من شفشاون إلى تطوان على خطى السِّتِّ الحُرَّة: أشرف أبواليزيد

من شفشاون إلى تطوان على خطى السِّتِّ الحُرَّة: أشرف أبواليزيد
        

الصور: سليمان حيدر

          لا يأتي الزائرُ تاريخَ المغرب أو يتصفح مدُنَه إلا وتصادفه رائحة عطرة لنسائه اللائي صنعْن تاريخًا استثنائيا، ليس فقط بعلومهن وفنونهن، بل بقدرتهن على إدارة شئون بلادهن. ولعلنا - نحن المسافرين بين مدينتي المملكة المغربية الشماليتين؛ شفشاون وتطوان - نتعرف أكثر إلى امرأة ولدت في المدينة الأولى وحكمت المدينة الثانية، لكن التفاصيل عن الست الحرة تتداخل، لثراء العلاقة بين الإنسان والمكان، واتساع المسافة بين الواقع والخيال، حتى لتكاد سيرتها تتحول إلى أسطورة أكثر من كونها شخصية حقيقية مؤرخ لها، في المغرب العربي، وفي أوربا على حد سواء. يكفي أن تتصفح كتابا عنوانه «المرأة في تاريخ الغرب الإسلامي» للعلامة المغربي الدكتور عبدالهادي التازي لتدرك كم فاتنا نحن في الشرق العربي الكثير عن هؤلاء النسوة، اللائي كن حكيمات، وحاكمات، وعشن طبيبات للجسد، ومطربات للروح، وعُرفن كعالمات وموسيقيات، وعملن كسفيرات وكاتبات، ومنهن بالطبع شاعرات وفنانات.

          نحن على أعتاب نهاية القرن الخامس عشر الميلادي، في بيت الأمير علي بن موسى بن راشد، قائد مدينة شفشاون، ومخطط عمارة قصبتها. ترى النور عينا ابنة نجيبة، في غرة القرن العاشر الهجري، فيقدم لها أبوها حين تصبح صبية ما تقدمه بيوت النخب من فرص للعلم، فينتخب لها علماء المدينة وفقهاءها، يوسعون من مداركها ومعارفها؛ هي وشقيقها إبراهيم.

          أكان اسمها الحرة؟ أم أن اسمها كان عائشة كما تقول الوثائق الإسبانية، والبرتغالية، وأن «الحرة» لم يكن إلا لقبا! لعلي أجمع الاثنين، فقد كانت عائشة وستظل حية تعيش في التاريخ، وهي أيضا الحرة بما أنجزته في ملكها.

          يقول المؤرخ محمد داود إنها لقبت بالحرة تمييزا لها عن الإماء، لأن الناس في ذلك العصر كانوا يكثرون من التسري بالجواري، ويقول الباحث عبدالقادر العافية إن أبوي الست الحرة اهتديا إلى هذا الاسم تيمنا بملكة غرناطة الذائعة الصيت، ولكن علينا أن نواصل البحث.

          ومثل ابنتها، تتعدد تفسيرات اسم شفشاون، فهل اشتق اسمها من اللغة البربرية لتعني محال طالعة للجهاد، أم أنها مأخوذة من الشفشان بمعنى الاختلاط، أو محل نزول المجاهدين، أم تفسيرها يعود لاسم قبيلة كانت تسكن المنطقة قديما، ولعلي أتفق مع ما ذهب إليه أغلب المؤرخين في أن اسم شفشاون مركب من كلمتين؛ الأولى هي «شف» بمعنى: انظر، والثانية «إشاون» جمع كلمة «اش» الأمازيغية التي تعني «القرن»، وتطلق في العادة على قمة جبل حادة، أي انظر إلى قمم الجبال.

          أي أن شفشاون، كما يحكي الأديب والتشكيلي المغربي محمد أبو عسل، تحمل اسما اختاره لها الأمازيغيون. قبل أن يخطط الأمير علي عمارتها الجديدة كانت لها عمارة أخرى، ويقال إنه سأل عن المدينة فقيل له إن فيها رجلا عابدا، ثم سأل عن اسمه، فقال له أهل البلد: إنه الولي الصالح «سيدي بوخنشة».

          شاور الأمير العابدَ في الدخول إلى المدينة ليسكنها: فسمح له بالدخول، ولو لم يأذن له لما دخل، دخل الأمير علي بن راشد شفشاون وسكنها هو ومن كان معه من العساكر وأهل مشورته، واجتمعت عليه القبائل، وهناك أدارت إمارة الرواشد شئون نفسها دون الاعتماد على مركزية الدولة في فاس، وكان هناك اتصال وطيد وتعاون حربي مع الأمير محمد الشيخ الذي التجأ إليه ليدعمه أثناء الدفاع وصد الهجوم البرتغالي القريب من الشواطئ الشمالية، وهناك كوَّنت إمارة بني راشد، ولواء مرتين، ولواء ترغة، صفا واحدًا من أجل رد البرتغاليين على أعقابهم.

قصبة شفشاون

          نصعد قصبة شفشاون، مع الأديبين الدكتور شرف الدين ماجدولين، وعبدالرحيم العلام، وزميلي المصور سليمان حيدر، مارين بالسوق التقليدية، حيث توقفنا لأتمكن من شراء ما أحب أن أحتفظ به دائمًا: الموسيقى التقليدية للأماكن التي أزورها. لقد أعد ماجدولين ذكريات الأديب الفنان محمد أبو عسل في كتاب «ذاكرة مدينة، شفشاون: وقائع ومرويات»، عرَضَ لطرفٍ من سيرة موسيقى شفشاون، ومنها الطقطوقة الجبلية، التي تعتمد على أدوات تقليدية هي الكمان والكمبري والطبل والدربوكة والطار.

