«إنارة الطريق»

صباحًا تُضاء الشوارع بالمجان، لكن في المساء يتدخل الإنسان ويبذل الجهد حتى يصل لمنزله بأمان. تُزين الإضاءة العامودية الجانب الأيمن من شارعنا - شارع شجر الزيتون -، وتخدم هذه الإضاءة حيّنا بالكامل. البارحة، وعند اقترابي من المنعطف الذي يؤدي إلى منزلنا رأيته مظلمًا لا يُرى فيه إلا تحركات الشجر كوحشٍ في مخيلة طفلٍ يهوى السهر، لذا انعطفت إلى شارعٍ موازٍ له في نهايته معبر يؤدي إلى منزلنا؛ فإذا به مضاءً كأن تعاقب اليوم لم يمر عليه. مرت الأيام والإهمال متواصل، استنكر رئيس البلدية هذا التأخير في الإصلاح؛ لأن الإنارة الضعيفة قد تكون سببًا مباشرًا للحوادث. 

بدأ قاطنو حيينا بتقليد فعليّ والنزوح إلى الشارع الموازي- حتى يصلوا إلى منازلهم -، لكن جيراننا بدأوا بالشكوى؛ بأن هذا الفعل يعكر صفو حياتهم. عُدنا لرئيس البلدية الذي في هذه المرة كرر استنكاره مُضيفًا إليه عتابه علينا قائلًا: «أن تُحتوى المشكلة في مكان واحد أفضل من أن تنتشر في المنطقة كلها». 

بعدما بدأ اليأس يتخلل قلوبنا بأمل أن يُساعدنا أحد، قرر جارُنا بأن يتولى زمام الأمور بنفسه؛ فابتاع سُلمًا يصل به لرأس الإنارة، ثم حاول أن يُغيرها فإذا به يكسر مقدمة المصباح لكنه لم يتضرر حمدًا لله، محاولاته للأسف باءت بالفشل. 

صباح اليوم التالي، اجتمع أهل الشارع حتى يقوموا بزيارة أخرى لرئيس البلدية، ولكن قبل أن يغادروا تفاجأوا بصورة منشورة من قبل رئيس البلدية على وسائل التواصل الاجتماعي لجارنا وهو يحاول إصلاح الإنارة بتعليق يقول: «تُحاول أن تساعدهم لكنهم يركلون النعمة بأقدامهم!»، زاد حنق أهالي شارعنا العزيز فعزموا على الذهاب لمن له سلطة على رئيس البلدية. انطلق أهالي شارعنا نحو مكتب نائب المجلس البلدي، وانتظروا هناك حتى غروب الشمس لكنهم لم يقابلوه حتى! اعتذر مساعديه بالنيابة عنه مُسلميهم في آن الوقت استمارة شكوى ليكتبوا فيها ما جاءوا لأجله. 

مرت الشهور واعتدنا القيادة في الظلام الدامس، لا نسمح للأطفال بالخروج بعد مغيب الشمس، وأصبح هذ الطبيعي في حياتنا. في إحدى الليالي بينما الكل نيام في شارعنا أيقظنا صوت لم نعتد عليه، صوت صراخ - أقرب للنواح على ميت - خرج الجميع بملابس شبه مكتملة، أحدهم بحذاء ناقص والآخر مستعينًا بدثار نومه كعباءة، أفجعنا منظر رئيس البلدية حاملًا طفلًا لا يستجيب بين ذراعيه، بينما جارنا - صاحب سُلم الإصلاح - بلونه المخطوف يحاول الاقتراب وقدماه لا تُسعفانه، كل هذا بخلفية موسيقية وإضاءة صفراء «درامية» من السيارة المركونة جانبيًا. اكتشفنا لاحقًا أن ذلك الطفل هو حفيد رئيس البلدية وكان في زيارة لبيت عمه الذي أهداه دراجة هوائية، أحب الطفل الهدية فلم يسعه الانتظار؛ تسلل ليلًا ليجربها فانتهى به الحال في مُصابه في الظلام الدامس. 

أُصلحت الإنارة الجانبية للشارع، خرج الطفل من المستشفى، حُبس جارنا، وتم التشهير بنا علنًا بأننا المنطقة التي لا تهتم بسلامة الآخرين. تم إلقاء اللوم علينا لأننا لم نتصرف لحل المشكلة؛ فنحن من رضينا بهذه الحال لشهور.