على هامش تقرير التنمية الإنسانية العربية:

على هامش تقرير التنمية الإنسانية العربية:
        

كيف ندرك الوجه الإنساني للتنمية?

          كيف يمكن أن نقيس التنمية ونعرف وجهها الإنساني. هل بمستوى دخل الفرد أم بإشباع حاجاته أم بمقدار الحرية التي يتمتع بها? هذا المقال يستعرض ببراعة الأوجه المختلفة لهذه الغاية. 

          منذ شهور قليلة صدر عن برنامج الأمم المتحدة للإنماء, بالتعاون مع الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي, تقرير مهم حاز (على الفور) شهرة واسعة وتناوله الكتّاب والمعلقون بالثناء العاطر مرة, والانتقادات الشديدة مرة, في مختلف وسائل الإعلام, وعقدت الندوات والمؤتمرات لمناقشته, ليس في البلاد العربية وحدها بل وفي خارجها أيضا.

          التقرير يحمل عنوان (التنمية الإنسانية العربية للعام 2002) ويهدف إلى رسم صورة علمية ورقمية لحالة التنمية في العالم العربي, ليس بالمعنى الاقتصادي الضيق بل بمعنى أشمل يعبر عن مدى التقدم بصفة عامة, بكل ما يحمله معنى التقدم من النهوض بمستوى الإنسان: رفاهية واحتراما لآدمية الإنسان وكرامته.

          والغرض نبيل بلا شك, ولكن التقرير عجز في رأيي عجزا خطيرا عن تحقيق هذا الغرض, بل وصل هذا العجز في رأيي إلى مدى قد يدفع القارئ إلى التساؤل (كما هي الحالة معي على الأقل) عما إذا كان الضرر الناتج عنه يفوق النفع المتحقق فيه.

          والموضوع واسع وسعا شديدا, إذ إن التقرير يتناول جوانب متعددة ومختلفة اختلافا كبيرا في طبيعتها, بعضها يتعلق بالاقتصاد, وبعضها بالتعليم والمعرفة, وبعضها بالحرية والديمقراطية, وبعضها بمركز المرأة في المجتمع, وبعضها يتعلق بالبيئة ومدى تلوثها.. إلخ, ومن ثم فتحليل التقرير وتقييمه تقييما شاملا يحتاج إلى تعاون عدد كبير من الناس من مختلف التخصصات. وسأقتصر من جانبي, في هذا المقال, على جانب واحد, وإن كان على قدر كبير من الأهمية, وهو جانب اقتصادي يتعلق بموقف التقرير من مؤشر مهم من مؤشرات التنمية وهو متوسط الدخل. وقد أثار موقف هذا التقرير من (متوسط الدخل) دهشة العديد من الاقتصاديين وغير الاقتصاديين ممن تناولوا التقرير بالتحليل, وهو في رأيي ورأي الكثيرين ليس موقفا مقبولا أو مبررا. وهذا هو ما سأحاول أن أبيّنه الآن.

الدخل الحقيقي للسكان

          عندما بدأ الاهتمام بموضوع التنمية في الكتابات الاقتصادية, وبموضوع التخلف والتقدم الاقتصادي, منذ نحو خمسين عاما, كان المؤشر الذي حظي بأكبر قدر من الاتفاق بين الاقتصاديين لقياس التقدم والتخلف هو مؤشر متوسط الدخل, أي حجم الدخل الحقيقي المتاح للفرد الواحد من السكان. والمقصود بوصف (الحقيقي), الإشارة إلى السلع والخدمات وليس إلى قيمتها النقدية التي قد تتقلب من وقت لآخر دون أن يعكس هذا التقلب بالضرورة تقدما أو تخلفا. والمقصود (بالفرد الواحد) الإشارة إلى (المتوسط), أي حجم الدخل القومي مقسوما على عدد السكان, إذ إن الدخل القومي قد يزيد دون أن يعكس هذا تقدما وذلك إذا زاد السكان بالنسبة نفسها أو بنسبة أكبر.

