عامُ الّلقاح وأملُ الانزياح

يستحق هذا العام، منذ يومه الأول، أن يلقّبَ بعام اللقاح وبداية النهاية للوباء الذي جثم على صدر العالم طوال العام الفائت، بانتشاره السريع وموجاته المتلاحقة. فقبل نهاية عام الوباء بقليل، لاحت في الأفق بوادر الانفراجة المنتظرة، متمثلةً في اعتماد اللقاحات الكفيلة بكبح جماح فيروس كورونا ووقف انتشاره، كما انطلقت في أكثر من دولة بالعالم حملات التطعيم لتحقيق هدف المناعة المجتمعية بأسرع وقت، تمهيداً لرفع المتاريس أمام عودة الحياة الطبيعية.  ومثلما دخل العالم في جدل حقيقة وجود الوباء، تجدّد الجدل حول فاعلية اللقاحات وأبعاد المؤامرة الكونية التي تُحاك لفرضها على الناس!

في غمرة التفاؤل بقرب زوال الغمّة، أبت الجائحة إلّا أن تُذهلنا بواحدة من تداعياتها المُربكة، وهي ظهور الفيروس المتحور المشتق من الفيروس الأمّ، ولكن بانتشار أسرع وخُبث أعمق!! وكأنها - أي تلك الجائحة - أدمنت البقاء في موقع الخبر الأول والحدث الأهم في جميع نشرات الأخبار. تلك كانت هي خاتمة عام الجائحة وبداية عام اللقاح وأمل الانزياح.

 المناعة المجتمعية من الأوهام
أن يكون هناك جدل وخلاف حول أبسط الأمور، فهذا ليس بالأمر الجديد في حياة الناس، لكن عندما يواجه العالمُ بأسره جائحة بحجم جائحة كورونا، ويدخل بعض رؤساء الدول والحكومات ومسؤولين وأطباء ومشاهير طرفًا في حقيقة وجود الوباء الذي كان غامضًا في أوّله، وشرسًا في أوسطه، ومتحوراً في آخره، تكون لمثل ذلك الجدل آثار مدمرة على حياة الناس، بسبب التهاون في تطبيق الإجراءات الكفيلة بالحدّ من انتشار الوباء والتعامل معه، على اعتبار أنه مجرّد أنفلونزا بسيطة، كما قال رئيس البرازيل، وكانت النتائج مأساوية في بلاده وفي أمريكا الجنوبية بشكل عام.
إن الناس، ومن دون التعرّض لخطر الإصابة بفيروس كورونا، عاشت في قلق التعامل مع وباء مجهول الأبعاد وطرق التعايش معه، وعندما برزت الكمامة ومعقّمات اليدين ضمن الوسائل الفعالة للوقاية، لم تتوافر بكميات كافية لمليارات البشر، وهو ما أدخلهم في دوامة الصراع للحصول عليها. ووسط هذه الحالة، تعرّض الناس لضغوط نفسيّة خلّفتها إجراءات الإغلاق التي طالت المدارس والجامعات ومختلف الأنشطة، وعلى الأخص الاقتصادية منها، مع الاضطرار إلى تسريح أعداد كبيرة من العمال والموظفين.
وبعد ارتفاع أرقام الإصابات والوفيات، ودخول الكثير من المنظومات الصحية مرحلة الخطر والانهيار، بدا العالم كأنه غرق في بحر اليأس، حتى أصبحت العودة إلى الحياة الطبيعية أشبه بالحلم، وخصوصًا أن الجهود الطبية ظلّت محصورة في خيار الحصول على لقاح وليس دواء يقضي على المرض، وعندما لاحت في الأفق ملامح اللقاحات من عدة دول، ظهرت موجة ترفض أخذ اللقاح وتنسجُ للناس خيوط مؤامرات دولية وأوهام لا حصر لها، تتحدث عن حتميّة تبدُّل الحمض النووي لمن أخذ اللقاح، وقِصر مدة فاعليته، ووقوف بيل غيتس وراء كذبة «كورونا»!
في المقابل، انطلقت حملات رسمية وشعبية تحثّ على التطعيم، وتركّز على توصيل مجموعة من الأفكار الرئيسة، مثل أن التطعيم يجب أن يشمل الجميع، لضمان تحقيق المناعة المجتمعية داخل كل دولة، وصولًا إلى المناعة العالمية، والفكرة الثانية هي أن التطعيم هو الوسيلة الوحيدة والأسرع للعودة إلى الحياة الطبيعية.

 البقاء في البيت
على قدر خطورة وباء فيروس كورونا المستجد وانتشاره، تأتي الأخبار المغلوطة والمختلقة على القدر نفسه من الانتشار والضرر، بفضل وسائط التواصل الاجتماعي، ومن العوامل الرئيسة التي زادت من قلق الناس وانتشار الإشاعات والمعلومات المغلوطة فيما بينهم، بقاؤهم في المنزل فترات طويلة رغمًا عنهم، ومادام الشعار الذي انتشر على مستوى العالم يدور حول «البقاء في البيت»، فمن الطبيعي جدًا أن يجد الكثيرون وقتًا أطول لاستعمال هواتفهم الذكية ومشاهدة التلفزيون، بحثًا عن التسلية والأخبار، وتمضية الوقت بأيّ شكل من الأشكال.

