رَحَلْتُ.. ورَأَيْتُ: اَلْيابانُ بَلَدُ الأَلْفِ جَزيرَةٍ! إعداد: العربي بنجلون

رَحَلْتُ.. ورَأَيْتُ: اَلْيابانُ بَلَدُ الأَلْفِ جَزيرَةٍ! إعداد: العربي بنجلون
        

رسوم: ماهر عبدالقادر

          ذاتَ يَوْمٍ مِنْ أيَّامِ الْخَريفِ الْعاصِفَةِ، صَنَعَ أَخي الصَّغيرُ طائرَةً مِنَ الْوَرَقِ الْمُقَوَّى، ورَسَمَ عَلَيْها وَجْهَ طِفْلَةٍ يابانِيَّةٍ جَميلَةٍ. ثُمَ حَرَّكَها يَمينًا وشِمالًا، فَوْقَ تَحْتَ، وأَطْلَقَ صَوْتًا مِنْ فَمِهِ، كَأَنَّهُ أَزيزُ طائرَةٍ حَقيقِيَّةٍ!

          في تِلْكَ اللَّحْظَةِ، هَبَّتْ عاصِفَةٌ قَوِيَّةٌ. ثُمَّ  انَفَلَتَ خَيْطُ الطَّائِرَةِ مِنْ بَيْنِ يَدَيْ أَخي، وحَلَّقَتْ في الْجَوِّ، فَاضْطَرَّ إلى أَنْ يَسْتَلْقِيَ على الأَرْضِ خائفًا!

          اِنْفَجَرْتُ ضاحِكًا، وأَنا أُشاهِدُ هَذا الْمَنْظَرَ الْمُثيرَ، ومِنْ مَكاني، رَأَيْـتُ الطَّائرَةَ الْوَرَقِيَّةُ تَكْبُرُ تَكْبُرُ، وجَناحَيْها يَتَمَدَّدانِ، ثُمَّ تَقْرُبُ شَيْئًا فَشَيْئًا، ووَجْهُ الطِّفْلَةِ تَظْهَرُ عَلَيْهِ بَسْمَةٌ رَقيقَةٌ.

          وصَعِدْتُها، فَوَضَعْتُ رِجْلًا على جَناحِها الأَيْمَنِ، ورِجْلًا على جَناحِها الأَيْسَرِ!.. ولَمَّا أَحَسَّتْ بِرَجْلَيَّ مُثَبَّتَتَيْنِ، حَلَّقَتْ بي رَوَيْدًا رُوَيْدًا، حَتَّى ظَنَنْتُها سَتَعودُ إلى الأرْضِ، لَكِنَّها انْطَلَقَتْ بِسُرْعَةٍ، تَعْبُرُ الْمَسافاتِ تِلْوَ الْمَسافاتِ، وتَخْتَرِقُ السُّحُبَ، وطُيورُ النَّوارِسِ تَنْظُرُ إِلَيَّ مُسْتَغْرِبَةً، ورُكَّابُ الطَّائراتِ الأُخْرى يُشيرونَ إلَيَّ بِأَيْديهِمْ مُتَعَجِّبينَ، كَأَنَّهُمْ يَتَساءَلونَ في نُفوسِهِمْ: كَيْفَ لِطائرَةٍ وَرَقِيَّةٍ تَحْمِلُ طِفْلًا، وتَسيرُ بِالطَّاقَةِ الْهَوائيَّةِ؟..ولَمَّا طالَ تَحْليقُها، الْتَفَتُّ إلى الطِّفْلَةِ أسْأَلُها:  أيْنَ تَتَّجِهُ بِنا هَذِهِ الطَّائِرَةُ؟!

          ولَشَدَّ ما فوجئت عِنْدَما أخْبَرَتْني بِأَنَّها تَقْصِدُ بَلَدًا بَعيدًا، يوجَدُ في شَرْقِ آسْيا، بَيْنَ الْمُحيطِ الْهادِي وبَحْرِ الْيابانِ، ويُسَمَّى بِـ(نِيُّونْ نِيهُونْ) أيْ مَشْرِقُ الشَّمْسِ!..ويَظْهَرُ أنَّ جَوابَها زادَني غُموضًا، فَقُلْتُ لَها:  لا يوجَدُ بَلَدٌ بِهَذا الاِسْمِ في الْعالَمِ كُلِّهِ!

