التراث الكويتي في لوحات أيوب حسين

التراث الكويتي في لوحات أيوب حسين
        

          ذاكرة حية اختزنت من التراث الكويتي الكثير, ثم ما لبثت أن أفرزت ذلك المخزون بألوان تحاكي الواقع الذي عاشته الكويت في منتصف القرن الماضي لتثير في نفوس الذين عاصروها الحنين, ولتتيح للأجيال التي أعقبتها الاطلاع على تراثهم الذي طوت الحداثة الكثير من ملامحه, ذلك هو عطاء الفنان التشكيلي الكويتي أيوب حسين المتمثل في أكثر من (600) لوحة, ضم الكتاب الذي نقلب صفحاته الآن معظمها. 

          (وأخيراً, بعد طول انتظار, حان الوقت لكي أرى معظم لوحاتي), بهذه العبارة سطر الفنان أيوب حسين كلمته في تقديمه لإصدار مركز البحوث والدراسات الكويتية (التراث) في لوحات أيوب حسين, ولكن هذا الانتظار الطويل لا يقف به وحده الفنان أيوب حسين, بل يشاركه جمهور عريض من عشاق فنه, على مدى خمسين عاما مضت من المشاركة والعطاء والإخلاص.

كتاب أيوب

          ويعد هذا الكتاب أول إصدار يساهم به مركز البحوث ويعنى بالفن التشكيلي, ضمن سلسلة إصداراته المتعددة التي تهتم بالتراث والبيئة الكويتية, ولعل هذا الإصدار يكتسب أهميته من خلال الجمع ما بين التراث الكويتي الذي بدأت معالمه بالاختفاء, ونشر الأعمال الكاملة للوحات الفنان أيوب حسين, كمصدر توثيقي لهذا التراث, والذي هو من أحد أبرز روّاد الحركة التشكيلية في الكويت, الذي خرج من تحت عباءته معظم جيل الفنانين الشباب, سواء الذين تأثروا بفنه, أو بعطائه الكبير في مسيرة الحركة التشكيلية.

          اشتمل الكتاب على كلمة للدكتور عبدالله الغنيم رئيس مركز البحوث والدراسات, أشار إلى أن يكون إصدارا شاملا جامعا لكل ما خطه بريشته الفنان أيوب حسين عن البيئة الكويتية خلال خمسين عاما من عمره الفني, والذي مر بمراحل مختلفة, امتزجت فيها البيئة بالمشاعر والإحساسات الفنية, كما امتزج فيها الفن بحب الوطن.

مناهل الفنان

          وقد استند مدخل الكتاب بشكل أساسي, إلى المحاضرة التي ألقاها الفنان بمعرض الكتاب منذ عامين, استعرض فيها - بصورة كافية ومختصرة -المؤثرات التي كوّنت مخزونه الفني, ودفعته لممارسة الفن التشكيلي, وأول هذه المؤثرات التي عدّدها الفنان, بدأت مع مشاهدته للحرف التي كانت سائدة في حقبة الأربعينيات وما قبلها, مثل الحداد والصفار والبناء والصائغ والنداف وصانع السفن وخياط البشوت وغيرها من المهن, والتي اعتبرها البداية في نشأة الفن التشكيلي في الكويت, ويعد أصحابها فنانين بالفطرة, وكان لتلك المهن التأثير الكبير عليه في طفولته.

          وأما المؤثرالثاني فتجلى عند انضمامه للدراسة بمدرسة المباركية, وهي أول مدرسة نظامية في الكويت تأسست في عام 1911م, حيث كان مدرس الرسم سيد هاشم الحنيان, يقوم بالرسم على السبورة لنماذج ومفردات من البيئة وغالبا ما تكون مما صنعه الحرفيون, ومن ثم يكلف طلابه بنقلها في كراساتهم, مما يساعد - بقوله - على التفكير والملاحظة والتعرف على المقاييس والأبعاد وخط مستوى النظر.

          وقد لقي الاهتمام والتشجيع الكبيرين أثناء مرحلة دراسته, حيث شارك في أول معرض يقام لطلاب المدارس بمدرسة المباركية في عام 1944م, بعمل مجسم من الكرتون لساعة طاولة, حازت إعجاب أساتذته, وعدت تلك المشاركة بمنزلة انطلاقته الأولى في مسيرته في الفن التشكيلي.

          وفي عام 1947م, افتتح في الكويت أول معهد لتخريج المعلمين, فكان من طليعة المنضمين إليه مع سبعة من زملائه الطلبة, فدرس فيه المواد التأهيلية كالتربية وعلم النفس, وكذلك كيفية تدريس مادة التربية الفنية, التي أحبها فوجد نفسه مندفعا إليها, بما يحمله من خبرات منذ الصغر.

