«الغابر الغامض»

كان الليل قد بلغ منتصفه، حين علت أرجاء المنزل صرخة مدوية أيقظت الجميع، فأوقدت القناديل، والوجهة واحدة هي مصدر الصوت عند الغرفة الصغيرة في قلب المنزل، كانت أمه جاثة على ركبتيها تنوح، وعلى جانب منها عمه يغالب دموعه، وفي أقصى الغرفة إمام الحي قد اقتعد له مكانًا بجوار السرير متمتمًا ببعض الآيات. 
مر أحمد بجانب أمه وعمه مشدوهًا في رحلة بحث عن مفقود، لم يكن حينها قد أطفأ شمعته الخامسة. حاولت أمه أن تمسك به وتأخذه في حضنها دون أن تستطيع مجاراة سرعة مروره. رأى على السرير جسدًا مسجى مغطى بإيزار أبيض.
«كيف لأبي ألا يكون أول المستيقظين على إيقاع تلك الصرخة التي هزت منزلنا؟ أهكذا أضناه العمل اليومي في معمل صناعة الأحذية الجلدية؟».
اختطفته في هذه اللحظة يد قوية، لم تكن إلا يد عمه، الذي حمله دون مقاومة تذكر، ووضعه في حضن أمه... علا النحيب في أرجاء الغرفة، وفجأة تخترق الجمع عمته السعدية فعانقت أمه دون أن تنتبها لاعتصاره بينهما كقطعة اللحم بين دفات الهمبورغر!
أعجب أحمد بهذه الكلمات، وخالها إحدى مرددات الأعراس، فحفظ الكلمات عن ظهر قلب، وأخذ مع إطلالة شمس اليوم يلقنها لبعض أقرانه... يمتعض تارة لحشرجة صوت صديقه فؤاد الذي كان يحرف اللحن، لقد تقمص دور المربية «خديجة» في الروض محركًا يديه كقائد الأوركسترا، في محاولة للحفاظ على اللحن.
بعد عصر ذاك اليوم كانت الدار قد غصت بالنسوة ووسطهن أمه متشحة بالبياض، وجموع الرجال مصطفة في الخارج... عمه يعانق بعضهم، ويجهش بالبكاء تارة، ثم يستقبل مكالمات هاتفية تارة أخرى، وفي لحظة توجه نحو زوجته وهمس في أذنها كلامًا سرعان ما نقلته للموجودات داخل المنزل، واللاتي سارعن لخلق مسار مؤد مباشرة نحو الغرفة.
توجه العم وبعض الرجال نحو الغرفة، وما هي إلا ثوانٍ حتى غادروها وعلى أكتافهم صندوق خشبي محفوف بغطاء أخضر مزركش بعبارات التوحيد لله عز وجل، وما أن بلغوا عتبة الدار حتى تسابق الواقفون في الخارج لحمل الصندوق، ثم اندفعت النسوة إلى الخارج وعلا صوت النحيب ليبلغ مداه.
«لا إله إلا الله محمد رسول الله» عبارة كان يردّدها المشيعون، وعلى جانب منهم كان أحمد يتسابق مع أصدقائه نحو أية تلة لتبين ما هو موجود داخل الصندوق. 
وصل الركب إلى باب المقبرة، ووضعوا الصندوق قبالتهم، واصطفوا جميعًا، ثم تقدم الإمام قائلاً: «الصلاة على الجنازة... جنازة رجل»، وفي ذات اللحظة كان أحمد يلاحظ كل مايقع والبسمة لا تغادر ثغره، لقد عجب لحال هؤلاء الناس الذين كبروا إيذانًا ببدء الصلاة ثم لم يركعوا أو يسجدوا كما كان يراهم يفعلون عندما كان يرافق والده لأداء صلاة الجمعة. 
ظل أحمد وأصحابه خارج سور المقبرة التي لطالما كان يهاب وُلوجها، لكن السؤال الوحيد الذي ظل يدور في ذهنه هو سبب غياب والده «لعله اشتغل بدوام يوم كامل»، هكذا كان يجيب نفسه ■