المسلمون في مملكة القدس

المسلمون في مملكة القدس

من المعروف أن التاريخ لا يعيد نفسه, لكن الأحداث والظروف تتشابه في بعض الأحيان, من ذلك ما يحدث الآن لمسلمي القدس وفلسطين الواقعين تحت براثن العدو الصهيوني الغادر. والذي يتشابه مع ما تعرضوا له من ظلم وإجحاف خلال الاحتلال الصليبي للقدس والمدن الفلسطينية الأخرى.

تعرض الشرق العربي الإسلامي لإحدى أهم الظواهر التاريخية في العصور الوسطى, وهي ظاهرة الحركة الصليبية. والحقيقة أن الحركة الصليبية كأي ظاهرة تاريخية أخرى, كان لها العديد من المقدمات والكثير من النتائج, واشتبكت كل الأسباب السياسية والاجتماعية والدينية والاقتصادية لتساهم في بعث الفكرة الصليبية ومحاولة استرداد الضريح المقدس للرب المسيح, كما طالب بذلك البابا أربان الثاني Urban II في مجمع كلير مونت Clermont بجنوب فرنسا في السابع والعشرين من نوفمبر 1095م.

ويمكن القول إن الحركة الصليبية كانت حركة استعمارية تهدف إلى الاستيلاء على أراضي المسلمين في الشام ومصر, ولم يكن كل من اشترك في الحملات الصليبية من المسيحيين المتدينين, المعتنقين لفكرة الحرب الدينية, بل كان الصليبيون عبارة عن جماعات وأشتات جمعتهم جميعاً الأطماع الدنيوية, والحصول على إقطاعيات زراعية في أرض (اللبن والعسل).

وعلى الصعيد العربي الإسلامي, وجد المسلمون أنفسهم ـ ولأول مرة منذ حركة الفتوحات الإسلامية ـ في وضع دفاعي محض, فها هو العدو قد جاء من الغرب الأوربي, مخترقاً وسط وشرق أوربا, عابراً إلى قارة آسيا, ومصطدما مع أكبر القوى العسكرية الإسلامية آنذاك وهم الأتراك السلاجقة, حيث نجح الصليبيون في إحراز النصر على الآلة العسكرية السلجوقية في العام 1097م, وبعدها انفتح أمامهم طريق إلى آسيا الصغرى ـ الشام ـ حيث نجحوا في الاستيلاء على الرها 1097م, ثم على إنطاكية 1098م وبعد ذلك وصلوا إلى مبتغاهم, مدينة القدس, حيث قاموا بالاستيلاء عليها في العام 1099, وقاموا لدى اقتحامهم المدينة بمذبحة رهيبة راح ضحيتها جميع سكان القدس المسلمين والمسيحيين, وقام الصليبيون بعد ذلك بإعلان قيام مملكة القدس الصليبية, التي ضمت إلى جوار مدينة القدس كلا من يافا, اللد, الرملة, بيت لحم والخليل.

وإذا كان سكان مدينة القدس قد تمت إبادتهم تماماً فإن معظم الفلاحين المسلمين من سكان الريف المجاور للمدينة فضلوا الهرب من وحشية الصليبيين, الذين نجحوا في الإمساك بالعديد من الرجال والنساء المسلمين, وقاموا باسترقاقهم وبيعهم في الأسواق.

وبعد استتباب الأمور للصليبيين بالقدس, بدأ الملوك الصليبيون في توجيه النداءات للفلاحين المسلمين من أجل العودة للعمل في الإقطاعات الزراعية التي قام الصليبيون بالاستيلاء عليها من أصحابها. وبعد وقت طويل, حينما هدأت ثورة العداوة الأولى بين الطرفين, بدأ بعض الفلاحين المسلمين في العودة والعمل في الأراضي الزراعية, حيث قام الصليبيون باستمالتهم من أجل القيام بزراعة المحاصيل الزراعية المختلفة, وذلك بسبب عاملين في غاية الأهمية, الأول أن الصليبي القادم من أقصى غرب القارة الأوربية, لم يقع في حسبانه ـ بالتأكيد ـ أنه سوف يتكبد مشاق الطريق, والمعارك المتعددة, لكي يقوم بزراعة الأرض بنفسه, والعامل الآخر هو ضرورة إيجاد محاصيل زراعية لمد السكان الصليبيين بغذائهم, وكذلك المساهمة في بناء الاقتصاد الصليبي إلى جوار العمليات التجارية التي قامت على كاهل التجار الإيطاليين في الموانيء الصليبية الجديدة.

