عصر التطرف محمد الرميحي

عصر التطرف

حديث الشهر

يميل الإنسان إلى تقسيم حياته إلى حقب ومفاصل تاريخية وضعها هو بنفسه ثم تقيد بها، وإذا كانت الحقب القصيرة لا تشعرنا برهبة عند مرورها، فمرور الساعة غير مرور الأسبوع ومرور الشهر غير مرور السنة، إلا أن الحقب الكبرى والحوادث الكبيرة كانتهاء حرب عظمى ، تجعل الإنسان يقف أمامها متأملا محاولا سبر غورها أو الخروج بدروس مستفادة منها، ومع اقتراب القرن العشرين من نهايته نجد سيلا من الكتب تؤرخ لهذا القرن الذي عانت فيه الإنسانية من جهة وانتصرت فيه من جهة أخرى كما لم تعان أو تنتصر من قبل في تاريخ البشرية كله.

ويعجب المرء عندما ينظر إلى ما مر به - خاصة عندما ينتصف به العمر - فيجد أن عمره عبارة عن مجموعة من الحقب العشرية أولاها وثانيتها تربوية وثالثتها مرحلة تكيف مع مطالب الحياة ورابعتها وخامستها عمل وممارسة، ثم استعداد لمغادرة الأرض للانضمام إلى المتوفين تحت ثراها. وعادة ما يسأل الإنسان نفسه في وقت من الأوقات: ماذا تركت كي يذكرني الناس؟

ومعظم الناس تخبو ذكراهم بعد سنوات قليلة، إلا في أضيق الحدود، فقط الشريرون والمصلحون تبقى ذكراهم أطول، ويا للمفارقة!

وفي محاولة متميزة لكاتب متميز وقع بين يدي كتاب مثير للاهتمام، عنوانه "عصر التطرف - القرن العشرون القصير". ولأن هذا القرن هو قرن الانتقال والاتصال، فحياة الكاتب تساوي، مع ذلك، مدة القرن القصير، (الذي يعتقد الكاتب أنه فقط يزيد على العقود السبعة بقليل) بأمانة. فـ "إريك هبزبون" - (Eric Hobsbawn) الذي ولد في الإسكندرية سنة 1917 وتعلم في فيينا وبرلين ولندن، كما عمل في جامعات بريطانيا و الولايات المتحدة ، يعتقد أن القرن العشرين يتوازى في جوهرة مع حياته وهو مؤرخ ذائع الصيت له مجموعة كتب منها عصر الثورة وعصر الرأسمالية وعصر الإمبراطورية وعصر التطرف.وهو كتابه الأخير الذي صدر في طبعته الأولى سنة 1994 ويبدوا أن جهد الكاتب قد تركز فيما كتبه. سواء فيما سبق أو في هذا الكتاب الذي بين أيدينا. على تاريخ أوربا أو بالأحرى تاريخ الغرب وإفرازاته المختلفة على القارات الأخرى، حيث عالج في كتاب عصر الثورة إرهاصات التحولات العظيمة في أوربا الاقتصادية والسياسية والاجتماعية بين نهاية القرن الثامن عشر ومنتصف القرن التاسع عشر حيث واكبت التغيير الاقتصادي العميق والتوسع الاستعماري مآس اجتماعية حتى في داخل أوربا وولدت أفكارا جذرية للتغير السياسي، وفي كتابه عصر الرأسمالية عالج الفترة بين منتصف القرن التاسع عشر ونهايته وما تلا ذلك من فتوحات واكتشافات جغرافية أوربية في العوالم الجديدة غير المعروفة، ثم في عصر الإمبراطورية عالج الظاهرة التي انتهت - كما يرى - ببدء الحرب العالمية الأولى وهي صعود وسقوط الإمبراطوريات والعجيب أن هذا المؤرخ ينظر إلى تاريخ القرن العشرين على أن زبدته هي بين 1914 و1990 أي بين قيام الحرب العالمية الأولى وبين انهيار الاتحاد السوفييتي، لذلك فإن العنوان الفرعي لكتابه وهو "تاريخ القرن العشرين القصير" يعبر تماما عن رؤيته.

