إيران إصلاحات تحمي الثورة ولا تعارضها

إيران إصلاحات تحمي الثورة ولا تعارضها

ما يحدث في إيران. هل هو صراع بين أيديولوجيات متعارضة؟ وهل هو نهاية للثورة؟ أو قوة دافعة لها؟

شهدت الساحة السياسية الإيرانية أخيرا صراعا حادا لفت انتباه العالم كله عبر وسائل الإعلام المتنوعة وبلغ أقصى مداه في الانتخابات البرلمانية التي اجريت في فبراير الماضي . وقد أسفرت النتائج عن فوز كبير للتيار الإصلاحي الذي يتزعمه رئيس الجمهورية محمد خاتمي مقابل هزيمة ملحوظة للتيار المحافظ الذي تزعمه الرئيس السابق هاشمي رفسنجاني لكن ما لم ترسمه وسائل الإعلام بدقة أن عملية الاستقطاب لم تكن من الخطورة لدرجة تهدد بانفجار صراع مكشوف بين تيارين أيديولوجيين متعارضين تماما.

ومع أن بعض وسائل الإعلام، خاصة الغربية منها، قد بالغت في إبراز حدةالتناقض بين الإصلاحيين والمحافظين في إيران فإنها أسهمت في وضع هذا الحدث التاريخي المهم في المكانة التي يستحقها لأنه يحدد مسار التوجه العام للثورة الإسلامية في إيران بعد عشرين عاما على انتصارها.

بعبارة أخرى، لا يجوز أن تقرأ إنجازات الثورة كل عام على ضوء تاريخها فقط، أي كثورة شعبية قادها رجال الدين ونجحت في إسقاط نظام شاهنشاهي من أعتى الأنظمة الاستبدادية في العالم، بل أيضا بإظهار قدرتها على التجدد.

وبالتالي، فقادة الثورة مطالبون على الدوام بتقديم الحلول العلمية للمشكلات الحادة التي تعيشها إيران اليوم، والتي لا يمكن أن تكون حلولا دينية أو مستقاة فقط من التراث الديني، سواء في إيران أو في غيرها من الدول الإسلامية.

لقد دفع الشعب الإيراني، بمختلف فئاته وطبقاته الاجتماعية ومثقفيه، الثمن باهظا أيام حكم الشاه التسلطي، فتوقع الإيرانيون أن تقودهم الثورة الجديدة إلى رحاب الحرية، والشورى، والديموقراطية، والرفاه الاجتماعي، وحل الأزمات الاقتصادية الحادة. إلا أن العقد الأول من عمر الثورة الإسلامية في إيران تميز بما يطلق عليه قادة طهران صفة (الحرب العراقية المفروضة على إيران). لكن أصواتا من الإصلاحيين الشباب تتهم الآن بعض القادة الإيرانيين علنا بأنهم شاركوا بحماس في الإعداد لتلك الحرب ويتحملون إلى جانب القيادة العراقية، مسئولية إطالة أمدها، نتيجة لذلك دفع الشعب الإيراني مجددا الكثير من القتلى، ومشوهي الحرب، والمفقودين، بالإضافة إلى الدمار الاقتصادي، والأزمات المالية والاجتماعية، ومشكلات اللاجئين إلى إيران من الدول المجاورة، وغيرها.

نموذج المجتمع الثوري

دلالة ذلك أن عملية الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي الجذري لبناء (النموذج الثوري الإسلامي الجديد)، الذي يمكن أن تقتدي به دول إسلامية أخرى، لم تبدأ بعد بل كانت معطلة فعلا تحت وطأة الحرب الإيرانية ـ العراقية.

وبعد مرور عقد آخر على نهاية تلك الحرب انتفت كل الذرائع القديمة وبات على النظام السياسي الإيراني أن يواجه شعبه بكثير من الجرأة والشفافية، وأن توضع مقولات الإصلاح الذي طال انتظاره لأكثر من عشرين عاما موضع التطبيق العملي لكي تنتقل الثورة من مرحلة (التاريخ العبء)، حيث يسيطر الماضي على الحاضر ويتحكم بالمستقبل، إلى مرحلة (التاريخ الحافز) الذي يصنعه الشعب يوميا. والتاريخ الحافز في الحالة الإيرانية الراهنة ينطلق من إيجابيات علاقات حسن الجوار التاريخية بين إيران وجيرانها، خاصة العرب منهم، ليعيد تجديدها في الحاضر بما يضمن المصالح الأساسية للشعب الإيراني وللشعوب المجاورة، فيساهم في بناء المستقبل بثقة أكبر.