          أجابَتْني باسِمَةً، كَأَنَّها تَدارَكَتْ شَيْئًا (فَهِمَتْهُ): حَقًاّ ما قُلْتَ، أخي!.. نَحْنُ نُناديهِ بِهَذا الاِسْمِ، لَكِنَّهُ مَعْروفٌ عِنْدَكُمْ بِـ(الْيابانِ) وعاصِمَتُها (طوكْيو)!

          قاطَعْتُها قائِلًا:  ومَنْ لا يَعْرِفُ الْيابانَ، بَلَدَ آلافِ الْجُزُرِ؟!

          أكَّدَتْ كَلامي: أجَلْ!..يَتَكَوَّنُ بَلَدي مِنْ ثَلاثَةِ آلافِ جَزيرَةٍ، وهُناكَ مَنْ يَذْكُرُ أرْبَعَةَ آلافٍ، تَمْتَدُّ على شَكْلِ قَوْسٍ، غَيْرَ أنَّ أرْبَعًَا مِنْها هِيَ أهَمُّها وأكْبَرُها، أسْرُدُها مِنَ الْجَنوبِ إلى الشَّمالِ: كيوشو، شيكوكو، هونْشو، هوكايْدو..هَلْ تُحِبُّ أنْ تَتَجَوَّلَ فيها؟

          ـ يا لَيْتَنا نَبْدَأُ مِنْ عاصِمَتِها طوكْيو!

          ـ لِيَكُنْ ما تُريدُ!

          أخْرَجَتْ مِنْ حَقيبَتِها الْيَدَوِيَّةِ هاتِفًا نَقَّالًا، وضَغَطَتْ على زِرٍّ، ولَمَّا رَنَّ أقْفَلَتْهُ، فَسَأَلْتُها في دَهْشَةٍ: ماذا فَعَلْتِ؟!

          رَدَّتْ عَلَيَّ بِهُدوءٍ: طَلَبْتُ مِنْ سَيَّارَتي أنْ تَأْتِيَ حالًا لِتَحْمِلَنا إلى الْعاصِمَةِ!

          اِسْتَغْرَبْتُ مِنْ رَدِّها، فَسَألْتُها ثانِيَةً: كَيْفَ تَأْتي السَّيَّارَةُ وَحْدِها؟!..أنا لَمْ أفْهَمْ ما تَقولينَ!

          اِبْتَسَمَتْ مُوَضِّحَةً: توجَدُ في الْيابانِ سَيَّاراتٌ ذَكِيَّةٌ، يُمْكِنُها أنْ تَحْضُـرَ إلى أيِّ مَكانٍ تَطْلُبُها فيهِ، بِإشارَةٍ مِنْ هاتِفِكَ. كما تَسوقُ نَفْسَها بِنَفْسِها إلى أيِّ مَكانٍ تَطْلُبُهُ مِنْها!

          ونَحْنُ كَذَلِكَ، إذْ بِالسَّيَّارَةِ تَتَوَقَّفُ أمامَنا، فَتَنْقُرُ الطِّفْلَةُ زِرًاّ آخَرَ لِيُفْتَحَ بابُها!..قالَتْ لي مُرَحِّبَةً:

          ـ تَفَضَّلْ!..مَرْحَبًا بِكَ في سَيَّارَتِنا الذَّكِيَّةِ!

          ـ شُكْرًا!.. وهَلْ هُناكَ أشْياءُ أُخْرى ذَكِيَّةٌ؟

          ـ أجَلْ!.. مَثَلًا (الثَّلاَّجَةُ) الَّتي بِمُجَرَّدِ ما تَفْرُغُ مِنَ الْخَضْرَاواتِ، تُرْسِلُ إشارَةً إلى الْخَضَّارِ (بائع الخضراوات) لِيَسُدَّ خَصاصَها (نَقْصَها). وهَكَذا بِالنِّسْبَةِ لِلَّحْمِ، وباقي الْمَوادِّ الْغِذائِيَّةِ. ولِنَفْرِضْ، أنَّني خَرَجْتُ مِنْ الْمَنْزِلِ، ونَسيتُ الْمِصْباحَ مُضاءً، فَإنَّني أُطْفِئُهُ بِالْهاتِفِ النَّقَّالِ مِنْ أيِّ مَكانٍ، ولَوْ كانَ بَعيدًا عَنْ مَنْزِلي!