وهو يرى في هذا الفاصل الزمني أهم وأعمق تطور تاريخي وحضاري شهده الإنسان حتى الآن. فالقارئ للكتاب المعاصر - كما يرى المؤلف - هو ذاته حصيلة هذه الفترة سواء ولد هذا القارئ في فترة ما بعد الحرب الأولى أو بعد ذلك بعقدين أو ثلاثة فلقد تأثر بهذه الحوادث بشكل مباشر أو غير مباشر، واعتبر المؤلف أن الكتابة عن القرن العشرين وعن هذه الفترة خاصة، (بين 1914 و1990) وكأنها تاريخ شخصي عاش وسمع وتعامل مع حوادثه وليس ككتبه السابقة التي استند فيها على مراجع مكتوبة من أناس آخرين كمصادر ثانوية فهو يقول: "إن فترة حياتي تتزامن مع معظم الفترة التي يعالجها هذا الكتاب ومنذ نعومة أظفاري وأنا مهتم بالشؤون العامة بمعنى أنني راكمت وجهات نظر كمراقب أكثر مني كباحث لذلك السبب فإني في كل عملي المهني كمؤرخ قد تفاديت العمل والكتابة عن فترة ما بعد 1914، كما عملت في تخصصي وهو القرن التاسع عشر، والآن أعتقد أنه بالإمكان دراسة الفترة بين 1914 (بداية الحرب العالمية الأولى) و1990 (تفكك وسقوط الاتحاد السوفييتي) كتاريخ مختصر لكل حوادث القرن العشرين.

لماذا هذه الفترة؟

في العلوم الاجتماعية يشيرون إلى (الملاحظ المشارك) وهو الشخص الذي يشارك في حياة الآخرين ونشاطهم وفي نفس الوقت يلاحظ هذا النشاط ويسجله وينقده أو يخرج بتعميمات حوله، لكن الأهمية التاريخية لهذه الخبرة المشاركة في مواجهة القرن العشرين لا تعتمد على أن يكون الإنسان موجودا ومعايشا لمناسبات تاريخية عظيمة ، أو حتى قابل أشخاصا ورجال دولة وصناع تاريخ، ولكن الأكثر فاعلية هذا القرن بالذات وما أنتجه من وسائل اتصال وتراكم معلومات من الخبر في الصحيفة إلى المقابلة التلفزيونية قد مكن المؤرخين من الاستفادة من تراكم معلوماتي لم يسبق له مثيل وكذلك مساحة من الحرية في الكتابة لم تكن مسبوقة فلم يعد الشرط التقليدي لكتابة التاريخ أن نكتبه بعد انقضائه بل إن توافرت لنا الشروط الموضوعية نكتبه ونحن نعايشه.

لقد لعبت الصحافة دورا بارزا في توثيق حوادث القرن العشرين كما لم يلعبها أي مصدر وحيد لتسجيل حوادث في أحقاب أخرى، لذلك نجد الكاتب يعتمد اعتمادا كبيرا على مصادر المعلومات في الصحافة إلى درجة أنه يعترف بأنه لا يمكن كتابة تاريخ التغير الاقتصادي والاجتماعي والثقافي لهذه الفترة دون الاعتماد على هذه المصادر.

لقد كانت السنوات الأولى من القرن العشرين تابعة لحوادث القرن التاسع عشر ووقوعها حسابيا في القرن العشرين لا يعني أن بدايته كانت هناك. بداية القرن العشرين كانت في تفجر الحرب العالمية الأولى والصراع الدولي الصاخب على المستعمرات والأسواق الجديدة، كما أن نهايته هي سقوط وتفتت الاتحاد السوفييتي لأن ما سيحدث في السنوات التي تلي ذلك من بقية القرن ما هى إلا نتائج مباشرة أو غير مباشرة لذلك السقوط المدوي. هذه الفترة الحرجة والحيوية من تاريخ العالم هي القرن العشرون بكل إيجابياته وسلبياته، وكي يدلل الكاتب على دقة اختياره يفتتح الكتاب بالإشارة إلى زيارة الرئيس فرانسوا ميتران في 28 يونيو 1992 غير المعلنة، وغير المتوقعة، إلى مدينة سراييفو والتي كانت وقتها بؤرة حرب البلقان الحديثة وقد سفحت وعندها دماء أكثر من 150 ألف ضحية من الأطراف المختلفة.