الفلاحون في مجتمع جديد
قام الصليبيون بتأسيس مجتمع جديد بمملكة القدس, تكون من طبقة النبلاء والفرسان المحاربين, وطبقة رجال الدين, وطبقة التجار البورجوازيين. وجاء السكان المسلمون في نهاية السلم الاجتماعي. وعانوا كثيراً من ربقة الأسر والعبودية, فعمل الرجال والنساء خدما وعبيدا في منازل العديد من الصليبيين, أو عملوا فلاحين في مزارع الإقطاعيين الصليبيين الكبار, ولم يستثن من ذلك إلا ما ندر, من ذلك بعض حالات الصداقة النادرة التي جرت بين الصليبيين والمسلمين, من ذلك احترام وتوقير الصليبيين للفارس المسلم أسامة بن منقذ, الذي تكونت بينه وبين بعض فرسان الصليبيين صداقة عميقة, وسمحوا له بزيارة القدس, كما سمحوا له أيضاً بالصلاة بجوار المسجد الأقصى, الذي قاموا بتحويله إلى كنيسة, غير أنه لم يسلم من مضايقة أحد الفرسان الصليبيين حديثي العهد بالمجيء إلى مملكة القدس.

وعلى الرغم من أن المجتمع الصليبي في مملكة القدس كان حضرياً بشكل أساسي, فقد كان من الواضح صعوبة استتباب الأمر للاحتلال الصليبي من دون ضم الريف تحت سيطرة النظام الإداري الاستعماري الجديد, ولهذا بدأ الصليبيون أولى خطواتهم في الريف بتشجيع الفرسان العلمانيين ورجال الكنيسة على إنشاء مستوطنات قروية صغيرة, أو إعادة إعمار القرى التي تركها أصحابها المسلمون, ودعوة الفلاحين المسلمين للعمل في الحقول.

ومنذ البدايات الأولى لتأسيس القرى الصليبية, لم تستطع الجهود الاستعمارية للصليبيين تغيير التركيب العرقي للفلاحين, حيث ظل الفلاحون المسلمون يمثلون أغلبية سكان القرى الذين حملوا اسمين هما: القرويون Villani التي تعني السكان المسلمين والصليبيين من طبقات اجتماعية منخفضة, بالإضافة إلى الفلاحين المسيحيين الأرمن, وكان الاسم الثاني هو Rustici, التي كانت تعني الفلاحين المسلمين فقط, على أن القرى حول القدس احتفظت داخلها أيضاً بأعداد من الفلاحين الصليبيين الذين جرت معاملتهم اجتماعياً وقانونياً على أساس أنهم بورجوازيون يتركزون في سكنهم في منازل حول قلعة القرية, وفي مرتبة أعلى من الفلاحين المسلمين.

ولابد أن عدد الفلاحين الصليبيين كان قليلاً مقارنة بأعداد الفلاحين المسلمين, لسبب بديهي هو أن الصليبيين لم يحضروا من أقصى الغرب الأوربي للعمل كفلاحين في أراضي الشام. بل لامتلاك إقطاعات كبيرة.

وكان جميع السكان المسلمين في القرى التابعة لمدينة القدس يعملون في الحقول الزراعية التابعة للسادة الصليبيين الإقطاعيين ملاك القرى والأراضي الذين لم يسكنوا في تلك القرى, بل عاشوا في قصور ومنازل بالقدس, فلم يكن الملاك الصليبيون يشعرون بالحاجة إلى الذهاب نحو قراهم إلا في مواسم الحصاد, عندما يحصلون على ثلث المحصول, بالإضافة إلى ضرورة دفع الفلاحين المسلمين ضرائب إضافية لهم ثلاث مرات سنويا.

كما خضع الفلاحون المسلمون في المسائل القانونية للمحكمة الإقطاعية التابعة للسيد الإقطاعي. ويمكن اعتبار المحاكم الإقطاعية بمنزلة الوعاء القانوني الذي تمكن من خلاله السادة الإقطاعيون من حفظ النظام في قراهم, والتي قامت بالفصل في المنازعات التي نشبت بين السيد الإقطاعي الصليبي والفلاحين المسلمين, أو بين الفلاحين المسلمين والفلاحين المسيحيين.

