جناية الأيديولوجيا على الفن

الظاهرة الاغترابية في السينما الجزائرية

           يشارك الفن السينمائي في تغيير الواقع عن طريق العملية التصويرية والإخراجية المدعمة بتوظيف كل ما تم ابتكاره في مجال الصورة من تقنية مذهلة وخارقة تسهم في تفجير الظاهرة الموضوعية والجمالية إلى أقصى مدى, وفي تغيير وتشكيل بعض السلوكيات والرؤى.

           يعود عجز الفيلم العربي عن الارتقاء إلى مستوى العالمية إلى جملة من الأسباب لعل أشملها تأثر السينما بباقي الحياة الثقافية المتميّزة بالرداءة والانحطاط. وهذا الأمر يدعو المهتمين تخصصا, نقدا وإنتاجا إلى ضرورة البحث عن العوائق والأسباب التي ساهمت في تغييب الفيلم العربي عن أضواء الساحة السينمائية العالمية ومسايرة تطور الصناعة السينماتوغرافية, وبالتالي حرمانه من أداء دوره ووظيفته الجمالية للإنسان العربي, بل على العكس, جعلت منه فيلما يلعب دورا مخالفا تماما, فجاء مكرسا للانحطاط والرداءة فكرا وسلوكا وشعورا. ولعل ما تنتجه السينما المصرية مثلا, من أفلام استهلكت بشكل مذهل موضوع (الحب والزواج والشقة) لدرجة تدفع إلى السخرية أحيانا وكأن الإنسان العربي يعيش في بحبوحة من الخير لا تندثر ولا هم له سوى الحب والمغازلة?!... هذا التكرار والاستهلاك الملح لموضوع الحب يوحي ضمنيا بجملة من الدلالات, أهمها أن الإنسان العربي من خلال السينمائيين, اعتنق فلسفة (الحب) هذه وسعى إلى تكريسها ونشرها في أوساط المجتمع معتقدا أن توافر هذا العامل وتعاطيه قد يحقق سعادة الإنسان العربي, لكن الملاحظ أن عامل (الحب) في السينما العربية لا يوحي في اعتقادي, إلا بالعلاقة بين الرجل والمرأة وبالتالي الدلالة على الفعل الجنسي, وتناسى الواقع المعيش للإنسان العربي الذي قاسى ويلات الاستعمار وبطش الأنظمة بعد الاستقلال, ولعل راهنه أقسى من أي وقت مرّ, ميزته الفقر والقهر والتطاحن ذو النزعة الانتحارية الذاتية?!... ويثير كذلك تكرار المواضيع المذكورة, انطباعا وكأن المؤلف والسينمائي قد أصيبا بفقر فكري نتيجة تأليفهما تحت طلب سينما المقاولات?!