وكان هدفه تذكير العالم بجدية ما يحدث في البوسنة، لقد أعجب العالم بشجاعة ميتران ومرافقيه القليلين في زيارة مدينة محاصرة قد تتعرض للنار في أية لحظة. لكن الأهم من ذلك والذي لم يلاحظ في حينه، هو: لماذا اختار ميتران زيارة سراييفو في ذلك اليوم بالذات 28 يونيو؟ لأن ذلك اليوم هو تاريخ اغتيال وقع في 1914 سراييفو حيث اغتيل ولي عهد النمسا والمجر (الأرشيدوق) (فرانز فرديناند) والذي قاد اغتياله في ظرف أسابيع قليلة إلى حرب عالمية ضروس. وعند أي مثقف أوربي كالرئيس ميتران فإن العلاقة بين التاريخ والمكان والتذكير بالكارثة التاريخية السابقة هو تذكير للعالم بأن الأخطاء السياسية والحسابات المغلوطة قد تقود إلى كارثة أخرى جديدة. لكنها هذه المرة يمكن أن تكون أعظم وأكثر تأثيرا. وما هي الخطوة الأكثر لفتا للأنظار لخطورة ما يحدث في البوسنة من أن يختار رئيس جمهورية فرنسا زيارة رمزية كتلك التي قام بها. ولكن لم ينتبه لهذه اللفتة غير بعض كبار السن وبعض المؤرخين لأن الذاكرة التاريخية لم تعد نشطة.

السؤال الكبير

تحطم الماضي أو تحطيم الآلية الاجتماعية التي تربط بين خبرة حديثة وأحداث ماضية مشابهة عاشها جيل آخر هي إحدى ظواهر نهاية القرن العشرين، فمعظم الرجال والنساء في نهاية القرن العشرين عاشوا في حالة من الانقطاع عن حوادث التاريخ السابقة. وهذا يجعل المؤرخين والذين عليهم أن يتذكروا ما نسيه الآخرون مهتمين في نهاية الألفية الثانية أكثر من أي وقت مضى باستعادة ما وقع من أحداث سابقة.

لقد وضع الكاتب أمامه سؤالا حاول أن يجيب عنه والسؤال هو لماذا أخذت حوادث القرن العشرين الطريق الذي أخذته وكيف ترابطت مع بعضها البعض؟

إنها محاولة لإنعاش وتصحيح الذاكرة الخاصة، لأن الكاتب. وكثيرا من القراء. قد عاشوا هذه الحوادث، ولأن المؤرخ ينظر إلى الأمور من منظور الحوادث الرئيسية، لأنها (أي هذه الحوادث) هي التي تبقى في الذاكرة ويرددها الناس وتتسمى باسم أبطالها أو ضحاياها الشوارع والميادين وترفع النصب التذكارية. كما أن التأثير الشخصي له قدر كبير في البقاء في قاع الذاكرة، كما يذكر المؤلف كونه ابن الخامسة عشرة لن ينسى 30 يناير 1933 فقد عرف - بينما كان هو وأخته الصغرى عائدين من المدرسة - من عناوين الصحف أن هتلر قد أنتخب مستشارا لألمانيا!.

العالم الذي تشرذم في نهاية الثمانينيات من هذا القرن هو نفسه الذي تكون وتأثر بقوة بالثورة الروسية سنة 1917 لقد تأثرنا جميعا بها، وكمثال فقد تمحور تفكيرنا في وصف الاقتصاد الصناعي الحديث بمفهومين متخالفين (الرأسمالية) و (الاشتراكية). مفهومان ينقض أحدهما الآخر، واحد يفهم على أنه الاقتصاد الذي ينظم على شاكلة الاقتصاد في الاتحاد السوفييتي والثاني بقية الدول الغربية. ولا بد من القول إن ذلك التقسيم كان عشوائيا وإلى حد ما سطحيا والذي يمكن أن يفهم في ضوء مفهوم تاريخي محدد ولكنة السائد.