ونتيجة لعدم وجود السادة الإقطاعيين الصليبيين في قرى القدس, كان لابد لهم من إيجاد وكلاء ينوبون عنهم في التعامل مع الفلاحين المسلمين. ودائما ما كانوا يختارونه من زعماء القرى للقيام بهذه المهمة, وكان يلقب الواحد منهم بلقب (الريس) Rays.

كان (الريس) في كل قرية من قرى القدس يتمتع بسلطات واسعة على الفلاحين المسلمين والمسيحيين بوصفه ممثلا للسيد الإقطاعي, ووسيطا بينهم وبينه. وذكر الرحالة ابن جبير أنه نزل على إحدى قرى عكا, وشاهد الريس (الناظر) المسلم عليها, والمعين من قبل الصليبيين.

وبشكل عام, كان ريس الفلاحين المسلمين يقوم بمهمة العمدة في قرى القدس تحت الاحتلال الصليبي. كما كان دوره يتمثل في حماية محاصيل الفلاحين, وتقديم نسبة ثلث المحصول, بالإضافة إلى إيرادات احتكار الطاحونة والفرن للسيد الإقطاعي الصليبي, فضلاً عن الإشراف على جميع الضرائب التي يفرضها الصليبيون على الفلاحين المسلمين, كما كان يقود الفلاحين في زراعة الحقول. حيث تم تكليفه الإشراف على العملية الزراعية في القرية. وفي بعض الأحيان كان (الريس) المسلم يتولى تمثيل السيد الإقطاعي في عدة قرى. إلا أن ذلك لم يكن يمثل قاعدة عامة.

ونظراً للتميز الإداري والاجتماعي للريس, كان لابد له من الحصول على نصيب أكبر من نصيب أي فلاح آخر من الأراضي الزراعية بالإضافة إلى منزل واسع ملائم لواجباته الاجتماعية, كما امتلك معظم رؤساء القرى العديد من مزارع الزيتون والكروم.

وبالإضافة إلى (الريس) المسلم, كان هناك (المترجم) الذي كان مسيحياً شرقياً في الغالب, ثم (الكاتب), وبهذا تكتمل أضلاع المثلث الإداري الصليبي للقرى المحيطة بالقدس.

ونتيجة للنظام الإقطاعي الذي فرضه الصليبيون, لم يكن الفلاحون المسلمون, أو حتى الفلاحون المسيحيون الشرقيون, أحراراً, فلم يستطع أي منهم أن يمتلك أي شيء, وبالتالي لم يستطيعوا التصرف في الأراضي الزراعية التي عملوا فيها سواء بالبيع أو بالمنح أو حتى بتوريث العمل بها, وبدلاً من ذلك كان الفلاحون المسلمون بمنزلة مستأجرين لأراضيهم الأصلية من السيد الإقطاعي الصليبي, المالك الجديد للأرض الزراعية, الذي لم يكتف بالحصول على نصيبه من المحاصيل الزراعية, بل اعتبر الفلاحين ضمن ممتلكاته الشخصية تقريباً.

وعانى الفلاحون المسلمون بشكل عام من حالة الفقر الشديد, كما كانوا ينتقلون مع ملكية القرية من سيد إقطاعي إلى سيد آخر, ولم يكونوا يستطيعون الانتقال بإرادتهم من قرية لأخرى من أجل كسب رزقهم.

ونظراً للالتزام القوي للفلاحين المسلمين والمسيحيين الشرقيين بالعمل في أملاك السادة الإقطاعيين, لم تبرز حاجة الأخيرين لاستخدامهم في أعمال السخرة Corvee, على الرغم من وجود بعض الإشارات التي تدل على تعسف الإقطاعيين الصليبيين مع الفلاحين المسلمين والمسيحيين.