          وأما المؤثر الثالث والأخير, فيتمثل في الرعاية والتشجيع من قبل أسرته, فقد شجعه والده عندما عرض عليه صورة مرسومة بقلم الرصاص, فدفعه الاستحسان الذي تلقاه إلى المواصلة والاستمرار, ويذكر كيف بدأ في تجربة الرسم بالألوان الزيتية, عندما دعاه زميله المدرس عمر جبريل ليطلعه على بعض أعماله المرسومة بالألوان الزيتية, فانجذب إلى ذلك. وكانت بداية لرحلته مع الألوان الزيتية.

          وقد اختار الفنان أيوب حسين الطريقة التسجيلية في الرسم, وفي تصويره لمشاهداته التي علقت في ذهنه منذ الصغر, فهو لا يقوم بالرسم من الصور الفوتوغرافية, وإن استعان في بعض الأحيان بعمل مجسمات صغيرة لتعيد تنشيط ذاكرته, ولهذا نجد أعماله كأنها مرسومة من منظور علوي, مما جعلها تتسم بالبساطة والعفوية والصدق.

رحلة عمرها 600 لوحة

          وإذا جاز تحديد أسلوب الفنان أيوب حسين والمدرسة الفنية التي ينتمي لها, نجده قريبا من الأسلوب الفطري, فبداية رحلته مع الفن كانت تلقائية, وممارسته له كانت مجرد هواية, ومن ثم لازمته عبر السنين الطويلة كاحتراف, فهو لم يتلق دراسة أكاديمية, معتمدا على قدراته الذاتية في تطوير أدواته الفنية, وفي بحثه المتأني في إيجاد لغته التشكيلية الخاصة, التي اكتسبها من خلال ممارسته المستمرة في الرسم, وعبر المشاركة في المعارض الجماعية وإقامة المعارض الشخصية.

          والكتاب يقدم عرضا كاملا لجميع أعمال الفنان أيوب حسين, التي أنجزها خلال رحلته الفنية الطويلة, والتي بلغت ما يقارب الستمائة لوحة تشكيلية, والتي تعتبر وثائق فنية تاريخية حية وناطقة لها دلالتها المهمة, شأنها شأن الأعمال التي قدمها المستشرقون في القرن الماضي, حين عملوا على نقل ورسم عمارة المساجد والمنازل والأسواق وطبيعة الحياة, وذلك قبل اختراع آلة التصوير, ليقدموا برسومهم الواقعية, خدمة لكتاب التاريخ ودارسي الفنون والعمارة والباحثين.

          ويضم الكتاب ستمائة صفحة تقريبا, ويقسم مسيرة الفنان التشكيلية إلى خمس مراحل زمنية, ففي المرحلة الأولى يعرض فيها أسماء الأعمال التي رسمها - لعدم توافر صورها - في بداياته في الخمسينيات, وأيضا لأعماله في معرض البطولة العربية الذي أقيم بمناسبة مؤتمر الأدباء الذي انعقد في الكويت عام 1958م, وكذلك لجميع مشاركاته في معارض الربيع التي كانت تقيمها إدارة المعارف آنذاك, وفيما بعد وزارة التربية, منذ المعرض الأول في عام 1959م, وحتى المعرض التاسع عام 1967م.

          وأما المرحلة الثانية فتتمثل في المعرضين المشتركين مع الفنان أمير عبدالرضا في عامي 1966م و1969م, وقد أشار الأستاذ محمود سويلم - مفتش أول تربية فنية - إلى وصف دقيق عن الأعمال بكلمة المعرض الثاني (في كثير من اللوحات اكتملت جوانب النجاح, وبخاصة التي استهدفت أصداء قوية سجلت عن استجابة لطبيعة الحياة, فالأشخاص بملابسهم التقليدية وسمرتهم المألوفة والمباني في بساطتها وأسلوبها العملي السهل, وطبيعة الأرض برمالها المنبسطة, تعبر عن بيئة اتسمت ببساطتها وفطرتها وسماحتها في نوازعها واتجاهاتها مع بلاغة مقبولة الأداء في تكييف الظلال والأضواء).

          ومن ثم المرحلة الثالثة, والتي تمثل بداية انتظامه في إقامة معارضه الشخصية تحت مسمى (المعرض الفني للبيئة الكويتية) في عامي 1974م و1978م, والتي ذكر في تقديمه لكراس المعرض أن لوحاته ما هي إلا محاولة منه لإظهار بعض ما اندثر وعفا عليه الزمان من معالم وعادات وتقاليد, أما المواضيع التي تطرق إليها في الرسم, فقد علقت في ذهنه منذ الصغر نتيجة لمشاهداته لها, مما دفعه لإخراجها بهذه الطريقة التسجيلية التي يهواها ويتمسك بها, وأقسم على عدم الانحراف عنها إلى المدارس الفنية الأخرى.

          وأما المرحلة الرابعة وأغلبها مرسوم في عقد الثمانينيات, فتتمثل في المعرض الفني الثالث عام 1985م, والمعرض الرابع 1991م, ومن ثم تأتي المرحلة الخامسة التي يعود أغلبها أيضا إلى تلك التي أنجزها في عقد التسعينيات, في المعرض الفني الخامس عام 1996م, والمعرض السادس عام 2000م.