نحن لا نعرف ماذا سيقدم لنا التاريخ والسلوك البشري في المستقبل، ولكننا نعلم بشيء من اليقين أن الفترة الموجزة الباقية من القرن العشرين سوف تؤثر في حوادث المستقبل، ولا يجادل أحد أن نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات هي نهاية فترة تاريخية وبداية أخرى. وهذه معلومات أساسية لمؤرخي القرن العشرين ولأولئك الذين يميلون لتوقع المستقبل، وعلى كل حال فإن ما عرفناه من توقعات في الثلاثين أو الأربعين سنة الماضية كان خاطئا إلى درجة أنه لا يوجد غير الحكومات والمعاهد الاقتصادية هي التي تتظاهر بثقتها بها.

تقلبات القرن

يصف الكاتب كتابه وكأنه ثلاثي الأبعاد، أو (سندويش تاريخي) علي حد تعبيره فهو ثلاثي الأقسام، في القسم الأول يتناول (عصر الكوارث) أو الإخفاق ويتكون من سبعة فصول هي: الحروب، الثورات، اقتصاد الهاوية، فشل الليبرالية، والوقوف ضد عدو واحد، والفنون، ثم نهاية الإمبراطوريات. أما القسم الثاني فقد سماه المؤلف (العصر الذهبي) ويتكون من ستة فصول هي: الحرب الباردة، السنوات الذهبية، الثورة الاجتماعية 1945، 1990، الثورة الثقافية، ثم العالم الثالث، وأخيرا الاشتراكية الحقيقية.

أما الجزء الثالث فقد سماه الانزلاق وهو أيضا يتكون من ستة فصول هي: تآكل الأزمة، العالم الثالث والثورة، نهاية الاشتراكية، الرواد في الفن (الفن بعد سنة /1950 العلوم الطبيعية، باتجاه الألف الثالثة.

هذه الأبواب الثلاثة التي تبدأ بعد الحرب العالمية الأولى حتى ما بعد الحرب العالمية الثانية والتي واكبها نمو اقتصادي نشط وتغير اجتماعي هائل، والتي ربما غيرت المجتمع البشري أكثر من أية فترة تاريخية أخرى، يعتقد الكاتب أنها الفترة الذهبية في التاريخ البشري والتي وصلت إلى نهايتها في بداية السبعينيات، أما الجزء الأخير من القرن فهو عصر التفكك وعدم الاستقرار والانزلاق نحو الأزمات، وبالتأكيد ينطبق هذا على جهات عديدة من العالم مثل إفريقيا والاتحاد السوفييتي السابق والدول الاشتراكية السابقة في شرق أوربا كان عصر الكوارث والإخفاق. وعندما انقضت الثمانينيات لتدخل البشرية التسعينيات من هذا القرن كان شعور من كتب حول قضايا القرن هو شعور الإحباط.

من منظور التسعينيات فإن مختصر القرن العشرين يوضح أنه مر بفترة ذهبية قصيرة العمر، ثم أصبح يتنقل من فترة أزمة إلى فترة أزمة أخرى سائرا إلى مستقبل إشكالي، وكما أن بعض المؤرخين يحبذون استخدام أفكارهم القطعية كالقول بنهاية التاريخ، فإن التاريخ لا ينتهي، سوف يكون هناك مستقبل، لأن الشيء الوحيد والأكيد في التاريخ إنه مادام هناك بشر سوف يستمر التاريخ.

الكتاب يبدأ بأحداث الحرب العالمية الأولى والتي يعتبر الكاتب أنها فككت الحضارة الغربية كما عرفت في القرن التاسع عشر، هذه الحضارة كانت رأسمالية في هيكلها الاقتصادي، وليبرالية في هيكلها القانوني والدستوري، وبرجوازية في شكلها الاجتماعي، ومنتعشة بتقدم العلوم والمعرفة والتعليم وبالتطور المادي والأخلاقي، وفخورة بل مؤمنة بتقدم قارة أوربا التي قام جنودها بإخضاع واحتلال معظم أقطار الدنيا، والتي زاد عدد سكانها حتى أصبح يشكل ثلث عدد البشر في العالم آنذاك (لقد فاض عدد السكان في أوربا وتحول إلى تدفقات مهاجرين إلى الأراضي الجديدة في أمريكا وأستراليا والبلاد الخاضعة للاستعمار). أوربا هذه تحكمت في نظام العالم السياسي والقانوني، وبدا وكأنها سوف تقود العالم في القرن الجديد.

