلها بل وفي تاريخ تطور جانب مهم من جوانب الفكر الفرنسي المعاصر في النظرية الاجتماعية والسياسية.

          أثناء الخدمة العسكرية عرف بورديو منطقة القبائل التي يسكنها البربر (الأمازيغ) واختلط بهم وأدرك طبيعة حياتهم وتنظيمهم القبلي وأدرك حقيقة الوضع المأساوي في الجزائر تحت الاستعمار الفرنسي وتجاوب مع مطالب الناس وتعاطف مع المعاناة التي تخيم على حياتهم. والتحق عام 1958 بجامعة الجزائر لتدريس الفلسفة إلا أن حياة الصحراء وتجربته الإنسانية القاسية أثناء الخدمة العسكرية كانت من العمق بحيث دفعته إلى تغيير اتجاهاته الأكاديمية من الفلسفة إلى عالم الاجتماع والأنثربولوجيا اللذين يتيحان له فرصة دراسة المجتمع الجزائري ومنطقة القبائل بالذات دراسة عميقة تقوم على فهم الثقافة وتحليل العلاقة بين الأهالي بعضهم بعضا من ناحية ونوع العلاقة بين السكان الجزائريين الأصليين والمستعمرين الفرنسيين من الناحية الأخرى. ولم يمنعه التعاطف الوجداني مع الأهالي - وهذا التعاطف عنصر مهم في نجاح البحث الأنثربولوجي الميداني - من التمسك بمبادئ ومعايير الدراسة الأكاديمية الموضوعية. وقد عبر هو نفسه عن ذلك في بعض أعماله بقوله إن التعاطف الوجداني مع مجتمع البحث أمر جيد ولكنه لا يؤدي وحده إلى بحث أنثربولوجي جيد. وكان كتابه القصير (سوسيولوجيا الجزائر) الذي لفت إليه الانتباه هو أولى نتائج هذا المبدأ المنهجي المهم. وقد أدرك أن الفلاسفة يمكنهم أن يعالجوا أشد المشكلات تعقيدا إذا هم اهتموا بتعرف أوضاع الحياة الواقعية التي تحيط بالإنسان العادي في أنشطته المختلفة وعلاقته بالآخرين, مثلما أدرك في الوقت نفسه أن البحث الأنثربولوجي الذي يهتم بالمشكلات الحياتية لن يحقق أهدافه النهائية إلا إذا عالج هذه المشكلات من منظور فلسفي نظري مع الالتزام طيلة الوقت بموقف علمي دقيق يرتكز على مبادئ منطقية وأمبيريقية واضحة وبحوث ميدانية جادة تخضع نتائجها للتأمل العميق. فالأنثربولوجيا علم انعكاسي أو مرتد بالضرورة من وجهة نظره. وهذا معناه أن ابتعاده عن الفلسفة لم يكن انفصالا تاما وهو ما يظهر من المجالات نفسها التي اهتم بالبحث والكتابة فيها.