هكذا جسّد ذكرياته

          تنقسم الأعمال الفنية للفنان أيوب حسين, إلى قسمين:

          القسم الأول, وهو أعماله التي قدمها في بداياته, ويبرز فيها اهتمامه في تناول المشاهد الحية, التي تعج بالحركة كلعب الأطفال الشعبية المتعددة, وتجمع المصلين في المساجد, ومظاهر الاحتفال بالأعياد والأعراس, والأسواق وغيرها من مظاهر الحياة الاجتماعية التي كانت سائدة في الماضي, حيث نلاحظ أن مجمل المواضيع التي تناولها في تلك المرحلة, مفعمة بالحياة وتكاد تشعر بها تنبض, ولكن غلبت عليها صفة المباشرة في النقل, وله في ذلك ما يبرره في سعيه لرصد مشاهداته التي عاصرها في صباه, كي لا تقبع تلك الذكريات العالقة في ذهنه في دائرة النسيان.

          وأما القسم الثاني, فيبدأ مع معرضه الفني الرابع الذي أقيم عام 1985م, ويبرز به اعتناؤه بالمشهد الثابت للموضوع, مثل رسم السكك والطرقات, والبيوت وواجهات المساجد وعمارتها في الخارج والداخل, وتصويره لأركان البيت القديم وللأدوات المنزلية وغيرها, مع الابتعاد عن رسم ملامح الأشخاص, وأحيانا يلجأ إلى إخفائها, كما تميزت ألوانه في تلك المرحلة بالعمق, إثر الخبرات التي اكتسبها الفنان, ونلاحظ أيضا اهتمامه الواضح بعنصري الظل والضوء, وما يكسبه المشهد من تأثيرات لونية غنية, وحرصه على إيجاد التوازن الفني في رسمه للمنظور, وإبرازه للبعد الثالث في الشكل.

أيوب... الكاتب والمعلم

          ومن الجدير بالملاحظة, أن نذكر إلى جانب نشاطه التشكيلي المنصب في تصوير البيئة ومعالمها, اهتماماته في جانب التأليف حول التراث مثل كتاب: مع الأطفال في الماضي وهو خاص بالألعاب الشعبية, ومختارات شعبية من اللهجة الكويتية, وحولي قرية الأنس والتسلي وغيرها من المؤلفات.

          ولا يمكن أن ننسى مساهمته في التعليم, فهو مرب فاضل, عشق التعليم ومارسه, فأمضى في سلك التدريس ما يقارب الثلاثين عاما.

          وله دور بارز في تجهيز متحف الكويت الوطني, عندما كلّف في عام 1956م, بعمل نماذج للبيت الكويتي القديم مع أدواته, وعمل مجسمات للمدارس القديمة, وعدة ملابس الغوص, وتجهيزه بالأدوات الشعبية, وقد عرض عليه إدارة المتحف, ولكنه رفض وعاد إلى التدريس ليستكمل رسالته.

          لقد استطاع الفنان أيوب حسين من خلال الأسلوب التسجيلي الذي اتبعه, أن يوثق فترة تاريخية مهمة من تاريخ وطنه, أبرز بها البيئة من كل جوانبها, وعمل على نقل معالمها التاريخية, وحفظه لعمارة منازلها ومساجدها التي أصبحت ذكرى, وأطلالا طوتها الأيام!, وصور عادات وتقاليد شعبه في أجمل الصور, لتكون مرجعا للجيل الحاضر والأجيال القادمة.

          يمثل الكتاب نافذة مهمة للفنان التشكيلي يطل عبرها على تجربة فنية ممتدة لم تنقطع, عالج بها بيئته وقدمها في أحلى الصور, من متعة بصرية وجمالية لونية, كما يجد به دارسو العمارة ملاذا لهم في التعرف على طبيعة البناء في الكويت قديما.

          والطريف أن أعمال أيوب حسين تلامسها الأنامل في كل لحظة, من خلال لوحاته التي تزيّن العملات الورقية الكويتية, فئة عشرة الدنانير, والدينار, ونصف الدينار, ويعد بهذا أول فنان تشكيلي يستعين بأعماله البنك المركزي لتطبع لوحاته على أوراق النقد!!

 

خالد عبدالمغني   

أعلى الصفحة | الصفحة الرئيسية
اعلانات




المودَّي .. لوحة مشاركة في معرض الربيع الخامس للفنون الجميلة 1963





تحت السدرة .. تعود هذه اللوحة إلى عام 1967 حيث شاركت في المعرض الفني الأول للبيئة الكويتية





عزيمة .. من اللوحات التي شارك بها الفنان في المعرض الأول للبيئة الكويتية 1967





حوش البيت .. من أعمال المشاركة في المعرض الثالث للبيئة الكويتية





لوحة مسرح المدرسة المباركية 1997 المشاركة في المعرض السادس للبيئة الكويتية





الدختر (الدكتور) .. من الأعمال التي أنجزها أيوب حسين أخيراً