عقود النكبات الأربع

العقود التي بدأت مع تفجر الحرب العالمية الأولى وانتهت فيما بعد الحرب العالمية الثانية كانت عصر الكوارث لأوربا القائدة ولأربعة عقود انتقلت أوربا من نكبة إلى أخرى، وجاء عليها حين من الدهر حتى الأذكياء لم يكونوا ليراهنوا على بقائها وخروجها من هذه النكبات. لقد اهتزت تحت أقدام حربين عالميتين فقدت فيهما الملايين من البشر ثم دخلت في عصر هو خليط من الانتفاضات والثورات العالمية والتي جاءت إلى السلطة بنظام ادعى بقوة أنه البديل التاريخي للبرجوازية والمجتمع الرأسمالي، وانتشر هذا البديل أولا على مساحة سدس أراضي العالم، ثم بعد الحرب العالمية الثانية حاز على عقول وقلوب ثلث سكان العالم، وبدأت الإمبراطوريات العظيمة التي بنيت في فترة زمنية طويلة، وبدا في وقت ما أنها الشكل الطبيعي للعلاقات الدولية، بدأت تهتز ثم تتساقط وتذروها الرياح، نظام الإمبراطوريات الذي كان يبدو راسخا وقويا وشامخا عندما توفيت الملكة فكتوريا 1901 والتي توسعت تحت ظل حكمها الإمبراطورية البريطانية، سرعان ما ذاب وتبخر في حياة جيل واحد، كحياة ونستون تشرشل 1874 - 1965.

أكثر من ذلك فإن أزمة اقتصادية عالمية غير مسبوقة في عمقها واتساعها ركعت أقوى الاقتصاديات الرأسمالية على ركبتها وهى الولايات المتحدة وبدت وكأنها آلية عكست ما اعتقد أنه اقتصاد عالمي موحد والذي كانت فخرا وإنجازا لمرحلة الاقتصاد الليبرالي للقرن التاسع عشر وحتى الولايات المتحدة التي كانت في مأمن من الحروب والثورات وصل اقتصادها إلى حدود الانهيار، وكان منظر الذين ألقوا بأنفسهم من النوافذ العليا في مقر الرأسمالية الجديدة نيويورك حزنا وهلعا على الانهيار الكبير في البورصة في نهاية العشرينيات تأكيدا لا يقبل الشك على قرب الانتصار لدى أولئك الذين بدءوا يبنون نظاما اشتراكيا طوباويا جديدا. مع ترنح البنى الاقتصادية فإن المؤسسات الديمقراطية الليبرالية اختفت بين1917، 1942 إلا من بضع دول في أوربا وأمريكا الشمالية وأستراليا حيث بدأت النازية والفاشية وحلفاؤها والحركات الشمولية تتقدم جميعا وتتسع في دول كثيرة، ومن الملاحظة التاريخية اللافتة أن ما أوقف هذا التقدم هو التحالف المصلحي بين الرأسمالية الليبرالية والشيوعية ضد العدو المشترك. هذا التحالف الذي أنقذ الديمقراطية!، ولم يكن بالاستطاعة هزيمة هتلر إلا بهذا التحالف، ولم يكن الانتصار يحقق ضد النازية الألمانية إلا من خلال الجيش الأحمر، بطريقة ما في هذا التحالف الديمقراطي الليبرالي مع الشيوعية ضد الفاشية. في عقدي الثلاثينيات والأربعينيات من هذا القرن، شكلت العامل الحاسم لتاريخ القرن العشرين ولحظته الفاصلة، بأشكال عديدة هي لحظة تناقض تاريخي في علاقات الرأسمالية بالشيوعية والتي كانت في عداد تناقض لا يمكن حله، عدا تلك الفترة القصيرة.

فوائد للتناقض

انتصار الاتحاد السوفييتي على هتلر حققه نظام وصل إلى الحكم بسبب ثورة أكتوبر 1917، وبمقارنة ما حققه هذا النظام من انتصار اقتصادي وعسكري. - آنذاك - بالفشل الاقتصادي والعسكري الذي منيت به روسيا في الحرب العالمية الأولى، تحت القيادة القيصرية من "آل رومانوف" تظهر قوة الاقتصاد السوفييتي، ودونه ربما أصبح الغرب اليوم (خارج الولايات المتحدة) يتكون من دول شمولية وفاشية بدلا من دول ديمقراطية وليبرالية. إنها واحدة من تناقضات هذا القرن العجيب. فإحدى النتائج الدائمة لثورة أكتوبر الاشتراكية والتي كان هدفها الإطاحة وقبر الرأسمالية في العالم أن تنقذ عدوها في مرحلة فاصلة من التاريخ في الحرب أولا وفي السلام ثانيا، أنقذته في السلام عندما قدمت له الدافع والخوف لإصلاح نفسه بعد الحرب العالمية الثانية، فعندما قدمت فكرة التخطيط الاقتصادي أعطته آلية مقارنة لإصلاح نفسه.

