سيرة فوكوزاوا يوكيتشي ومقدمة أعماله

سيرة فوكوزاوا يوكيتشي ومقدمة أعماله
        

          تضيء الرواية اليابانية حقائق جديدة حول نشوء الأدب الروائي وتطوره في الآداب العالمية, ولعل سيرة يوكيتشي التي يتمحور حولها هذا الكتاب كانت جسراً موضوعياً بين الموروثات الإبداعية اليابانية والرواية بمعناها المعروف الآن.

          عناصر الإبداع, في كل الآداب والفنون ثلاثة: غنائي آيته غلبة الضمير الأول (أنا), ودرامي وآيته غلبة الضمير الثاني (أنت), وقصصي ملحمي وآيته غلبة الضمير الثالث (هو). تجتمع هذه العناصر لينهض عليها قوام كل عمل فني وإلا تقوض هذا القوام وتهدمت أركان العمل وخرج من تخوم الإبداع أصلا, وإنما يتحدد (نوع) العمل بغلبة واحد من تلك العناصر على العنصرين الآخرين مع عدم خلو العمل منهما. ينشأ النوع الأدبي - الفني عامة - تلبية لحاجات روحية وفكرية وجمالية جدت في مجتمع أو مجتمعات, حسب التطور التاريخي الاجتماعي. ويتطور هذا النوع ويشيع ما ظلت تلك الحاجات قائمة فاعلة, ويتعدل أو يندرج في غيره من الأنواع, بل ربما ينقرض, حسب نشوء حاجات جديدة وتغير حاجات قديمة وقائمة, وحسب الأوضاع والملابسات التاريخية الاجتماعية.

الرواية والطبقة الوسطى

          ولقد ذاعت بين مؤرخي الأدب ونقاده ودارسيه في العصور الحديثة, بخاصة في الدوائر والأعمال الأكاديمية, نظريات وفروض حول نشأة النوع الأدبي الروائي وما يلتصق به من القصة القصيرة والسيرة الذاتية. ردت هذه النظريات والفروض نشأة هذا النوع وتطوره إلى نضج الطبقات الوسطى وبروز دورها القائد في القرون الثلاثة الماضية مع نضج المجتمعات الصناعية الرأسمالية. ذهبت هذه الوجهة في التفسير إلى أن الطبقة الوسطى تقدم الفردية تقديماً غالياً وتعتد بالفرد العادي اعتداداً عالياً. ولديها أن الرواية - وأنواع الحكي اللصيقة إنما نشأت لتعكس حياة الإنسان العادي بعد إذ عكست - في العصور القديمة والوسيطة - حياة العلية من السادة والنبلاء والأبطال ذوي القدرات الخارقة والطاقات الفريدة والقوى الاستثنائية. وكانت هذه الوجهة ثمرة فروض ودراسات نهضت على مواد وأعمال من الثقافات الغربية الأوربية والأمريكية. بيد أن بحوثا وكشوفاً ودراسات جمة قد تمت في العقود القريبة الماضية قد هزت الوجهة التي رصدناها في الفقرة السابقة هزّاً قوياً وعدلت ما كان قد ظن أنه قد استقر من نتائجها, وأضافت إضافات مرموقة يعتد بها العلم اعتداداً. كان مدار عمل تلك الكشوف - ولايزال - درس النتاج الإبداعي لثقافات عريقة في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية والعالم العربي. وكان ما وصل إليه العلماء ومؤرخو الأدب في درس نشوء الرواية اليابانية وتطورها ما يجعل إعادة النظر في التأريخ لهذا الفن على مستوى التطور الإنساني العام لازماً.