          سنمر صعودًا بالمكان الذي يستضيف الموسيقى الصوفية سنويا، في منطقة تعددت فيها الأجواق (جمع جوقة)، وألف لموسيقاها الشيوخ قصائدهم بالزجل الشعبي المحلي، وكان يظهر مع العازفين والمنشدين (الزفان)، أي الراقص، (وربما اشتقت الكلمة من لفظة الزفة)، وفي البادية لا يمكن أن تمر أعراس أو أفراح إلا بأجواق العيطة الجبلية، وهذا بالمقابل معادل موضوعي لاستقدام الغناء الأندلسي في المدينة لإحياء الأفراح.

          كانت هذه الطقاطيق تحضر دائمًا في كل المواسم التي تقيمها القبائل في المقامات، سنرى في متحف يحمل اسم الست الحرة تاريخ وصور هذه المقامات وحجاجها، مدد ياسيدي عبدالسلام بن مشيش، مدد ياسيدي يلصوت، مدد ياسيدي بن سعادة، ومدد ياسيدي أحمد العالم.

          بضاحية المدينة بجبل العلم أو جبل قبيلة ابن عروس مرقد سيدي عبدالسلام بن مشيش (توفي 622 هـ/1224ميلادية) وهو شيخ الإمام أبي الحسن الشاذلي (توفي 656 هجرية /1258 ميلادية) الذّي امتدّت مدرسته شرقًا وغربًا ثمّة هناك مجالس للإنشاد والسّماع الصوفيين. وقد مرّ بذاك الجبل رجال علم وصلاح وحفظة للذّكر الحكيم والسّنن النبويّة، كما رابط به - كما يقول صديقي الباحث التونسي في تاريخ التصوف محمد الكحلاوي -  رجال بررة يذكرون اسم الجلالة، ويكثرون من الصّلاة على النبيّ المصطفى، عليه أفضل صلاة وأذكى سلام، ويحسنون لعابري السّبيل، ويكرمون ضيافتهم ويُوقونهم  من أخطار الطّريق وأهواله. إنها الظّاهرة وجدت في الأندلس وشمال بلاد إفريقيّة من قبل.

          في الطريق عبر الدرب الجبلي الذي يشبه شرايين شجرة شاهقة البياض تزينها زهرات اللون الأزرق للأبواب والنوافذ في البيوت، نلمح أن بعض هذه البيوت تحول مثلا إلى مؤسسة للتعليم الأولي، أو فنادق لإقامة السياح، ونلحظ كيف ينشر أهل شفشاون الملابس يجففونها بجانب سجاجيد فرو الغنم يشمسونها، نرى كيف يوفر البعض أسبلة للعابرين، لإطفاء الظمأ، ونمر بصحون الأطباق التي تلتقط القنوات الفضائية، نرقب حياة كاملة في الجبل، تحسبه نائما، فإذا نبضه حي، ولكنه مسالم مثل قط أليف.

عيون ماء شفشاون

          من موقعنا، نستطيع أن نرى كيف تحيط مدينة شفشاون جبال تطرزها غابات أشجار الفلين والأرز والشوح. يستفيد سكان البادية من هبة الخالق في أرضه، مثلما ترعى دوابهم وقطعانهم في حزام أخضر من الطمأنينة والعشب.

          يعتدي البعض أحيانًا على بقايا الأخشاب اليابسة التي أهلكتها الرياح العاتية أو الأمطار الطوفانية، ولكن الغابة مثل العنقاء تنهض من أرحامها أشجار جديدة. تمامًا مثل العين التي روتنا أعلى الجبل من مائها البارد. الكل يسجل لحظة وصوله إلى هناك، يضع الثمار لتبرد وتتطهر بفعل تيار الماء، ويضع الزجاجات لتملأها المياه، والشلال هادر يبرد الجو بصوته ورذاذه، حتى لو كنا في قلب جمر الصيف.

          عيون الماء في شفشاون كثيرة، كانت مصدر الحياة لأهلها قبل أن تأتي التكنولوجيا الآلية بالماء للبيوت، يحكون عن عين النفايس بحومة السويقة، وقد سميت كذلك لأن المرأة إذا وُلِد لها طفل تشرب من هذا الماء لأجل الشفاء، وعين باب العين الأصلية الكبرى، وكانت تحيط بها أرض واسعة بنى بها المعسكر الخليفي عند دخول الإسبان، وسميت عين بوخنشة. كما كانت هناك عين باب الحَمَّار، وتدعى - تصغيرًا وتدليلاً - باعوينة الحاج العسلاني، أحد أعلام الصوفية، وقيل إنه شرب منها فسميت باسمه، ولها اسم آخر يرتبط بالحاج القطراني صاحب أحد المقامات بالمدينة.

          أمام أشهر العيون، وقفنا على قمة المنتزه الوطني تلاسمطان، الذي يبلغ طوله 12 كيلومترا، ويوفر للتمشية فرصة التجول 12 ساعة متواصلة، بما يسمى المدار الجبلي غمارة، وضم دائرته شفشاون، مشكرالة، تسوكة، ساحة إسبانيا، باب تازة، قبل العودة مرة أخرى إلى شفشاون لتكتمل الدائرة. جلسنا حيث وضعت لافتة نادرة تقول: في فاتح محرم عام 1307 موافق 28 غشت سنة 1889 تشرف هذا المكان بجلوس جلالة السلطان الأعظم مولانا الحسن، فأصبح تذكارا ومزارا. وجدد هذا التذكار بمناسبة تشريف جلالة الملك الحسن الثاني لهذا المكان في 15 ربيع الثاني عام 1382 موافق 15 شتمبر سنة 1962.

