مستقبل السلطة في عالمنا العربي .. هل يتم تداولها؟

 مستقبل السلطة في عالمنا العربي .. هل يتم تداولها؟

هذا هو السؤال الذي يطرحه الواقع السياسي العربي علينا،
لعل الإجابة عنه تخرجنا من وهدة التخلف؟
لاتزال عملية تداول السلطة الحلقة المفقودة في جدران التجربة السياسية للبلدان العربية, وهو ما يضعها في ركب التخلف السياسي بالنسبة لدول كانت, ومنذ سنوات عدة, في ذيل قائمة الدول المتخلفة مثل كثير من البلاد الإفريقية.

ومما لا جدال فيه, أن ما ساعد على تكريس واستمرار هذا الوضع في العالم العربي الخبرة التاريخية والواقع السلطوي العربي المعيش, إذ إنه مع انتصار معاوية والقوى المساندة له في الصراع على السلطة مع آخر الخلفاء علي بن أبي طالب, ثم قيامه بتدبير وإحكام البيعة لابنه يزيد من بعده, وهو الأمر الذي نجم عنه تحوّل نظام الخلافة إلى نظام ملكي وراثي لا دور للإرادة الشعبية فيه, وقد كان من نتيجة ذلك أن انتفى مبدأ الفصل بين السلطات, إذ أصبحت السلطتان التشريعية والقضائية تابعتين أو مدمجتين في السلطة التنفيذية التي يمارسها الحاكم, وعلى هذا الأساس, نظر إلى موضوع تداول السلطة على أنه من الأمور المستبعدة في الذهن العربي, حيث حل محلها القبول بواقع السلطة المطلقة وشبه المطلقة للحاكم وعبر طيلة تلك الفترة التاريخية وبغض النظر عن الأسرة الحاكمة سواء كانت أموية أو عباسية أو عثمانية, أصبح المصير العربي بأكمله مرتبطاً بشخصية الزعيم الفرد, فإن كان صالحاً شهدت الدولة العربية رحلة إصلاح وتجديد, أما إذا كان فاسداً انغمست هذه البلدان في واقع من الانكسار والهزيمة, ومن هنا فقد كان من الطبيعي أن تصبح صورة البطل المنقذ عالقة في أذهان الجماهير العربية وحلماً يراود خيالها دائماً في التخلـص من النظـام الداخلـي أو العدوان الخارجي.

وقد شهد التاريخ العربي منذ الوهلة الأولى للصراع على السلطة بين علي ومعاوية ظهور حركات سياسية, دينية مناوئة للحجر على حق الأمة في اختيار حاكمها, ومن ثم التداول الحر للسلطة, وأبرزها حركة الخوارج التي عارضت كلا من علي ومعاوية, وطالبتهما بالتنحي عن السلطة, وتمسكت بمبادئ الاختيار المباشر للحاكم, وخضوع السلطة السياسية للإرادة الشعبية, وهو الأمر الذي دفعها إلى تنفيذ مبادئها بالقوة من خلال تدبير محاولات لقتل كل من علي ومعاوية وعمرو بن العاص, وإن كانت لم تفلح إلا في قتل علي بن أبي طالب, وهي الحركة التي تنبع أهميتها في التاريخ العربي من كونها تمثل رافداً فكرياً مهماً لكثير من الحركات السياسية الدينية التي ظهرت لاحقاً عليها في فترات مختلفة وحتى يومنا هذا في تحدي السلطة القائمة ومحاولة تغييرها بالقوة.