صدام الثقافات

          وقد تبين له أثناء ذلك أن المشكلة الجزائرية ليست مجرد مشكلة استعمار دولة غربية قوية لمجتمع لا غربي يعاني التخلف والفقر وإنما هي في حقيقتها مشكلة صدام بين ثقافتين لهما أصول تاريخية وتقاليد وتصورات ورؤى للحياة مختلفة ومتعارضة وأن إحدى هاتين الثقافتين تعتقد أنها تملك من المقومات ما يؤهلها لفرض الهيمنة السياسية والاقتصادية على الثقافة الأخرى. وقد أثارته التغيرات التي أدخلها الاستعمار الفرنسي والرأسمالية الغربية في حياة المجتمع الجزائري وقيمه التقليدية كما صدمته المآسي الناجمة عن حرب التحرير ودفعه ذلك إلى التفكير في ضرورة إعادة النظر في مضمون وأهداف الرسالة التي يجب أن يضطلع بها البحث العلمي الاجتماعي والأنثربولوجي وأنه ينبغي على مثل هذه البحوث أن تعطي الأولوية المطلقة للمشكلات التي تهم الناس في المجتمع موضوع الدراسة وليس المشكلات التي تهم الباحث نفسه أو الجهة الممولة للبحث أو المجتمع الذي ينتمي إليه الباحث, وذلك على اعتبار أن البحوث الأنثربولوجية تجري في العادة في مجتمعات أخرى غير مجتمع الباحث وهو ما يصدق على بورديو نفسه في حال دراسته للمجتمع الجزائري, وإن كان هذا لم يمنعه من أن يدرس في مرحلة تالية من حياته العلمية القرية التي نشأ فيها وأن يهتم بمشكلات المجتمع الفرنسي الاجتماعية والسياسية. إنما المهم في كل الحالات هو أن يعنى الباحث بإبراز الأبعاد الإنسانية المتعلقة بحياة الآخرين كبشر وهو ما يعني في آخر الأمر وجود تحفظات - من وجهة نظره - على فكرة الموضوعية في البحوث الأنثربولوجية. وقد أدى به هذا الموقف إلى أن يعطي جانبا كبيرا من اهتمامه لدراسة ظاهرة (اللامساواة) أو التفاوت الاجتماعي سواء في الجزائر أم في فرنسا وأساليب التمويه التي يلجأ إليها المجتمع - أو المسئولون فيه - لإخفاء ذلك التفاوت أو التهوين من شأنه ومن حال البؤس التي تعانيها القطاعات والشرائح والجماعات المستضعفة داخل المجتمع. ووجد مثالا صارخا لذلك في أوضاع المهاجرين من البربر من منطقة القبائل إلى الجزائر المدينة وظهرت نتائج هذا البحث عام 1978 ثم عاد إليه مرة أخرى ولكن على مستوى أوسع في دراسته للأوضاع المأساوية التي تحيط بالمهاجرين الجزائريين عموما في فرنسا حيث يعانون أشد المعاناة من الفقر وحياة البؤس والتفرقة والتهميش.

رأس المال الثقافي

          هذه التجربة الجزائرية التي عرف من خلالها نوع العلاقة بين المجتمع الغربي الحديث الاستعماري (فرنسا) والمجتمع التقليدي المتخلف ذي الثقافة العريقة المتوارثة كانت نقطة الانطلاق نحو تكوين نظريته عما أسماه (رأس المال الثقافي), وهو تعبير وجد طريقه بسهولة إلى الكتابات الأنثربولوجية لقوة وعمق تعبيره عن حال كثير من المجتمعات التقليدية التي أفلح الغرب في استعمارها وإخضاعها لسطوته وسلطانه وإن كانت المعالجة الحقيقية لهذا المفهوم تمثلت في نظرته إلى الأدب والفن باعتبارهما ألوانا من (الإنتاج الثقافي) كما يظهر من عنوان كتابه الذي ظهر عام 1993 عن (مجالات الإنتاج الثقافي: مقالات في الفن والأدب). وللطبقات المختلفة في المجتمع الغربي أنصبة مختلفة من رأس المال الثقافي الذي يعتبر عنصرا مهما من عناصر الثروة والتفاوت واللامساواة الاجتماعية. بل إن التعليم في المدارس (المتميزة) ذات السمعة العالية والمستوى الراقي هو أيضا عنصر من عناصر إقرار وترسيخ اللامساواة. فالثقافة قوة على حد تعبيره وهو ما يذكرنا بعبارة ميشيل فوكو (المعرفة قوة). ولذا كان يقف موقف النقد والمعارضة لنوع (الثقافة) التي يقدمها التلفزيون للمشاهدين على ما ظهر في كتابه الذي أصدره في عام 1996 عن هذا الموضوع. فالتلفزيون يعمل على تسطيح الثقافة عن طريق تقديمه (وجبات ثقافية سريعة) أشبه بالوجبات الغذائية السريعة التي ارتبطت بالثقافة الأمريكية. وبالمثل كان يعارض دعاوى العولمة التي تؤدي في آخر الأمر إلى إخضاع ثقافات العالم المختلفة والمتباينة لهيمنة ثقافة واحدة (عالمية) وبالتالي القضاء على الهويات الثقافية المتمايزة التي تدعو من خلال تمايزها إلى التنافس والتقدم. ولذا كان يرى أن العلم والتعليم هما أفضل وسيلة للقضاء على كل أنواع الهيمنة والسيطرة. ولعل ذلك كان أحد الأسباب التي كانت تدعوه دائما إلى الترحيب بالطلاب الجزائريين وخاصة من أبناء القبائل وتشجيعهم على الدراسة والعمل, وذلك طبعا إلى جانب إحساسه بالارتباط بالمجتمع الذي شهد بداية نشاطه في المجال الأنثربولوجي الذي حقق له كل تلك الشهرة الواسعة كما حمله إلى التدريس في السوربون ومنها إلى الكوليج دي فرانس حيث شغل حتى وفاته كرسي علم الاجتماع الذي كان يشغله أستاذه ريمون آرون.

