قدوتي العلمية

قدوتي العلمية

أمنيات تحت الشجر

أكثر العلماء الذين قدموا للبشرية خدمات جليلة كانوا من الفقراء.. الذين قهروا الفقر, والمجهول معا.

ومن هؤلاء.. مايكل فاراداي.

استقر (جيمس فاراداي) الحداد وزوجته في لندن, وعندما ولد الابن (مايكل) في 22 سبتمبر 1791, كان المرض قد تملك من الحداد (جيمس) وتوقف عن العمل, فاشتدت حاجة الأسرة, وقرص الجوع بطون أفرادها, وهكذا كانت طفولة (مايكل) قاسية.

ذات يوم نمت إحدى الأشجار, وقال مايكل الصغير:

أيتها الشجرة كنت ذات يوم شجيرة صغيرة, تهزك الريح, واليوم انت تحمين الناس من الرياح.

وقرر أن يصبح مثل الشجرة, قويا بجذوره, يشب إلى أعلى مهما كانت المصاعب, وصار الحلم يلازمه, وسعى إلى أن يحققه, لذا لم يتأخر عن العمل في أي وظيفة بسيطة.

وصار (مايكل) في صغره أمهر بائع كتب في المدينة, كما أتقن طريقة جديدة لتجليد الكتب, وراح يردد كلامه:

ليس مهما أن أعمل في مهنة بسيطة, المهم أن أتفوق فيها.
واكتشف أن هناك أصدقاء يساعدونه في الكثير من أمور حياته, لذا امتلأ بيته بهؤلاء الأصدقاء الذين يقوم بتجليدهم, ويبيع منهم ويتاجر فيهم, انهم الكتب التي يحبها جدا.

واكتشف مايكل ان اكثر الكتب هي الأدبية, وأقل الكتب هي العلمية خاصة في الكيمياء والكهرباء.

وذات يوم, جاءه أحد العلماء لشراء كتاب مهم فرأى الصبي الصغير عاكفا على قراءة أحد كتب الكيمياء, واندهش العالم (ديفي) وسأله:

- أرى شيئا غريبا, فالصغار عادة لا يحبون الكيمياء.

رد (مايكل): اجمل ما في الكيمياء أن النتائج فيها مؤكدة.

وأدرك العالم ديفي انه أمام عقلية مختلفة, فطلب من الصغير حضور ندوة علمية أسبوعية يحضرها عشاق الكيمياء, وفي نهاية الأسبوع كان اللقاء الأول مع هذا الجمع المتميز من علماء الكهرباء والكيمياء.

وفي المحاضرة اكتشف مايكل قيمة العلماء الحقيقية, وسعة ما لديهم من معرفة خاصة همفري ديفي الذي قرر مايكل أن يكون تلميذاً له.

وعكف الشاب على قراءة مؤلفات ديفي العلمية, وعرف أنه استخدم التحليل الكهربي في اكتشاف ستة عناصر, كأول عالم يوحد بين الكهرباء والكيمياء معا.

وكانت فرصة ذهبية للشاب مايكل فاراداي عندما طلب منه العالم ديفي أن يعمل سكرتيرا له عقب إصابته في عينيه أثناء إحدى التجارب.

وهكذا صار مايكل قريبا أكثر من اللازم من قدوته العلمية (ديفي).

واكشتف مايكل حقيقة مدهشة:

(كي تكون عظيما, حاول أن تعرف ماذا يفعل أساتذتك).

كان بقرب أستاذه في معمله, ويحاول تقليده, وعندما اكتشف ديفي عنصر اليود, قال العالم الكبير:

- لولا تزاوج الكهرباء والكيمياء ما ظهر عنصر اليود.

ويومها فكر الشاب طويلا وتساءل ترى هل اخترع العلماء كل العناصر, أم أن أمامه فرصة ليكتشف أشياء جديدة مدهشة?

وطرح السؤال على أستاذه فرد عليه بكل بساطة:

- مادام هناك مجهول فهناك أمل لاختراقه.