تشريعات خاصة
ولم تغفل مجموعة قوانين بيت المقدس الصليبية, التشريعات الخاصة بعلاقة السيد الإقطاعي الصليبي بفلاحيه المسلمين والمسيحيين في الريف المجاور للقدس. وكذلك في مختلف أرجاء الريف التابع للمدن الصليبية الأخرى. فإذا هرب أحد الفلاحين المسلمين من الخدمة في أرض سيده, كان ينبغي على الأخير أن يستعيده, وأن يدفع مبلغا يساوي 2 بيزانت لكل شخص ساعده في استعادة الفلاح ,كذلك إذا ما تزوج أحد الفلاحين المسلمين التابعين للسيد الإقطاعي من إحدى الفلاحات التي تتبع سيداً آخر من دون إذن سيده, كان على الأخير أن يمنح السيد الإقطاعي للزوجة فلاحة أخرى من عبيده من نفس السن, بدلا عن الزوجة التي تزوجها فلاحه المسلم. أما إذا مات الزوج, وعادت الزوجة إلى سيدها الإقطاعي الأول, فينبغي على السيد الإقطاعي للفلاح أن يستعيد الفلاحة التي كان قد أرسلها من قبل مقابل زوجة فلاحه.

هكذا كان النظام الإقطاعي الصليبي ـ الذي يقضي بأن جميع الإقطاعات الزراعية تابعـة لملك بيت المقدس ـ قائماً على عاتق الفلاحين البؤساء, الذين أجبروا, بجانب العمل اليومي في الحقول على دفع العديد من الضرائب العينية والنقدية لأسيادهم الإقطاعيين. فقاموا بتسليم ثلث المحصول بمقتضى ضريبة تسمى Carragium (ويبدو أنها تحريف لضريبة الخراج الإسلامية) بالإضافة إلى ذلك قام الفلاحون المسلمون بتقديم هدايا إجبارية للسادة الإقطاعيين الصليبيين ثلا ث مرات سنوياً. في الكريسماس, وفي بداية الصوم الكبير, وفي عيد الفصح.

وعندما كان يتم جلب الحبوب من الحقول إلى أجران الدرس, كان يجري تقسيمها إلى أكوام حسب نصيب السيد الإقطاعي والفلاحين المسلمين والمسيحيين, أما إذا كانت القرية تنتمي إلى أكثر من إقطاع واحد, فإن أكوام الحبوب تقسم بين ملاك هذه الإقطاعات والفلاحين.

وقام الإقطاعيون الصليبيون بفرض ضرائب أخرى على الفلاحين المسلمين والمسيحيين مثل ضريبة Mensuragium في مقابل حق الانتفاع باستخدام الموازين والمقاييس في تعاملاتهم التجارية, بالإضافة إلى فرض ضرائب على الدواجن والمواشي, وبشكل خاص على الماعز, وبلغت الضريبة كاروبل Carouble واحدا على كل رأس حسب العملة الصليبية, كما كانت هناك ضريبة خفيفة على تربية النحل.

وعلى حين دفع الفلاحون المسيحيون الشرقيون ضريبة العشر للكنيسة, قام الفلاحون المسلمون بدفع ضريبة الرأس عنهم وعن أبنائهم بالإضافة إلى الضرائب المشتركة مع الفلاحين الآخرين, مقابل ما يقوم السيد الإقطاعي باحتكاره في القرية كالطاحونة والفرن وغيرهما.

دورات زراعية
ويجب ألا نغفل أن الصليبيين قد جاءوا إلى منطقة تمرس شعبها بالزراعة منذ آلاف السنين, الأمر الذي لابد أنه أفرز تأثرا صليبيا بأساليب زراعة الفلاحين المسلمين في بلاد الشام, من ذلك اتباعهم دورة زراعية تعتمد على نظام الحقلين. فكان الفلاح يقوم بتقسيم أراضيه الزراعية إلى قسمين, يزرع القسم الأول ويتعهد القسم الثاني بالحرث الجيد لكي تصل الشمس إلى باطن الأرض ثم يزرعه بعد ذلك, ويريح القسم الأول بعد أن تمت زراعته أولا. ولضمان سير العملية الزراعية, كان الريس المسلم ومساعدوه يناقشون الأمور الزراعية مع كبار الفلاحين, حيث يتم تحديد الأراضي التي ستتم زراعتها حول مدينة القدس, والأخرى التي ستتم إراحتها.

وبشكل عام كانت هناك قرى يسكنها المسلمون فقط, وقرى أخرى يسكنها المسيحيون تبعا للتقسيم الديني والعرقي, بينما كان الفلاحون المسلمون يمثلون أغلبية السكان في القرى المختلفة.