في هذا السياق ولدت حركة الرئيس الحالي محمد خاتمي الإصلاحية التي تنظر إلى المستقبل بعيون الحاضر انطلاقا من العناصر الإيجابية التي يزخر بها التاريخ الإيراني في مختلف حقبه، مع إيلاء الحقبة الخمينية أهمية خاصة. فالثورة الخمينية تحظى باحترام شديد في أوساط الشعب الإيراني، من مختلف الفئات والطبقات الاجتماعية. وكان على حركة الإصلاح التي أوصلت الشيخ محمد خاتمي إلى سدة رئاسة الجمهورية الإسلامية في إيران عام 1997، أن تؤسس على تراث تلك الثورة لاستكمال مقولاتها الإصلاحية بما يحقق آمال الشعب الإيراني الذي عاش القرن العشرين بكامله وهو يدفع ثمن إخفاق حركات إصلاحية وتحديث لا يحمي التراث بل ويقود إلى التغريب.

اتجاهات سياسية

أجمعت التعليقات الصحفية على أن نتائج الدورة الاولى لانتخابات 18 فبراير 2000 التشريعية جاءت لصالح التيار الإصلاحي مع هـزيمة ملحوظة للتيار المحافظ .

لقد شكل المجلس القديم عقبة كبيرة أمام الإصلاحات خوفا من أن تتحول (الخاتمية) إلى (ثورة داخل الثورة). لكن تصاعد النقمة الشعبية، خاصة في أوساط المثقفين، والشباب، والنساء، جعلت جبهة الإصلاحيين أكثر تماسكا من جبهة المحافظين لأنها تحمل بعض الأفكار العملية لحل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الحادة. فتزايدت نسبة العاطلين عن العمل في إيران حتى قاربت 20%، بالإضافة إلى أعداد كبيرة من اللاجئين الذين يشكلون عبئا إضافيا على الخزانة الإيرانية، وهم من جنسيات مختلفة ويحظون برعاية إنسانية من جانب المؤسسات الإيرانية.

يضاف إلى ذلك أن سنوات حكم الرئيس خاتمي تميزت بشيء من الانفتاح على دول الجوار الإقليمي، وسعيه لحل المشكلات العالقة مع كثير من الدول، ومنها الولايات المتحدة الأمريكية، سعيا لإخراج إيران من عزلتها السابقة عن المجتمع الدولي. ومع عدم التقليل من أهمية النصر الذي حققه التيار الإصلاحي أخيرا فإن تحليل الانتخابات من طريق تحديد الربح والخسارة كميا، وفي إطار نزاعات داخلية بين التيارات السياسية، منهج خاطىء للغاية، فالانتخابات مؤشر على أن الشعب الإيراني قد اقترع بكثافة لمقولات الإصلاح والتغيير وليس فقط لزيادة عدد النواب الإصلاحيين في البرلمان. وبالتالي، فإما أن تنجح حركة الإصلاح في تنفيذ ما وعدت به، وإما أن تنهار الخاتمية نفسها وتتحول الأكثرية البرلمانية إلى أقلية لا وزن لها في الحياة السياسية الإيرانية. المطلوب إذن تحليل نتائج الانتخابات بمنهج ديناميكي يرسم حركة المجتمع الإيراني انطلاقا من الروح الجديدة التي تجلت في إصرار الإصلاحيين على خوض معركة مصيرية ضد المحافظين. ولم تعد الساحة الإيرانية قادرة على تحمل الجمود، أو المماطلة في معالجة مشكلات التضخم، ومكافحة البطالة المزمنة، وقضايا الفقر، والتخلف، والأمية، وتلوث البيئة، والفساد الإداري والأزمات الناتجة عن الحرب وغيرها.

تحديث المجتمع

منذ بداية الإعلان عن الفوز الكاسح للإصلاحيين حرص هولاء على كسب ود مرشد الثورة آية الله علي خامنئي عن طريق الإكثار من التصريحات التي تؤكد أن الشعب الإيراني قد اقترع بحرية تامة وبكثافة قل نظيرها لصالح (استقرار النظام الإسلامي في إيران). فحققت الثورة الإسلامية بذلك نجاحا باهرا في دفع الناس إلى المشاركة الجماعية في تقرير مصيرهم بأنفسهم دون أي تدخل خارجي. وليس هناك من يتهم أي جهة خارجية بقدرتها على التأثير في قرار الشعب الإيراني لحمله على التصويت لصالح الإصلاحيين وضد المحافظين مادامت هذه الانتخابات جرت على أيدي أجهزة ومؤسسات سلطوية تخضع مباشرة للتيار المحافظ. صحيح أن بعض الساسة في الغرب، وفي طليعتهم وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت، سارعوا إلى وصف نتائج الانتخابات بأنها (دليل على القوة المتزايدة للديموقراطية في إيران)، إلا أن تلك التصريحات بعيدة كل البعد عن التأثير في مسار الديمقراطية في إيران والتي هي نتاج بنية داخلية تحتاج إلى إصلاحات جذرية تعيد لإيران منعتها الداخلية ودورها الإقليمي والدولي.