تحدّيات وقرارات صعبة
 يقف العالم الآن على أعتاب مرحلة جديدة عنوانها الخلاص من وباء كورونا المستجد، وكلّ القيود التي فُرضت بسببه، وبعد أن طرحت العديد من اللقاحات للاستخدام، بعد حصولها على التراخيص المطلوبة، تثور تساؤلات مستحقة تحاكي تحديات المرحلة الجديدة، مثل سرعة وإمكانية توفير ملايين اللقاحات خلال مدة قصيرة، وأيّ اللقاحات أكثر أماناً وفعالية؟، وماذا عن عدالة التوزيع؟ وكيف ستحصل الدول الفقيرة على احتياجاتها من اللقاح؟ وما هي مستلزمات تخزينه؟
أما بالنسبة إلى السؤال الأول؛ فإن عامل الوقت يفرض نفسه كعامل ضغط على متّخذي القرار للتعجيل باتخاذ أصعب القرارات الكفيلة بعودة الحياة إلى طبيعتها، وإنعاش الاقتصاد بأسرع وقت ممكن، وذلك لن يتمّ إلّا من خلال وضع خطة شاملة للتطعيم وبرنامج زمني يبدأ بالتعاقدات على شراء الجرعات الكافية وخريطة توزيعها، وبمن تبدأ عملية التطعيم ومتى تنتهي، وحتى هذه اللحظة، برزت أسماء لقاحات، مثل فايزر وموديرنا وأسترازينيكا وسبوتنيك... إلخ، وجميع الشركات التي تنتجها أكدت استعدادها لتقديم ما يسدّ حاجة السوق من جرعات التطعيم، ما لم تواجه صعوبات لوجستية أو تعاقدية.

أفضلية من نوع آخر
في سوق المنافسة بين شركات أدوية عملاقة، يصعب الجزم بأفضلية هذا اللقاح عن ذلك، خصوصًا أن سباق التطعيم لا يزال في أوّله، لكن ما يمكن الجزم به هو أن نطاق التطعيم من وباء كورونا سيكون هو الأكبر في التاريخ، والنتائج التي ستظهر خلال الأشهر القادمة ستكون هي الفيصل في حسم الجدل حول الكثير من الأسئلة، وبصورة لا تستطيع أيّ شركة أو حكومة إخفاءها في زمن التوثيق الرقمي، ناهيك بالتأثير السّحري والمحفّز لكلّ من تلقّى اللقاح في محيطه، الذي سيعاين النتيجة من دون مؤثرات خارجية.
وتبرز بين اللقاحات المطروحة أفضليات لا علاقة لها بمدى فاعليتها، مثل السعر وطريقة الحفظ والنقل، وعلى سبيل المثال؛ لا يمكن تجاهل سهولة حفظ بعض اللقاحات، مثل أسترازينيكا واللقاح الصيني في ثلاجات عادية ما بين 2 و8 درجات، في حين يحفظ لقاح فايزر عند 70 درجة تحت الصفر، وهذا الفارق الشاسع في طريقة الحفظ سيدفع الدول غير القادرة على توفير حافظات من هذا النوع المتطور إلى اختيار اللقاح الذي يلائم الموجود لديها.
وتأتي في المرتبة الثانية أفضلية السعر بالنسبة إلى الدول الفقيرة ذات الكثافة العالية، لأنّها لا تستطيع هي أو مَن يعيش فيها شراء لقاح باهظ الثمن بالنسبة لها، حتى لو كان يباع بسعر التكلفة مثل أسترازينيكا، ومن هنا يبرز اللقاح الصيني حلًّا سحريًا للكثير من دول العالم الثالث الفقيرة التي تعيش في ظل واقع لا يمكن تجاوزه من وباء شديد الوطأة وإمكانات مادية شبه معدومة.
أما بالنسبة إلى موضوع عدالة توزيع اللقاحات، فمن المهم الإشارة إلى تعدد مفاهيمه ما بين عدالة بين الدول وعدالة في داخلها، لعدة أسباب تبدأ بالتفريق بين عدالة الشركات التي تضع تسعيرة مختلفة لكلّ «زبون»، وفق مصلحتها، وعدالة الحكومات التي ستكون مسؤولة عن توزيع اللقاحات على الجميع، من دون محسوبية أو تمييز، بكلّ ما تحمل تلك الكلمة من معانٍ.
ومن المتوقّع أن تبرز بعض السلبيات في طريقة توزيع اللقاحات، بسبب اهتمام كل دولة بأوضاعها الداخلية، لكن بعد أن ينجح الكثير منها، ولاسيما الدول المقتدرة، سيتم توزيع الفوائض من اللقاحات على الدول المحتاجة لتحقيق المناعة العالمية من الوباء.
وفي النهاية، تبرز أفضلية المدة الزمنية بين جرعات اللقاح كنوع محفّز للإقبال على نوع دون آخر، خصوصًا في الدول التي تفشّى فيها الوباء بأكثر من موجة، فلقاح أسترازينيكا يحتاج إلى ثلاثة أشهر بين الجرعتين الأولى والثانية، أما «فايزر» فلا تزيد المدة على ثلاثة أسابيع فقط بين الجرعتين، علمًا بأنّ اللقاحين متقاربان من ناحية الفاعلية في الحد من الإصابة بالفيروس.

التطعيم هو الحلّ
لقد أثبت العلم مجددًا قدرته على إنقاذ البشرية من وباء فتّاك، وجميع الخيارات العلمية والعملية للخلاص من جائحة كورونا محصورة في خيار يتيم لا أخ له، هو التطعيم، وذلك للخلاص من هذا الحبس العالمي والتباعد الجسدي الذي حرَمَ البشر من تفاعلهم الطبيعي المباشر، ومن حقّهم في ممارسة الأنشطة الجماعية واللقاءات العامرة بالحب والحنان والتعاضد ■

 

في سوق المنافسة بين شركات أدوية عملاقة، يصعب الجزم بأفضلية هذا اللقاح عن ذلك

 

جميع الخيارات العلمية والعملية للخلاص من جائحة كورونا محصورة في خيار يتيم لا أخ له، هو التطعيم