          كان هذا الاتفاق على اتخاذ متوسط الدخل مؤشرا للتقدم والتخلف مفهوما من حيث إنه يقيس شــــيئا مهـما للغاية, هو مدى تمتع الفرد بالسلع والخدمات المختلفة, وهو شــيء قريب جدا, وإن لم يكن مـطابقا بالضــــبط لمستوى (الرفاهية الاقتصادية), وحيث إننا نتكلم عن (التنمية الاقتصادية) أو عن التقدم والتخلف الاقتصاديين فإن استخدام مقياس للرفاهية الاقتصادية يبدو مسلكا معقولا ومبررا.

          كان الاقتصاديون الذين قدموا مؤشر (متوسط الدخل) كمقياس للتنمية واعين تمام الوعي لأوجه القصور فيه, بل وكثيرا ما عبّروا هم أنفسهم عن أوجه القصور هذه ونبّهوا إليها وحذروا من نسيانها. كانوا يعون مثلا أن متوسط الدخل هو كأي متوسط لا يعكس مدى التفاوت في مستوى المعيشة بين فئات السكان المختلفة, فقد يزيد هذا التفاوت بشدة ويبقى المتوسط على حاله. والتفاوت في الدخل يؤثر بالطبع في مستوى الرفاهية. كذلك كانوا يعون تماما أنه ليس كل زيادة في الدخل لها الأثر نفسه على مستوى الرفاهية. فضلا عن اعتبار توزيع الدخل الذي ذكرناه حالا, فإن السلع والخدمات تتفاوت فيما بينها في أهميتها للإنسان. فالمكنسة الكهربائية ليست بأهمية رغيف الخبز, والتلفزيون الملون ليس بأهمية المسكن الملائم أو الملبس الضروري.. إلخ. كما كان هؤلاء الاقتصاديون واعين تماما إلى أن الرفاهية الإنسانية مفهوم أشمل وأوسع بكثير من مفهوم الرفاهية الاقتصادية, فهناك مثلا البطالة والعمالة (أي ما إذا كان للشخص عمل أو ليس له, بصرف النظر عما إذا كان يأتيه دخل كاف أو لا يأتيه), وهناك حجم وقت الفراغ الذي يتمتع به ومستوى الحرية المتاحة, ونوع العلاقات الاجتماعية السائدة, ومدى الاطمئنان, والخوف من المستقبل... الخ, وكلها أشياء قد تتفاوت تفاوتا شديدا مع ثبات متوسط الدخل.

          كان الاقتصاديون الذين قدموا إلينا مؤشر (متوسط الدخل) كمقياس للتقدم والتخلف واعين لكل هذا ومع هذا استمروا في الاعتماد على هذا المؤشر لا باعتباره مؤشرا خاليا من النقص أو أوجه القصور, وإنما باعتباره مؤشرا تقريبا لا يقيس كل شيء وإنما يقيس شيئا بعينه هو مستوى الرفاهية الاقتصادية للفرد في المتوسط, فإذا أردنا مقياسا أكثر دقة للرفاهية الاقتصادية كان عليها النظر, إلى جانب متوسط الدخل, إلى نمط توزيع الدخل, وإذا أردنا أن نقيس مفهوما للرفاهية الإنسانية أوسع ويشمل مفهوم الرفاهية الاقتصادية فلا بد من إضافة أشياء أخرى كثيرة. ومع هذا الاستعداد للإقرار بهذا النقص فقد كان مما ساعد على شيوع استخدام مؤشر متوسط الدخل, أن مستوى الدخل هو شرط مهم إلى حد كبير (وإن كان ليس كافيا) للحصول  على أشياء أخرى كثيرة من طيبات الحياة التي تدخل في تكوين الرفاهية الإنسانية بوجه عام, دون أن تدخل في حساب متوسط الدخل نفسه.