          بعد أن ننزل، نمر بمشروع رائع، هو رصف أزقة المدينة العتيقة لتغطية مساحة 7 آلاف متر مربع تقوم به وكالة إنعاش  وتنمية الشمال، ضمن برنامج التنمية الحضرية لمدينة شفشاون.

حضرة الشفشاونيات

          نجلس في شرفة مقهى الفندق عند سفح  تلك المدينة الجبلية. تضع النادلة في مشغل الأسطوانات بسماعاته المجلجلة أغنياتٍ عربية، كنت أود أن أقول لها: لقد تركنا هذا الغناء وراءنا، نريد أن نستمع إلى الحضرة الشفشاوية!

          اكتفيت بشراء أسطوانات سماعية للحضرة، ويممت صوب الجبل مع ماجدولين والعلام وحيدر. لكن الحضرة التي افتقدناها في وطنها، جاءت إلينا، وتلك بعض من نفحات مدينة أصيلة، وموسمها الثقافي، التي استضافت حضرة الشفشاونيات في أمسية تاريخية. إن شفشاون تحافظ بإخلاص على التراث الحضروي النسائي، وتلقب منشداتها وعازفاتها بالفقيرات، فهناك فقيرات الزاوية الدرقاوية وفقيرات الزاوية الشقورية وفقيرات الشرفاء الريسونيين اللائي يقمن بإحياء المناسبات الدينية كعيد المولد النبوي الشريف. ومرة أخرى تعاود سيرة النساء تتواتر بقدرتهن على الحفاظ على الهوية، وكأنني في كل خطوة أتذكر ما أوحت به الست الحرة إلى بنات مسقط رأسها.

          بعد نزولنا - عبر درب آخر - وصلنا المتحف الإثنوغرافي بالقصبة التاريخية في ساحة «وطاء حمام»، التي بناها عام 1471 ميلادي والد السيدة الحرة الأمير علي بن راشد. كانت القصبة هي النواة الأولى للمدينة ومركز الحكم بها. المتحف نفسه بني في العام 1985ميلادي، وقوامه قاعتان أساسيتان، تضمان مجموعات متحفية وقطعا فنية تمثل رحلة خمسة قرون للثقافة الوليدة من رحم ثقافات تلاقحت جاء بعضها من الأرض الأم، فيما ورد البعض الآخر من الأندلس؛ بمسلميها ومسيحييها ويهودها، ممن استوطنوا المدينة وعمروها منذ نشأتها في الربع الأخير من القرن الخامس عشر. هنا أيضا تقام في إهاب التاريخ احتفالات ثقافية، ومنها في الصيف المهرجان الوطني للشعر المغربي الحديث، الذي يقام بتنظيم جمعية أصدقاء المعتمد (يقصد به المعتمد بن عباد، ملك أشبيلية في عصر ملوك الطوائف، وهو من بني عباد، ولد في باجة التي تقع في البرتغال حاليًا، وتوفي في أغمات قرب مراكش بالمغرب 431  - 488  هـ/ 1040 ـ 1095 ميلادي) ودعم من وزارة الثقافة.

مع الست الحرة إلى تطوان

          رأيت الصور في المتحف لنساء يرتدين أزياء تقليدية، كنت كمن يبحث عن وجه السيدة الحرة، هل هي تشبه هذه أم تلك، ربما لم يكن الوجه حاضرًا، ولكن معرض الأزياء يقدم صورة لخزانة ملابس الأميرة، ومجموعة الحلي ومجوهرات تقدم بعضا مما تكون قد ارتدت مثله، وقد كانت الفضة قوام معظم زينة المرأة.

          سنغادر شفشاون على خطى الست الحرة إلى تطوان؛ إذ أن الحرة ابنة الأمير حين بلغت سن الثامنة عشرة، وكعهد قائد عسكري يبحث عن دعم جبهته الداخلية بأواصر عائلية، يزوِّج الأمير ابنته لقائده المنظري الثاني، وهي مصاهرة قصد بها مساندة جبهة الجهاد ضد التدخل الأجنبي للثغور الشمالية.

          ولكن من هو المنظري؟ من القصص الموريسكية (الموريسكيون أو الموريسكوس بالقشتالية مسلمو الأندلس ممن تم تعميدهم قسرًا بمقتضى مرسوم ملكي مؤرّخ في 14 فبراير 1502 ميلادية) تبرز قصة «ابن سراج وشريفة الجميلة» بدلالاتها، وقيمها، وربما بجذور عائلة المنظري نفسه.

          اختلف النقاد في التعرف على شخصية مؤلف قصة ابن سراج، سواء كان مسيحيًا دفع له النبلاء مالا حتى يُظهر الموريسكيين بشكل طيب فيتعاطف معهم الناس وهكذا لا يتم طردهم من إسبانيا، أو أنه نفسه موريسكي أراد أن يدافع عن بني وطنه وأن يظهر إيجابياتهم ردًّا على وصف الأدبيات الإسبانية لصورة المسلمين السلبية.

          تحكي القصة كيف أن فتى مسلما من بني سراج كان في طريقه للقاء خطيبته «شريفة» الجميلة، يمر بمنطقة يسيطر عليها المسيحيون فيعترضه فرسانهم، ويصرع منهم ثلاثة، فيفر الرابع طلبا للنجدة من القائد نارباييث.

          يأتي القائد ويهزم الفارس المسلم الذي أنهكته المبارزات السابقة فيهزمه. يقول ابن سراج للقائد المسيحي إنه انتصر عليه، لا لتفوقه في القوة، ولكن لأن الله أراد أن يمنعه من رؤية محبوبته شريفة. وبعد حوار بينهما يطلق القائد سراحه لمدة ثلاثة أيام شريطة أن يعود بعدها إليه.

