لم يكن للخنساء أربعة أبناء.. ليستشهدوا!

لم يكن للخنساء أربعة أبناء.. ليستشهدوا!

لايزال مقال (من بكائيات الخنساء) للشاعر فاروق شوشة الذي نشرته (العربي) في عددها (520) مارس 2002 يستقطب المزيد من التفاعل, وإذا كانت (العربي) قد نشرت في أعداد سابقة بعض الآراء حوله, فإنها هنا تواصل عرض آراء جديدة.

لم يكتب أحد عن الخنساء إلاّ وطرح على نفسه أو على غيره السؤال التالي: (لماذا لم تبكِ الخنساء أبناءها الأربعة بعد استشهادهم, أو على الأقل لماذا لم ترثِهم ولو ببيت واحد من الشعر, وهي الشاعرة الكبيرة?) ثم يبدأ بالاجتهاد ليجد له مبررًا يقنع به نفسه.

ومما قرأت في هذا المجال تعليق جاء في العدد (525) أغسطس 2002 من (العربي) كتبه إبراهيم سليمان الكافي من تونس وفيه يحاول - في عبارات غامضة - إيجاد السبب الحقيقي, حسب رأيه, لعدم بكاء الخنساء, وعدم رثائها أولادها الذين استشهدوا في معركة القادسية, وفق كل الروايات! ولكن هل فكر أولئك المتسائلون, ولو لمرة واحدة بهذا التساؤل: هل استشهد أولاد الخنساء في القادسية سنة 15 للهجرة, وهل كان لها أربعة أولاد أساسًا?

جوابًا على هذا سأستعرض بعض الأمور التي تؤكد أن الخنساء لم تبكِ أبناءها أو ترثيهم لأنهم لم يكونوا أربعة, ولم يستشهدوا ولا ندري إن كان أحدهم قد شارك آنذاك في القادسية أم لا!

زواج الخنساء وأولادها

تزوجت الخنساء في الجاهلية من اثنين:

الأول هو رواحة بن عبدالعزى, الذي أنجبت منه عبدالله الملقب بأبي شجرة, والذي اشتهر بشراسته وعنفه وارتداده عن الإسلام, بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم, ثم اشتراكه في القتال إلى جانب المرتدين, ضد المسلمين بقيادة خالد بن الوليد. هذا الابن عاش إلى ما بعد القادسية بكثير وذكرت الروايات أنه عاش حتى وفاة عمر, رضي الله عنه, أي حتى سنة 23 للهجرة وما بعدها لأنه (ما استطاع أن يقرب من المدينة حتى توفي عمر, وكان يقول: ما رأيت أحدًا أهيب من عمر).

وهذا الكلام يعني بوضوح أن واحدًا من أبناء الخنساء لم يسقط شهيدًا في القادسية, وإنما بقي حيًا إلى ما بعد القادسية بكثير.

- الزوج الثاني هو: مرداس بن عامر السُّلمي, وقد أنجبت الخنساء منه ثلاثة أبناء ذكور وأنثى واحدة. أحد هؤلاء الثلاثة كان شاعرا مشهورا وهو العباس بن مرداس السُلمي, وله مواقف معروفة جدًا بعد إسلامه, حيث اعترض على قسمة غنائم (حُنين), أمام الرسول عليه الصلاة والسلام, فطلب الرسول صلى الله عليه وسلم من أصحابه أن يعطوه حتى يرضى فأعطوه حتى رضي. ولو كان شارك في القادسية أو استشهد لذكره الرواة والمؤرخون بسبب شهرته, خاصة أنهم ذكروا كل من شارك, في القادسية من الشعراء الأقل شهرة بكثير من العباس بن مرداس, وهذا يعني أن اثنين مشهورين لم يذكر لهما أي دور في القادسية وبالتالي لا ندري عن اشتراكهما في تلك المعركة الكبيرة أي شيء. أما الاثنان الباقيان فلم يكن لهما أي شهرة تميزهما فلم يذكرهما التاريخ بشيء.

- قد لا يكون الكلام السابق مقنعا, مع أنه صحيح ودقيق, لذلك سألجأ إلى الدليل الدامغ, الذي يذكره كل من كتب عن الخنساء, وهو وصيتها المنسوبة لها والتي تخاطب فيها أبناءها قائلة:

(والله إنكم لبنو رجل واحد, انطلقوا فاشهدوا أول القتال وآخره...).

فالخنساء لم يكن لها أربعة أبناء من رجل واحد, كما مر معنا, فمن أين حصل الالتباس أو الخطأ?