          فدرجة الحرية المتاحة للفرد مثلا, تتأثر إلى حد كبير بمستوى دخله, وإن كان من المتصور بالطبع أن تزيد الحرية أو تقل مع بقاء مستوى الدخل ثابتا. وقل مثل هذا عن حجم المعرفة المتاحة, أو عن مركز المرأة في المجتمع, أو عن مدى الاطمئنان أو الخوف من المستقبل.. إلخ. في كل هذه الأمور وغيرها يعتبر ارتفاع متوسط الدخل, في معظم الأحوال, تطورا إيجابيا ومطلوبا, وإن كان بالطبع ليس كافيا.

إشباع الحاجات الأساسية

          في أوائل السبعينيات ظهر اتجاه جديد بين الاقتصاديين يسلط الضوء على شيء آخر غير متوسط الدخل, وهو ما سمي (بإشباع الحاجات الأساسية, واعتبر أصحاب هذا الاتجاه أن هذا المعيار الجيد أفضل بكثير من معيار متوسط الدخل كمقياس للتقدم والتخلف, وللحكم على مدى نجاح أو فشل التنمية, وذلك لسببين:

          الأول: أن الحاجات الإنسانية ليست متساوية في الأهمية, وزيادة الدخل قد تستخدم لإشباع هذه الحاجة أو تلك, ومن ثم فالانشغال بزيادة الدخل قد يعني الانشغال بإشباع حاجات قليلة الأهمية (كمطالب القلة المترفة مثلا) على حساب إشباع حاجات أكثر أهمية (كتوفير الغذاء الضروري أو الملبس أو المسكن الملائمين... إلخ).

          الثاني: أن هناك من الحاجات الإنسانية ما لا يدخل في حساب الدخل, فالدخل قد يزيد ولكن يزيد أيضا معدل البطالة أو يقل وقت الفراغ, فلا تدل زيادة الدخل على ارتفاع مستوى الرفاهية.

          شاع في السبعينيات إذن الاهتمام بمفهوم إشباع الحاجات الأساسية واعتباره هدفا أجدى وأهم من مجرد الارتفاع في متوسط الدخل, ومع ذلك فلا بد أن نلاحظ أن مفهوم إشباع الحاجات الأساسية لم يتنكر قط لمؤشر متوسط الدخل, ولا أراد أصحابه التقليل من أهميته فقد كان من الواضح للجميع أن الارتفاع بمتوسط الدخل ضروري في معظم الأحوال لتحقيق تقدم في إشباع الحاجات الأساسية المختلفة.

التنمية البشرية

          ثم حدث في مطلع التسعينيات تطور آخر, إذ رفع شعار جديد هو شعار (التنمية البشرية), تبنّاه برنامج الأمم المتحدة وأعلن تفضيله له على معيار إشباع الحاجات الأساسية, وقدمه كمعيار للحكم بمدى تقدم أو تأخر الأمم, وليحل محل المقياسين القديمين: متوسط الدخل وإشباع الحاجات الأساسية. كان هذا المعيار الجديد (التنمية البشرية) معيارا مركبا يتكون من ثلاثة عناصر:

          1 - متوسط الدخل.

          2 - العمر المتوقع عند الميلاد.

          3 - مستوى التعليم.

          وهكذا رتبت بلاد العالم, بعضها فوق البعض, على حسب مدى نجاحها أو فشلها في الارتفاع بمتوسط الدخل, وزيادة العمر المتوقع عند الميلاد, وفي محو الأمية وزيادة نسبة المقيدين بالمدارس, وأخذ برنامج الأمم المتحدة للإنماء, منذ ذلك الوقت, ينشر تقريرا سنويا يعلن فيه ترتيب بلاد العالم طبقا لهذا المعيار الجديد.

          حاز هذا المعيار الجديد للتقدم والتخلف شهرة كبيرة وقبولا واسعا على الرغم من بعض النقائص الخطيرة. فهو أولا معيار أضيق من اللازم للتقدم والتخلف, وهو أيضا أوسع من اللازم.