لذلك فإننا نجد أنه بعد الحرب العالمية الثانية فإن الديمقراطيات الغربية تبنت أفكارا جديدة في الاقتصاد والرعاية الاجتماعية والتعليم والرعاية الصحية فطورت من مفاهيم ليبرالية القرن التاسع عشر.

ومع ذلك ورغم أن الرأسمالية الغربية بالكاد تخطت الأخطار الثلاثة - أي الكساد الاقتصادي، والفاشية، والحروب - إلا أنها ظلت تواجه تقدم الثورة العالمية والتي أصبحت تعتمد على - وتتمحور حول - الاتحاد السوفييتي والذي ظهر بعد الحرب العالمية الثانية كدولة عظمى.

ومع ذلك. كما يمكن لنا أن نشاهد اليوم. فإن قوة التحدي الاشتراكي للرأسمالية كانت نابعة من ضعف الغريم فدون تفكيك المجتمع البرجوازي للقرن التاسع عشر في عصر الكوارث، لم يكن من الممكن أن تحدث ثورة أكتوبر الاشتراكية أو يتكون الاتحاد السوفييتي. كان النظام الاقتصادي المعتل والمرتجل في ريف روسيا الأوربية تحت حكم القياصرة أرضا خصبة لظهور دعوى الاشتراكية ونظامها السياسي والاقتصادي.

لقد كانت الأزمة الاقتصادية العميقة في الثلاثينيات والتي أصابت الاقتصاد الرأسمالي تظهر الاقتصاد الاشتراكي وكأنه منافس، كما كان التحدي الفاشي مبررا لجعل الاتحاد السوفييتي عنصرا لا يستغنى عنه في الحرب ضد هتلر ثم هزيمته. وبعد ذلك تحول الاتحاد السوفييتي إلى قوة دولية عظمى سيطر الخوف منها على العالم الرأسمالي كله في معظم النصف الثاني من القرن العشرين.

وفي الوقت نفسه. كما نستطيع أن نحكم الآن. (وازنت هذه القوة النقيض الميزان السياسي الدولي، ولم يكن يستطيع الاتحاد السوفييتي أن يجد نفسه على قمة المعسكر الاشتراكي لعقد ونصف من السنين، ويحتوي على ثلث سكان العالم لولا أن اقتصاده ظهر لفترة قصيرة وكأنه يمكن أن يتغلب على الاقتصاد الرأسمالي.

عود على بدء

كيف وجدت الرأسمالية نفسها بعد الحرب العالمية الثانية. وأمام تعجب الجميع بما فيها الدول الرأسمالية ذاتها وجدت نفسها تحقق نموا غير مسبوق وغير متوقع وربما دخلت في عصر ذهبي بين سنوات 1947 - 1973 وربما كان ذلك سؤالا مركزيا يواجه مؤرخي القرن العشرين، وحتى الآن لا يوجد اتفاق على الإجابة الشاملة والمقنعة عن هذا التساؤل.

ثم أعقبت العصر الذهبي عقود من الأزمات، وما زالت هذه العقود معنا لم تكتمل بعد، لكن ما يمكن قياسه في هذه العقود - بوثوق كبير - هو المستوى العظيم من التغييرات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي غيرت من المجتمع البشري.