لم يكن مايكل قد بدأ في ممارسة العلم بيده, فكل ما كان يعرفه كان عن طريق القراءة والملاحظة, فقرر أن يدخل المعمل, وتحركت الأحداث بسرعة, وذاع صيته.

وبدأت الحياة تفتح ذراعيها للشاب الصغير, وقدم اختراعاته الجديدة للجمعية الملكية, وصار عضوا في الجمعية, واشتهر ببلاغته, فصار يقدم المحاضرات العلمية بأسلوب جذاب.

كان (فاراداي) قد توصل إلى وجود عدة أنواع من الكهرباء, الكهرباء المغناطيسية, والكهرباء الكيميائية, والكهرباء الحرارية, وهي التي تنتج من تسخين نقطة تلامس اثنين من الفلزات.

كان العالم (هويل) قد توصل إلى اكتشاف الأقطاب, القطب السالب للكهرباء, والقطب الموجب.

وبدأت تجارب جديدة لمايكل, واكتشف أن كمية المادة الكيميائية التي تترسب على القطب السالب, تتناسب مع مقدار الكهرباء التي تمر عند ذلك القطب.

يا له من اكتشاف, عرف باسم القانون الأول في الكيمياء الكهربية, او قانون فاراداي ثم صار عليه اكتشاف القانون الثاني, وراح يجري التجربة تلو الأخرى.

وبعد عدة أشهر طلع على الجمعية الملكية في محاضرة بليغة, قال فيها:

- أيها السادة العلماء الأجلاء, الآن إليكم القانون الثاني في الكيمياء.

وراح يثبت أنه عند تحليل الماء كهربيا, نجد أن جراما واحدا من غار الهيدروجين ينتج مقابل ثمانية جرامات من غاز الأوكسجين.

وظهرت نظرية الاتحاد, فكي يتكون جرام واحد من الماء السائل فلا بد أن يتحد الهيدروجين (غاز) مع الأوكسجين (غاز) بنسبة 1 : 8.

وعن طريق قانون (فاراداي) أمكن التوصل إلى أن السوائل موصل جيد للكهرباء.. وأن الكهرباء تساعد في تحليل المواد إلى عناصرها الأولى.

ذاعت شهرة (مايكل فاراداي) في كل أنحاء أوربا.

وقالت عنه إحدى الصحف: عصامي قهر المجهول.

فالكهرباء شيء غير ملموس, لكن مايكل استطاع أن يجعل البشر يعرفون خصائصها, كأنهم يرونها بأعينهم.

وكان مايكل فاراداي أول من مزج الكهرباء بالمغناطيسية, فعرف الناس ماذا تعني الكهرومغناطيسية لأول مرة. حيث أثبت أن انسياب الكهرباء في جسم ما يولد المغناطيسية, وبالعكس, فإن المغناطيسية لديها قدرة على توليد الكهرباء

وفتح مايكل فاراداي الباب لتلاميذه كي يقدموا اكتشافات عظيمة, أفادت البشرية فمثلما كان همفري ديفي قدوة له, تعلم منه وفتح أمامه أبواب البحث, وآفاق التدريس, فإن العالم طومسون الذي كان تلميذا نجيبا لمايكل, قد استفاد مما قدمه استاذه, واكتشف أن أصغر وحدة في الذرة هي الإلكترون, عندما درس التفريغ الكهربي خلال الغازات عند الضغط المنخفض عام 1897.

كان طومسون في الحاديــة عشرة من عمره, وكان أصغر التلاميـــذ الذين جاءوا إلى مقبرة العظماء البسطاء عند وفاة مايكل في أغسطس 1867 وراح يردد لنفسه:

لا أعرف... لماذا طلب أن يدفن تحت هذه الشجرة.

لم يعرف أنها نفس الشجرة التي وقف تحتها يوما يناجيها, وقد صارت أكثر ضخامة وسوف تكبر وتردد: بين جذوري ينام عالم عظيم.

 


 

محمود قاسم