«قصيدة رواندي الأخيرة»

منذ وقت طويل لم يحظ الشاعر بييس رواندي بفرصة لكتابة الشعر، فقد كان منشغلاً بالهروب من محاولات اغتياله. كانت المحاولة الأخيرة خلال زيارته لمدينة أفلام، تجول فيها ليلتقط جمالها فلمح منزلاً مألوفًا. كان المنزل مسرح أحداث فيلم يشاهده كلما داهمه الأرق، لم يفشل يومًا في إرساله إلى النوم كطفل رضيع. فيغفو قبل ثلث ساعة من النهاية، لذلك لم يعرفها أبدًا ولسوء حظه أو حسنه لم يخبره أحد بها.

انضم إلى السياح على سطح المنزل الزجاجي الذي يسمح برؤية كل ما في المنزل المتكون من طابق أرضي وحديقة. كانت هناك فجوة دائرية محاطة بدرابزين تمنح السائحات ذاك المزيج الساحر من الفضول والخطر، فيتدافعن لبلوغها ويبتعدن مرتعبات حين يلمسن الدرابزين. 

يعرف رواندي المنزل جيدًا؛ الأثاث الفاخر الذي يمنحك شعورًا بأنك ستلوثه إن تنفست بجواره، والحديقة بنباتاتها الغريبة، ومتاهة الغرف المتشابهة، لكنه لا يعرف ماذا حصل للبطل بعد أن رماه عدواه داخل المنزل وتبعاه. وكلما تذكر المزيد من تفاصيل الفيلم تصاعد الحسد بداخله تجاه بطل بأعداء يمتلكون الخيال الكافي للتفكير في رميه داخل منزل زجاجي لقتله. ابتسم لفكرته، وقبل أن تختفي ابتسامته من عينيه وجد نفسه ملقى على ظهره داخل المنزل. توقفت حركة السياح وصخبهم للحظة، ثم عادوا لالتقاط الصور بحماسة أكبر. 

جلس رواندي وابتسم للسياح الذين بدوا طافين في السماء، ثم حاول التواصل معهم فلم يحاول أحد فهمه. انتبه إلى أن صوته أعزل أمام إعصار الأصوات على السطح، فقرر البحث عن مخرج لاعنا قدرة الفيلم على إذابة الأرق. وقبل أن يتحرك انتابه إحساس بأنه سمكة ذهبية داخل وعاء زجاجي. 

تجوّل في المنزل؛ غرفة معيشة وحمام وغرفة نوم ثم غرفة معيشة أخرى ثم غرفتا نوم. فتش عما يمكن أن يكون بابًا خفيًا، لم يجده، فتوجه إلى الحديقة. 

ترتفع الحديقة عن الغرف بخمس درجات خشبية متهالكة قد تفقد توازنك إن فكرت فوقها بصخب. حين وصل رأسه إلى نهاية الدرج رأى رجلين في الحديقة، نزل بسرعة واختبأ، فالرجلان اللذان رآهما يرتديان ثياب عدوي بطل الفيلم. لمح نفسه في مرآة معلقة في نهاية الرواق؛ كانت ثيابه مبتلة بعرق خائف، ويبدو مرتعبا كأنه جرو أضاع والدته. تذكر أنه مراقب فسخر من نفسه وصعد ليخبر العاملين عن الورطة التي وقع فيها.

 ابتسما له وبدآ عملهما، يحمل الأول مطرقة ومسامير والآخر خشبتين تتفاوتان في الطول وحبلاً. فهم رواندي قصدهما فأشعل سيجارة وأخذ يفكر في أبيات قصيدة جديدة. ابتسم لنفسه ورمى عقب السيجارة على الأرض، وقبل أن يدوسه ليطفئه كان مطروحا على الأرض بضربة قوية. 

لقد أخطأ...

- أعتذر، لقد نسيت وحسب، أنا بالفعل أقدر النظافة يا رفيقيّ، سأنظف ما أفسدت.

لكنهما لم يسمحا له بذلك، فقد أمسكاه من كتفيه وجراه إلى الخلف. التفتَ فلمح صليبًا مغروسًا في التراب، ففقد قدرته على الحركة والكلام. ربطاه وتراجعا عدة خطوات إلى الوراء كما لو كانا رسامًا أنهى لوحة للتو، ابتسما ابتسامة خفيفة وأخرج كل منهما مسدسًا. لم يكونا قناصين بارعين فقط بل متوحشين كذلك، بحيث كانت الطلقة الأخيرة التي أصابت القلب هي الطلقة العشرون. 

بالطبع، كان السياح يراقبون المشهد معتقدين أنهم محظوظون كفاية ليشاهدوا تمثيلاً مباشرًا لنهاية الفيلم. لذلك، حين استقرت الطلقة الأخيرة في قلب الشاعر لم تكن الصرخات هي التي انطلقت، بل تصفيقات منتشية وصفيرًا سعيدًا. كان الأمر معتادا بالنسبة للشاعر، فقد شعر كما لو أنه يلقي قصيدة.