«كرواني أزرق أبيض»

بسلاٍم نادٍر استطاعت صديقته أن تستمع إلى صوت أنفاسه الثقيلة على الجانب الآخر من الهاتف...

ابتسمت مُرهَقَة وأنهت المكالمة آملة في خطف سويعات من النوم قبل بداية يوم آخر. 

4:07 صباحًا. تعودت. بل إنها تعتبر الليلة معركة رابحة ضد اكتئابه.

المنبهات على الموبايل مُعدّة سلفًا لكنها للأسف تخطو إلى داخل الحلم باستسلام غير محدود قبل تفعيلها.

الكراوين بالخارج، تمسح المنطقة تحت ضوء القمر من سطح الجيران إلى المدرسة الابتدائية إلى الكنيسة إلى محطة القطار ثم أعلى مئذنة وأسطح أخرى. 

في إحدى المسحات سيقف أحدهم على شرفة «صديقنا» ورغم صوته العالي فإن صديقنا لا يفزع بل تنفتح عيناه بهدوء.

 السقف بين الزرقة والبياض، يحب الألوان التي تشعره بالبرد، لكن شيئًا ما يمنع مرور تلك البرودة ولمسها ولو بروحه.

نسى العمل والإيجار والخبث البشري، وكأنه في نصف الساعة التي نامها فقد ذاكرته.

ينظر إلى الكروان ويبتسم لأنه لأول مرة في خمسة وثلاثين عامًا يراه بهذا الوضوح، وتذكر مسلسل «Friends» حين تلبّست «فيبي» روح زبونة ماتت على طاولة «المساج» فلم ترِد أن تترك الأرض قبل أن «ترى كل شيء».

«رأيتُ كل شيء، سيكون رائعًا لو انتهت الحياة الآن».

يغمض عينيه راجعًا للنوم، لكن يغير رأيه في لمح البصر.

ينزع الغطاء وينزل بقدميه على البلاط، يلتقط المفاتيح من على الكومودينو بينما نظره معلق بالكروان.

يتحرك بخفة على بلاط الغرفة أولًا، فبلاط الصالة، فرخام السلالم، فإسفلت الشارع، ففرامل الموتوسيكل.

يُدخل المفتاح وفي ثانية يخرج بخار وخوار من الموتوسيكل كأنه يتثاءب، وما أن تثاءب حتى انطلق الكروان، فابتسم صديقنا، وانطلق...

يتخذ الكروان من الشارع نفسه مسارًا ثم ينعطف إلى اليمين ثم اليسار، وهكذا في متاهة من الشوارع، حتى وصل إلى ميدان تتفرع منه الشوارع الكبيرة، يلف حوله، والموتوسيكل يلف بصاحبه، وصاحبه يتوقف عن الابتسام ويبدأ في الضحك، ضحك طفل وحيد استطاع أخيرًا أن يتعرف على أطفال آخرين يسمحون له باللعب، يضحك بعنف وتدمع عيناه بين السعادة والأسى.

تنتهي اللفة ويسلك أحد الشوارع وصاحبه وراءه، تزيد سرعة هذا فتزداد سرعة ذاك. 

في منتصف الشارع الطويل الخالي الذي بدأ يتكشف بضوء النهار، يسمع صوت كأنه انكسار فيعتريه القلق، لكنه يستمر ولا يريد أن يضيّع صاحبه الذي ينحرف بمنتهى اللياقة والمرونة والسرعة ويخرج من يمين الشارع حيث لا شوارع جانبية، فيتردد للحظة لم تطل؛ فرغبته في استمرار التجربة أكبر. 

يترك يده تضغط على الفرامل بعنف بينما يدور بالموتوسيكل مفكرًا في الالتفاف، لكن الموتوسيكل لا يتوقف، وبينما ينحرف... يرتفع عن الأرض! 

ارتعد: «سأتقلّب في الهواء مرات قبل السقوط الأليم» لكنه لا ينقلب، ولا يتوقف عن الارتفاع، «أأنا أحلم أم أننا نرتفع عن الأرض بمسافة مترين حقًا؟». 

بلا منطق صار المتران خمسة فسبعة... وفقط حين صار فوق كل الأبنية توقف عن التساؤل، ليس فقط لأنه يرى صديقه بوضوح بل لرؤيته كل الأسطح ومن ورائها شمس تشرق كالأسطورة!

يزيد سرعته حتى صار إلى جوار صاحبه وفكر بطفولية «يمكنني الإمساك به».

بالأسفل بدأت تحركات تظهر فبدأت سعادته تفتر. 

ينظر نحو الكروان ويومئ، فيتقدمه صاحبه. 

في شارعهم لا أحد استيقظ بعد، ينحدر، يتوقف، وينزع المفتاح ومع أول خطوة على الأرض ينتبه إلى كونه كان حافيًا طول الوقت فيبتسم بنبضات قلب سريعة.

يدخل غرفته ويمسك بالموبايل فيعرف أنه لم يقض إلا دقيقتين بالخارج. وبالتالي هي نائمة. يرسل «أحبك» في رسالة. ويدخل تحت الغطاء ■