رواية السيرة الذاتية

          إذا كانت الرواية بمفهوماتها وجمالياتها الحديثة لا يرجع تاريخها إلى أبعد من القرون الثلاثة الأخيرة, فإن الرواية اليابانية الحديثة والمعاصرة تلتقي كثيراً مع هذه المفهومات والجماليات لظروف النهوض الياباني العصري على الأصول الرأسمالية الصناعية ذاتها التي تأسست عليها الحضارة الحديثة, غير أن هذه الرواية اليابانية الجديدة تستند إلى موروثات (روائية) عتيقة. ذلك أن تاريخ الأدب الياباني قد عرف منذ أكثر من ألف سنة أول نص روائي في العالم, وهو النص الأول والأضخم في كل تاريخ هذا النوع إلى يوم الناس هذا: كان من عادة سيدات البلاط في عصر هيأن 497/1185 - من أميرات ووصيفات وموظفات - أن يدون بصورة منتظمة شبه يومية مذكراتهن ووقائع أعمالهن ويومياتهن, ونبغ من بين أولئك السيدات شاعرات وكاتبات متميزات يحتفظ تاريخ الأدب الياباني بكثير من أسمائهن. وبرزت من بين أولئك السيدة الرائدة موراساكي شيكيبو التي دونت كتاباتها في تشكيلات حكي فريدة, فكان كتابها: جنجي مونوجاتاري (حكاية جنجي: The tale of genji) أول رواية في تاريخ هذا النوع في كل الآداب العالمية, إذ تم إنجازه أوائل القرن الحادي عشر الميلادي - حول عام 1010 - وهو نص طويل خرج في عشرات المجلدات. والنص يعكس الحيوات الثقافية والاجتماعية والأرستقراطية اليابانية في القرنين العاشر والحادي عشر الميلاديين في صور من النبالة والشجن والأشواق الرفيعة.

          وقد بدأت النهضة اليابانية بتحديثات الإمبراطور المصلح المستنير ميجي سنة 1868, وهي تحديثات مست كل وجوه الحياة اليابانية, إنما يعنينا هنا أن تقاليد السرديات والحكى الموروثة قد اطردت واشتبكت مع جماليات الرواية الحديثة. في هذه الآفاق برزت كوكبة من فحول الروائيين: موري أو جاي, 1862/1922, ناتسومي سوسيكي 1867/1916, تانيزاكي جونيشيرو 1886/1965, أو ساراجي جيرو 1897/1973, كاواباتا ياسوناري 1899/1972, الذي حصل على جائزة نوبل سنة 1968وانتحر بعدها بشهور آبى كوبو 1924/1993, ميشيما يوكيو 1925 الذي انتحر سنة 1970, وأوي كنزابورو 1935 الذي حصل على جائزة نوبل سنة 1994.

          وبدهي أن تكون بواكير الرواية اليابانية الحديثة والمعاصرة مؤسسة على موروثات القص والحكي المطردة منذ مئات السنين, منذ عصر هيأن, وهذا ما حدث بالفعل مع باكورة الأعمال الروائية الحديثة, وهي السيرة الذاتية التي نقف عندها الآن, وهذا الضرب من الكتابة يسميّه الدارسون رواية السيرة الذاتية.

مصر كانت المثال

          كتب هذه السيرة علم فذ من أعمدة النهضة اليابانية الحديثة هو السيد فوكوزاوا يوكيتشي 1835/1901.

          وقد صدرت في ترجمة عربية قويمة - أبو ظبي 2001, لكامل يوسف حسين. وكاتب السيرة ليس كاتباً محترفاً عادياً إنما هو رجل العمل العام ورجل دولة, ورجل الفكر والعمل, فقد تفتح على العمل مع بداية النهضة التي قادها الإمبراطور المصلح ميجي سنة 1868, وكان الكاتب الرائد في الثالثة والثلاثين من عمره, صار فوكو زاوا بسرعة واحدا من قادة إصلاحات ميجي وواحداً من أهم موجهي النهضة اليابانية وبناة المجتمع الياباني الحديث.

          رصد فوكو زاوا الوقائع والمراحل وكبار الحوادث والأعمال في حياته منذ صباه الباكر حتى المراحل المتأخرة من حياته.

          والمهمة الأساسية التي أنجزها في تأسيس النهوض الياباني كانت فكرية ثقافية سياسية تربوية إبداعية. فقد جهد أن يمتلك الثقافة الحديثة وأن يشيعها بين اليابانيين فأسس الصحف والمدارس والجامعات على الأنظمة العصرية وكان كل أنشطته في عصر ميجي العظيم الذي قربه واتخذ منه مستشاراً قريباً. وكان فوكو زاوا من الذين وضعوا بيانات وأجوبة واضحة لبيان النهضة وتحديثها وليتجاوز التناقضات والصراعات المعطلة لمسيرتها. ومن المهم الوقوف عند أمر بالغ الأهمية إذ إن الرجل كان من القادة الذين رأوا أن نموذج التقدم المصري في تلك الفترة هو المثل الذي على اليابان أن تحتذيه في نهضتها لأن مصر واليابان في تقدير أولئك القادة بلدان شرقيان لهما موروثاتهما المتقاربة.