نخلص إلى القول إن تركيبة البرلمان الجديد جاءت لتدعم التوجهات أو البرامج الإصلاحية للرئيس خاتمي. لكن مهمة الإصلاحيين ستكون صعبة للغاية في وضع تلك الإصلاحات موضع التطبيق العملي. فهم مطالبون الآن بتنفيذ جميع الوعود الانتخابية التي نادوا بها إبان حملاتهم الانتخابية، ووقف التدهور الاقتصادي الذي تشهده إيران منذ سنوات طويلة، وحل مشكلات البطالة والفقر والأمية وغيرها.

وعلى الإصلاحيين تحسين علاقاتهم مع دول الجوار الإقليمية عن طريق حل المشكلات المزمنة معها والسعي لبناء مجال حيوي يعطي للإيرانيين والعرب والأتراك دورا مهما كقوة إقليمية فاعلة في النظام العالمي الجديد. فهذه القوى الثلاث تمتلك طاقات بشرية كبيرة، ولديها موارد اقتصادية وثروات طبيعية هائلة، وهي تشكل منطقة استراتيجية مهمة جدا، ولعلها من أهم المناطق الحيوية التي تتقاطع فيها المصالح الحيوية لغالبية دول العالم.

تفويض من الشعب

لقد حصل التيار الإصلاحي في إيران على تفويض كبير من الشعب الإيراني لتنفيذ ما وعد به من إصلاحات.

ويتوقع كثير من المراقبين أن تشكل هذه الانتخابات نقطة تحول مفصلية في تاريخ إيران المعاصر لجهة إطلاق مزيد من الحريات الديمقراطية فيها، وإعادة استقطاب الرساميل الخارجية برقابة إيرانية، والسعي الحثيث لاستيراد التكنولوجيا العصرية وتوطينها وتطويرها داخل إيران، واعادة الثقة للرأسمال الإيراني المنتشر في الخارج وحثه على العودة للعمل داخل إيران بضمانات من الدولة نفسها، وإعادة التواصل مع المثقفين الإيرانيين الذين غادروا إيران لأسباب مختلفة وحضهم على العودة إليها ووضع طاقاتهم العلمية والإبداعية في خدمة وطنهم وشعبهم، وتحسين العلاقات مع دول الجوار الإقليمي، ومساهمة إيران الفاعلة في النظام العالمي الجديد عن طريق تعزيز دور الأمم المتحدة ومؤسساتها وتعزيز التعاون مع الأنظمة الديمقراطية التي ترفض سياسة القطب الواحد وهي الهيمنة الأمريكية على العالم.

يتضح من ذلك أن التيار الإصلاحي مطالب بإنجازات كبيرة قد يكون عاجزا عن حل الكثير منها ما لم يرتق بمقولاته الإصلاحية إلى إطار البرنامج الشمولي الذي يحدد أولويات الإصلاح، والذي يعتمد على:

ـ

القدرة أولا على صياغة مقولات إصلاحية تبقي على وحدة كل التيارات الإصلاحية المتحالفة وتشكل مدخلا عمليا للبدء بحركة تغيير شاملة لمعالجة الأوضاع الإيرانية المتأزمة.

ـ

القدرة ثانيا على مواجـهة صلابـة الـتيار المحافظ الـذي لا يزال ممسكا بكثير من المؤسسات والأجهزة الإيرانية، وسيقود معارك شرسة قبل التخلي عن أي من تلك المؤسسات. كما أن التيار المحافظ سيستفيد من أي فشل يلحق بالبرنامج الذي يطبقه الإصلاحيون ويجمع إلى جانبه المتضررين منه.

ـ

القدرة ثالثا على التخلي عن سياسة الدولة الشوفينية التوسعية الموروثة من أيام الشاه والسعي لبناء نظام إقليمي جديد على قدم المساواة مع الأتراك والعرب بعد تحسين العلاقات المأزومة بين هذه الأطراف وحل المشكلات الموروثة.

ليس من شك في أن مهمة الإصلاحيين صعبة للغاية، وسواء نجحوا في تنفيذ ما وعدوا به من إصلاحات أم فشلوا فإن معركة التحديث والإصلاحات الجذرية في إيران قد بدأت بقوة منذ انتخابات 2000، وهي معركة مستمرة لحماية المصالح الأساسية لإيران وللشعب الإيراني.

 

 

مسعود ضاهر

 
  




الرئيس الإيراني محمد خاتمي يلقى خطابا جماهيريا بجامعة طهران





أنصار الإصلاحيين في استعراض للقوة بجامعة طهران