           وأصبحت مثل هذه الأعمال السينمائية ذات المواضيع الاجتماعية الضيقة والشخصيات الرومانسية التافهة التي تفوح فضيلة وعاطفة وأخلاقا وفروسية لا وجود لها إلا في الخيال, محل سخرية المتلقي العربي الذي هجرها بلا رجعة. وفي الجزائر مثلا, لا يمكن لأفراد أسرة واحدة الصبر أمام كلمة (بحبك) تقولها امرأة لرجل بشكل رومانسي, أو العكس, والتي أصبحت بمنزلة الكلمة الهجينة لأنها توحي بدلالة واحدة في أذهانهم هي (الفعل الجنسي)! والعامل المكرس لهذا الإيحاء هو الفيلم نفسه وطريقة إخراجه وأداء ممثليه, هذه العوامل أفرغت كلمة (حب) من كل معانيها السامية وأبعادها الإنسانية, وحصرت محتواها في المعنى الهابط. أما أعمال (يوسف شاهين) فأعتقد أنها ابتعدت نوعا ما عن معالجة قضايا الإنسان العربي من خلال انشغاله بالبحث عن الأسلوب السينمائي الخاص والمتميز والساعي إلى تحقيق المدرسة (الشاهينية) تماما مثل مدرسة (البسيكوز PSYCHOSE) لهتشكوك, ذلك ما جعل كل أعماله مخالفة لما أنتج من أعمال سينمائية عربية تقليدية, من حيث تأليفها وطريقة معالجتها سينمائيا وتقنية تصويرها وإخراجها, متجاوزة بذلك السرد الروائي السينمائي التقليدي والتركيب المنطقي للأحداث, واعتمدت أسلوب تركيب متميزا بفوضوية تشوش ذهن المتلقي العادي وتدهمه والذي سرعان ما ينفّره. لعل ذلك ما يدفعني إلى الاعتقاد بأن (يوسف شاهين) ألّف للنخبة فقط وخسر بذلك الجمهور العربي الواسع, إذ لا يمكن لأعماله أن تحدث أثرا يذكر, لكنها في المقابل قد تؤثر في النخبة, وعليه يمكن اعتبار فشل أعمال يوسف شاهين جماهيريا ونجاحها نخبويا, حتى من ناحية المواضيع المعالجة, فقد ركزت وبإصرار على السيرة الذاتية, فلا يمكن لعمل واحد من أعماله أن ينجو من الإشارة الذاتية ولو ظهورا سريعا على الشاشة, وكان تكريمه في مهرجان (كان) تقديرا لمجهوداته من خلال كل أعماله, ويبقى هذا الرأي خاصا, فضلا عن أنه لا يجحد إطلاقا فضل السينما المصرية في التأسيس للسينما العربية, بل إنها الوحيدة الممثلة لها, وليس بالإمكان أن تمحى من الذاكرة التاريخية, تلك الروائع السينمائية التي لا تحصى - من ضمنها أعمال شاهين طبعا - التي صنعتها السينما المصرية وسجلت ضمن روائع التراث الثقافي والفني الإنساني. وفي مقابل هذا, فإن المتلقي العربي يقبل بصورة مذهلة على مشاهدة الأعمال السينمائية والتلفزيونية الجادة تأليفا ومعالجة وإخراجا والمعبرة عن همومه الآنية وأماله المستقبلية والممجدة لخصاله البطولية, وتجدر الإشارة هنا إلى ذكر الأعمال التلفزيونية السورية ــ كمسلسلي (الكواسر), (الفوارس) ــ التي كُتبت وعُولجت وصُوّرت وأخرجت بطريقة تختلف تماما عما هو متعارف عليه في الكتابة والإخراج التلفزيوني العربي, وعلى الرغم من ظاهرها الأسطوري تمكنت من خطف بصر وانبهار عقل المتلقي العربي, لأن الأسطورة اعتمدت فقط كقناع فني لباسا وديكورا, لكن المحتوى اعتنق راهن الإنسان العربي من خلال صراعه مع الكيان الصهيوني, والإصرار على حماية وجوده وهويته من زحف الأمواج الجارفة للعولمة, فضلا عن صراعاته الداخلية. والنجاح نفسه قوبل به العمل التلفزيوني السوري ذو المحتوى الاجتماعي, ذلك لأن صانعيه أصروا على معالجة الواقع المعيش للإنسان السوري بواسطة شخوص حقيقية وحيّة وصادقة بعيدة كل البعد عن الشخصيات الرومانسية الهشة التي تفوح عاطفة وفضائل وحلما وكأنها معصومة من الخطأ, وهي شخصيات لا وجود لها إطلاقا في مجتمعات تحيا منذ أجيال وأزمنة حياة القهر والفقر والكبت والقمع الجسدي والنفسي?!

السينما الجزائرية

           لن أعيد ذكر الأسباب, عموما في ضعف السياسات السمعية البصرية المعتمدة في العالم العربي, وتدني الامكانات الإنتاجية تقنيا والرقابة بكل أشكالها وأنواعها. هذه العوامل ساهمت بشكل مباشر وكبير في تدني مستوى السينما العربية, ومن خلال السياسات السمعية البصرية المعتمدة في الدول العربية بإمكاننا استخلاص حالتين اثنتين, الأولى أن الهيئة المتخصصة ومنها السلطة على دراية كاملة بمدى أهمية وخطورة السينما في توعية وتنوير وتشكيل الواقع الاجتماعي, فلجأت إلى محاصرة هذا السلاح الحاد بضوابط وقواعد صارمة لا يمكن تجاوزها تقيّد حرية تحرك ومبادرة السينمائي العربي داخل فضاء ضيّق, وبالتالي مصادرة قدراته الإبداعية وحصر آثار السينما في تحقيق أهداف محددة مسبقا. أما الحال الثانية أن المسئول العربي لا يدرك أهمية السينما اقتصاديا وثقافيا واجتماعيا وفنيا, فأهمل ترقيتها ولم يفكر في رسم سياسة ملائمة لتطويرها واستغلال قدراتها الترويجية, مثلما فعل ويفعل الإنسان اليهودي في رصد وتخصيص أموال باهظة لإنتاج الأعمال السينمائية التي تروّج لقضيته ومعتقده, والسينما وحدها جعلت من الهولوكوست) مأساة الدهر ومن اليهود الضحايا الخالدين, والأفلام التي عالجت هذه الحادثة التاريخية لا يحصى عددها, حتى (البوكيمون POKEMON) يبدو أنه لم ينج من استغلالهم في تمرير أشيائهم?!