          وأيقن قادة النهضة أن نموذج النهوض ينبغي أن يكون (شرقيا) قريبا من تاريخهم الحضاري, ووجد هؤلاء القادة حرجا من احتذاء النموذج الأوربي, والتفتوا بقوة إلى النهضة المصرية, وأرسلوا إلى مصر من يدرسها, ويتعرف على أعمدتها الثقافية والفكرية والتكنولوجية, واستقبلت مصر البعثة اليابانية في سبعينيات القرن قبل الماضي, ودوّنت تلك البعثة تقريرها. وعند احتلال الإنجليز لمصر أرسل اليابانيون بعثة إلى الزعيم أحمد عرابي في منفاه لمعرفة أسباب الهزيمة والانكسار.

          ومنذ بداية نهضتهم الحديثة كان اليابانيون يعرفون مصر جيداً, لكن معرفتهم بالعالم العربي عامة, والثقافة العربية الإسلامية خاصة كانت محدودة جداً, وكان خاصة المثقفين يعرفون من ثقافتنا (القرآن الكريم) و(مقدمة ابن خلدون) و(ألف ليلة وليلة) في حين شهد العقد الثاني من القرن العشرين انفتاحاً ثقافياً, إذ أسست الحكومة اليابانية قسمين للدراسات العربية والإسلامية, أحدهما في جامعة طوكيو والثاني في جامعة أوساكا, ومنذ ذلك الحين ظهرت ثلاثة أجيال من العلماء والدارسين اليابانيين المتخصصين في اللغة العربية ودراسات الشرق الأوسط والدراسات الشرقية الإسلامية عامة, ثم توالت أحداث كبرى لفتت عامة اليابانيين إلى العرب والمسلمين وثقافتهم. منذ نهضتها الحديثة حاولت اليابان احتذاء النموذج المصري, وبدأ رواد الدراسات العربية الإسلامية في الظهور من العقد الثاني من هذا القرن. لكن السعي العربي إلى التعرف على اليابان ودراسة تجربتها ونموذجها التحديثي كان محدوداً جداً. نعم تعرف شعوبنا العربية منزلة اليابان في العالم الحديث وتعرف بطولات اليابانيين في الحرب, وجدهم الباهر في البناء والتحديث والتقدم, لكن الدرس العربي الأكاديمي كان متخلفا.

          إن الدرس العربي الأكاديمي لليابان لايزال محدوداً بصورة معيبة, ولاتزال اليابان هي السابقة في هذا الأمر, وهناك سياسات يابانية ثابتة لمنح مصر - وغيرها من البلاد العربية - مجموعة من البعثات في كل التخصصات كل عام ولاستضافة المرموقين من الأساتذة العرب لفترات قد تصل إلى سنوات ولدعوة الطلاب المصريين والعرب المتفوقين لزيارة اليابان وتنمية معرفتهم بها.

          ومن جهتنا نعمل على وضع سياسات نظيرة مصرية عربية, ولكن الإمكانات لا تعيننا, كما أن البيروقراطية تعطل تحقيق أحلامنا في هذا الشأن.

          إن سيرة السيد فوكوزاوا - التي نقرأها الآن بالعربية مع مقدمة أعماله الكاملة - تمنحنا نتائج مهمة في تاريخ الأدب عامة وفي تاريخ الفن الروائي خاصة, وتصوغ تشكيلات جمالية مستندة إلى موروثات فريدة في السرد والحكي.

          كما أنها تمنحنا بياناً ناصعاً للنهوض والتقدم ومثالاً فكرياً رفيعاً للتفاعل الحضاري والحوار الثقافي.