التراث القمعي

ومع هذا, فقد اتسم التراث السياسي العربي بالسلبية الشديدة تجاه قضية تداول السلطة, حيث يعتبر تراثاً قمعياً لا يقر للقانون سيادة, ولا يعرف للحكومة حرمة, إذ إنه رغم تخويله في البداية بعض الصلاحيات والحقوق للمواطن في سحب ولائه للحكام الطغاة الذين استولوا على السلطة بأساليب غير شرعية أو غير الملتـزمين بتطبيق قواعد الدين, إلا أنه سرعان ما ركز بعد ذلك ببيان حقوق الحاكم دون أن يعير اهتماماً يذكر لحقوق المواطن وحرياته, فأصبح هذا التراث متخماً بمبادئ طاعة السلطة, أيّا كانت صورتها أو أسلوب ممارستها, كما أصبح دوره منحصراً في تبرير سياسات الأمر الواقع المتبعة من جانب الحاكم عبر العصور التاريخية المختلفة, وذلك تحت ستار حماية الدين تارة, أو حماية الدولة وتأمينها ضد أعدائها من الداخل ومن الخارج تارة أخرى, ومن هنا, فقد كان من الطبيعي أن تترسّخ في الذهن العربي مقولات تعمّق من الاستبداد السياسي للحاكم, وتحول دون قيام المواطن بدوره الإيجابي في تجديد البناء السياسي الاجتماعي للمجتمع العربي, ولعل من بين أكثر هذه المقولات شيوعاً مقولة (حكم ستين عاماً في ظل حاكم ظالم أفضل من حكم الرعية لنفسها ليلة واحدة), وبطبيعة الحال, فقد كان هذا التراث مدعاة للرضا والسرور, بل والدعم, من جانب أنظمة الحكم العربية, حيث نشأ ما يمكن أن نطلق عليه مجمع المصالح السياسي - الديني ما بين رجال السلطة من ناحية, وعلماء الدين الموالين لها من ناحية أخرى, إذ أصبح علماء الدين محل عناية وعطاء من جانب رجال السلطة, حتى أن كثيراً من علماء الدين في مصر, مثلاً, تحوّلوا إلى سادة إقطاعيين في الفترة السابقة على الحملة الفرنسية, وهو الأمر الذي وصفه بجلاء المؤرخ الكبير الجبرتي بقوله (إنهم يأخذون الهدايا من أصحابها ومن فلاحيهم تحت حمايتهم في نظير صياغتها, وأكثروا من شراء الحصص من أصحابها المحتاجين دون القيمة, وافتتنوا بالدنيا, وحجروا مذاكرة المسائل ومدارسة العلم إلا بمقدار حفظ الناموس مع ترك العمل بالكلية) وعلى الرغم مما شهدته البلدان العربية من تحوّلات جذرية سياسية, اقتصادية, اجتماعية, ثقافية, خلال القرنين التاسع عشر والعشرين, غير أن بعض الأنظمة الحاكمة حرصت على الاحتفاظ بممارستها السلطوية إن لم تكن تسعى إلى الاستزادة منها بكل الأساليب, وهو الأمر الذي وضح بجلاء منذ الوهلة الأولى لتجارب التحديث التي شهدتها بعض هذه البلدان - مثل مصر, حيث لم يشجّع محمد علي باشا اهتمام المصريين بالثقافة العامة, أو بالسياسة, حتى أنه عندما أخبره أحد المبعوثين العائدين بأنه قد تلقن الإدارة المدنية بفرنسا, فقد أجابه بقوله (إنني أنا الذي أحكم, اذهب إلى القاهرة وترجم مؤلفات العسكرية) ولذلك لم يكن غريباً أن تأتي محاولات إقامة الحكم الدستوري الديمقراطي في العديد من البلدان العربية وأبرزها مصر, في مرحلة ما قبل ثورة 1952 مشوّهة في معالمها وممارستها, مما جعلها تبوء بالفشل الذريع دون أن تجد مَن يدافع عنها من جانب غالبية أبناء الشعب, لأنها لم تنجح في بناء الإنسان المؤمن بالحرية أو بقيم الديمقراطية, ومن هنا, فقد كان من السهل على القيادات والأنظمة الحاكمة في عديد من البلدان العربية منذ أوائل الخمسينيات القضاء على مثل هذه التجارب الليبرالية دون عناء يُذكر, وأن تؤسس مكانها أنظمة سلطوية تقوم على أساس محو دولة القانون, والانفراد بالسلطة, ونفي التعددية السياسية والفكرية في ظل هيمنة تنظيم سياسي واحد يدّعي المعرفة المطلقة بالحقيقة السياسية, ويحتكرها, ولا يقبل على وجه الإطلاق أي معارضة لسياسته, وذلك وسط تأييد ودعم شعبي واضح, وقد كان من نتيجة ذلك أن تفاقمت أزمة الديمقراطية في العالم العربي, فأصبحت مبادئ الحقوق السياسية للمواطن, ومنها حق الانتخاب وإبداء الرأي مجرد مبادئ شكلية لم تحظ بالتقدير سواء من جانب الأنظمة الحاكمة أو مختلف طبقات الشعب, كما تحوّلت الانتخابات والاستفتاءات إلى حفلات لتدعيم الحكم.

