أرجوك أبي.. دَعني أتخيَّل

أرجوك أبي.. دَعني أتخيَّل

رسم: حلمي التوني

يحبُّ رامي الألعابَ الإلكترونيةَ كثيرًا، لذلك تجدهُ يمضي أغلبَ وقتِه أمامَ شاشة الكمبيوترِ المحمولِ ويده لا تبتعد عن لوحة المفاتيح التي عن طريقِها يتحكمُ في تفاصيلِ اللعبةِ التي يختارها ويفوزُ فيها دائمًا، لأنه وُلد ذكيٌّ جدًا، فتارةً يتخيلُ نفسَه بطلاً من الأبطالِ الأسطوريين الذين يحاربون الوحوشَ الشريرةَ المرعبةَ، وتارةً تجدهُ مفتش شرطة يحاربَ اللصوصَ ويطاردُ العصابات وأخرى تجده يدافعُ عن نفسِه في منزلٍ مهجورٍ ومليءٍ بالرعبِ والمفاجآتِ.

حُبُّ رامي لهذه الألعابِ غيّر سلوكَه، وأصبحَ قليلُ اللعبِ مع الأصدقاءِ والكلامِ والأكلِ، وتجدهُ في بعضِ الأوقاتِ يحرِّك أصابَعهُ في الهواءِ وكأنه يتحكمُّ في لوحةِ المفاتيحِ، ويتحدثُ مع نفسِه كثيرًا، فلقد اخترعَ في خيالِه لعبةً يلعبها حينما يكونُ بعيدًا عن جهازِهِ المحمول.

والدةُ رامي اشتكت لزوجِها من تصرفات ابنهما الغريبة: أنا قلقةٌ. لقد تغيّر ابننا منذ أن أهديناه الكمبيوتر المحمول؟ رد الزوج: أرى أن الألعاب الإلكترونية أثرت في تصرفاته، عندما يعود من المدرسة سأناقشه في هذا الأمر.

عاد رامي من المدرسة ودخل مبتسمًا: مساءُ الخيرِ . تجيب الأم: مساء الورد يا بني، تعال لقد أحضرت لك الكعكَ الذي تحبُّه. يرد رامي: شكرًا أمي. لستُ جائعًا وصعد إلى غرفتِهِ وكالعادة بدأ في تشغيلِ الكمبيوتر، كل هذا يحدث في حضور الأب الذي توقف عن قراءة الجريدة، مراقبًا تصرفات ابنه ووجهه الشاحب بسبب قلة الأكلِ والنومِ، وما هي إلا لحظات حتى صعد الأب إلى غرفةِ ابنه وقالَ لهُ: أرجوك يا ولدي أطفئ جهازَ الكمبيوتر، أريد التحدث إليك؟

رامي: ولكن أبي أنا مشغولٌ بلعبةٍ إلكترونية جديدة!

الأب: ستلعبها في ما بعد، عليك ارتداء ملابسك الرياضية واتبعني إلى الحديقة لنقوم ببعض التمارين.

ركض رامي وبدا في ركضه شاردًا، إنه يلعب لعبته الخيالية وبدأت أصابعه تتحرك في الهواء وكأنه يتحكم بلوحة المفاتيح ثم توقف فجأة . فقال له والده وهو ينظر بحيرةٍ إلى حالةِ ابنه، أرى أنك تعبت بعد قطعك مسافة صغيرة، أتدري لماذا بني العزيز؟ إن جسمنا يشبه إلى حدّ كبيرٍ الآلةَ وهي مؤلفةٌ من قطعٍ لكلِّ واحدةٍ منها دورها الخاص في التشغيل، لذلك نحافظ عليها بصيانتها وعند تعطّلها نأخذُها إلى المتخصصِ ليقومَ بتصليحِها، كذلك جسمُ الإنسانِ تجب المحافظةَ عليه قبلَ أن نُجبر على الذهابِ إلى الطبيب، لأن العقلَ السليمَ في الجسمِ السليمِ، ولأن جسمنا حتى يستوعبَ العلوم بحاجةٍ إلى الطاقةِ وإلى الراحةِ، إلى الرياضةِ وبكلِّ تأكيدٍ إلى العلمِ يا ولدي. الإنسانُ هو صانعُ الآلاتِ ليستفيَد منها مثلاً السياراتِ والشاحناتِ والقاطراتِ والطائرات كوسائلٍ للنقلِ، والجراراتِ والحصَّاداتِ لزراعةِ الأرضِ، والمحركاتِ الثابتةِ في المصانعِ كآلات النسيجِ لصنعِ الملابسِ وتكرير البترولِ لتزويدِ المحركاتِ بالوقودِ اللازمِ وغير ذلك، فتصوَّر يا بني أهميةَ العقلِ الإنساني وفوائد اختراعاته، وخاصة عندما يكونُ الجسمُ سليمًا، فهل أدركتَ يا بني المغزى من حوارِنا؟

رد رامي: شكرًا يا أبي على هذه المعلومات، وسأحاولَ أن أوزعَ وقتي بين الدراسةِ وأصدقائي.

الأب: ولكن ماذا ستفعل بلعبتِك الخياليةِ؟

رامي: سأحاول تصميمَ هذه اللعبةِ في الواقعِ. هل تساعدني في ذلك أبي؟ الأب: بكل تأكيدٍ يا بني وربما ستصبح مخترعًا لألعابٍ جديدةٍ.

 



قصة: ندى مهري