          هو أضيق من اللازم لأنه لا يقيس إلا عددا محدودا من الحاجات الإنسانية تم اختيارها اعتباطا, واستبعد أشياء لا تقل أهمية في التأثير على الرفاهية والشعور بالكرامة الإنسانية, مما سبق لنا ذكره, كالبطالة والعمالة, وحجم وقت الفراغ, ونمط العلاقات الاجتماعية ومدى الشعور بالاستقرار والطمأنينة للمستقبل, والحريات السياسية والفردية, ومدى انتشار الجريمة, أو أنواع معينة منها... إلخ.

          ولكنه أيضا أوسع من اللازم لأن زيادة الدخل وإن كانت مهمة في زيادة قدرة المرء على تحقيق بعض حاجاته الأساسية, ومن ثم في الارتقاء بمستوى رفاهيته وشعوره بالكرامة والرضا عن النفس, فإنها (أي زيادة الدخل) قد تكون في بعض الأحيان ضعيفة الأثرفي تحقيق هذا الارتقاء, بل وقد تؤدي إلى عكسه, وذلك حينما تؤدي وفرة الدخل إلى استهلاك سلع وخدمات قليلة الأثر في الارتفاع بمستوى الرفاهية أو تؤدي حتى إلى تخفيضه, كما لو اقترنت زيادة الدخل بزيادة تلوث البيئة وانتشار الجريمة.

          بالإضافة إلى ذلك, رأى البعض, بحق في رأيي, خطرا آخر في محاولة ضم كل هذه الأشياء في مقياس واحد يُعطى هذا الاسم الضخم (التنمية البشرية) ويستخدم الإيحاء بالتقدم أو التأخر في مضمار النهضة الإنسانية بوجه عام, وهي شيء يصعب أو يستحيل قياسه وله جوانب متعددة يصعب أو يستحيل حصرها, بل ويصعب حتى تعريفها, ناهيك عن إعطاء كل منها قيمة رقمية, والزعم بإمكانية جمع هذ القيم الرقمية بعضها إلى بعض, وتقديم ملخص لها جميعا في رقم واحد يعبر عن التقدم أو التأخر في شيء يسمى (التنمية البشرية)!

          إن مثل هذه المحاولة لا بد أن تحدث من التضليل أكثر مما تحدثه من تنوير, وقد تستخدم استخدامات خاطئة للإيحاء بأشياء بعيدة عن الحقيقة. ومهما قال أصحاب هذا المعيار والمدافعون عنه من أنه لم يقصد به الإحاطة بكل جوانب التقدم الإنساني, ومهما قيل إن هناك مجالا واسعا لتحسينه وزيادة حظة والدقة فيه, فسيظل هذا المؤشر خطرا من حيث إنه يمكن أن يستخدم لإخفاء أشياء مهمة وتضخيم أشياء أقل أهمية.

          لم يكن الأمر كذلك من قبل, لا في ظل استخدام مقياس متوسط الدخل ولا في ظل إشباع الحاجات الأساسية. ففي ظل متوسط الدخل كان الخطرمحدودا جدا واحتمال استخدامه للتضليل أقل بكثير, فقد كان من الواضح للجميع أنه مؤشر اقتصادي بحت, وأنه يرتب الأمم (اقتصاديا) ولكنه لا يرتبها (ثقافيا) أو (إنسانيا) وكان من السهل على الاقتصادي أن يتبرأ من أي محاولة لإقحامه في قضايا لا يعتبر نفسه مؤهلا للبحث فيها.

          وخطر الجمع والطرح في حساب متوسط الدخل, أقل بكثير منه في حساب (التنمية البشرية) ففي متوسط الدخل يجري الجمع والطرح بين قيم سلع وخدمات, مادية أو معروضة في الأسواق, فلها في العادة قيمة نقدية معروفة. صحيح أن هناك احتمالات للخطأ, حتى في هذه الحالة, فتعطى أشياء قيمة أكبر أو أقل من قيمتها الحقيقية, أو يفترض أن المنفعة التي تجلبها السلعة أو الخدمة مساوية - بغير حق - لقيمتها النقدية.