تحكم المعتقدات

           أما عجز السينما الجزائرية عن التطرق للمواضيع التاريخية والقضايا الراهنة التي عاشتها الشخصية الجزائرية وما ينتج عن ذلك من تشوّهات واضطرابات نفسية وفكرية ووجدانية, فيعود - في اعتقادي - بصورة عامة إلى الظاهرة الاغترابية التي ميّزتها وتميّزها, عندما التحق (ريني فوتيي R.VAUTIER) بالثورة التحريرية وقرر المساهمة بواسطة الكاميرا, كان دافعه الجوهري معتقده الأيديولوجي الشيوعي الذي يتبنى فكرة تحرير الشعوب ومحاربة الظاهرة الاستعمارية ونشر المعتقد الشيوعي في أوساط الشعوب المتحررة. إذن قدوم هذا الرجل - الذي لا يمكن لنا قطعا إنكار ما قدمه للثورة, وهو صاحب الفضل بلا منازع في تأسيس السينما الجزائرية - جاء ولاء لمعتقده, وحين أسس مدرسة التكوين السينمائي عام 1957 وانضم إليها الرعيل الأول من السينمائيين الجزائريين (محمد الأخضر حمينة, شندرلي, أحمد راشدي, والقائمة طويلة), كان قد أسس بذلك خلية لتكوين سينمائيين, وكانت البيئة المتميزة بالثورية ملائمة جدا, والتجربة السينمائية الجزائرية عبر منتجاتها منذ الاستقلال إلى الآن أكّدت وتؤكد هذا الانتماء الذي أتى على الفن السينمائي الجزائري, ذلك لأن الفنون بمختلف أجناسها كلما اقترنت بأيديولوجية محددة يكون مصيرها الزوال ولا تتعدى كونها فنونا ظرفية (Ephemere) الزمن هو الفاصل فيها, لأن الولاء للأيديولوجيات يضيّق الآفاق الإبداعية ويحد من حرية التخيّل لدى الفنان إذ تفرض عليه متطلبات الصنعة حصر عمله في خانة (البروباجندا), وهو ما يحدث آثار التكلف والابتذال نزولا عند الولاء الأعمى للقيم الأيديولوجية المعتنقة. هذا فضلا عن أن السينما الجزائرية كلما رغبت في إظهار المجتمع, ركّزت بصورة ملحة على إبرازه في حلته السياحية بعيدا عن حقيقة الواقع المعيش, والأيديولوجية الشيوعية سيطرت على كل الأجناس الفنية والأدبية في الجزائر في زمن النظام الاشتراكي لدرجة أن أحدهم كتب قصة بعنوان (حبيبتي مزرعة مسيّرة ذاتيا), وسرى نظام التسيير الذاتي هذا على كل المؤسسات السمعية والبصرية, وأصبحت بذلك حكراً على كل من أعلن (تشيّعه) للمعتقد السائد. وهذا التسيير المركزي والأحادي للمؤسسات المعنية كان روّاده خريجي مدرسة (ريني فوتيي), مكن بعضهم من صناعة أعمال سينمائية ملحمية اعتمادا على ميزانية خرافية مصدرها المال العام أذكر منها (وقائع سنوات الجمر - لمحمد الأخضر حمينة) الذي كان مدير الديوان القومي للصناعة السينماتوغرافية آنذاك... وتكتسي معظم الأفلام بالرداء الاشتراكي, ذلك ما مكن أغلبها من حصد جوائز كارلوفيفاري (Karlovyvari) في تشيكوسلوفاكيا كفيلم (فجر الملاعين ــ لمحمد راشدي), وفيلم (الرُحّل ــ لسيد علي مازيف) بمحتواه الترويجي للثورة الزراعية, وجوائز اتحاد الكتّاب الروس كفيلم (ريح الأوراس - لمحمد الأخضر حمينة), وجوائز (JEUNE CINEMA) لمهرجان طشقند بالاتحاد السوفييتي السابق كفيلم (الطريق - لمحمد سليم رياض) وفيلم (ليلى والأخريات - لسيد علي مازيف) الذي نال الجائزة الأولى لاتحاد النساء الروسيات, وقائمة الأفلام المتوّجة بمثل هذه الجوائز مازالت طويلة. وسر هذا السيل من الجوائز - في اعتقادي - واضح جدا, فمهرجانات القطب الاشتراكي كانت تكرم كل عمل سينمائي يروّج للأيديولوجية الشيوعية, في حين يعمل نظيره الرأسمالي بالسياسة نفسها إذ يسهر على تكريم كل عمل سينمائي يتبنى فكرهم المضاد للفكر اليساري... وبعد انهيار القطب الشيوعي, انزرع في نفسية السينمائي الجزائري أزمة كينونة واغتراب, وراح يبحث عن معتقد آخر يمكنه من التأقلم والظاهرة الأحادية الجديدة, ويمكنه من إثبات ذاته, فابتعد بذلك أكثر عن هموم الوطن ومعاناة المواطن المادية والنفسية وصراعاته الوجودية من خلال محاولته للحفاظ على مده الحضاري والثقافي, بل برز تيار جديد جاء ليكرّس التشتت الحاصل ويؤسس لأزمة انتمائية حقيقية كالتيار الفرانكوفيلي (Francophile) مثلا, الذي تبنى الفكر الحداثي والعصرنة بشكل متطرف يقصي كل من خالف ذلك. والمؤسف أن السينمائيين الذين اعتنقوا الشيوعية قديما, هم أنفسهم أصحاب هذا المد الجديد بعد أن قضوا على السينما الجزائرية?!... ومنهم مَن اعتنق فكرة (الجزأرة) كانتماء وأعلنوها صراحة بأنهم ليسوا عربا بل (جزائريون)?!... وظهرت إلى الوجود سينما أمازيغية كفيلم (جبل باية) للراحل (عز الدين مدور).