لقد حصل - على ما يبدو - لأن أحدًا ما, قرأ قصة امرأة اسمها الخنساء, غير شاعرتنا السلمية. بينما الخنساء الأخرى نَخَعية, أي ليس لها أدنى صلة بقبيلة الخنساء الصحابية الشاعرة. وبعد أن قرأ قصة الخنساء المجهولة تصرف في خاتمتها, ومن هنا حصل الالتباس الذي انتشر بين الناس على أنه حقيقة ثابتة. لذلك أستغرب كل من سمع القصة كيف أن الخنساء الشاعرة لم ترث أو تبكي أولادها. وحتى لا يظنن أحد أنني أفتعل الأحداث, أو أسوقها لتتلاءم مع المقال فإنني سأذكر قصة المرأة النخعية التي أوردها أبو المؤرخين العرب (الطبري) في تاريخه المعروف, إذ جاء فيه:

(كانت امرأة من النخع, لها بنون أربعة, شهدوا القادسية فقالت لبنيها: إنكم أسلمتم فلم تبدلوا, ثم جئتم بأمكم, عجوز كبيرة, فوضعتموها بين يدي أهل فارس. والله إنكم لبنو رجل واحد, كما أنكم بنو امرأة واحدة. ما خنت أباكم, ولا فضحت خالكم. انطلقوا فاشهدوا أول القتال وآخره).

فأقبلوا يشتدون, فلما غابوا عنها, رفعت يديها إلى السماء, وهي تقول: (اللّهم ادفع عن بنيّ. فرجعوا إليها, وقد أحسنوا القتال, ما كُلم منهم رجل كَلمًا. فرأيتهم بعد ذلك يأخذون ألفين ألفين من العطاء ثم يأتون أمهم فيلقونه في حجرها, فترده عليهم, وتقسمه فيهم على ما يصلحهم ويرضيهم).

انتهى الخبر كما جاء في تاريخ الطبري حرفيًا. وهنا أسأل:

ألا تلاحظون كيف أن الطبري, اهتم بالحديث عن امرأة نخعية - قد يكون اسمها الخنساء أو لا يكون - ليست شاعرة ولا صحابية جليلة كشاعرتنا الخنساء, فذكر قصتها مع أولادها الأربعة الذين لم يصب أي منهم بأي جرح, بل ظلوا أحياء يأخذون العطاء من الخليفة عمر كباقي الأبطال المشاركين في القادسية. أقول:

كيف يذكر الطبري هذه المرأة المجهولة, ويتجاهل شاعرة كبيرة لو كانت موجودة من جهة? أو لو كان لها أربعة أبناء استشهدوا من جهة ثانية?!

الخلاصة: من مراجعتي لأهم ما كتب عن الخنساء قديمًا أمثال:

1 - الإصابة: لابن حجر صفحة 287 - المجلد الثامن.

2 - الاستيعاب (على هامش الإصابة) لابن عبد البر: صفحة 296 - المجلد الثامن.

3 - الشعر والشعراء: لابن قتيبة: صفحة 350 الجزء الأول.

أقول: من مراجعتي الدقيقة للكتب المذكورة, أو لغيرها مما تيسر لي, أثناء إعداد البحث, لم أعثر على أي ذكر - تلميحًا أو تصريحًا - يقول باستشهاد أحد أبناء الخنساء, إنما الاستشهاد جاء في المراجع الحديثة دون تحديد المصدر القديم.

لن أقول إنني أتحدى أحدًا ليثبت عكس ما ذكرته, لكنني أتمنى من أي أحد من القراء أو الكتّاب أن يكذبني فيذكر مصدرًا قديمًا تحدث عن استشهاد أولادٍ أربعةٍ للخنساء السلمية.

وأنا أشك في إمكان حدوث هذا!

يبقى السؤال المهم جدًا: مادامت الخنساء لم تبك أبناءها لأنه لم يكن هناك أبناء لتبكيهم, فمن أين جاءت فكرة القصة?

قد لا يكون جوابي قاطعًا, ولكنني أعتقد أن أول من تحدث عن استشهاد أولاد الخنساء هو الكاتب المرحوم خليل هنداوي (توفي عام 1976 في حلب), عندما كتب قصة عن الخنساء في الخمسينيات, وتحدث عن أولاد أربعة للخنساء يستشهدون.

أما من أين جاء بأصل القصة? فأعتقد أنه قرأ قصة الخنساء النخعية وتصرف في خاتمتها, عن حسن نية.

ويبقى كلامي كله احتمالاً قائما إلى أن يثبت أحد ما عدم صحته. ويكفي أن نتأمل في قصة الخنساء مع أم المؤمنين عائشة, رضي الله عنها, عندما كانت تدخل عليها بعد وفاة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم, مرتدية صدارًا أسود, فتسألها عائشة عن ذلك فتجيب بأنها مازالت حزينة على أخيها صخر, الذي قتل في الجاهلية لنستغرب كيف أنها لم تحزن على أولاد أربعة, ولو لمرة واحدة أمام السيدة عائشة لو كان ذلك قد حدث فعلاً!

طه عمرين
دوما - سورية