          ولكن الخطأ في حالة متوسط الدخل لا يمكن مقارنته بالخطأ الذي لا بد أن يقع في حالة إعطاء قيم رقمية لأشياء مثل مستوى التعليم والعمر المتوقع لدى الميلاد, والذي لا بد أن يـتـــرتب علـى جمعها معاً ومع متوسط الدخل في مقياس واحد.

          أما معيار إشباع الحاجات الإنسانية, فإن أصحابه لم يقعوا في مثل هذه الأخطاء, فهم, في حدود علمي, لم يستخدموه لترتيب الأمم طبقا لمقياس واحد يجمع بين ما يزعم أنه يشمل مختلف الحاجات الإنسانية. بل لقد كان أصحاب هذا المعيار يدركون دائما استحالة التعبير عن كثير من هذه الحاجات تعبيرا رقميا, ناهيك عن محاولة جمع هذه الحاجات بعضها إلى بعض أو طرح بعضها من بعض.

التنمية الإنسانية

          والآن جاء تقرير (التنمية الإنسانية العربية للعام 2002) ليزيد الطين بلة, حتى بأكثر مما فعلته تقارير التنمية البشرية. فقد بدأ أولا بالزعم بأنه سيقدم الآن مقياسا أكثر شمولا من مقياس التنمية البشرية, لقياس رفاهية الإنسان, ومن أجل ذلك قرر أن يستبدل بتعبير (التنمية البشرية) تعبيرا أكثر فخامة هو (التنمية الإنسانية) فكيف حقق هذه الدرجة الكبيرة من الشمول?

          احتفظ التقرير بمؤشري العمر المتوقع عند الميلاد ومستوى التعليم, وأضاف إليهما أربعة مؤشرات جديدة هي: الحــرية, ومركــــز المرأة (أو ما أسماه (تمــــكين النــــوع)) ودرجة الاتصـــال بشبـــكة الإنترنت, ودرجة نظافة أو تلوث البيئة, فأصبحت المؤشرات ستة بعد أن كانت ثلاثة. ولكن المهم أن نلاحظ أنه اســتبعد تماما ذلك المؤشر القديم والمشهور وهو متوسط الدخل, وهـــذا هو الذي أثار الاستغراب الشـديد لدى الاقتصاديين. إذ كيف يستبـعد ذلك المؤشر الذي ظل فترة طويلة يعتبر مرادفا أو حتى تعريفا للتنمية?

          نعم, كنا نعرف دائما أن هذا المؤشر قاصر عن الإحاطة بكل جوانب الرفاهية وكل معايير التقدم والتخلف, ولكن علاج هذا القصور هو باستكمال النقص وليس باستبعاد ما كان موجودا.

          وتظهر أهمية هذا فيما سبق أن أشرنا إليه من أن ارتفاع مستوى الدخل فوق حد معين يكاد أن يكون شرطا جوهريا لتوافر كل الشروط الأخرى للارتفاع بمستوى الرفاهية بل وبالشعور بالكرامة الإنسانية أيضا, فالحصول على مستوى لائق للدخل ضروري للحصول على المستوى اللازم من الغذاء والكساء والمسكن وسائر السلع والخدمات الضرورية للحياة, وهو ضروري, في معظم الأحوال للارتفاع بمستوى التعليم والمعرفة, وبالقدر المتاح من الحريات السياسية وللنهوض بأحوال المرأة... إلخ.

          كيف برّر التقرير هذا الاستبعاد لمتوسط الدخل من مؤشرات التنمية? جاء هذا التبرير في فقرة غريبة ننقلها هنا بنصّها:

          (وقد كان استبعاد الدخل مقصودا للتشديد على قصور القدرات الإنسانية نسبة إلى الدخل في البلدان  العربية من ناحية, إضافة إلى إنهاء الاعتماد على متوسط الدخل في مؤشر للتنمية الإنسانية, حيث يعرض الفهم الصحيح لفلسفة التنمية الإنسانية اعتبار القدرات الإنسانية, خاصة الحرية, وليس التحكم بالسلع والخدمات عن طريق الدخل, الوسيلة الأساس لتمكين البشر. ولهذا, فإن استبعاد الدخل من مؤشر التنمية الإنسانية يمثل فرقا جوهريا مع مقياس التنمية البشرية, وفي منظور مفهوم التنمية الإنسانية, تحسينا أكيدا).