          بعد أن يلتقي ابن سراج بمحبوبته ويتزوجها، يعود معها إلى مكان القائد نارباييث، حيث ينتظره الأسْر. يعجب القائد المسيحي بوفاء المسلم فيطلق سراحه بلا فدية. ويتوجه الزوجان إلى بلدهما ويرسلان إلى القائد المسيحي هدية تتكون من أسلحة وجياد وعملات ذهبية. يقبل القائد المسيحي الأسلحة والجياد ويرد إليهما العملات الذهبية شاكرا، وهكذا تنشأ بين المسلم والمسيحي صداقة تدوم مدى الحياة.

          في كتاب: المنظرى الغرناطي مؤسس تطوان، الذي ترجمه ممدوح البستاوي يلخص الكاتب جمال عبدالرحمن فكرة المؤلف الإسباني عن عروس غرناطية تستوقفها مجموعة جنود إسبان مسيحيين وهى في طريقها لكى تزف إلى زوجها الفارس المسلم في المغرب. وقد تحلى القائد المسيحى بشيم الفرسان وأفرج عن العروس التى واصلت طريقها. اعتبارا من ذلك التاريخ نشأت علاقة ودية بين فارسين نبيلين، أحدهما مسيحى إسباني، والآخر مسلم غرناطى كان قد هاجر لتوه إلى المغرب.

          أما الفارس المسيحي فهو السيد إنييغو لوبيث دى ميندوثا، ماركيز مونديخار وكونت تينديا، والمسلم الغرناطى هو أبوالحسن علي المنظري، قائد قلعة بينيار الغرناطية الذى أسس أو أعاد تأسيس مدينة تطوان المغربية، والفتاة التي ظهرت في القصة الموريسكية إذن هي النموذج الأدبي لفاطمة خطيبة علي المنظري. وفي الكتاب نفسه تأتي سيرة الست الحرة كزوجة أخرى، ربما كانت بعد وفاة فاطمة، وربما كان المنظري قد هرم، فهو لم يعش بعد هذه الزيجة إلا سنوات.

          لكن علينا أن نؤيد تفسيرًا آخر، بأن زوج فاطمة المنظري الأول، ليس هو زوج الحرة، حيث تدلنا الوثائق على أنه كان بتطوان في أوائل القرن العاشر الهجري منظريان اثنان أولهما هو القائد الغرناطي الشهير أبو الحسن المنظري الذي جدد بناء تطوان وتولى الحكم بها في أواخر القرن التاسع الهجري، والآخر حفيده الذي تولى حكم تطوان من بعده، ولا شك أن الذي تزوج الست الحرة هو الحفيد لأن الجد توفي وهو شيخ كبير في حياة والدها.

          مَثّل انتقال «الحرة» إلى تطوان صفحة جديدة من كتاب الخلود فتحت لها، فقد كان المناخ الأندلسي المثقف الذي احتكت به امتدادًا للثقافة الرفيعة التي نشأت عليها. تنجب الحرة ابنة واحدة، لا يخبرنا عنها التاريخ شيئا سوى أنها تزوجت المنظري الثالث حفيد المنظري الأول الذي توفي سنة 946 هجرية.

          المنظري زوج الحرة، وكأي رجل وطني لم يكن راضيًا عن احتلال البرتغاليين لمدن الشمال المغربي المتاخمة، من طنجة، وأصيلة، إلى سبتة والقصر الصغير، وسواها. ولعل المحن التي ألمت بالبلاد، والمعارك التي شهدتها القوات المدافعة، كانت وراء نضج فكر الست الحرة، حتى نجزم أنها كانت مستشارة زوجها وناصحته في ما كان يجري من أمور الحرب والقيادة، فتمكنت أن تتولى شئون الحكم في فترات غيابه عن المدينة، مما اكسبها خبرة وتجربة كبيرتين.

بنت غرناطة

          في تطوان، ومدن الشمال المغربي؛ أعمِّها، تجد ذلك الحس الأندلسي يرافقك  أينما وليت وجهك، وأنَّى أرسلت خطاك. يدخل بنا الأديب عبدالرحيم العلام إلى متاهة مسقوفة، وكأننا حروف من كلمات فوق سطور من كتاب. علينا أن نعبر السوق والبيوت الأندلسية التي تتوسطها نافورات الفسيفساء، بدءًا من باب المقابر حتى باب الخروج إلى النهار. القيظ يهدأ، وتشتعل الحواس، نرتوي بماء من محل أول.

          أحسست أنني وسط متاهات بورخيس، تذكرت الحكايات الأسطورية، عن ذلك الصبي الذي يخشى التيه في الغابة، فأخذ يلقي قطع الخبز وراءه حتى يعود على هديها لدار الأمان، وبدأت أصور العلامات التي تصادفنا، لأسماء المحال والحارات التي نمر بها، فربما ضللنا الطريق فنعود بهدي الصور: فندق النجار، زنقة أحفير، سباط العدول، فّرَّان المسلس، الملاح البالي، سلوقية سيدي الصعيدي (هل جاء من مصر؟!!)، الشرشار، باب العقلة، إسقالة، ... وهكذا.

          العمارة الشبيهة بقصور الحمراء التي أنشأها التطوانيون لدى هجرتهم جعلتهم يلقبون المدينة «تطوان بنت غرناطة»، حتى أن حديقتهم الأشهر «رياض العشاق» تأسست في سنة 1923 ميلادية على الطراز المعماري لقصور الحمراء، بكهوفها الصخرية تجد على أبوابها أشجار العرعار، والشلال الصناعي الذي يسيل ماؤه نحو نافورة تتوزع حولها أقواس عمارية دقيقة، وتتوزع هنا وهناك كراسي أسمنتية مطرزة بالفسيفساء الخزفية (يسمونها محليا بالزليج، الذي يتميز بصغر حجمه، وتنوع رسومه أندلسية الأصل)، وتشم رائحة اللارنج، وتتناهى إلى سمعك طيور الكناري، ليكتمل المشهد الأندلسي، ولا يبقى إلا أن تسمع قصيدة لشاعري الأندلس الولادة بنت المستكفي وحبيبها ابن زيدون، وأنت تشرب الشاي بالنعناع، في فناجين خاصة. يتذكر الكبار مشاريب محلية كانوا يشربونها صغارًا، انظر إلى أسمائها تعرف جنات طعمها: الكوثر، الأطلس بطعم البرتقال، الفرات، الغزالة. تغير كل شيء، حتى اسم الحديقة (رياض العشاق) استبدل به اسم: حديقة مولاي رشيد.

