مربع الظلام

 مربع الظلام

إلى بديع الزمان الهمذاني. ويروى أنه كان قد دخل في غيبوبة طويلة، فظن أهله أنه قد مات فقاموا بدفنه، وحين استيقظ من غيبوبته، وهو في القبر، مزق كفنه، قبل أن يومت من جديد.

جلستُ في مربّعِ الظلام وحدي
منتظرا من النهار أن يجيء كاشفا سريرتي
وكنت قد أودعتُ في التراب وردةً
ولذت هارباً إلى الجبالِ
تاركاً على الثرى ما يشبه الجسدْ
وقلت ربما أعود في غدٍ
وقد أكون جائعاً
فآكل التي في فمها دمُ الحياةْ
وقد أكونُ عارياً
فأكتسي بما يكون قد نما من الأوراقِ
فوق جسمها النحيلْ
وحينما رجعتُ
قلتُ أسترد كنزي الدفينَ من غياهبِ الترابْ
أخذتُ معولاً
وشمعةً هزيلةً
وسرتُ حاملاً خطايَ خائفاً
كمن يعود بعد الموتِ نحو بيتهِ
وقفت لحظة كالمستريب
لا أرى معالمَ الطريقْ
وكان للمكانِ رهبة
وفي الخلاءِ ذئبة
وجدتها هناك لا تنامْ
عينان في الظلام تتبعان خطوتي
وللظلال قفزة الحصان في المضيقْ
ولم أجد على الترابِ
غير ثلةٍ من النمالِ
سرتُ خلفها
حتى بلغت تلةً بعيدةْ
ضربتُ فوق صخرها
بفأسي القديم ضربتينْ
فانشق تحت الفأسِ
شيء يشبه الكفنْ
وقام من ضريحه
فتىً
كما تقوم زهرة من الصقيعْ
سألته:
يا أيها الفتى
المكفّن
البديعْ
أتيتُ من غياهب الزمانِ
أسترد منك وردتي
وأسألكْ:
نعيش هذه الحياة مرةً وحيدةً
لكي نموتَ بعدها إلى الأبدْ
أم أننا نموت هذه الحياة مرة وحيدةً
لكي نعيش بعدها إلى الأبدْ؟

وقبل أن يجيبني عن السؤال
ضمني إليه باكياً وضاحكا
وكان هذا آخر اللقاءِ بيننا

 

محمد علي شمس الدين