تكريس سلطة الدولة

وقد توافرت مجموعة من العوامل الداخلية والخارجية لتكريس واقع الدولة السلطوية والحيلولة دون نموّ البناء الديمقراطي في عالمنا العربي, وهي: أولاً العوامل الداخلية ذات الصلة بالواقع السياسي والاقتصادي والثقافي العربي وأهمها:

1- ظهور العديد من الزعامات السياسية التي تمتعت بتأييد جماهيري واسع مثل عبدالناصر, الحسين, مما أدى إلى إطالة عمر النظام, وذلك إما بفضل دور تلك الزعامات في تحقيق الاستقلال للدولة أو بفضل ما أدخلته من إصلاحات اقتصادية واجتماعية لصالح الطبقات الأكثر فقراً في المجتمع, وقد كان من نتيجة ذلك غض الطرف عن ممارسات هذه الزعامات (خصوصاً من قبل السياسيين, ومن بينهم فئات المثقفين الداعين إلى ديمقراطية النظام), وهو ما ساهم في خلق تراث سياسي قمعي استندت إليه القيادات اللاحقة لهذه الزعامات, مما حال دون النموّ الطبيعي لمؤسسات المجتمع المدني التي تعتبر الركيزة الجوهرية لأي بناء ديمقراطي.

2- ظهور ما تم تسميته بالحقبة النفطية, إذ أدت الطفرة الهائلة في أسعار النفط في أعقاب حرب أكتوبر إلى تمكين بعض الدول مثل العراق, ليبيا, الجزائر, من تدعيم شرعيتها الداخلية, وذلك من خلال قدرتها على إشباع كثير من الحاجات الاقتصادية والاجتماعية لدى السكان, مما جعل الإحساس بعجز الدولة عن الوفاء بمسئولياتها ليس شديداً من قبل الفئات الاجتماعية, ومن ثم التغطية على إجراءات وممارسات الدولة القمعية, أو بمعنى أدق وأوضح صرف أنظار غالبية السكان عن التفكير أو المطالبة بحقوقها السياسية في ممارسة السلطة, أو المطالبة بتقييد سلطات الحاكم, ولم يقتصر تأثير الطفرة النفطية الإيجابي على الدول الخليجية, وإنما شمل أيضاً بعض الدول غير الغنية بالنفط مثل مصر وسوريا, بفضل ما تمخّض عن هذه الطفرة النفطية من فرص عمل لأبناء هاتين الدولتين, وهو الأمر الذي ساعد على التخفيف من وطأة أزمة البطالة, والخلل في ميزان المدفوعات.

3- النمط السلطوي للثقافة السياسية العربية, وذلك بفضل ما تتسم به هذه الثقافات من قيم السلبية, الخضوع, الطاعة, التأليه للسلطة القائمة, وهي القيم التي ساهمت في صنعها ظروف تاريخية, اقتصادية, اجتماعية وثقافية عدة, وعلى الرغم مما طرأ من تقدم في وسائل الاتصال والإعلام غير أن الأنظمة الحاكمة سعت بشتى الوسائل إلى تدعيم هذه المنظومة السلبية من القيم السياسية لدى مواطنيها عبر أجهزتها الإعلامية وأدواتها الأمنية, وبخاصة البوليسية منها لتعميق قيم الولاء للسلطة.

4- غياب الطبقة المتوسطة المؤثرة في المجتمع العربي, أدى في مصر - على سبيل المثال - في الفترة السابقة على عام 1952 إلى تسهيل مهمة القيادة الجديدة في عام 1952 في القضاء على التجربة الليبرالية دون عناء يُذكر وذلك بالنظر إلى أن هيكل توزيع الدخل في تلك الفترة كان يتسم بالخلل الشديد ما بين فئة محدودة للغاية تتمتع بالثراء الفاحش, وغالبية تعيش في فقر مدقع, كما لم تؤد برامج التنمية والتحديث في كثير من البلدان العربية إلى تصحيح ذي شأن في هذا الهيكل الخاص بتوزيع الدخل, حيث لاتزال كثير من هذه البلدان مثل مصر, الأردن, الجزائر, المغرب, السودان, بل وبعض دول الخليج ذاتها مثل البحرين تواجه العديد من الأزمات التنمـوية نظراً لفشل هذه البرامج والإجراءات التنموية في تحقيق أهدافها المرجوّة, حيث تصل نسبة الفئات المهمّشة اقتصادياً في بعض البلدان إلى أكثر من 60%, وقد كان من نتيجة ذلك أن أصبحت غالبية الفئات الاجتماعية منهمكة في تلبية احتياجاتها اليومية الحياتية, ومن ثم الخروج عن المشاركة الإيجابية في العملية السياسية, وهو الأمر الذي سمح للأنظمة الحاكمة بترتيب الأجندة السياسية لمجتمعاتها دون عناء شديد.

5- وأخيراً وليس آخراً, فشل الأحزاب المعارضة في البلدان التي تسمح بوجودها في تطوير آليات الممارسة الديمقراطية بداخلها, حيث لم تشهد هذه الأحزاب في مصر, على سبيل المثال, تداولاً في السلطة على رئاستها, وهو ما أفقد دعواها المحدودة بطبيعتها لتداول السلطة لمصداقيتها لدى رجل الشارع, هذا فضلاً عن أن هذه الأحزاب لم تفلح إلى حد كبير في تأكيد وجودها السياسي في الشارع المصري, وما ينطبق على مصر ينطبق في الواقع على غيرها من الدول العربية, وإن كان بدرجات متفاوتة وبخاصة في السودان والجزائر.