السينما المختنقة

           مثل هذه التيارات المتعاقبة والمتأقلمة بالمعتقد الأيديولوجي والسياسي السائد, والمحتكرة للعمل السينمائي, حاصرت عشرات المواهب السينمائية الذين اكتفوا بممارسة ما سمّي بـ (سينما الهواة), علما بأن هذا التيار السينمائي ظهر في الجزائر نتيجة حتمية لكسر الحصار المضروب على كل مَن أراد الممارسة السينمائية بعيدا عن المد الأيديولوجي والتيار الفكري السائد, وكان لهذا النوع من السينما روّاده ومهرجاناته, واعتنقت مواضيعه الهموم الحقيقية للإنسان الجزائري بعيدا عن (البروباجندا). ولما كانت هذه السينما بعيدة عن الرقابة بكل أشكالها, تنبّهت السلطة إلى خطورتها وآثارها, فتم خنقها بالفعل والقضاء عليها. عموما عمل هذا الحصار على كبت حرية المبادرة, وبالتالي التنوع الإنتاجي الذي به فقط نتمكن من دمقرطة العقول وتوفير الفرص لكل راغب مهما كان انتماؤه الفكري وبذلك نتمكن من ترقية أفلامنا وجعلها تنافس نظيرتها العالمية, لحظتها تستطيع لعب الدور المنوط بها في التأثير والإضافة. من هنا, لابد من الإشارة إلى أن ما جاء في هذا المقال لا يشكّل موقفا معاديا لتيار فكري وأيديولوجي ما, ولا يعني بالضرورة التموقع في الجهة المضادة, إنما فقط أردت طرح - بطريقة واضحة - وقائع تاريخية حقيقية ومعطيات موضوعية, أراها تسبّبت في انحطاط السينما الجزائرية وحرمانها من أداء رسالتها النبيلة







(جبل باية) فيلم للمخرج عزالدين مدور ناطق بالامازيغية




لقطة من فيلم (الإرث) لمحمد بوعماري ــ الجائزة الأولى للأداء النسوي ــ مهرجان موسكو 1975




لقطة من فيلم (ليلى والأخريات) السيد علي مازيف ــ الجائزة الأولى لاتحاد النساء الروسيات بمهرجان طشقند 1978




لقطة من فيلم (ريح الأوراس) لمحمد الأخضر حمينة ــ جائزة اتحاد الكتاب الروس, موسكو 1963