فهد العسكر وذكرى المولد النبوي الشريف

فهد العسكر وذكرى المولد النبوي الشريف
        

رسوم: محمد حجي

          في «سكة عنزة» بمدينة الكويت، ولد الشاعر فهد العسكر (واسمه بالكامل فهد بن صالح بن محمد بن عبدالله بن علي العسكر) وذلك عام 1917، وتوفي في 15 أغسطس 1951، عن عمر 34 عامًا.

          وهو يعد من الشعراء الرواد في الكويت. وقد قرأ دواوين كبار الشعراء العرب في سن مبكرة، وعشق القراءة والثقافة، وكان يتردد على مكتبة ابن رويح بالكويت ويستعير الكتب لينهل منها مقابل أجر زهيد، ومكَّنه ذلك من كتابة الشعر وهو لايزال شابًا يافعًا، وكان على صلة بشعراء الوطن العربي والجماعات الشعرية التي كانت موجودة في النصف الأول من القرن العشرين ومنها: جماعة أبولو، وجماعة المهجر، وجماعة الديوان، وهي جماعات شعرية اشتهرت في الوطن العربي وانضم إليها كبار الشعراء العرب، وتميزت عن بعضها البعض.

          ومن شعراء جماعة أبولو على سبيل المثال مؤسسها الشاعر أحمد زكي أبوشادي والشعراء أحمد شوقي وإبراهيم ناجي وعلي محمود طه، وغيرهم. أما جماعة الديوان فقد أسسها عباس محمود العقاد وإبراهيم المازني وعبدالرحمن شكري. أما جماعة المهجر فقد تكونت من الشعراء العرب الذين هاجروا إلى أمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية، ومعظمهم من شعراء سورية ولبنان وفلسطين (الشام) من أمثال جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وإيليا أبوماضي ونسيب عريضة وفوزي المعلوف ورشيد سليم الخوري وغيرهم.

          نشأ فهد العسكر في عائلة متدينة، وكان والده إمامَ مسجدٍ، ومدرسًا للقرآن الكريم، ودرس فهد في المدرسة المباركية في عام 1922 ولكنه لم يكمل تعليمه بها، واعتمد على القراءة الحرة والتثقيف الذاتي، خاصة أنه ورث عن والده ثروة ساعدته على العيش من دون وظيفة.

          مدح فهد العسكر، الملك عبدالعزيز آل سعود، بقصيدة قام الفنان عبداللطيف الكويتي بتلحينها وغنائها، ولما سمعها الملك طلب قدوم الشاعر إلى الرياض، فحلَّ ضيفًا على الملك الذي عينه كاتبًا لابنه محمد بن عبدالعـــزيز آل سعود، ولكن الوظيفة لم تحقق طموح الشاعرـ فاعتذر عنها، وطلب من ابن عمه عبدالله بن علي العسكر أن يتوسط له عند الملك لكي يرجع إلى الكويت، فاستجاب الملك لطلب الشاعر، ورجع فهد العسكر إلى وطنه الكويت.

          فقد الشاعر بصره في أواخر أيامه، وعزف عن الحياة، لذا شبهه البعض بأبي العلاء المعري، رهين المحبسين (بصره وبيته الذي لزمه فلم يخرج منه إلا للضرروة).

          وإلى جانب فقدان بصره، فقد أصيب الشاعر بمرض الدرن، ونقل إلى المستشفى الأميري بالكويت، وفارقت روحه الحياة هناك.

          في فبراير عام 2001 قامت مؤسسة عبدالعزيز سعود البابطين للإبداع الشعري بإنشاء جائزة شعرية باسمه.

          وفي فبراير عام 2009 قررت وزارة المواصلات ـ بالاتفاق مع رابطة الأدباء بالكويت، تكريم عدد من الشعراء، وذلك بإصدار طوابع تذكارية تخليدًا لذكراهم، وكان فهد العسكر واحدًا من هؤلاء المكرمين. وكان الشاعر قد فاز بالمركز الثاني في المسابقة الشعرية التي نظمتها إذاعة لندن عام 1945.