          وانْطَلَقَتْ بِنا السَّيَّارَةُ في الشَّوارِعِ الْمُزْدَحِمَةِ بِالْمارِّينَ والسَّيَّاراتِ، والْمَليئَةِ بِالْبِناياتِ الْعِمْلاقَةِ!.. سَألْتُها مُتَعَجِّبًا: كَيْفَ تََبْنونَ هَذِهِ الْعِماراتِ عالِيَةً، مُكَوَّنَةً مِنْ  عَشَراتِ الطَّوابِقِ، تَسْكُنُها مِئاتُ الأُسَرِ، وأنْتُمْ  تَعْرِفونَ أنَّ  بَلَدَكُمْ تَضْرِبُهُ كُلَّ سَنَةٍ الزَّلازِلُ، وتَثورُ عَلَيْهِ الْبَراكينُ، وتُصيبُهُ الْفَياضاناتُ والْعَواصِفُ والإعْصاراتُ، كالتْسونامي (أمْواجٌ هائِجَةٌ)؟!

          أَطْرَقَتْ تُفَكِّرُ، ثُمَّ هَزَّتْ رَأْسَها: حَقًاّ ما قُلْتَ!..لَكِنَّ كُلَّ ذَلِكَ جَعَلَنا نُفَكِّرُ في مُقاوَمَةِ الْكَوارِثِ الطَّبيعِيَّةِ، لأنَّ (الْحاجَةَ أُمُّ الاِخْتِراعِ) فَصَمَّمْنا مَبانِيَ لِصَدِّ الزَّلازِلِ الْعَنيفَةِ، وكُلِّ الأَخْطارِ.

          سِرْنا نَتَجَوَّلُ في (طوكْيو) وهِيَ عاصِمَةُ الْيابانِ مُنْذُ 1868 تَشْتَهِرُ بِصِناعاتِها وثَقافَاتِها، وتَجْمَعُ بَيْنَ الشَّرْقِ والْغَرْبِ، والْقَديـمِ والْجَديدِ. وسُكَّانُها نَشيطونَ، يُشَبَّهونَ بِـ(خَلِيَّةِ النَّحْلِ) لأَنَّهُمْ لا يُضَيِّعونَ ساعَةً في اللَّهْوِ. كما يُشَبِّهونَ شَبَكَةَ مُواصَلاتِها بِـ(خُيوطِ الْعَنْكَبوتِ) لأَنَّ الْقِطاراتِ توجَدُ فَوْقَ الأَرْضِ وتَحْتَها، وتَسيرُ بِسُرْعَةِ الْبَرْقِ. والْعَديدُ مِنَ الْعِماراتِ الشَّاهِقَةِ، تَوجَدُ على سُطوحِها مُدَرَّجاتٌ لِلْحَوَّاماتِ (أماكِنُ الطَّائِراتِ الْمِرْوَحِيَّةِ) تُسْتَعْمَلُ لِتَسْهيلِ التَّنَقُّلِ، بَدَلَ الْحافِلَةِ وسَيَّارَةِ الأُجْرَةِ. ومِنَ الأَماكِنِ التَّرْفيهِيَّةِ الَّتي مازالَتْ ماثِلَةً بَيْنَ عَيْنَيَّ، مَدينَةُ الأَلْعابِ (ديزْني لانْدْ)..شاهَدْتُ فيها قَصْرَ صَديقَتِنا (سَنْدْريلاَّ) تُحيطُ بِهِ الزُّهورُ والوَرْد. ورَكِبْـتُ قِطارًا جالَ بِي كُلَّ أَجْنِحَةِ الْمَدينَةِ، فَرَأَيْتُ نَهْرٍ صَغيرٍ فيهِ قارِبٌ نَقَلَني إلى مَغارَةٍ، تَسْكُنُها الدَّناصيرُ  الآلِيَّةُ، وباقي الْحَيَواناتِ الْغَريبَةِ. وحَديقَةٍ مُزَيَّنَةٍ بِأَزْهارٍ مُتَنَوِّعَةٍ، تُؤُلِّفُ حَيَواناتٍ أليفَةً، ودُمًى مَحْبوبَةً عِنْدَ كُلِّ الأَطْفالِ!