أسوار القصبة

          نمر بالأسوار الشاهقة للقصبة التي تم بناؤها في العهد المريني خلال القرن الثالث عشر الميلادي، أما أسوار المدينة فبناها الأندلسيون الذين هاجروا إلى تطوان بنهاية القرن الخامس عشر. إنها الأسوار التي حصنتها الست الحرة لتحمي المدينة التاريخية ضد هجمات الإيبيريين. بنيت أسوار المدينة واتخذت أبوابها أسماء تبدلت أثناء عهد الحماية الإسبانية على المغرب (1912 - 1956 ميلادية)، ومن أسماء أبوابها اليوم «باب العقلة» و«باب المقابر».

          قبل أكثر من ثمانية قرون، حين بدأت هجرات الأندلسيين إلى تطوان، وشقيقتها شفشاون، وغيرهما من البقاع التي تحمل آثارهم، كان هؤلاء المهاجرون، من المسلمين، والإسبان المسيحيين،  واليهود، حرفيين، وعلماء، قضاة وفقهاء. أنَّى لك أن تعرف من أين جاءوا إلا إذا طالعت أبوابهم؟ إن حدوة حصان ستمثل إشارة أن سكان البيت قدِموا من أشبيلية، كما أن ثمرة رمان هي علامة الآتين من غرناطة.

          حين كنتُ في قرطبة رأيت أمام أبواب البيوت مشاحاتٍ صغيرة بها مقعدان، أو أكثر، مخصصة لضيوف يتسامرون بعيدا عن خصوصية البيت، وقد رأيت ذلك في تطوان، على شكل محل أو دار صغيرة، ملحقة بالبيت وهي أصلية وأثيرة عند الحرفيين، (مثلها كان في مدينة العرائش المغربية كذلك) لأنها الدار التي يجلس الحِرَفيُّ فيها للعمل نهارا، ويسهر للسمر ليلا مع الأصدقاء من رواد محله، للغناء، مرددين أغنيات تطوانية قديمة، على آلة عود لابد من وجودها بدار كل تطواني، قديمًا.

فنون تطوانية

          إذا لم يسهر التطوانيون في تلك الدار الصغيرة صيفًا، فهو موعد الربيع الذي سيذهب بهم إلى نهر المحنش الذي يسمى بوادي مرتيل، ذي الطبيعة الساحرة، وصور الزهور الآسرة برياحينها العطرة، خاصة حين يجلسون بالجهة المقابلة للنهر، في سفح جبل غرغيز، يغنون تحت الياسمينة، كأنها تلك الأغنية التي غناها المطرب المصري محمد منير في ألبومه طعم البيوت،: «تحت الياسمينة في الليل/ نسمة والورد محازيني/ الاغصان عليَّ تميل/ تمسح لي في دمعة عيني. تحت الياسمينة اتكيت (اتكأتُ)/ عدلت العود وغنيت/ وتناظر دمعي وبكيت/ فكرتك كيف كنت تجيني. جنينة مزينها النوَّار/ فاحت من ريحة الازهار/ فكرتك شعلت النار/ عملتله لهيبه في قليبي»، وهي أيضا أروع بصوت المطرب التونسي الهادي الجويني.

          والموسيقى تجري في عروق التطوانيين مجرى الدم، ومن أشهر أعلامهم الموسيقار مصطفى عائشة الرحماني الذي ولد في تطوان سنة 1944 ميلادية، وتفرغ للموسيقى دراسة وبحثا بعد إتمام دراسته الثانوية، بدءا من التحاقه بكونسرفتوار تطوان سنة 1957 ميلادية، دارسًا الموسيقى على أيدي أساتذة إسبان، إلى أن عين أستاذا لمادة الهارموني بالمعهد الموسيقي بتطوان سنة 1972 ميلادية، ومن أشهر أعماله الموسيقية التي أحصاها له تلميذه الموسيقار أحمد حبصاين: متتالية جبلية للبيانو عزفت وسجلت لأول مرة براديو كولونيا بألمانيا، بلاطيرو وأنا، فراشات بيضاء للبيانو عزفت لأول مرة بطنجة، لحظات حب على ضفاف الدارو للقيثارة عزفها لأول مرة القيثاريست حبصاين نفسه، الذي أشرف على عزفها في المبارة العالمية للقيثارة براديو فرنسا سنة 1981، وبأثينا، والأندلس ذكريات للقيثارة عزفت وسجلت لأول مرة باستديو سونيا ديسك بالدار البيضاء، واللقاء العالمي للقيثارة براديو فرنسا سنة 1986، وأديوس اسيكوبيا للقيثارة، وورقات ألبوم «ريما، بلادا، بريلوديو» للبيانو عزفت وسجلت لأول مرة من طرف أستاذه عازف البيانو رفاييل بريطو صولير 1972.