اضطهاد وعبودية
وعند الحديث عن الأحوال الدينية للمسلمين في مملكة القدس الصليبية يجب أن نذكر أن المسلمين لم يمارسوا شعائرهم الدينية بحرية, فقد قام الصليبيون بتحويل المساجد الإسلامية إلى كنائس, وعلى رأسها المسجد الأقصى الذي تحول إلى كنيسة, وهناك مثال على محاولة إجبار الفارس أسامة بن منقذ على تغيير اتجاه صلاته نحو الشرق, بينما هو يصلي بجوار المسجد الأقصى.

وقام الصليبيون بتحويل الأسرى المسلمين في الحروب إلى عبيد, فإذا كانوا من الفرسان المسلمين أو من الطبقة العالية, كانوا يطلقون سراحهم مقابل فدية عالية, أو يتبادلونهم مع الأسرى الصليبيين, أما إذا كانوا من الطبقات الشعبية, كان الصليبيون يقومون بتحويلهم إلى عبيد, وبيعهم في أسواق الرقيق في المدن الصليبية.

ولدينا شهادة الرحالة المسلم ابن جبير الذي شاهد أحوال الرقيق والجواري المسلمين في أيدي الصليبيين, حيث ذكر (ومن الفجائع التي يعانيها من حل ببلادهم أسرى المسلمين يرسفون في القيود, ويصرفون في الخدمة الشاقة تصريف العبيد, والأسيرات المسلمات كذلك, في سيقانهن خلاخيل الحديد, فتنفطر لهن الأفئدة, ولا يغني الإشفاق عنهن شيئا).

كما احتفظ الملك بلدوين الأول (1100 ـ 1118م) بأحد المسلمين الذين وقعوا في الأسر, وقام باجباره على التنصر, ومنحه كامل ثقته, حتى أنه جعله حارسا على غرفة نومه. لكن ذلك الرجل حاول اغتيال الملك بلدوين, وتعرض لعقوبة الموت شنقا.

وهناك العديد من حالات تمرد السكان المسلمين على المحتلين الصليبيين, من ذلك قيام الفلاحين المسلمين الخاضعين لمملكةالقدس في وادي موسى جنوب شرقي الأردن سنة 1113م, بالاستنجاد بالمسلمين, والاستيلاء على إحدى قلاع الصليبيين هناك, لكن جيش مملكة القدس الصليبية قام بمهاجمتهم, وقام بقطع أشجار الزيتون التي كان الفلاحون المسلمون يتعيشون منها.

وفي العام 1156م, حدث تذمر كبير للفلاحين المسلمين تجاه سيدهم الإقطاعي في منطقة مجد ليابا عندما ألحق بهم الأذى وأوقع العقوبات البدنية على الفلاحين المسلمين, والتي وصلت إلى حد تقطيع الأرجل, بالإضافة إلى رفع تحصيل ضريبة الرأس إلى أربعة أمثال الضريبة. وعلى الرغم من تحمل الفلاحين المسلمين لهذا الظلم, فإن احتمالهم قد توقف عندما قام سيدهم الإقطاعي الصليبي بمنعهم من أداء صلاة الجمعة, لأنه أراد لهم أن يعملوا في الحقول الزراعية وقت الصلاة, كما اضطهد خطيب قرية جماعيل في منطقة نابلس, ونتيجة لذلك غادر السكان المسلمون منازلهم سراً في ثماني قرى, وهاجروا إلى دمشق حيث قاموا بتكوين ضاحية الصالحية.

... هكذا عانى السكان الفلسطينيون, أصحاب الأرض الحقيقيون, الأسر والعبودية, والتعذيب والتنكيل, فضلاً عن شظف العيش تحت رحمة المستعمر الصليبي في القرن الثاني عشر الميلادي. وطوال الاحتلال الصليبي للقدس الذي دام ثمانية وثمانين عاماً حتى استرداد صلاح الدين الأيوبي للمدينة (1099 ـ 1187م), مارس الصليبيون مختلف أشكال الظلم والعدوان على الفلاحين الفلسطينيين المسلمين منهم والمسيحيين, في محاولة ـ فاشلة ـ للسيطرة عليهم, وفرض سطوة الأمر الواقع.

 

حاتم الطحاوي