          الآنَ، تَأَكَّدْتُ بِنَفْسي أنَّ الْيابانَ لَيْسَتْ  مَبانِيَ وطُرُقًا وصِناعاتٍ مُتَنَوِّعَةً فَقَطُّ، كما كُنْتُ أظُنُّ قَبْلَ زِيارَتِها!..لالا!..إنَّ ثَمانينَ في الْمِائةِ مِنْ أراضيها سُهولٌ  زِراعِيَّةٌ، وجِبالٌ عالِيَةٌ، وأنْهارٌ جارِيَةٌ، وعُيونٌ مَعْدِنِيَّةٌ، وغاباتٌ غَنِيَّةٌ، وثَرَواتٌ بَحْرِيَّةٌ. وأيْنَما تُوَلِّ وَجْهَكَ، فَثَمَّةَ حَديقَةٌ، كَـ(دينو) و(حَديقَةِ الزُّهورِ) و(حَيَوانِ دوسيتْ) و(سْفاري وورْدْ) ويَعْني هَذا الاسْمُ (الْحَيَوانَ حُرًاّ، والزَّائِرَ أسيرًا) و(حَديقَةِ الْفَراشِ).. ولا تَنْسَوْا الْمَعابِدَ والْمَتاحِفَ وحَدائِقَ الألْعابِ. ولَعَلَّ الْبَعْضَ سَيَسْأَلُني: وماذا يَسْتَفيدُ الْيابانِيُّونَ مِنْ حَدائِقِ النَّباتاتِ والْحَيَواناتِ والأَلْعابِ؟!..وأنا سَأُجيبُكُمْ بِما شاهَدْتُهُ: لَوْلا تِلْكَ الْعِنايَةُ بِالطَّبيعَةِ واللَّعِبِ الْمُفيدِ، لَمَا كانوا عامِلينَ نَشِطينَ، ولَمَا تَفَتَّحَتْ عُقولُهُمْ لِيَبْتَكِروا آلاتٍ وأدَواتٍ، تَنْفَعُ الْبَشَرِيَّةَ جَمْعاءَ!..وعِنْدَما أَكْمَلْتُ زِيارَتي، قُلْتُ لِلطِّفْلَةِ الْيابانِيَّةِ: أنا كَذَلِكَ، سَأَعودُ إلى بَلَدي، لأُنْشِئَ حَدائِقَ وأعْتَنِيَ بِالْحَيَواناتِ، كما سَأَهْتَمُّ بِدُروسي وقِراءاتي لِلْكُتُبِ والْمَجَلاَّتِ، كَيْ يُصْبِحَ وَطَني، بَلَدًا مُتَقَدِّمًا!

          أجابَتْني بِوَجْهٍ بَشوشٍ (باسِمٍ): هذا ما أتَمَنَّاهُ، كَيْ نَضَعَ يَدًا في يَدٍ، نُطَوِّرُ عالَمَنا!

          وأخْرَجْتُ الْوَرَقَةَ مِنْ جَيْبي، لَكِنْ، يا لَلأَسَفِ!..لَقَدْ وَجَدْتُها مُنْكَمِشَةً، لا تَسْتَطيعُ مُقاوَمَةَ الرِّيحِ!..قالَتْ لي الطِّفْلَةُ: صَبْرًا، أخي، لا تَقْلَقْ، لِكُلِّ مُشْكِلٍ حَلٌّ!..لَدَيَّ مَلَفُّ أوْراقِ الرُّسومِ!

          أخَذْتُ مِنْها وَرَقَةً، شاكِرًا لَها صَنيعَها الْجَميلَ، ثُمَّ ثَنَيْتُها، كما رَأَيْتُ أخي يَطْوي وَرَقَتَهُ، حَتَّى اسْتَوَتْ طائِرَةً. وبَعْدَ قَليلٍ، بَدَأَتْ تَتَمَدَّدُ يَمينًا وشِمالًا، ثُمَّ صَعِدْتُها بِخِفَّةٍ، فَحَلَّقَتْ بي عالِيًا، فيما كانَتِ الطِّفْلَةُ الْيابانِيَّةُ تُلَوِّحُ بِيَدَيْها، وتَقولُ لي:  لا تَنْسَ أنْ تَفِيَ بِوَعْدِكَ، فَتَعْتَنِيَ بِطَبيعَةِ بَلَدِكَ، وتَجِدَّ في دِراسَتِكَ، كَيْ يَتَقَدَّمَ عالَمُنا!

 



إعداد: العربي بنجلون