          كما قدمت متتالية الموسيقار مصطفى عائشة (قوس قزح) كولونيا، ألمانيا، وسيمفونية عاشوراء، وعطيل ودزدمونة، وملامح بسيكوسيمفونية، وبالي اختطاف بوسيرفينة، وأوبرا قنديشة وقدور، وعشق المعتمد (مونودراما للسوبرانو والأوركسترا بنص الإسباني سيرخيو ماسياس)، وعدد من الأعمال الموسيقية والغنائية والمؤلفات الأدبية الأخرى جعلته يحظى بوسام العرش حين أحيل إلى التقاعد سنة 2004 ميلادية من قبل الملك محمد السادس.

          ويبدو أن للفن مكانة خاصة في تطوان، ليس الفن الموسيقي وحده، وليست الأعلام المغربية والإسبانية وحسب، فقد عرفتُ أن الفنان التشكيلي حسين بيكار (مواليد 2 يناير 1913ميلادية، وكان أول طالب بمدرسة الفنون الجميلة العليا بالقاهرة بعد أن آلت تبعيتها إلى وزارة المعارف وتخرج فيها سنة 1933 ميلادية) تم انتدابه في عام 1939ميلادية للتدريس بالمعهد الخليفي بمدينة تطوان بالمملكة المغربية، التي كرمت بيكار بمنحه وسام الاعتزاز.

          وللفن التشكيلي أيضًا بتطوان هناك المعهد الوطني للفنون الجميلة وهو  مؤسسة عليا للتكوين في مجال الفنون التشكيلية، البصرية والتطبيقية تأسس سنة 1945 ميلادية كأول مدرسة بالمغرب مختصة في تدريس الفنون التشكيلية من رسم، ونحت، وصباغة، وحفر، تحت اسم المدرسة الوطنية للفنون الجميلة، دشن بنايتها سنة 1957 ميلادية الملك محمد الخامس، وقد صدر سنة 1994 ميلادية، قرار وزاري بتحويل المدرسة إلى معهد وطني يتم فيه قبول الطلبة الحاصلين على شهادة البكالوريا، وذلك في إطار سياسة وطنية شاملة لتفعيل التعليم الفني الجامعي، وتخريج أفواج من الفنانين المغاربة بمستوى التعليم العالي.

بين متحفين

          يطلق ناس تطوان على بساتينهم اسم «الغرسة»، ألا يغرسون ما بها؟! والغرسة تضم دارهم، مثل شمس في قلب المجرة، شعاعها غصون ياسمين هنا، وعنبر هناك، ولا أحكي لك عن  السوسن والحبق، الذي يطير من الأغنيات إلى البستان، خاصة في الربيع. الباب مغطى بالعريش، الذي يقي الواقف والسائل أمامه، والجالس على الرصيف تحته، من شعاع الشمس، في الصيف اللاهب الذي كنا فيه. النوافذ أصغر، للسبب نفسه.

          بُعيد الغرسة ومن أجمل نقاط الاهتمام بمدينة تطوان متحف الآثار، الذي أنشئ سنة 1939 ميلادية قرب «ساحة الفدان»، عند عناق المدينة القديمة بالحي الإسباني الجديد.

          يضم ذلك المتحف الأثري بقايا أركيولوجية وأثرية، ومعروضات نادرة، وحليا تقليدية من الأساور والخواتم والمرايا البرونزية، وزينة العظم، وعقود عجائن الزجاج، وحلقات الذهب.

          لكن متحفًا مفتوحًا غير بعيد من حدود المدينة كان يكشف أسرارا مفاجئة. كنا بصحبة جديدة للباحث المخضرم الدكتور محمد بن عبود الذي يرأس جمعية  تطاون أسمير للتنمية الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والرياضية، التي تأسست في 31 يناير 1995. والمهم في السياق كما يحدثنا بن عبود هو اهتمام الجمعية بتطوان الأمس واليوم والغد. فهي ترمم الدروب، وتدرس مستقبل المدينة، وتعالج مشكلات الحاضر المختلفة، ويقام برنامجها السنوي بعنوان تطوان الأبواب السبعة، لتكريم المساهمين في ثقافة المجتمع التطواني، وكذلك لمناقشة أمور حياتية كالاستثمارات وشبكة الطرق ومستقبل قطاعي الحرف والصناعة التقليدية. والتحضير لأنشطة مواسم، كشهر رمضان، الذي يشهد توزيع هدية رمضان على المحتاجين والمعوزين، وسهرة السماع الصوفي بتنسيق مع الطريقة البودشيشية.

          والطريف أيضًا قيام الجمعية بتأسيس مدرسة الشطرنج التي تستقبل الأطفال الصغار، لتعليمهم أبجديات هذه الرياضة الفكرية. لكن ما تُعنى به أكثر هو الوجه الحضاري للمدينة ضد ما يسوؤها من مشاهد احتلال الباعة المتجولين لأهم الشوارع والميادين، والبناء العشوائي، وتشويه معالم المدينة القديمة. ويتلخص برنامج إنقاذ المدينة في تنظيم التجارة بالمدينة، وتهيئة المقابر الإسلامية، وإنشاء مقبرة جديدة خارج المدينة، وتهيئة ساحة الغرسة الكبيرة، وتأسيس متحف المطامر بعد ترميم جزء منه، وإنشاء وكالة مستقلة لإنقاذ مدينة تطوان العتيقة وإنعاشها يكون دورها الإشراف على تنفيذ مشاريع التهيئة والترميم والتنسيق مع المؤسسات والجمعيات المحلية.