ثلاث قواعد للنهوض

          ولقد انتهى راصدو حركات التجديد الأدبي الحديث ودارسوها ونقّادها إلى أن هذه السيرة الذاتية الفريدة تعطي نائلها في ثلاث جهات أو ميادين, هي في جملتها قاعدة النهوض الياباني الحديث والمعاصر: أول هذه الميادين الثلاثة تاريخي: ذلك أن خطة الإمبراطور المصلح ميجي (1868م) لنقل اليابان من العلاقات الكلاسيكية الإقطاعية وشبه الإقطاعية إلى العلاقات الحديثة, كانت في حاجة إلى روّاد يحملون أعباء تلك الخطة ويجعلونها واقعاً على أرض اليابان الجديد. وكانت مهمة الخطة وعمل أولئك الروّاد الذين اجتهدوا لجعلها واقعاً معيشاً على أرض بلادهم: إحياء ما يدفع النهوض من موروثات تبدت في قيم وأعراف ومثل عليا وعلاقات اجتماعية صالحة لتصبح عناصر في نسيج الخطة الجديدة, تتجه إلى تحقيق تماسك الأمة وصحة بنيانها وسلامة حركتها إلى الآفاق الإصلاحية الجديدة. وكان فوكوزاوا يوكيتشي واحداً من أولئك الرواد الذين أحاطوا بالآفاق الجديدة, ونذروا حيواتهم لتحقيق خطة الإصلاح. كان يوكيتشي - كما تعكس ذلك سيرته الذاتية التي نحن بصددها - صاحب (بيان) نهضوي من أبرز بيانات الروّاد واجتهاداتهم. ولم يكن بيانه - كما تبدى في السيرة - ورقة نظرية أو دعوة إعلامية, إنما كان قولاً وكتابة وممارسة وتأسيساً, فهو بذلك قد جمع بين الفكر والعمل, بين النظر والقيادة.

          تبدى في السيرة أن محاور بيانه كان مدارها حاجات وتلبية هذه الحاجات بالتأصيل والتأسيس, وكانت تلك المحاور ثلاثة:

          1- إقامة الحياة السياسية على صيغ منضبطة دستورية وقانونية, تعتد بالتعددية والبرلمانية وتحديد السلطات.

          2- إقامة الحياة العامة على التعددية الفكرية والاتساع لكل المدارس والاتجاهات والتيارات في الفكر والإبداع.

          3- إقامة الحياة الاجتماعية على تنظيم العلاقات والعقلانية وتحرير المرأة وتحرير العقول والإفهام من كل ما يعطل إعمال العقل والاجتهاد. كل ذلك إلى جانب الأخذ بالتصنيع والعلم الحديث وتطبيقاته.

          وكان المحور الثاني في فكر يوكيتشي النظري وممارساته العملية تربوياً, شأنه في هذا الأمر شأن كل إمام من أئمة أي نهضة. لقد جعل الرجل التعليم أساساً مكينا لبناء المجتمع الحديث, المنتج المتحرر الديمقراطي والتعلم لديه - كما جاء في السيرة - ليس فحسب ما يتم على مقاعد الدرس في قاعات المدارس والمعاهد والجامعات, وإنما هو التعليم المستمر من المهد إلى اللحد, وتعتد مناهجه وبرامجه بكل مطالب (التحديث والنهوض) في حياة الفرد والجماعة, بكل ما تتسع له هذه الحياة في الجدلية الاجتماعية بين الآحاد والجماعات ومصالحها على أرض اليابان, وفي الجدلية العالمية بين الوطن الياباني وبلاد العالم سلماً وحرباً. وتوسع كاتب السيرة في مفهوم التعليم فوضعه في إطار عريض من التربية الوطنية التي تنهض على نفي ما يعطل العقلانية والتصنيع والليبرالية. فتمسك بحزم بالمثل العليا والأعراف الموروثة الصالحة للتحديث والنهوض, ووقف صلباً ضد كل تقليد معطل. وخاض في سبيل النجاح لأفكاره ومواقفه المستنيرة معارك فكرية ضد القوة الاجتماعية والفكرية والسياسية المحافظة وكان سنده في هذه المعارك نصاعة فكره ومواقفه القويمة المستقيمة, كما كان سنده أنه صار (المعلم) لجمهور عريض ولأجيال جديدة, كما كان سنده - أخيرا - عمله مستشاراً مقرباً للمصلح ميجي الإمبراطور الذي عاش صاحب السيرة, القطعة الكبرى من حياته في ظلال حكمه. لقد أسس يوكيتشي جامعة كايو للغات الأوربية, وكانت غايته - كما يحددها بقلمه في سيرته - وصل اليابانيين بالعالم, من جهة تاريخ هذا العالم علمياً وحضارياً وسياسياً وثقافياً, ومن جهة الدرس المنهجي المنظم للعلوم والفنون, ومن جهة التدريب الدائم الدائب على الجديد من الصناعات والتقنيات .بل لقد دفعته نزعة المعلم إلى إتقان فنون الحرب الحديثة وطرائق الدفاع عن البلاد. لقد كانت أهم حرب جرت وقائعها في حياته هي الحرب بين بلاده والصين - 1894/1895م - ولقد دفعه اهتمامه بالحرب الحديثة - مع دعوته الجهيرة إلى السلام والوئام في العلاقات الدولية - إلى التأليف في الأمور الحربية والعسكرية فوضع كتاباً في صنع (البندقية) وطرائق عملها واستخدامها. تذكرنا الآفاق التربوية في سيرة يوكيتشي بالفكر والعمل الذي ينهض به أئمة النهضة, أي نهضة وكل نهضة, تذكرنا بسير رفاعة رافع الطهطاوي ومحمد عبده وطه حسين في النهضة المصرية. لقد كان الرائد منهم مفكراً ومصلحاً اجتماعياً وكاتب مقال ثقافي ومبدعاً في مجالات الإبداع المختلفة من السيرة الذاتية القصة والرواية والشعر, وخاض كل منهم المعارك المشهورة في كل مناحي التحديث والنهوض والإصلاح الثقافي والاجتماعي والسياسي. وكانت مبادئ السيد يوكيتشي ومواقفه كمبادئ هؤلاء الرواد المصريين ومواقفهم: النهضة ضرورة تاريخية والتعليم - بمعناه الشامل ـ عمادها كل ذلك عَرَّضَ الرواد - مصريين ويابانيين - للسهام والهجمات الضارية من المحافظين والتقليديين والقوى صاحبة المصلحة في تثبيت الأوضاع وتجميدها. لكن الأمر ينتهي - بالجهاد الأعظم والجهد النبيل - إلى انتصار الجديد. ومن يرصد حال يابان اليوم - وقد عاش كاتب هذه السطور هناك عشر سنوات - يجد الثمرات الطيبات لفكر رواد النهضة اليابانية ومواقفهم وأعمالهم, وكان صاحب السيرة التي نكتب عنها في الصفوف الأولى الطليعية بين أولئك الرواد.