وربما يرصد المؤرخون في القرن القادم بوضوح أكثر التغيرات العميقة التي أحدثها العصر الذهبي في القرن العشرين، لقد غير من حياة الشعوب إلى درجة لا يمكن التراجع عنها وهذه التغيرات ما زالت مستمرة. الفلاسفة والمؤرخون الذين نظروا إلى الوقائع على اعتبار أنها نهاية التاريخ عند سقوط الاتحاد السوفييتي كانوا على خطأ. إن الربع الأخير من القرن العشرين يشكل نهاية سبع أو ثمانمائة سنة من تاريخ البشرية والذي بدأ باكتشاف الزراعة في العصر الحجري، وربما أن هذه الفترة فقط هي نهاية عصر طويل كانت فيها البشرية تعيش على زراعة وتربية الحيوانات، ولكنها ليست نهاية التاريخ.

مقارنة بذلك فإن تاريخ الصراع بين الرأسماليين والاشتراكيين مع أو دون تدخل الدول والحكومات مثل الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي ربما يبدو ذا اهتمام تاريخي محدود في المستقبل مقارنة في المدى الطويل بالحروب الدينية أو الصليبية في القرنين السادس والسابع عشر.

وبرغم أن نتائج سقوط الاشتراكية السوفييتية حتى الآن لم تحسب بدقة، إلا أن نتائجه السلبية هي التي أفرزت عقود الاضطراب التي أعقبت العصر الذهبي، هذه الأزمات تؤثر في العالم بأشكال ودرجات مختلفة اليوم.

في السبعينيات ظهرت أزمة الاقتصاد الدولي وسارعت الدول في البحث عن حلول لها لعل هذه الأزمة تكون مؤقتة، وعندما طالت، توجهت الدول إلى سياسات جذرية اعتمدت السياسة المالية المطلقة مع تخلي الدولة عن مسئولياتها وإطلاق آليات السوق وما لبث أن ظهر قصور هذه السياسة وعمق الأزمة الاقتصادية، ووجد العالم الديمقراطي في الثمانينيات والتسعينيات نفسه يصارع مشكلات مشابهة لسنوات ما بين الحربين العالميتين. وأفاق السياسيون والمنظرون على أن العصر الذهبي قد انتهى. فهناك تضخم في أعداد المتعطلين عن العمل، أزمات دورية ومتتالية للانكماش. وتنامى ظهور المشكلات الاجتماعية، وظهرت في شوارع مدن أوربا الكبرى أعدادا من الناس لا مساكن لهم وآخرون يستعطفون الناس العطاء. أي عادت تلك الظواهر التي كانت قد تلاشت منذ قرن ثم انفجرت الصراعات العرقية لتزيد الصورة تشاؤما.

ميراث القرن العشرين

كيف يمكن مقارنة عالم 1914 بعالم التسعينيات، عالم التسعينيات يحوي خمسة أو ستة بلايين من البشر، ربما ثلاث مرات مما كان في العالم من بشر عند بدء الحرب العالمية الأولى، هذا برغم أنه في تاريخ القرن العشرين المختصر. قتل أو سمح بأن يموت من البشر - بقرار من البشر - أكثر من أي فترة في تاريخ الإنسان.

في تقدير أخير فإن 187 مليونا من البشر قتلوا أو ماتوا بسبب قرار بشري، وهذا الرقم يساوي واحدا من كل عشرة أشخاص كانوا يعيشون في سنة 1900 معظم الناس في التسعينيات أطول وأثقل من والديهم، يأكلون بشكل أفضل ويعيشون مدة حياة أطول، ولكن المآسي التي حدثت في إفريقيا وأمريكا اللاتينية وبلدان الاتحاد السوفييتي السابق في الثمانينيات والتسعينيات تجعل مما قلناه في السابق صعب القبول.

العالم أكثر غنى بشكل لا يقارن مع السابق من حيث قدرته على إنتاج السلع والخدمات بأشكالها المختلفة، ولو لم يكن كذلك لما استطاع استضافة عدد من السكان مضاعف عدة أضعاف، ولم يسبق لهذا العدد الضخم أن عاش على الكره الأرضية من قبل. معظم الناس في الثمانينيات عاشوا أفضل من أسرهم، وفي الاقتصاديات المتقدمة عاشوا أفضل مما توقعوا أن يعيشوا أو حتى تخيلوا أن يعيشوا.

ولعدة عقود في وسط القرن اعتقد البعض أن العالم وجد طرقا لتوزيع الثروة العظيمة بدرجة معقولة من المساواة والعدل للقطاعات العاملة في الدول الغنية، ولكن في نهاية القرن فإن عدم المساواة أخذ المكان الأعلى.