          ويعد الجانب الثقافي من ثوابت جمعية تطوان أسمير، ويناضل بن عبود ورفقته ضد تلاشي بعض معالم المدينة مثل فندق «درسة» وفضاء «الباشوية» الذي يمكن أن يوظف في المجال الثقافي نظرا لمعماره الأندلسي المغربي الجميل، والمسرح الوطني الذي يقال بأن يد الإصلاح ستمتد إليه ليلعب دوره الفني والتثقيفي. وفي ميدان النشر والتأليف أصدرت الجمعية كتاب «معجم الرهوني للغة العربية العامية التطوانية: دراسة وتهذيب» لمؤلفته زينب بن عبود. كما أصدرت كتاب الأناشيد الوطنية وقصائد الأمداح النبوية لمؤلفه الأستاذ عبدالسلام الغازي الشيخ وأصدرت الجزء السادس من النعيم المقيم، وأصدرت طبعة جديدة ومنقحة للزاوية، ونشرت مؤسسة «فيوليا» كتابا عن تطوان يحتوي على صور جميلة للمدينة ركزت على شبكة ماء السكوندو على الأخص، ضمن إصدارات كثيرة.

اكتشاف تاريخي

          المفاجأة التي أتحدث عنها كانت حين قادنا بن عبود إلى المقابر التاريخية. استقرت السيارة عند حافة الجبل، بينما اتجه حيدر وبن عبود إلى أعلى مكان، وجذبتني أنا الطرق الترابية التي تحولت إلى ممرات حجرية تسعى بين شواهد القبور التاريخية. بدأت ألتقط الصور، هنا وهناك. فجأة، رأيت بالممر الحجري شريحة حجرية كبيرة ذات نقوش مثيرة، لم تكن تلك القطعة وحدها، ولكنها كانت تشي بما لا يدع مجالا للشك أنها أحفورة من ملايين السنين، لأسماك جاءت من قاع البحر. إلى هذا التل وصل الماء يوما، وطبعت على صفحة الحجر بصمته، بعد أن استقرت بها صور الأسماك النادرة. قلت للدكتور بن عبود عن اكتشافي، فعرفت منه ما طمأنني بأن المكان كله ممنوع أن تلتقط منه الأحجار لتاريخيته، ولكنه ينتظر العلماء ليتأملوا تلك الأحجار التي تخبئ الكثير، سواء كانت  شواهد لقبور أعلام عاشوا من زمن السيدة الحرة، أو أسماك عاشت في العهود الغابرة. عدنا إلى السيارة، وانطلقنا عائدين لقلب المدينة، قاصدين أحد أشهر مطاعمها. كان علينا أن ننسى الأسماك في الحفريات، لنتذكر الأسماك في الطواجن، هكذا اجتمعنا حول مائدة بحرية القائمة لا تنسى.

          وفي الطريق من المطعم إلى القصبة كان دليلنا يذكر لنا كيف اعتمد تخطيط المدينة العمراني على وجود درب ترابي يفرق بين الفضاءات العمومية والشوارع التجارية، وتمتد شبكة الطرق والحارات لتربط فيما بينها، وتضمن في الوقت نفسه حرمة أهلها وخصوصياتهم. يحكي عن الحرف الشعبية وأشهرها صناعة الخزف، أو الزليج، الذي يعد عنصرًا مهمًا في تزيين المنزل التطواني، وهو يعكس تأثيرات مختلفة في ألوانه  وأشكاله، وأهم التأثيرات تياران؛ الأندلسي والريفي.  ومن بين الصناعات أيضا النحاس، الذي يعد قاسما مشتركا بين المطبخ والغرف. كما أن الطرز الخاصة بالزي التي يقدم المتحف الإثنوجرافي بباب العقلة نماذج لها توضح التميز كما عرف القفطان التطواني تميزه بداية من القرن العشرين.

          المتحف سيعيدنا للتاريخ، ونتذكر أنه بعد وفاة القائد المنظري الثاني عام 925هجري، أصبحت مدينة تطوان خاضعة للأمير إبراهيم بن علي بن راشد حاكم شفشاون، وحين أصبح الأمير وزيرا للسلطان المغربي أحمد الوطاسي وقائدا لأركان حربه، نصب أخته الحرة حاكمة لمدينة تطوان، وهي مبادر ة تاريخية، فالقائد الحقيقي لتطوان وشفشاون هو الأمير، لكن أهل تطوان أنسوا لحاكمتهم التنفيذية، فقد عرفوا في حكمها - كما علمتهم التجارب السابقة - حسن التدبير ورجاحة العقل، حتى أن الفقهاء والعلماء لم يثوروا ضدها، أو يتململوا من حكمها.

مصاهرة سياسية

          وضعت الست الحرة جل اهتمامها في أن تكون مدينتها حرة، كسيدتها، فأولت الجانب العسكري الاهتمام الأكبر، وكان لها أسطول في مرتيل يتأهب دائما للقيام بغارات ضد الإيبريين، ورتبت للمدينة حراسة دائمة في أبراجها ضد التهديدين البرتغالي والإسباني.

          ثم تأتي الحاكمة التطوانية، وعلى خطى أفكار أبيها المؤمنة بأهمية المصاهرات السياسية، ولكن بنقلة وثابة. كان أبوها الأمير قد زوجها من قائده حتى يُحكِم من قوة حكمه ودفاعه، وها هي نفسها قد خططت لزواجها الثاني من السلطان مولاي أحمد بن محمد الوطاسي (932 956 هجرية) ابن السلطان محمد الشيخ (910 932 هجرية). وهنا نتوقف عن الشك في اسم الست الحرة أو التخمين بأنه مجرد لقب، فقد ثبت أن اسمها في وثيقة الزواج بالسلطان هو «الحرة»، أو لنسرده كاملا: الست الحرة بنت الأمير علي بن موسى بن راشد بن علي بن سعيد بن عبد الوهاب بن علال بن عبد السلام بن مشيش!

          عُقد القِرانُ في مدينة تطوان بتاريخ ربيع الأول عام 948هجري، الموافق للتاسع والعشرين من يونيو سنة 1541ميلادية. وحين عاد السلطان لعاصمة ملكه؛ مدينة فاس، لم يصطحب معه زوجته الحرة، بل بقيت في تطوان خليفة عنه، قائمة بشئون العلاقات الخارجية بين سلطانه وبين البرتغال.

