بيتنا الأرض.. د. محمد المخزنجي

بيتنا الأرض.. د. محمد المخزنجي
        

التروتة تحكي الحدوتة

          أنا سمكة «تروتة». واحدة من الأسماك التي أثارت ضجة في العالم عندما التقط لها أحد الهواة صورًا نادرة وهي تطير في الهواء هاربة من بركة في مزرعة سمكية بمقاطعة هامبشاير الإنجليزية.. تطير ثم تدخل في أنبوب ضيق لا يزيد قطره على 20 سنتيمترا تتدفق منه المياه النقية إلى البركة. لقد أطلقت الصحافة ووكالات الأنباء على هذه العملية «الهروب العظيم لأسماك التروتة». وكان سبب التسمية - في رأي من أطلقوها - أننا قفزنا في الهواء أضعاف أضعاف طولنا ونجحنا في العبور من فوهة الأنبوب الضيق ثم سبحنا ضد التيار حتى خرجنا من الأنبوب إلى مياه النهر المجاور. طبعا هي مخاطرة ومغامرة كبيرة. لكن الكثيرين لا يعرفون أننا أبناء عم أسماك السالمون الشهيرة برحلتها العظيمة عبر البحار والمحيطات لتصل إلى مسقط رأسها في الأنهار حيث تضع بيضها ليفرخ في الأماكن نفسها التي خرج منها إلى النور آباؤهم وأجدادهم. صحيح أننا نسينا كثيرا قدرتنا على القفز في الهواء فوق الأمواج العاتية والسباحة ضد التيار كما يفعل أبناء عمنا. لكننا في مواجهة الخطر وجدنا أنفسنا نتذكر هذه القدرات ونقفز في الهواء ونسبح ضد تيار الماء المتدفق في الأنبوب الضيق. طبعا انبرى العلماء والخبراء في تفسير سر هروبنا «العظيم» والمخاطرة التي اندفعنا إليها. ووصل بعضهم إلى الحقيقة لكنها لم تكن كاملة. لهذا سأحكي سر هروبنا ومخاطرتنا كاملا ولكن باختصار لأن أمامي مهمات صعبة وعديدة في حياتي الجديدة بعد وصولي إلى النهر. لقد كانت أحوالنا في البركة تسوء وتسوء دون أن يعبأ أصحاب المزرعة بذلك. فماداموا يخرجون أسماكا من مياهها ويبيعونها ويكسبون الكثير لا يهمهم مايحدث لنا. فمياه البركة المغلقة كانت تصير أقذر فأقذر ونحن أسماك لاتطيق القذارة بل جئنا من سلالة لا تسبح إلا في غدران ونهيرات رائقة جدا ونقية ويندر وجودها إلا في المرتفعات وبين الجبال. وإضافة للقذارة كنا نتعرض للخطف بمناقير طيور البلشون النهمة التي تهبط علينا من الجو، والنهش بأنياب ثعالب الماء المسعورة التي تتسلل إلينا عبر الماء. يعني قذارة وموت ورعب. لهذا فكرنا في الهرب من هذا الجحيم وطرنا نحو الأنبوب الذي تأتي منه المياه النقية. نجح كثيرون منا وفشل كثيرون، ومن نجحوا خاضوا تجربة شاقة في السباحة ضد تيار المياه المتدفق في الأنبوب. أخيرا وصلنا إلى النهر وكانت مياهه أفضل  من البركة القذرة لكنها ليست بالنقاوة التي حلمنا بها. كثير من التلوث أصاب النهر لكن مياهه الجارية لا تجعل القذارة تتراكم فيه بكثرة كما يحدث في البركة. ثم إن امتداد النهر وعمقه وجريان مياهه يجعل من الصعب على مناقير البلشون وأنياب ثعالب الماء أن تصطادنا. لهذا قفزنا في الهواء وسبحنا ضد التيار. صحيح أننا لم نحصل على حلمنا كاملا. لكنه أفضل مما كنا فيه. وهذه هي كل الحكاية.

 


 

محمد المخزنجي