          ويضيف إلى ذلك هامشا في الصفحة نفسها يقول:

          (في الأذهان الاقتصادية, يعد هذا المنحى (وثيقة استبعاد لمؤشر الدخل), ضربا من الهرطقة, رغم أن فساد مؤشر الدخل كمقياس للرفاه الإنساني أمر مستبعد بلا أدنى شك). (صفحة 18 من النسخة العربية).

          ولنا على هذه الفقرة وهذا الهامش الملاحظات الآتية:

          ما معنى القول إن (استبعاد الدخل كان مقصودا للتشديد على قصور القدرات الإنسانية نسبة إلى الدخل في البلاد العربية).

          هل معناه أنه كان يُخشى لو لم يستبعد الدخل أن تظهر النتيجة الإنسانية في البلاد العربية بصورة أفضل مما يظهرها التقرير?

          وما معنى القول: (إضافة إلى إنهاء الاعتماد على متوسط الدخل في مؤشر التنمية الإنسانية?), هل يزيد هذا القول بأننا استبعدنا الدخل لأنه يجب أن يستبعد الدخل?

          وما معنى القول إن الحرية هي (الوسيلة الأساس لتمكين البشر)? وما قيمة الحرية إذا لم تقترن بالحصول على الدخل?

          أما بقية الفقرة فلا تزيد على أن تقول إن التقرير باستبعاد الدخل قد اختلف اختلافا جوهريا عن مقياس التنمية البشرية (هل هذا الاختلاف ضروري وحتمي?) وأنه يتضمن (تحسينا أكيدا) لماذا بالضبط?

          أما الهامش فلا يزيد على أن يقرر أن مؤشر الدخل للفرد هو مقياس (فاسد) وأن فساده. (أمر مستقر بلا أدنى شك), دون أن يقول لنا لماذا.

          الحقيقة أن عيب مؤشر متوسط الدخل, كمقياس للرفاهية الإنسانية ليس لأنه (مقياس فاسد بلا أدنى شك), مما يحتم استبعاده, بل إن عيبه الأساسي أنه مؤشر غير دقيق, ومن ثم يتعين ضبطه, وغير كاف, مما يحتم الإضافة إليه ولكن هذا لا يعني استبعاده والاستغناء عنه.

          قد يكون من الواجب استبعاد أشياء معينة منه كالأسلحة والمخدرات مثلا, ولكن استبعاده كله هو من قبيل (إلقاء الطفل مع الماء بعد الاستحمام) كما يقول المثل الإنجليزي.

بحثا عن المقياس القديم

          عندما يتأمل المرء الآن قصة التطور الذي مرت به محاولات قياس التنمية, وترتيب الأمم من حيث التقدم والتأخر, من استخدام مقياس متوسط الدخل وحده, إلى مقياس إشباع الحاجات الأساسية, إلى مقياس التنمية البشرية, وأخيرا ما يسمى الآن بمقياس التنمية الإنسانية, فإنه لا يملك إلا الشعور بالحنين إلى المقياس القديم البسيط, متوسط الدخل, لا لأنه كان مقياسا كاملاً أو كافياً, بلا لأننا كنا جميعا نعرف أوجه قصوره وعدم كفايته, ومن ثم كانت الغالبية العظمى منا تعرف أنه لا يقيس إلا الجوانب الاقتصادية للتنمية (وإن كانت تشوبه بعض العيوب حتى في قياس هذه الجوانب), ولم يزعم مستخدموه قط أنه يحيط بكل جوانب الرفاهية الإنسانية, ناهيك عن مختلف جوانب نهضة أو تخلف الإنسان, ثقافية كانت أم اجتماعية أو سياسية أو نفسية

 

جلال أمين   

أعلى الصفحة | الصفحة الرئيسية
اعلانات