صراعات إقليمية ودولية

ثانياً: العوامل الخارجية ذات الصلة بالقطاعين الإقليمي والدولي:

1- الصراع العربي/الإسرائيلي: يعتبر هذا الصراع من بين أهم الأسباب التي حالت دون التطوّر الديمقراطي في العالم العربي, حيث استندت إليه الأنظمة الحاكمة في تبرير ممارستها غير الديمقراطية تحت ستار التصدي للعدوان الإسرائيلي, وأنه لا صوت يعلو فوق صوت المعركة, فتجاهلت هذه القيادات أن الوسيلة الأنسب لمواجهة هذا الصراع تتمثل في بناء مجتمع ديمقراطي حر يتم في إطاره احترام حرية الشخص وحقوقه وكرامته, باعتبار أن المجتمع الممتهنة كرامته لا يمكن له أن ينتصر في أي صراع, وبالتالي فإن تسوية هذا الصراع ستؤدي حال تحقيقها إلى زلزلة واحد من أهم أسس الشرعية لكثير من الأنظمة الحاكمة العربية.

2- التنافس الدولي والمصالح المتشابكة بين الأطراف الإقليمية والدولية في إطار حقبة الحرب الباردة, وسعي كل من القوتين العظميين إلى تعزيز موقعها في الشرق الأوسط, فقد أضحت مسائل الديمقراطية وتداول السلطة لا تشغل مكانة ذات شأن لدى صانع السياسة الأمريكية أو الأوربية تجاه منطقة الشرق الأوسط, بل إن الولايات المتحدة, وحلفاءها الغربيين سعوا إلى تدعيم الأنظمة القائمة باعتبارها الأنظمة المحققة لمصالحها, ولذا, فإنه على الرغم من انتهاء الحرب الباردة وانتشار الموجة الديمقراطية في كثير من أجزاء القارتين الإفريقية والآسيوية وغيرهما, واستخدام الدول الغربية لوسائل نفوذها السياسي والاقتصادي في هاتين المنطقتين للتعجيل بالاتجاه نحو الديمقراطية, إلا أنها لم تثر هذه القضية في علاقاتها مع الدول العربية لاعتبارات مصلحية سياسية واقتصادية عدة سواء كانت تتعلق بالتخوّف من نتائج تحقيق الديمقراطية ذاتها,أو بالحاجة إلى الأنظمة القائمة لدعم وتحقيق عملية السلام.

آفاق المستقبل

لاشك في أن ما تسعى إليه كثير من الأنظمة العربية القائمة من إقامة تعددية سياسية مقيّدة استجابة لضغوط المؤسسات الدولية ورغبة منها في تحسين صورتها أمام الرأي العام العالمي, وفي احتواء المطالب الاجتماعية المتزايدة بشأن تقييد سلطتها وتدعيم البناء الديمقراطي للمجتمع, يعتبر من قبيل العبث السياسي الذي لن يكون مناسباً, ونحن على أبواب القرن الواحد والعشرين, إذ إنه مع ضعف القاعدة الاجتماعية للعديد من هذه الأنظمة لدى رجل الشارع العربي بسبب إخفاقها الذريع سواء على صعيد إدارة الأزمات التنموية الداخلية الاقتصادية والاجتماعية, أو على صعيد إدارة الصراع العربي/الإسرائيلي, أو بسبب ما نجم عن تمتّعها بالسلطة المطلقة طيلة الفترة التاريخية السابقة من كوارث سياسية وعسكرية للعالم العربي مثل حرب الخليج الأولى, فإن السنوات المقبلة من المتوقع أن تشهد تحوّلات إيجابية في طريق التداول السلمي للسلطة, نظراً لعدم وجود بديل آخر سوى فتح الطريق أمام مزيد من العنف السياسي, وإن لم يكن بالضرورة على غرار ما حدث في الجزائر, وهو ما قد لا يسمح به النظام الدولي استناداً إلى اعتبارات عدة سواء كان بعضها يتعلق بالمصالح المتغيرة للدول الكبرى ذاتها في منطقة الشرق الأوسط, والتي قد تدفعها مستقبلاً إلى تأييد التغيير السياسي في المنطقة, أو يتعلق بعضها بالاتجاه المتنامي والضاغط, وإن كان ببطء, في اتجاه الإصلاح السياسي.

 

منى مكرم عبيد