          اقتبس كاتب وثيقة عقد القران، العارف بكتاب الله والبليغ باللغة العربية آيات من القرآن الكريم، وأحاديث من السنة الشريفة، ليسبغ جلالا على عقد الزواج، وهو أمر ليس بمستغرب لوثيقة طرفاها سلطان سلسل ملوك، وأميرة شريفة النسب. فبعد مقدمة الحمد والثناء، والإقرار بوحدانية الله تعالى وبرسالة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، عرف الكاتب بالأسرتين المتصاهرتين، ثم ذكر الصداق ومقداره، ومعجله ومؤجله ووصف ما اشتمل عليه من نقود وإماء وبغال وملابس، وذكر ولي هذا الزواج معرِّفا به مثنيا عليه، قبل أن يُذيَّل العقد بإمضاءات الشهود والقاضي.

          يقول العقد عن بيت الست الحرة؛ بني راشد: بيت الشرف الذي تكاثفت حجب الصون على أكتافه، وأخذت عصم الطهارة بأوساطه وأطرافه، وانعقد الإجماع على صحة شرفه، فلا يفوه أخذ بخلافه، وهو بيت الشريف الكبير المقدار، والحميد الإيراد والإصدار... حتى يقول: فخطب فيه ابنته الأصيلة البرة المسماة بالحرة أجمل الله صونها وأحسن على طاعته عونها.

          ونشير إلى مقدار الصداق ونوعه: على صداق مبارك جملته بين قد أوجبته المياسرة إعجالا،  وكالئ اقتضته المكارمة إمهالا: أربعة آلاف أوقية من النقرة الجارية السكية، وعشرون من البغال المتوسطة في نوعها وحوائج تشتمل على ثوبي موبرة، وفضلتي وجه اسكندرانى  وفضلتي غريض، وسنين وسبنيتين، وربع الماية وأربعة مناشف، وأربعة كنابش كل ذلك من الجديد العالي  في جنسه!

هو البحر

          تنطلق بنا السيارة هذه المرة إلى شاطئ البحر. أقام المغتربون العائدون في الإجازات أفراحهم. الموج يفصلهم عن شبه الجزيرة الأيبيرية، جاء أسلافهم من هناك هربا، وها هم يعودون إلى المكان للعمل والمتعة.

          تأملت الأمواج العالية، وذهب الخيال إلى أيام الست الحرة. كان البحر يموج بسفن تجارية، ومعارك، لا بد أن أسطول الست الحرة كان يشارك بها. فقد كان وجود تطوان في منطقة تشرف على ملتقى الأبيض المتوسط بالمحيط الأطلسي، مع قربها من شبه الجزيرة الأيبيرية، ووقوعها بين عدة ثغور محتلة احتلالا أجنبيا جعل المدينة وحكامها، وأخص هنا الست الحرة، في مرمى الخطر الدائم. كما كانت هناك حكومات تتصارع وإمبراطوريات تتنازع في الشرق والغرب. تزعمت الست الحرة  حركة الجهاد في البحر ضد المسيحيين (وهو ما يسمى في الأدبيات الإسبانية والبرتغالية بالقرصنة البحرية).

          وسط ذلك كله، كان كبار عائلة المنظري قد أحسوا أن زواج الست الحرة من السلطان أحمد الوطاسي عقب وفاة زوجها المنظري حاكم هذه المدينة، قد حرمهم من الحكم، ومما يأتي به ريع القرصنة،  فقاموا بمؤامرة للاستيلاء على حكم هذه المدينة، شارك فيها محمد الحسن المنظري، الذي كان يسكن المدينة، ووالده القادم من فاس إلى تطوان.

          تقول المصادر البرتغالية إنه في شهر أكتوبر سنة 1542 ميلادية وهو الموافق لشهر رجب عام 949 هجري غادر السيد محمد الحسن المنظري مدينة فاس هاربا من السلطان أحمد الوطاسي وتوجه نحو مدينة تطوان مركز حكم الست الحرة، فوصلها على رأس جماعة من الفرسان ومعه عائلته وبعد يومين من وصوله إليها أعلن نفسه حاكما على هذه المدينة مستقلا عن سلطان فاس.

          كانت العلاقة بين الست الحرة وحاكم سبتة قد تأزمت، الأمر الذي يؤدي إلى توقف التبادل التجاري بين المدينتين سنة 1542 ميلادية. لقد نشأ ما يشبه الحصار الاقتصادي، الأمر الذي تجتمع في الخفاء لمقاومته رؤوس الأموال، ممن تدهور الوضع لديهم بين التجار. ومن ثم فقد تعاونت عناصر كثيرة لنجاح المؤامرة، وهكذا يطيح محمد حسن المنظري، بحكم الست الحرة، ويصادر أملاكها ويبعدها عن الحكم في الثالث والعشرين من شهر أكتوبر 1542 ميلادية.

          سنغادر شفشاون حيث ولدت الست الحرة، وتطوان التي شهدت مجدها حاكمة للمدينة، سنمر بالمدينة المحتلة سبتة، وكأن التاريخ توقف هناك عند القرن السادس عشر، تنتظر معركة حريتها. تتوزع الصور، والذكريات، كنا نقلب خبز الجغرافيا المغموس في صحن التاريخ، فتتداعى لنا شخوص صنعوا للمكان قيمته، بحضورهم القوي حينا وبإبداعهم المميز حينا آخر. على خطى الست الحرة مشينا، ونتمنى أن نجدد الرحلة التي تعيد اكتشاف أماكننا، مثلما تعيد اكتشاف ذواتنا.

 

أشرف أبواليزيد