البشرية أكثر تعليما مما كانت عليه سنة 1914، وربما لأول مرة في التاريخ فإن معظم البشر يمكن أن يوصفوا بأنهم يقرءون ويكتبون. على الأقل في الإحصاءات الرسمية على الرغم من أن نتائج هذا الإنجاز هي أقل وضوحا عنها في نهاية القرن.

العالم مليء بالثورة والتقدم العلمي المبني على انتصار العلوم الطبيعية التي كانت متوقعة سنة 1914 والتي كادت تظهر في ذلك الوقت وربما كانت أكبر خطوة جبارة في هذا الإطار هي التقدم التقني في المواصلات والاتصالات والتي قصرت الوقت والمسافة بين البشر والعالم، إنه عالم يوفر المعلومات والترفيه لمعظم الناس يوميا وساعة بساعة في كل منزل. وهى ميزات لم تكن متاحة إلا للقياصرة والأباطرة من قبل الآن نرى الناس يكلمون بعضهم البعض عبر المحيطات فور الضغط على بعض الأزرار، وفي معظم البلدان أسقط التقدم التقني الفوارق الشاسعة بين المدينة والريف.

لماذا إذن ينتهي هذا القرن ليس باحتفال بهذه الإنجازات العظيمة وغير المسبوقة بل بحالة عدم ثقة بالمستقبل؟ ليس هذا مرجعه إلى أن هذا القرن قد ذبحت فيه من البشرية أعداد هائلة، وليس لأن الحروب البشعة التي خاضها البشر خلال سنواته قد أضنتهم. ولكن أيضا للمآسي غير المسبوقة في الحجم والتكرار من المجاعات والقتل المنظم الذي لم يسبق له مثيل في قرون سابقة، وليس كالقرن الطويل. القرن التاسع عشر والذي شهد تطورا غير منقطع في التقدم المادي والثقافي، والذي حقق تطورا في الحياة المتحضرة.

ماذا بعد الوحشية؟

لقد علمنا هذا القرن وهو مازال يعلمنا أن الإنسان يمكن أن يعيش تحت ظروف وحشية، ونظريا حالات قاسية كان يمكن أن يصفها من عاش في القرن التاسع عشر بأنها بربرية عارية.

ما يفرق بين بداية القرن عن نهايته إنه أولا لم يعد ذا مركزية أوربية، لقد تحقق فيه ضعف وسقوط أوربا التي كانت مركزا لتاريخ العالم لقرون عديدة خلت، وظهرت دول عظمى خارج أوربا بعد الحرب الثانية. لقد سقط الاتحاد السوفييتي وأنهى القرن بدولة عظمى واحدة ولكنها أيضا تعاني من ضعف داخلي.

أما عن التغيرات العظمي وأكثرها تأثيرا. فإن العالم أصبح وحدة مترابطة كما لم يكن في سنة 1914، خاصة في الشؤون الاقتصادية، العالمية أو الدولية هي الظاهرة الأكثر وضوحا اليوم ولم يعد هناك اقتصاد وطني كما كان متعارفا عليه قبل عقود، تعبير القرية الدولية الذي ظهر في الأدبيات في التسعينيات أصبح حقيقة واقعة ولم تعد كثير من الشعوب نقية كما كانت بل أصبح هناك اختلاط في الأعراق والأجناس وكلها تشارك في الاقتصاد الدولي وسرعة الاتصال والتواصل. أما أكثر التغيرات إثارة فهو تحلل الرباط الاجتماعي التقليدي، مظهر الاختلاف بين الأجيال أي بين الماضي والحاضر، خاصة في الدول الغربية حيث أصبحت الفردية الغارقة في مصالحها هي الأيديولوجية السائدة. ولعل هذا هو الحذر الحقيقي للتطرف. لكنها تطرفات لم تتوقف عند سلوك الأفراد أو الجماعات، بل هي تطرفات حتى في سمات الإنجاز العلمي والتقني تخيف لأول وهلة من يتأملها بعيون الحنين إلى الماضي. فهل يهذب القرن القادم من ملامح تطرف قرننا الذي يوشك على الانتهاء؟ لنأمل، وننتظر.

 

محمد الرميحي

أعلى الصفحة | الصفحة الرئيسية
اعلانات