          إلا أن هذه الشهرة لم تكن لتغريه بالظهور في الحياة العامة إلا في حدود المعقول وبالقدر الذي يرسمه هو لنفسه. فقد كان بورديو رجلا (خاصا) يعتز بخصوصيته ويحافظ عليها ولم يسمح لنفسه بأن يلعب في الحياة العامة والسياسية مثلا الدور الذي كان يقوم به مفكرون آخرون من أمثال سارتر. بل إنه كان ينفر كل النفور من الظهور على شاشة التلفزيون ويكرّس وقت فراغه لبيته وزوجته وأولاده الثلاثة. وكان التباين الواضح بين ذلك التحفظ في حياته الخاصة واهتمامه الشديد بالفوارق والاختلافات التي تؤدي إلى الصراع وكذلك موقفه الليبرالي من المشكلات الاجتماعية التي تواجه الطبقات والفئات والجماعات المطحونة اجتماعيا موضوعا من أهم الموضوعات التي أثارت جدلا طويلا ومساجلات ساخنة على شبكة الإنترنت بين عدد كبير من المتابعين لأعماله وكتاباته من مختلف أنحاء العالم مثلما أثير على شبكة الإنترنت أيضا مناقشات وحوارات جادة وعميقة حول المفاهيم التي أدخلها إلى الفكر الاجتماعي مثل مفهوم الرموز والمجالات ورأس المال الثقافي والممارسة ثم أكثر هذه المفاهيم غموضا وتعقيدا وهو مفهوم (الهابيتوس Habitus) الذي استمده من أرسطو وتختلف حوله الترجمات حتى في اللغات الأجنبية التي اكتفت في آخر الأمر بكتابته على ما هو عليه والذي قد يعني (الذاتية المتأثرة بالمجتمع). وكلها مفاهيم تحتاج إلى معالجات خاصة. ورغم اعتزازه وتمسكه الشديدين بالحياة والقيم الأكاديمية الصارمة فإن أعماله المتأخرة تكشف عن ميل متزايد نحو اتخاذ موقف سياسي من المشكلات التي يعالجها, وهو في ذلك يتبع التقليد الفرنسي الأصيل من اهتمام كبار المفكرين في فرنسا بالسياسة. ويرجع ذلك إلى حد كبير بغير شك إلى طبيعة المشكلات التي يدور حولها تفكيره والتي تتعلق في كثير من الأحيان بالبؤس الاجتماعي في العالم.

          وحين مات بيير بورديو قال عنه الرئيس الفرنسي جاك شيراك في رثائه الطويل وعبارته البليغة إنه كان واحداً من أكبر مفكري فرنسا وأنه تمكن تحت تأثير دوركايم وماكس فيبر من أن يضيف إلى السوسيولوجيا المعاصرة مفاهيم عملية وإجرائية جديدة, وأن عمله سوف يساعد السياسيين على ضرورة فهم ثقافة العصر وأنه لا يمكن إخضاع هذه الثقافة لوطأة الاقتصاد وحده.

          وهذا رثاء خليق بأن يقرأه رجال السياسة والحكم في عالمنا العربي حتى يروا كيف يكون تقدير الفكر والمفكرين والعلم والعلماء, لأن عملهم هو الذي يعطي الحياة معنى ويضمن المجد والخلود للمجتمع بعد أن يزول كل شيء آخر

 

أحمد أبو زيد   

أعلى الصفحة | الصفحة الرئيسية
اعلانات