          ولأنه من أهم شعراء الكويت وأدبائها، وربما في الجزيرة العربية، فقد وثقت حياة الشاعر فهد العسكر في مسلسل بعنوان «فهد العسكر: الرحلة والرحيل» وكان ذلك عام 1979، وقدم هذا العمل باللغة العربية الفصحى، وقد أعده ووضع السيناريو والحوار مصطفى بهجت، وأخرجه كاظم القلاف، وقد مثل دور فهد العسكر عندما كان صغيرًا بدر المسباح، وعلي البريكي عندما كان فهد العسكر شابًا، وعبد الرحمن الضويحي عندما كان ناضجًا.

          وقد قام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بالكويت في يناير عام 2003 بتكريم اسم الشاعر الراحل فهد العسكر، بأمسية تحمل عنوان «منارات ثقافية كويتية: فهد العسكر» شارك فيها عدد من الباحثين والدارسين لشعره منهم: عبدالمحسن الرشيد البدر، ونورية الرومي، وعبدالله الغزالي، وقد طبعت أبحاثهم في كتاب خاص.

          كتب فهد العسكر شعرًا كثيرًا، ولكن معظم قصائده تعرضت للحرق والتلف. وقد استطاع الباحث والأديب الكويتي الأستاذ عبدالله زكريا الأنصاري أن يجمع أشعاره المتبقية، ويصدر كتابًا عنه في عام 1956 بعنوان «فهد العسكر: حياته وشعره»، وقد طبع هذا الكتاب ثلاث مرات حتى الآن.

          كما قام الفنان المعروف شادي الخليج بغناء إحدى قصائد فهد العسكر الجميلة وهي قصيدة «كُفِّي الملام» التي يقول في مطلعها:

          كُفِّي الملامَ وعلِّلِيني
                                        فالشكُّ أوْدَى باليَقِينِ
          وتناهبتْ كبدي الشجونُ
                                        فمَنْ مُجِيرِي من شجُوني

          يقول الشاعر فهد العسكر في قصيدة بمناسبة المولد النبوي الشريف، وفيها يخاطب الإنسان المسلم (أخا الشوق) قائلا:

          بُشْرَاكَ ذا يومُ الولادةِ قد أتَى
                                        فَعَسَاهُ يوقظُ روحَكَ الوَسْنَانَا
          أو ما رأيتَ صفاءَهُ وبهاءَهُ
                                        وجلالَهُ وجمالَهُ الفتَّانَا؟
          قُمْ يَا أخَا الشوْقِ المُلِحِّ وحيّهِ
                                        وانثرْ عليه الوردَ والرَّيْحَانَا
          يا فجرَ يومِ ولادةِ الهادي أطَلَّ
                                        على النفُوس، وبدَّدَ الأشْجَانَا
          وابعثْ بهَا مَيْتَ العواطفِ واطْرُد
                                        اليأسَ المُمضَّ، وأَيْقظِ الإيْمَانَا
          بك أشرقَ المختارُ في رَأَدِ الضُّحَى
                                        شمسًا أنارَ سناؤهَا الأكوانَا
          إنِّي لألمح في جمالِكَ مَسْحَةً
                                        من حُسْنِهِ أغرتْ بكَ الوجدانَا

          ويأمل الشاعر أن توقظ ذكرى ميلاد المصطفى صلى الله عليه وسلم، الروح الوسنان (أي النائم أو النعسان غير المستغرق في نومه) أو غير المنتبه، والمعنى المراد هنا الإنسان غير المتمسك بدينه أو النائم عن دينه، ثم يمدح الشاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويصف يوم ميلاده بالصفاء والبهاء والجلال والجمال الفتان. فهو يوم بدد الأحزان، وأيقظ الإيمان في نفوس البشر، وفي رأد الضحى أي وقت ارتفاع الشمس، ليزداد الكون نورا على نوره الطبيعي.

          وهكذا كان ينظر الشاعر فهد العسكر إلى ذكرى المولد النبوي الشريف، الذي تهل علينا نسائمه هذه الأيام.

 



إعداد: أحمد فضل شبلول