          وأما المحور الثالث, الذي تفصح عنه وتعكسه سيرة يوكيتشي, فقد كان فنياً جمالياً. ذلك أن هذه السيرة مبنية على الموروثات الأدبية اليابانية شفاهية ومدونة. إن الناقد يقع في هذه السيرة بيسر على الباقي المتواتر من أساليب تلك الموروثات وطرائقها وتقنياتها, مع اقتراب ملموح حميم بالأبنية الروائية الحديثة التي يعتمدها النقاد ومؤرخو الأدب وتعرفها الدوائر الدراسية والبحثية. وهذا الأمر جعل بعض الدارسين يسمون هذا الضرب من الكتابة (رواية السيرة الذاتية), فالشخصية الرئيسية في العمل واحدة, وترتبط الوقائع والأحداث بذات تلك الشخصية تاريخا, مع اقتدار تخيلي يضع العمل في دائرة الفن الجميل ويعصمه من التاريخية المباشرة.

          ولقد سلف أن ذكرنا - صدر كلامنا هذا - حقائق في تاريخ الأدب الياباني تحمل بذوراً قوية - منذ ألف عام - لعناصر فريدة من القصص والحكي. وها هنا - في سيرة يوكيتشي - نقع على تلك البذور نامية مؤسسة على يوميات موظفات البلاط القديم وحكاياتهن الباقية, وعلى القصص الشعبي والحكايات الأسطورية والخرافية, وتداخل معجب بين كل ذلك وبواكير الرواية الحديثة, في وحدة البطل وطرائق السرد المتطورة, وأساليب الحكي والحوار التي تعرفها الآداب الحديثة في القرنين الثاني عشر والتاسع عشر الميلاديين. وها هنا أيضاً نتذكر أعمالاً لرواد النهضة العربية الحديثة من أمثال أحمد فارس الشدياق ورفاعة رافع الطهطاوي وعلي مبارك وإبراهيم المويلحي وابنه محمد المويلحي ثم محمد حسين هيكل وإبراهيم عبدالقادر المازني وطه حسين وتوفيق الحكيم. كل هؤلاء كانوا جسوراً أسست على الموروثات, فصيحة وعامية مروية ومدونة, وربطت تلك الموروثات بالجديد من الأساليب اللغوية والأبنية القصصية والروائية التي يعرفها العالم الحديث. ولا ريب - لدى القراءة البصيرة - في أن سيرة يوكيتشي قد كانت (جسراً) موضوعياً بين الموروثات الإبداعية اليابانية والرواية بمعناها المعروف لدينا الآن.

 

عبدالمنعم تليمة   

أعلى الصفحة | الصفحة الرئيسية
اعلانات